Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 1–10 of 176

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء ١، ٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾، هذه السورة هي سورة النساء، وهي مدنية، والمدني عند الجمهور ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة؛ فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة؛ وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني إلى الزمن لا إلى المكان، وقد ذكر العلماء رحمهم الله ضوابط للمكي والمدني، وذكروا مميزات للمكي والمدني معروفة في علم أصول التفسير؛ من ذلك:

أن الغالب في الآيات المكية الغالب فيها القِصَر والقوة؛ قوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به، وأما الآيات المدنية فالغالب عليها السهولة وطول الآيات، وموضوعها في الأمور الفرعية؛ كالبيوع، وآداب المجالس، وآداب الاستئذان، وغير ذلك.

المكية الغالب أن النداء يكون فيها لعموم الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ لأن أكثر المخاطبين بها ليسوا بمؤمنين، والمدنية بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذا هو الغالب؛ لأن المخاطبين فيها مؤمنون كلهم أو أكثرهم.

هذه السورة سورة النساء، وسُمِّيت بهذا الاسم لذكر النساء فيها، وهي كما تعلمون مبتدئة بأصل خلقة بني آدم؛ من أين خلقوا، ثم ذكر الأرحام وما يتصل بها من المواريث وغير هذا، ثم ذكر ما يتعلق بالنكاح؛ لأن النكاح صلة بين الناس كما أن القرابة صلة بين الناس؛ كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، ثم ما يتعلق بمخاطبة اليهود والمنافقين، وما يتعلق كذلك بأحوال النزاع بين الزوجين كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى.

وهذه السورة هي السورة الثالثة بعد الفاتحة، البقرة وآل عمران والنساء، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة «أن النبي ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران »أخرجه مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) من حديث حذيفة.، وهذا في أول الأمر، ثم بعد ذلك في الترتيب الأخير صارت البقرة ثم آل عمران ثم النساء، واستقر على ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان.

يقول الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والبسملة آية مستقلة يؤتى بها في أوائل السور إلا سورة واحدة وهي (براءة) فإنه لم تنزل لها بسملة، ولو نزل لها بسملة لكانت محفوظة موضوعة في مكانها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ولكن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من سورة الأنفال، فوضعوا فاصلًا بينهما من أجل الإشكال فقط، أما أن هناك شكًّا في نزول البسملة أو لا فلا شك في هذا؛ لأن البسملة لو نزلت لَحُفظت كما تُحفظ آيات القرآن الأخرى، والصحيح أن البسملة ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولا تحسب من آياتها لا في الفاتحة ولا في غيرها خلافًا لبعض أهل العلم الذين قالوا: إنها آية من الفاتحة لا من غيرها، وعلى هذا جرت طباعة المصاحف، فإن طباعة المصاحف جعلوا البسملة آية من الفاتحة دون غيرها، والصحيح أنه لا فرق وأن البسملة ليست من الفاتحة، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ …

2

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿آتُوا﴾ بمعنى أعطوا. و(أَتَوْا) بمعنى؟

* طلبة: جاؤوا.

* الشيخ: جاؤوا، وقوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ مفعول أول، و﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول ثانٍ، وهذا الفعل ﴿آتُوا﴾ ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.

وقوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو مأخوذ من اليُتم وهو الانفراد، والمراد به اصطلاحًا: من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ سواء كان ذكرًا أم أنثى، أما إذا بلغ فإنه يزول يُتْمه بحسب الاصطلاح والحكم الشرعي، ولهذا جاء في الحديث: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ»أخرجه أبو داود (٢٨٧٣) من حديث علي بن أبي طالب. أي: بعد بلوغ؛ لأنه إذا بلغ استقل بنفسه.

وقوله: ﴿آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ يعني: التي لهم، سواء كانت عندكم بصفتكم أولياء أو كانت ليست عندكم ولكن أخذتموها بغير حق.

وقوله: ﴿آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ يعني: لا تخونوا منها شيئًا، ولا تكتموا منها شيئًا، ولا تفسدوها، بل أعطوها كما كانت.

