Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 31–40 of 176

31

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: كَبائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي نَهاكُمُ الشَّرْعُ عَنْها مِمّا ذُكِرَ هَهُنا ومالَمْ يُذْكَرْ، وقُرِئَ "كَبِيرَ" عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وقُرِئَ بِالياءِ بِالإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى والتَّكْفِيرُ: إماطَةُ المُسْتَحَقِّ مِنَ العِقابِ بِثَوابٍ أزْيَدَ أوْ بِتَوْبَةٍ، أيْ: نَغْفِرْ لَكم.

﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ صَغائِرَكم ونَمْحُها عَنْكُمْ، قالَ المُفَسِّرُونَ: الصَّلاةُ إلى الصَّلاةِ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ مِنَ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ، واخْتُلِفَ في الكَبائِرِ والأقْرَبُ أنَّ الكَبِيرَةَ كُلُّ ذَنْبٍ رَتَّبَ الشّارِعُ عَلَيْهِ الحَدَّ أوْ صَرَّحَ بِالوَعِيدِ، وقِيلَ: ما عُلِمَ حُرْمَتُهُ بِقاطِعٍ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "أنَّها سَبْعٌ الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى وقَذْفُ المُحْصَناتِ وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ والرِّبا والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ"،» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّعَقُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَكانَ عُقُوقِ الوالِدَيْنِ، وزادَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما السحر واسْتِحْلالَ البَيْتِ الحَرامِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَجُلًَا قالَ لَهُ: الكَبائِرُ سَبْعٌ؛ قالَ: هي إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعٍ، ورُوِيَ عَنْهُ إلى سَبْعِينَ إذْ لا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ أنْواعُ الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقِيلَ: صِغَرُ الذُّنُوبِ وكِبَرُها بِالإضافَةِ إلى ما فَوْقَها وما تَحْتَها وبِحَسَبِ فاعِلِها بَلْ بِحَسَبِ الأوْقاتِ والأماكِنِ أيْضًَا، فَأكْبَرُ الكَبائِرِ الشِّرْكُ وأصْغَرُ الصَّغائِرِ حَدِيثُ النَّفْسِ وما بَيْنَهُما وسايِطُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الأمْرانِ فَمَن عَنَّ لَهُ أمْرانِ مِنها ودَعَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِما بِحَيْثُ لا يَتَمالَكُ فَكَفَّها عَنْ أكْبَرِهِما كُفِّرَ عَنْهُ ما ارْتَكَبَهُ لِما اسْتَحَقَّ عَلى اجْتِنابِ الأكْبَرِ مِنَ الثَّوابِ.

﴿وَنُدْخِلْكم مُدْخَلا﴾ بِضَمِّ المِيمِ اسْمُ مَكانٍ هو الجَنَّةُ.

﴿كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًَا مَرْضِيًَّا أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: إدْخالًَا مَعَ كَرامَةٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وهو أيْضًَا يَحْتَمِلُ المَكانَ والمَصْدَرَ ونَصْبُهُ عَلى الثّانِي بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُطاوِعٍ لِلْمَذْكُورِ، أيْ: نُدْخِلْكم فَتَدْخُلُونَ مُدْخَلًَا أوْ دُخُولًَا كَرِيمًَا كَما في قَوْلِهِ:

؎ وعَضَّةُ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ

أيْ: لَمْ تَدْعَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ إلَخْ.

32

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا

And do not wish for that by which Allah has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of what they have earned. And ask Allah of his bounty. Indeed Allah is ever, of all things, Knowing.

﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: عَلَيْكُمْ، ولَعَلَّ إيثارَ الإبْهامِ عَلَيْهِ لِلتَّفادِي عَنِ المُواجَهَةِ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، قالَ القَفّالُ: لَمّا نَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وقَتْلِ الأنْفُسِ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الطَّمَعِ في أمْوالِهِمْ وتَمَنِّيها. وقِيلَ: نَهاهم أوَّلًَا عَنِ التَّعَرُّضِ لِأمْوالِهِمْ بِالجَوارِحِ ثُمَّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها بِالقَلْبِ عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ لِتَطْهِيرِ أعْمالِهِمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ فالمَعْنى: لا تَتَمَنَّوْا ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى بَعْضَكم مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كالجاهِ والمالِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجْرِي فِيهِ التَّنافُسُ دُونَكم فَإنَّ ذَلِكَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صادِرَةٌ عَنْ تَدْبِيرٍ لائِقٍ بِأحْوالِ العِبادِ مُتَرَتِّبٍ عَلى الإحاطَةِ بِجَلائِلِ شُئُونِهِمْ ودَقائِقِها فَعَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ المُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ ولا يَتَمَنّى حَظَّ المُفَضَّلِ ولا يَحْسُدَهُ عَلَيْهِ لِما أنَّهُ مُعارَضَةٌ لِحُكْمِ القَدَرِ المُؤَسَّسِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لا لِأنَّ عَدَمَهُ خَيْرٌ لَهُ و لا لِأنَّهُ لَوْ كانَ خِلافَهُ لَكانَ مَفْسَدَةً لَهُ كَما قِيلَ؛ إذْ لا يُساعِدُهُ ما سَيَأْتِي مِنَ الأمْرِ بِالسُّؤالِ مِن فَضْلِهِ تَعالى فَإنَّهُ ناطِقٌ بِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ تَمَنِّي نَصِيبِ الغَيْرِ لا تَمَنِّي ما زادَ عَلى نَصِيبِهِ مُطْلَقًَا هَذا وقَدْ قِيلَ: لَمّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في المِيراثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، قالَتِ النِّساءُ: نَحْنُ أحْوَجُ أنْ يَكُونَ لَنا سَهْمانِ ولِلرِّجالِ سَهْمٌ واحِدٌ لِأنّا ضُعَفاءُ وهم أقْوِياءُ وأقْدَرُ عَلى طَلَبِ المَعاشِ مِنّا فَنَزَلَتْ، وهَذا هو الأنْسَبُ بِتَعْلِيلِ النَّهْىِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في جَرَيانِ التَّمَنِّي بَيْنَ فَرِيقَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ، ولَعَلَّ صِيغَةَ المُذَكَّرِ في النَّهْىِ لِما عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِالبَعْضِ والمَعْنى: لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في المِيراثِ نَصِيبٌ مُعَيَّنُ المِقْدارِ مِمّا أصابَهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِ وقَدْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاكْتِسابِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهِ اقْتِضاءِ حالِهِ لِنَصِيبِهِ بِاكْتِسابِهِ إيّاهُ تَأْكِيدًَا لِاسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما لِنَصِيبِهِ وتَقْوِيَةً لِاخْتِصاصِهِ بِهِ بِحَيْثُ لا يَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُهُ الِانْتِهاءُ عَنِ التَّمَنِّي المَذْكُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألُوُا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ وتَوْسِيطُ التَّعْلِيلِ بَيْنَهُما لِتَقْرِيرِ الِانْتِهاءِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَمَنَّوْا ما يُخْتَصُّ بِغَيْرِكم مِن نَصِيبِهِ المُكْتَسِبِ لَهُ واسْألُوُا اللَّهَ تَعالى مِن خَزائِنِ نِعَمِهِ الَّتِي لا نَفادَ لَها وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِلتَّعْمِيمِ، أيْ: واسْألُوهُ ما تُرِيدُونَ فَإنَّهُ تَعالى يُعْطِيكُمُوهُ أوْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًَا مِنَ السِّياقِ، أيْ: واسْألُوهُ مِثْلَهُ. وقِيلَ: "مِن" زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: واسْألُوهُ فَضْلَهُ، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ « "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكم مالَ أخِيهِ ولَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي اللَّهُمَّ أعْطِنِي مِثْلَهُ"،» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ﴿سَلُوُا …

33

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share. Indeed Allah is ever, over all things, a Witness.