ولا يلزم من قوله: ﴿آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ أن نعطيهم المال وهم أيتام؛ لأن اليتيم لا يُعطى ماله إلا إذا اختُبر، كما قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وهنا فرق بين دفع المال إليه وبين حفظ المال له حتى يؤتاه كاملًا، فالآية التي معنا المراد بها الأول أو الثاني؟

* طلبة: الثاني.

* طلبة: الأول.

* الشيخ: الظاهر ما تفهموا الأول والثاني، نسيتموه.

هل هناك فرق بين الإيتاء وبين الدفع؟

نقول: نعم، بينهما فرق؛ لأن الدفع معناه: لا تعطه المال حتى يبلغ ويرشد؛ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وأما إيتاء المال فالمراد أن نحفظ المال لهم بحيث نعطيهم إياه كاملًا عند وجوب الدفع.

﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ يعني لا تأخذوا الطيب بدلا عن الخبيث . ﴿لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أي: لا تأخذوا الخبيث بدلًا عن الطيب. كيف لا نأخذ الخبيث بدلًا عن الطيب؟

المعنى: أننا لا نعطيهم الخبيث من أموالنا ونأخذ بدله طيبًا، هذا معنى الآية.

وقيل: معناها لا تأخذوا أموالهم تستغنوا بها عن الطيب؛ لأن الأموال حرام والحرام خبيث. ففيها وجهان:

الوجه الأول: ألا تأخذوا الطيب من أموالهم وتعطوهم الخبيث؛ مثاله: أن يكون لليتيم غنم سمينة جيدة، وعند وليه غنم هزيلة رديئة، فيأخذ من غنم اليتيم من الطيب ويعطيه الرديء، هذا حرام. أو يكون عنده بُرٌّ طيب نقي فيأخذه ويعطيه بُرًّا رديئًا مخلوطًا، وما أشبه ذلك، فالمعنى إذن: ﴿لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أي: لا تأخذوا الطيب وتعطوهم الخبيث، هذا واحد.

المعنى الثاني أو الوجه الثاني: لا تأخذوا من أموالهم شيئًا؛ لأن أموالهم حرام عليكم، والحرام خبيث، ويكون معنى الآية: لا تأخذوا أموالهم فتستغنوا بها عن الطيب الذي تكتسبونه بوجه حلال.

وكلا الأمرين محرم؛ يعني سواء أخذت ماله بدون أن تعطيه عنه شيئًا، أو أخذت ماله الطيب وأعطيته مالًا رديئًا، فكله حرام.

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿إِلَى﴾ قال العلماء إنها بمعنى (مع)؛ أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم. وقيل: بل (إلى) على بابها، ولكن ﴿تَأْكُلُوا﴾ ضمِّنت معنى (تضُمُّوا)؛ أي: لا تضُمُّوا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوها، وهذا الأخير أصح؛ لأن تضمين الفعل معنى فعل آخر في القرآن كثير، وإتيان (إلى) بمعنى (مع) قليل، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أَوْلى من حملها على المعنى القليل، وهذه من قواعد التفسير: أن حمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أَوْلى من حملها على المعنى القليل؛ لأنها إذا كانت هي الكثير في القرآن صارت هي …

3

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hand possesses. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية الأولى في أموال اليتامى والثانية في أبضاع اليتامى، البضع، قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، والمراد به اليتامى من النساء.

وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ قال بعضهم: الخوف هنا بمعنى العلم، يعني: علمتم ألا تقسطوا، واستدل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٨٢]؛ فإن معنى ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ أي: فمن علم، ولكن الصحيح في هذه الآية في آية النساء ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أن المراد بها الخوف وإن لم يعلم، لكن متى خاف الإنسان ألَّا يقسط في اليتامى فليفعل ما ذكر الله.

وقوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: ألَّا تعدلوا في اليتامى، وهنا فرق بين (أقسط) و(قَسَطَ)، أقسط معناها؟

* طالب: (قَسَطَ) معناها عَدَل.

* الشيخ: (قَسَطَ) بمعنى عَدَل، و(أقسط) أي: جار.

* الطالب: أي: جار.

* الشيخ: ولكن لو عكستَ لأصبتَ.

* الطالب: (قَسَطَ) يعني عَدَل.

* الشيخ: لا، (قَسَطَ) بمعنى جار، و(أقسط) بمعنى عدل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة ٤٢]، وقال: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، إذن ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: ألَّا تعدلوا في اليتامى.

وكانوا في الجاهلية إذا تولى الإنسان على ابنة عمه جار عليها، جار عليها بأن يتزوجها وهي كارهة، أو يتزوجها بدون مهر أو بمهر قليل، أو يتزوجها وهو كاره لها لكن يريد أن يتحجرها، أو غير ذلك من أنواع الظلم والجور، فقال الله عز وجل مرشدًا عباده: إن خفتم عدم العدل فالباب مفتوح ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ يعني: ليست النساء معدومة إلا هؤلاء اليتيمات، بل الأمر واسع، اعدلوا عنهن، اعدلوا عنهن وجوبًا أو استحبابًا؟

* طلبة: استحبابًا.

* الشيخ: لا، وجوبًا، إذا خاف ألَّا يعدل في اليتيمة وجب عليه أن يعدل عنها؛ صح؟ لقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: اتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء، (ما) فسرها بعضهم بـ(مَن)؛ فانكحوا من طاب، لماذا؟ قال: لأن المرأة عاقلة من ذوات العقل، والعاقل له (مَن) وغير العاقل له (ما)، فقالوا: إن (ما) بمعنى (من) أي: فانكحوا من طاب. ولكن هذا القول ضعيف، بل نقول: إذا كان الأمر يراد به الوصف فالوصف ليس من العقلاء فيؤتى بـ(ما)، وهنا المرأة تطيب للرجل لشخصها أو لوصفها؟ الثاني؛ لوصفها، ولهذا عبر بـ(ما)؛ قيل: إن اختيار المرأة لما قام بها من الأوصاف التي توجب اختيارها، فالصحيح أن (ما) هنا في موضعها وليست بمعنى (من).

وقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ﴿مَا طَابَ﴾ أي ما حسُن ورأيتموه طيبًا وطابت به نفوسكم، ولا تُكرهوا أنفسكم على نكاح من لا تريدون ومن لا تطيب لكم؛ لأن إكراه الإنسان نفسه على من لا تطيب له كإكراه الرجل نفسه على طعامٍ لا يشتهيه، وإذا أكره الإنسان نفسه على طعام لا يشتهيه صار هذا الطعام في معدته حجارة؛ يعني لا تهضمه المعدة، ولكن انكح من تطيب به نفسك. تطيب النفس بأي شيء؟ بالجمال، نعم؛ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَدِينِهَا»أخرجه البخاري (٥٠٩٠) ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣) من حديث أبي هريرة.، ومن المال: الوظيفة؛ تُنكح المرأة الآن لوظيفتها؛ لأن الوظيفة تحصيل للمال، أليس كذلك؟! إذن المرأة تطيب للرجل بأحد هذه الأوصاف الأربعة، وهذه أوصاف أغلبية، وإلا فقد يَنكح المرأةَ لا لهذه الأوصاف، لأسباب أخر، لكن هذا هو الغالب.

﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (مِن) يسميها العلماء أيش؟

* طالب: بيانية.

* الشيخ: بيانية؛ …

4

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ﴿آتُوا﴾ أي: أعطوا، والفرق بين (أتوا) و(آتوا): أن (آتوا) بمعنى أعطوا، و(أتوا) بمعنى جاؤوا، إذن (آتوا) بمعنى أعطوا، (وأْتوا) بمعنى جيئوا.

﴿آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ الخطاب في قوله: ﴿آتُوا﴾ هل هو للأزواج أو للأولياء؟ في الآية قولان؛ القول الأول: أنه للأولياء، فيكون المعنى: أن الله أمر الأولياء أن يعطوا النساء صدقاتهن بدون أن يأخذوا منهن شيئًا؛ لأن العرب في الجاهلية إذا زوج الرجل ابنته أخذ المهر، ولم يعطها إلا ما تلبسه ليلة الزفاف، والباقي يأخذه يسلبه إياها، فأمرهم الله أن يؤتوا النساء صدقاتهن نحلة.