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها و "لِكُلٍ" مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"جَعَلْنا" قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَأْكِيدِ الشُّمُولِ ودَفْعِ تَوَهُّمِ تَعَلُّقِ الجَهْلِ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ أيْ: ولِكُلِّ تَرِكَةٍ جَعَلْنا ورَثَةً مُتَفاوِتَةً في الدَّرَجَةِ يَلُونَها ويُحْرِزُونَ مِنها أنْصِباءَهم بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِمِ المَنُوطِ بِما بَيْنَهم وبَيْنَ المُوَرِّثِ مِنَ العَلاقَةِ، و "مِمّا تَرَكَ" بَيانٌ لِكُلٍّ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِما عَمِلَ فِيهِ، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَيْنَ لَفْظِ الجَلالَةِ وبَيْنَ صِفَتِهِ بِالعامِلِ فِيما أُضِيفَ إلَيْهِ أعْنِي غَيْرَ أوْ ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم مَوالِيَ، أيْ: وُرّاثًَا نَصِيبًَا مُعَيَّنًَا مُغايِرًَا لِنَصِيبِ قَوْمٍ آخَرِينَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ عَلى أنَّ ﴿جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ صِفَةُ "لِكُلٍ" والضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ والكَلامَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: "لِكُلِّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ إنْسانًَا مِن رِزْقِ اللَّهِ" أيْ: حَظٌّ مِنهُ، وأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المَعْنى لِكُلِّ أحَدٍ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ أيْ: وُرّاثًَا مِنهُ عَلى أنَّ مِن صِلَةُ مَوالِيَ لِأنَّهُ في مَعْنى الوارِثِ و في "تَرَكَ" ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ عائِدٌ إلى "كُلٍّ"، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُفَسِّرٌ لِلْمَوالِي كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هُمْ؟ فَقِيلَ: الوالِدانِ إلَخْ، فَفِيهِ تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ بِبَيانِ المَوالِي بِما ذُكِرَ يَفُوتُ الإبْهامُ المُصَحِّحُ لِاعْتِبارِ التَّفاوُتِ بَيْنَهم وبِهِ يَتَحَقَّقُ الِانْتِظامُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في تَقْرِيرِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَعَ ما فِيهِ مِن خُرُوجِ الأوْلادِ مِنَ المَوالِي إذْ لا يَتَناوَلُهُمُ الأقْرَبُونَ كَما لا يَتَناوَلُ الوالِدَيْنِ.

﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ هم مَوالِي المُوالاةِ؛ كانَ الحَلِيفُ يُوَرَّثُ السُّدُسَ مِن مالِ حَلِيفِهِ فَنُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا أسْلَمَ رَجُلٌ عَلى يَدِ رَجُلٍ وتَعاقَدا عَلى أنْ يَرِثَهُ ويَعْقِلَ عَنْهُ صَحَّ وعَلَيْهِ عَقْلُهُ ولَهُ إرْثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ أصْلًَا، وإسْنادُ العَقْدِ إلى الأيْمانِ لِأنَّ المُعْتادَ هو المُماسَحَةُ بِها عِنْدَ العَقْدِ والمَعْنى: عَقَدَتْ أيْمانُكم عُهُودَهم فَحَذَفَ العُهُودَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقُرِئَ "عَقَّدَتْ" بِالتَّشْدِيدِ وعاقَدَتْ بِمَعْنى عاقَدَتْهم أيْمانُكم وماسَحْتُمُوهُ وهو مُبْتَدَأٌ مُضَمَّنٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ؛ ولِذَلِكَ صُدِّرَ الخَبَرُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ بِالفاءِ أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِكَ: "زَيْدًَا فاضْرِبْهُ" أوْ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلى "الوالِدانِ والأقْرَبُونَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ إلَخْ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها ومُؤَكِّدَةٌ لَها والضَّمِيرُ لِلْمَوالِي.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإيتاءُ والمَنعُ.