والقول الثاني: أن الخطاب للأزواج، أمرهم الله عز وجل أن يؤتوا النساء صدقاتهن عن طيب نفس بدون مماطلة وبدون تكره، وإذا كانت الآية تحتمل المعنيين بدون تناقض فما الواجب؟ حملها على الوجهين، فنقول: الخطاب للأزواج وللأولياء.

﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ ﴿النِّسَاءَ﴾ يعني: المتزوجات، بدليل قوله: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾، و(صدقات) جمع (صدقة) وهي المهر، وسمي بهذا الاسم؛ لأن بذله دليل على صدق الطالب للمرأة.

وقوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عطية طيبة بها نفوسكم، يقال: نحله، أي: أهداه هدية طيبة بها نفسه.

وعلى هذا فزعم بعضهم أنها مفعول مطلق لقوله: ﴿آتُوا النِّسَاءَ﴾ فهي مثل قول القائل: وقفت قيامًا، أو جلست قعودًا؛ لأن (آتى) بمعنى نحل، و(آتوا) بمعنى انحلوا، والنحلة هي العطية عن طيب نفس.

﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ ﴿إِنْ طِبْنَ﴾ يعني: النساء، وقوله: ﴿نَفْسًا﴾ مصدر محول عن الفاعل، والمصدر المحول تارة يحول عن الفاعل كما في هذه الآية، وتارة يحول عن المفعول به كما في قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] يعني: عيون الأرض.

﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ (مِن) قيل: إنها تبعيضية، وقيل: إنها بيانية، فعلى الأول يكون المعنى: إن طبن لكم عن بعضه، وعلى الثاني يكون المعنى: إن طبن لكم عن كله أو بعضه؛ لأن (مِن) بيان لمحل الحكم بقطع النظر عن كونه كله أو بعضه.

﴿إِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ عبر بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ إذ إن الأكل يغذي البدن وينمو به البدن، بخلاف اللباس وبخلاف المساكن وبخلاف المراكب؛ فإن منفعتها خارجية، فاللباس كسوة خارجية، ولكن الأكل كسوة داخلية، صح؟ الأكل كسوة داخلية؟ منفعة، نعم صحيح منفعة لكن هي كسوة أيضًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه ١١٨، ١١٩]، التناسب بين الظمأ والضحى اللي هو حرارة الشمس واضح، وبين الجوع والعري واضح؛ لأن الشبع كسوة الباطن، المعدة فاضية ما فيها شيء، عارية، فإذا دخَّلت الطعام فيها غطاها وكساها، فهو كسوة باطنية.

على كل حال ﴿كُلُوهُ هَنِيئًا﴾ أقول: عبر بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ لأن منفعته للبدن مباشرة ينمو بها البدن، بخلاف اللباس وبخلاف المسكن وبخلاف المركوب فإنها منفعة خارجية.

وقوله: ﴿هَنِيئًا﴾ أي: حين الأكل، ﴿مَرِيئًا﴾ أي: بعد الأكل، فالمريء محمود العاقبة، والهنيء سهل المساغ، وأضرب لكم مثلًا يبين: إذا أعطينا شخصًا من غير أهل جدة سمكة وأراد يأكلها يمكن إذا أكلها (...) عشر مرات قبل أن تصل إلى معدته؛ لأن فيها شوكًا وزعانف وما أشبه ذلك مما يغصصه بها، هل هذا الأكل هنيء ولَّا غير هنيء؟ غير هنيء، لكن تسمع صريخ عظامها بين أسنانه ولا يبالي، وهذا الشيء شاهدته أنا، شاهدته أنا بنفسي، يأخذ الذيل هذا اللي مثل المشط ويجعله بين أسنانه يقرضه كما نقرض التمر اليبيس، هذا يكون هنيئًا له ولَّا لا؟ هذا يكون هنيئًا له؛ لأنه يسيغه بسهولة، لكن لمن لم يعتده ليس هنيئًا.

﴿مَرِيئًا﴾ قلنا: محمود العاقبة، ربما يأكل …

5

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And do not give the weak-minded your property, which Allah has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فيها قراءتان: القراءة الأولى بهمزتين محققتين ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، والقراءة الثانية بحذف إحدى الهمزتين ﴿السُّفَهَا أَمْوَالَكُمْ﴾ الأولى على الأصل، والثانية بالتخفيف، وكذلك قوله: ﴿قِيَامًا﴾ فيها قراءتان: ﴿قِيَامًا﴾ و﴿قِيَمًا﴾ والمعنى واحد.

يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ أي: لا تعطوهم، لا تعطوا السفهاء، والسفهاء جمع سفيه وهو من لا يحسن التصرف؛ إما لقلة في سنِّه، وإما لقصور في عقله ورشده، هذا هو السفيه، والسفه يكون في الأموال ويكون في الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، فمن رغب عن ملة إبراهيم الحنيفية السمحة فهو سفيه وإن كان من أرشد الناس في تصرفه في ماله.

يقول: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أضاف الأموال إلينا، فاختلف العلماء هل المعنى: لا تؤتوا السفهاء أموالكم الخاصة بكم؛ لأنهم سوف يضيعونها بغير فائدة، فتفوت عليكم وتفوت عليهم، وقال بعض العلماء: بل المراد بذلك أموالهم هم، لكنه أضافه إلينا من أجل الولاية، فكأننا بولايتنا على هذا المال نملك هذا المال، والآية صالحة للوجهين، ومن قواعد التفسير: أن الآية إذا كانت صالحة لوجهين لا يتنافيان فإنها تحمل عليهما.

وقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى صيَّر، يعني: جعلها الله لنا قيامًا، الأموال تقوم بها مصالح ديننا ومصالح دنيانا، فكم من أسير فك بالمال، وكم من ضرورة أزيلت بالمال، وكم من يتيم جبر قلبه بالمال، فالأموال في الحقيقة قيام للناس في أمور دينهم ودنياهم، حتى إن الله سبحانه وتعالى يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؛ لأن ضرورة الجهاد للمال أكثر من ضرورتها للنفس، حتى الذي يجاهد بنفسه محتاج للمال، ما الذي يوصله إلى ميدان القتال إلا الأموال؛ ولهذا نجد الله سبحانه وتعالى يقدم ذكر الأموال في الجهاد على ذكر النفوس.

﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ (ارزقوهم) يعني: أعطوهم رزقًا، والرزق هو العطاء، وقوله: ﴿فِيهَا﴾ أي: في الأموال، ولم يقل: (منها) إشارة إلى أنه لا بد أن يكتسب الولي بمال هؤلاء السفهاء حتى يكون الرزق فيها لا منها، وفرق بين الرزق فيها والرزق منها؛ لأنه لو لم يتجر فيها ويكتسب صار العطاء أيش؟ منها، إذا قدرنا أنها مئة فأعطاهم نفقة عشرة ريالات نقصت، كلما أعطاهم نقصت، لكن إذا قال: فيها، فالمعنى أن الرزق يكون فيها، فيكون المال أوسع من الرزق المعطى، وهذا يتضمن أن يتجر فيها ثم يعطيهم من الربح.

﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ أعطوهم، أعطوهم أيش؟ أعطوهم طعامًا، شرابًا، أما الكسوة فقال: ﴿وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿اكْسُوهُمْ﴾ ما يحتاجون إليه من السراويلات والقمص وغيرها، بقي عندنا الفرش والسكن يدخل في قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾.

﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: حين إعطائكم إياهم وكسوتكم إياهم قولوا لهم قولًا معروفًا، أي: قولًا يكون لينًا هينًا، ولا تشمخوا بآنافكم عليهم وتمنوا عليهم؛ لأن ذلك خلاف الولاية الحقيقية، فمثلًا إذا جاء السفيه يقول: أعطني اكسني، لا تقل له قولًا غليظًا، لا تقل: ما عندك قط ثوبك ما عندك (...) طعامك، وما أشبه ذلك من الكلمات النابية؛ لأن المال مالهم، وإن كان مالكم فإنه لا ينبغي لكم أن تمنوا بما أعطيتم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم إعطاء السفهاء الأموال سواء لهم أو لنا على الوجهين؛ لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾، والنهي للتحريم لا سيما إذا قرن النهي بما يفيد العلة وهي السفهاء، كأنه قال: لا تعطوهم لسفههم؛ لأنهم إذا أعطيتموهم وهم سفهاء أضاعوا …

6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allah as Accountant.