﴿شَهِيدًا﴾ فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

34

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا

Men are in charge of women by [right of] what Allah has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allah would have them guard. But those [wives] from whom you fear arrogance - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them. But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allah is ever Exalted and Grand.

﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ سَبَبِ اسْتِحْقاقِ الرِّجالِ الزِّيادَةَ في المِيراثِ تَفْصِيلًَا إثْرَ بَيانِ تَفاوُتِ اسْتِحْقاقِهِمْ إجْمالًَا، وإيرادُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً والخَبَرِ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِلْإيذانِ بِعَراقَتِهِمْ في الِاتِّصافِ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ، أيْ: شَأْنُهُمُ القِيامُ عَلَيْهِنَّ بِالأمْرِ والنَّهْيِ قِيامَ الوُلاةِ عَلى الرَّعِيَّةِ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: وهْبِيٍّ وكَسْبِيٍّ فَقِيلَ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"قَوّامُونَ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن ضَمِيرِهِ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ والضَّمِيرُ البارِزُ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ تَغْلِيبًَا، أيْ: قَوّامُونَ عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ تَفْضِيلِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَلَيْهِنَّ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِتَفْضِيلِهِ تَعالى إلَخْ، ووَضْعُ البَعْضِ مَوْضِعَ الضَّمِيرَيْنِ لِلْإشْعارِ بِغايَةِ ظُهُورِ الأمْرِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالمُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ أصْلًَا ولِمِثْلِ ذَلِكَ لَمْ يُصَرَّحْ بِما بِهِ التَّفْضِيلُ مِن صِفاتِ كَمالِهِ الَّتِي هي كَمالُ العَقْلِ وحُسْنُ التَّدْبِيرِ ورَزانَةُ الرَّأْيِ ومَزِيدُ القُوَّةِ في الأعْمالِ والطّاعاتِ، ولِذَلِكَ خُصُّوا بِالنُّبُوَّةِ والإمامَةِ والوِلايَةِ وإقامَةِ الشَّعائِرِ والشَّهادَةِ في جَمِيعِ القَضايا ووُجُوبِ الجِهادِ والجُمُعَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

﴿وَبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الأُولى و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها مِنَ الصِّلَةِ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أنْفَقُوا" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ أيْ: وبِسَبَبِ إنْفاقِهِمْ مِن أمْوالِهِمْ أوْ بِسَبَبِ ما أنْفَقُوهُ مِن أمْوالِهِمْ أوْ كائِنًَا مِن أمْوالِهِمْ وهو ما أنْفَقُوهُ مِنَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ، رُوِيَ «أنَّ سَعْدَ ابْنَ الرَّبِيعِ أحَدَ نُقَباءِ الأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم نَشَزَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ فَلَطَمَها فانْطَلَقَ بِها أبُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وشَكا فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِتَقْتَصَّ مِنهُ فَنَزَلَتْ؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أرَدْنا أمْرًَا وأرادَ اللَّهُ أمْرًَا والَّذِي أرادَهُ اللَّهُ خَيْرٌ.» ﴿فالصّالِحاتُ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْوالِهِنَّ وبَيانِ كَيْفِيَّةِ القِيامِ عَلَيْهِنَّ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِهِنَّ، أيْ: فالصّالِحاتُ مِنهُنَّ.

﴿قانِتاتٌ﴾ أيْ: مُطِيعاتٌ لِلَّهِ تَعالى قائِماتٌ بِحُقُوقِ الأزْواجِ.

﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أىْ لِمُوجَبِ الغَيْبِ، أيْ: لِما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُهُ في حالِ غَيْبَةِ الأزْواجِ مِنَ الفُرُوجِ والأمْوالِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "خَيْرُ النِّساءِ امْرَأةٌ إنْ نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ وإنْ أمَرْتَها أطاعَتْكَ وإذا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في مالِها ونَفْسِها"،» وتَلا الآيَةَ. وقِيلَ: لِأسْرارِهِمْ وإضافَةُ المالِ إلَيْها لِلْإشْعارِ بِأنَّ مالَهُ في حَقِّ التَّصَرُّفِ في حُكْمِ مالِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ الآيَةِ.

﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِحِفْظِهِ تَعالى إيّاهُنَّ بِالأمْرِ بِحِفْظِ الغَيْبِ والحَثِّ عَلَيْهِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّوْفِيقِ لَهُ، أوْ مَوْصُولَةٌ أيْ: بِالَّذِي حَفِظَ اللَّهُ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ مِنَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ والقِيامِ بِحِفْظِهِنَّ والذَّبِّ عَنْهُنَّ، وقُرِئَ "بِما حَفِظَ اللَّهَ" …

35

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allah will cause it between them. Indeed, Allah is ever Knowing and Acquainted [with all things].

﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الحُكّامِ وارِدٌ عَلى بِناءِ الأمْرِ عَلى التَّقْدِيرِ المَسْكُوتِ عَنْهُ أعْنِي عَدَمَ الإطاعَةِ المُؤَدِّي إلى المُخاصَمَةِ والمُرافَعَةِ إلَيْهِمْ، والشِّقاقُ المُخالَفَةُ إمّا لِأنَّ كُلًَّا مِنهُما يُرِيدُ ما يَشُقُّ عَلى الآخَرِ وإمّا لِأنَّ كُلًَّا مِنهُما في شِقٍّ، أيْ: جانِبٍ غَيْرِ شِقِّ الآخَرِ والخَوْفُ هَهُنا بِمَعْنى العِلْمِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَزْمُ بِوُجُودِ الشِّقاقِ لا يُنافِي بَعْثَ الحَكَمَيْنِ لِأنَّهُ لِرَجاءِ إزالَتِهِ لا لِتَعَرُّفِ وجُودِهِ بِالفِعْلِ. وقِيلَ: بِمَعْنى الظَّنِّ، وضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ لِلزَّوْجَيْنِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِجَرْىِ ما يَدُلُّ عَلَيْها وإضافَةُ الشِّقاقِ إلى الظَّرْفِ إمّا عَلى إجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ: [يا سارِقَ اللَّيْلَةَ] أوْ مَجْرى الفاعِلِ كَما في قَوْلِكَ: "نَهارُهُ صائِمٌ" أيْ: إنْ عَلِمْتُمْ أوْ ظَنَنْتُمْ تَأكُّدَ المُخالَفَةِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ الزَّوْجُ عَلى إزالَتِها.

﴿فابْعَثُوا﴾ أيْ: إلى الزَّوْجَيْنِ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ.

﴿حَكَمًا﴾ رَجُلًَا وسَطًَا صالِحًَا لِلْحُكُومَةِ والإصْلاحِ.

﴿مِن أهْلِهِ﴾ مِن أهْلِ الزَّوْجِ.

﴿وَحَكَمًا﴾ آخَرَ عَلى صِفَةِ الأوَّلِ.

﴿مِن أهْلِها﴾ فَإنَّ الأقارِبَ أعْرَفُ بِبَواطِنِ الأحْوالِ وأطْلَبُ لِلصَّلاحِ وهَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ فَلَوْ نُصِبا مِنَ الأجانِبِ جازَ، واخْتُلِفَ في أنَّهُما هَلْ يَلِيانِ الجَمْعَ والتَّفْرِيقَ إنْ رَأيا ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُما ذَلِكَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ. وعَنِ الحَسَنِ يَجْمَعانِ ولا يُفَرِّقانِ. وقالَ مالِكُ: لَهُما أنْ يَتَخالَعا إنْ كانَ الصَّلاحُ فِيهِ.

﴿إنْ يُرِيدا﴾ أيِ: الحَكَمانِ.

﴿إصْلاحًا﴾ أيْ: إنْ قَصَدا إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ وكانَتْ نِيَّتُهُما صَحِيحَةً وقُلُوبُهُما ناصِحَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.

﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ يُوقِعْ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ المُوافَقَةَ والأُلْفَةَ وألْقى في نُفُوسِهِما المَوَدَّةَ والرَّأْفَةَ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ عَدَمِ إرادَتِهِما الإصْلاحَ لِما ذُكِرَ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ صُدُورُهُ عَنْهُما وأنَّ الَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِهِما ويُتَوَقَّعُ صُدُورُهُ عَنْهُما هو إرادَةُ الإصْلاحِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَرْغِيبٍ لِلْحَكَمَيْنِ في الإصْلاحِ وتَحْذِيرٌ عَنِ المُساهَلَةِ كَيْلا يُنْسَبَ اخْتِلالُ الأمْرِ إلى عَدَمِ إرادَتِهِما فَـ"إنْ" الشَّرْطِيَّةُ النّاطِقَةُ بِدَوَرانِ وُجُودِ التَّوْفِيقِ عَلى وُجُودِ الإرادَةِ مُنْبِئَةٌ عَنْ دَوَرانِ عَدَمِهِ عَلى عَدَمِها. وقِيلَ: كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلْحَكَمَيْنِ أيْ: إنْ قَصَدا الإصْلاحَ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما فَتَتَّفِقُ كَلِمَتُهُما ويَحْصُلُ مَقْصُودُهُما. وقِيلَ: كِلاهُما لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ أرادا إصْلاحَ ما بَيْنَهُما مِنَ الشِّقاقِ أوْقَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما الأُلْفَةَ والوِفاقَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن أصْلَحَ نِيَّتَهُ فِيما يَتَوَخّاهُ وفَّقَهُ اللَّهُ لِمُبْتَغاهُ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ فَيَعْلَمُ كَيْفَ يَرْفَعُ الشِّقاقَ ويُوقِعُ الوِفاقَ.

36

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا

Worship Allah and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side, the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allah does not like those who are self-deluding and boastful.

﴿واعْبُدُوُا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ الوالِدَيْنِ والأقارِبِ ونَحْوِهِمْ إثْرَ بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ الأزْواجِ صُدِّرَ بِما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي هي آكَدُ الحُقُوقِ وأعْظَمُها تَنْبِيهًَا عَلى جَلالَةِ شَأْنِ حُقُوقِ الوالِدَيْنِ بِنَظْمِها في سِلْكِها كَما في سائِرِ المَواقِعِ و"شَيْئًَا" نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ، أىْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًَا مِنَ الأشْياءِ صَنَمًَا أوْ غَيْرَهُ أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًَا مِنَ الإشْراكِ جَلِيًَّا أوْ خَفِيًَّا.

﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أىْ: أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًَا. ﴿وَبِذِي القُرْبى﴾ أيْ: بِصاحِبِ القَرابَةِ مِن أخٍ أوْ عَمٍّ أوْ خالٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

﴿واليَتامى والمَساكِينِ﴾ مِنَ الأجانِبِ.

﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ أيِ: الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ. وقِيلَ: الَّذِي لَهُ مَعَ الجِوارِ قُرْبٌ واتِّصالٌ بِنَسَبٍ أوْ دِينٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ تَعْظِيمًَا لِحَقِّ الجارِ ذِي القُرْبى.

﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ أيِ: البَعِيدِ أوِ الَّذِي لا قَرابَةَ لَهُ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "الجِيرانُ ثَلاثَةٌ: فَجارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ حَقُّ الجِوارِ وحَقُّ القَرابَةِ وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقّانِ: حَقُّ الجِوارِ وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقٌّ واحِدٌ وهو حَقُّ الجِوارِ وهو الجارُ مِن أهْلِ الكِتابِ"،» وقُرِئَ "والجارِ الجُنُبِ".

﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ أيِ: الرَّفِيقِ في أمْرٍ حَسَنٍ كَتَعَلُّمٍ وتَصَرُّفٍ وصِناعَةٍ وسَفَرٍ فَإنَّهُ صَحِبَكَ وحَصَلَ بِجانِبِكَ ومِنهم مَن قَعَدَ بِجَنْبِكَ في مَسْجِدٍ أوْ مَجْلِسٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أدْنى صُحْبَةٍ التَأمَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ. وقِيلَ: هي المَرْأةُ.

﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ أوِ الضَّيْفُ.

﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا﴾ أيْ: مُتَكَبِّرًَا يَأْنَفُ عَنْ أقارِبِهِ وجِيرانِهِ وأصْحابِهِ ويَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ.

﴿فَخُورًا﴾ يَتَفاخَرُ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ.

37

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allah has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الأوَّلِ وبِفَتْحِهِما وبِضَمِّهِما، والمَوْصُولُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ﴾ أوْ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوْ رُفِعَ عَلَيْهِ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَفْعَلُونَ ويَصْنَعُونَ أحِقّاءٌ بِكُلِّ مَلامَةٍ.

﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِنَ المالِ والغِنى أوْ مِن نُعُوتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي بَيَّنَها لَهم في التَّوْراةِ، وهو أنْسَبُ بِأمْرِهِمْ لِلنّاسِ بِالبُخْلِ فَإنَّ أحْبارَهم كانُوا يَكْتُمُونَها ويَأْمُرُونَ أعْقابَهم بِكَتْمِها.

﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشْعارًَا بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ فَهو كافِرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى ومَن كانَ كافِرًَا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ عَذابٌ يُهِينُهُ كَما أهانَ النِّعْمَةَ بِالبُخْلِ والإخْفاءِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ وكانُوا يَقُولُونَ لِلْأنْصارِ بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ. وقِيلَ: في الَّذِينَ كَتَمُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها.

38

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allah nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ أيْ: لِلْفَخارِ ولِيُقالَ ما أسْخاهم وما أجْوَدَهم لا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهو عَطْفٌ عَلى "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" أوْ عَلى "الكافِرِينَ"، وإنَّما شارَكُوهم في الذَّمِّ والوَعِيدِ لِأنَّ البُخْلَ والسَّرَفَ الَّذِي هو الإنْفاقُ فِيما لا يَنْبَغِي مِن حَيْثُ أنَّهُما طَرَفا تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ سَواءٌ في القُبْحِ واسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ والذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ بِناءً عَلى إجْراءِ التَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَجْرى التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما في قَوْلِهِ:

؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ

أوْ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكُنِ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ.﴾ ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخر﴾ لِيَتَحَرَّوْا بِالإنْفاقِ مَراضِيَهُ تَعالى وثَوابَهُ وهم مُشْرِكُو مَكَّةَ المُنْفِقُونَ أمْوالَهم في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ.

﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ أيْ: فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ، وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ والمُرادُ بِهِ: إبْلِيسُ وأعْوانُهُ حَيْثُ حَمَلُوهم عَلى تِلْكَ القَبائِحِ وزَيَّنُوها لَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًَا لَهم بِأنَّ الشَّيْطانَ يُقْرَنُ بِهِمْ في النّارِ.

39

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

And what [harm would come] upon them if they believed in Allah and the Last Day and spent out of what Allah provided for them? And Allah is ever, about them, Knowing.

﴿وَماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى مَن ذُكِرَ مِنَ الطَّوائِفِ.

﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ تَعْوِيلًَا عَلى التَّفْصِيلِ السّابِقِ واكْتِفاءً بِذِكْرِ الإيمان باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْفاقُ لِابْتِغاءِ وجْهِهِ تَعالى وطَلَبِ ثَوابِهِ البَتَّةَ، أيْ: وما الَّذِي عَلَيْهِمْ أوْ وأيُّ تَبِعَةٍ ووَبالٍ عَلَيْهِمْ في الإيمان باللَّهِ والإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، وهو تَوْبِيخٌ لَهم عَلى الجَهْلِ بِمَكانِ المَنفَعَةِ والِاعْتِقادِ في الشَّيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ وتَحْرِيضٌ عَلى التَّفَكُّرِ لِطَلَبِ الجَوابِ لَعَلَّهُ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى العِلْمِ بِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ والعَوائِدِ الجَمِيلَةِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَدْعُوَّ إلى أمْرٍ لا ضَرَرَ فِيهِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ إلَيْهِ احْتِياطًَا فَكَيْفَ إذا كانَ فِيهِ مَنافِعُ لا تُحْصى، وتَقْدِيمُ الإيمانِ بِهِما لِأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ ولِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالإنْفاقِ بِدُونِهِ، وأمّا تَقْدِيمُ إنْفاقِهِمْ رِئاءَ النّاسِ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِما مَعَ كَوْنِ المُؤَخَّرِ أقْبَحَ مِنَ المُقَدَّمِ فَلِرِعايَةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ إنْفاقِهِمْ ذَلِكَ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ مِن بُخْلِهِمْ وأمْرِهِمْ لِلنّاسِ بِهِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ﴾ وبِأحْوالِهِمِ المُحَقَّقَةِ.

﴿عَلِيمًا﴾ فَهو وعِيدٌ لَهم بِالعِقابِ أوْ بِأعْمالِهِمِ المَفْرُوضَةِ فَهو بَيانٌ لِإثابَتِهِ تَعالى إيّاهم لَوْ كانُوا قَدْ آمَنُوا وأنْفَقُوا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: *

40

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Indeed, Allah does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقْلِ كالمِقْدارِ مِنَ القَدْرِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَفْعُولِ قائِمٌ مَقامَهُ سَواءً كانَ الظُّلْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ أوْ بِمَعْنى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ أيْ: لا يَنْقُصُ مِنَ الأجْرِ ويَزِيدُ في العِقابِ شَيْئًَا مِقْدارَ ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ نائِبٌ مَنابَهُ أيْ: لا يَظْلِمُ ظُلْمًَا مِقْدارَ ذَرَّةٍ وهي النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ أوْ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَباءِ في الكُوَّةِ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المُبالَغَةِ فَإنَّ قِلَّتَهُ في الثِّقَلِ أظْهَرُ مِن قِلَّةِ النَّمْلَةِ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَقالَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ ذَرَّةٌ.

﴿وَإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ أيْ: وإنْ تَكُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ حَسَنَةً أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ أوْ لِإضافَتِهِ إلى الذَّرَّةِ وحَذْفُ النُّونِ مِن غَيْرِ قِياسٍ تَشْبِيهًَا بِحُرُوفِ العِلَّةِ وتَخْفِيفًَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وقُرِئَ "حَسَنَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ.

﴿يُضاعِفْها﴾ أيْ: يُضاعِفْ ثَوابَها جَعَلَ ذَلِكَ مُضاعَفَةً لِنَفْسِ الحَسَنَةِ تَنْبِيهًَا عَلى كَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، وقُرِئَ "يُضْعِفْها" وكِلاهُما بِمَعْنىً واحِدٍ، وقُرِئَ "نُضاعِفْها" بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. عَنْ عُثْمانَ النَّهْدِيِّ أنَّهُ قالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي عَبْدَهُ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ" قالَ أبُو هُرَيْرَةَ لا؛ بَلْ سَمِعْتُهُ ﷺ يَقُولُ: "يُعْطِيهِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ" ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، والمُرادُ الكَثْرَةُ لا التَّحْدِيدُ.

﴿وَيُؤْتِ مِن لَدُنْهُ﴾ ويُعْطِ صاحِبَها مِن عِنْدِهِ عَلى نَهْجِ التَّفَضُّلِ زائِدًَا عَلى ما وعَدَهُ في مُقابَلَةِ العَمَلِ.

﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَطاءً جَزِيلًَا وإنَّما سَمّاهُ أجْرًَا لِكَوْنِهِ تابِعًَا لِلْأجْرِ مَزِيدًَا عَلَيْهِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.