ثم قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء ٦] ﴿ابْتَلُوا﴾ أي: اختبروا، و(اليتامى) جمع (يتيم)، وهو كل من مات أبوه قبل بلوغه، أي: قبل بلوغ الطفل أو بلوغ الأب؟ قبل بلوغ الطفل، من مات أبوه قبل بلوغه أي: بلوغ الطفل، أليس كذلك؟ نعم.

وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا﴾ (حتى) هنا ابتدائية، أي: اختبروهم واستمروا في الاختبار، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (إذا) شرطية، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ شرطية أيضًا، ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جواب الشرط، فيكون هذا شرطًا في ضمن شرط آخر وهو سائغ في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:

إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُــذْعَـــــرُواتَجِـــــــدُوا ∗∗∗ مِـــــنَّــــــــا مَــــعَـــــــــاقِــــــــلَعِـــــــزٍّ زَانَــــــــهَـــــــا كَـــــرَمُ

فهذه ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ شرط في ضمن شرط.

وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أي: أبصرتم، ومنه قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص ٢٩] أي: أبصر.

وقوله: ﴿رُشْدًا﴾ الرشد في كل موضع بحسبه، ولكنه يجمع جميع معانيه كلمة واحدة وهي: حسن التصرف، هذا هو الرشد، إن كان في المال فبأن يبيع الإنسان ويشتري مرارًا ولا يغبن إلا بما جرت به العادة (...) منتهيًا عما حرم الله، وإن كان في التصرف للغير فأن يكون حسن الولاية، ومنه الرشد في ولاية النكاح، وأن يكون عالمًا بالكفؤ ومصالح النكاح، إذن الرشد -يا عباد الله- في كل موضع بحسبه، ما المراد به هنا؟ ﴿رُشْدًا﴾ أي: تصرفًا صحيحًا في أموالهم.

﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: أعطوهم إياها، وقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ يعني: أوصلوها إليهم ولا تقولوا: ائتوا خذوا أموالكم، أنتم ادفعوا إليهم، وسيأتي أن هذا الولي له الأجرة أو الأكل بالمعروف حسب ما تقتضيه حاله.

﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أي: أموالهم، ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ قوله: ﴿إِسْرَافًا﴾ يجوز أن تكون مفعولًا مطلقًا، أي: أكل إسراف، والإسراف هو مجاوزة الحد، وهو أيضًا في كل موضع بحسبه.

وقوله: ﴿بِدَارًا﴾ أي: مبادرة، فهي من (بَادَرَ) بمعنى استعجل الشيء، وقوله: ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: بدارًا لكبرهم، يعني: تبادر كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت الولاية عليهم وصاروا راشدين، فربما يأكل بعض الأولياء أموالهم على وجه الإسراف أو على وجه الاقتصاد ولكن يبادر؛ ولهذا لا يقول قائل: إن الكلمتين مترادفتان، بل نقول: الإسراف مجاوزة الحد، فمثلًا إذا كان يكفيه عشرة أخذ خمسة عشر. ﴿وَبِدَارًا﴾ يعني: أن يأكل بلا إسراف لكن يبادر، يبادر بالأكل قبل أن يكبروا.

﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ من كان من الأولياء غنيًّا لا يحتاج إلى مال اليتيم، ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: فليكفَّ عن الأكل، ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ اللام هنا في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، والثاني للإباحة.

أقول: اللام في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، وفي قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ للإباحة؛ وذلك أن الأول مطلوب منه أن يستعفف، والثاني مباح له أن يأكل.

فإذا قال قائل: ما الذي أخرج اللام في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ عن الأمر؟ قلنا: لأنها أعقبت النهي وهو قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾، والأمر بعد النهي أيش؟ لرفع الحظر، يعني: إما للإباحة على قول بعض العلماء، أو لرفع الحظر، وهنا إذا رفع الحظر فهو مباح.

﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فليأكل أكلًا بالمعروف، أي: بما جرى به العرف، فلا يأكل أكل الأغنياء وإنما يأكل أكل مثله، مثال ذلك: إذا كان فقيرًا فقال: أنا سآكل أكل الأغنياء؛ لأنني …

7

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء ٧ - ١٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نبدأ أولًا بالإعراب: ﴿لِلرِّجَالِ﴾ خبر مقدم، و﴿نَصِيبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، وكذلك ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ هذه متعلقة بمحذوف صفة لـ﴿نَصِيبٌ﴾، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي: ذلك مما قل منه، وقوله: ﴿نَصِيبًا﴾ حال، حال من (ما) في قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ﴾، و﴿مَفْرُوضًا﴾ صفة أو حال أخرى صفة لـ﴿نَصِيبٌ﴾ وهو أولى، ويجوز أن تكون حالًا أخرى، وهو مرجوح.

يقول الله عز وجل: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿نَصِيبٌ﴾ أي: حظ، ولم يبينه هنا لكن بينه في آيات تأتي، والإجمال ثم التفصيل من البلاغة التامة؛ لأن الشيء إذا أجمل بقيت النفوس تتطلع إلى تفصيله، فيأتي التفصيل والنفوس متطلعة إليه، بخلاف ما لو جاء الشيء مفصلًا مباشرة، فإنه قد يرد على نفس ليست متشوقة إليه، فلا يلصق في الذهن ولا يصير له قوة في القبول، أعرفتم هذا؟ الإجمال أولًا ثم التفصيل ثانيًا من كمال البلاغة للوجه الذي ذكرناه لكم.

وقوله: ﴿الْوَالِدَانِ﴾ يعني: الأم والأب، أما الأم فظاهر أنها والدة، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة ٢٣٣]، وأما الأب فكذلك، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»أخرجه أبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.، والولد لا بد له من والد، وكذلك جاء في الحديث: «لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ»أخرجه الترمذي (٢١٣٢) من حديث ابن عمر وابن عباس بنحوه.، فالوالد إذنْ يطلق على أيش؟ الأم والأب، أما الأم فظاهر، وأما الأب فللنصوص التي سمعتموها.

وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ولم يقل: والأقارب، (الأقرب) اسم تفضيل، وذلك لأن الميراث لا يتناول جميع الأقارب بل الأقرب فالأقرب، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٣)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس..

وخمسة من الورثة لا يمكن أن يحجبوا وهم الذين يتصلون بالميت مباشرة، وهم: الأب، والأم، والابن، والبنت، وأحد الزوجين، هؤلاء لا يمكن أن يحجبوا؛ لأنهم يرثون من الميت مباشرة.

وكذلك قال: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وإنما نص على نصيب النساء بهذه الصيغة المساوية لنصيب الرجال تأكيدًا لحقهن، وإلا فمن المعلوم أن نصيب النساء دون نصيب الرجال ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١٧٦].

وكذلك قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ …

8

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of the estate and speak to them words of appropriate kindness.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الذي يظهر لي -والعلم عند الله- من هذه الآية والتي قبلها: أن الناس فيما سبق إذا أرادوا قسم مال الميت يقسمونه علنًا ظاهرًا، سواء كان ظاهرًا للناس عمومًا أو ظاهرًا لمن حولهم؛ لقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ ﴿إِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: قسمة المال الموروث، ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ نأخذ الإعراب قبل.

﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ ﴿الْقِسْمَةَ﴾ مفعول مقدم، و﴿أُولُو﴾ فاعل مؤخر، ورفع بالواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون منه للإضافة، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ معطوفة على ﴿أُولُو﴾، و﴿الْمَسَاكِينُ﴾ معطوفة على ﴿أُولُو﴾.

وقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ جواب الشرط (إذا)، واقترنت الفاء بها؛ لأنها طلبية، والجواب الذي يقترن في الفاء سبعة أنواع جمعت في بيت من الشعر:

* طالب: اسمية طلبية وبجامد وبما وقد وسوف..

* طالب آخر:

اسْمِـــــــيَّـــــــــــةٌطَـــــــلَــــــبِــــــــيَّــــــــةٌ وَبِجَــــــــامِــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــا وَقَــــدْ وِبَلَـــنْوَبِالتَّنْـــفِـــــيسِ

* الشيخ: صح

اسْمِـــــــيَّـــــــةٌطَـــــــلَــــــبِــــــيَّـــــــةٌ وَبِجَــــــــــامِـــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَـــــا وَقَـــــدْ وِبَلَـــــنْوَبِالتَّنْـــفِـــــيسِ

الجملة التي معنا الجوابية من أي نوع؟ طلبية ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ واضح إعرابها.

يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: قسمة المال الموروث إذا حضروا، ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ يعني: أصحاب القرابة الذين لا يرثون، وإنما قلنا: الذين لا يرثون؛ لأن الذين يرثون لهم نصيب من هذا المقسوم لكن الذين لا يرثون، ﴿الْقُرْبَى﴾ هنا بمعنى أيه؟ بمعنى القرابة.

﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع (يتيم)، وهو من مات أبوه قبل بلوغه، قبل بلوغ من؟ قبل بلوغ الأب ولَّا الولد؟ الولد، من مات أبوه قبل بلوغه سواء ذكر أم أنثى.

﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ هم الفقراء، وسموا المساكين؛ لأن الفقر أسكنهم، فإن الفقر -أعاذنا الله وإياكم منه- يوجب الذل وألا يتكلم الإنسان؛ لأنه يشعر بأنه غير مسموع وغير مقبول، فتجده ساكنًا لا يتكلم؛ لأنه لا يسمع، ولكن قد يكون هذا الفقير المسكين عند الله مسموعًا، «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ»أخرجه الترمذي (٣٨٥٤) من حديث أنس بن مالك.، والشأن كل الشأن أن تكون وجيهًا عند الله، وأنت إذا كنت وجيهًا عند الله، فستكون وجيها عند العباد، ولكن لا تطلب أن تكون وجيهًا عند الله لتكون وجيهًا عند العباد، اطلب أن تكون وجيهًا عند الله لتنال رضاه، وإذا رضي الله عنك أرضى عنك الناس.

قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: أعطوهم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ ولم يقل: فيه؛ لأن هؤلاء يعطون من المال رأسه، من رأس المال، من أصله.

وأما أموال اليتامى فقال الله تعالى: ﴿ارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾، وقد سبق لنا أنه قال: ﴿فِيهَا﴾ ولم يقل: منها؛ لأنهم يرزقون بعد الاتجار بها، فيعطون من أيش؟ من الربح، وهو إشارة على ما سبق إلى أنه ينبغي لولي اليتيم أن يتجر في ماله حتى يحصل على ما يرزقه فيه، أما هنا قال: ﴿ارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ يعني: من هذا المال الذي يقسم أمامهم.

﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ سبحان الله! إحسان إليهم بالفعل، وإحسان بالقول ﴿قُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: قولًا طيبًا تطيب به نفوسهم، فلنفرض أن المال كثير، وأن كل وارث سيحصل على مليون ريال مثلًا، فإذا أعطيت الفقير مئة ريال الحاضر، ربما يقول: مئة من مليون؟ قل له قولًا معروفًا تطيب به نفسه، حتى تجمع له بين الإحسان القولي والإحسان الفعلي، عكس -والعياذ بالله- من …

9

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allah and speak words of appropriate justice.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ لام الأمر، والفعل مجزوم بها بحذف الألف، وأصل (يخشَ) (يخشى) بالألف وسكنت اللام؛ لام الأمر هنا، لماذا؟

* طالب: لوجود (واو) قبلها.

* الشيخ: نعم، وتسكن لام الأمر إذا وقعت بعد الواو والفاء و(ثُم)، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج ١٥]، بخلاف لام التعليل فإنها مكسورة ولو وقعت بعد الواو أو (ثُم) أو الفاء، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦] لا تقرأها: ولْيتمتعوا إلا إذا ثبت أن فيها قراءة بسكون اللام، فحينئذٍ تكون اللام لام الأمر ولا تكون لام التعليل.

وقوله: ﴿لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ (لو) هنا شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَكُوا﴾، وجوابه ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، لو تركوا خافوا عليهم، وهنا خرجت الآية الكريمة عن الأكثر في جواب (لو)، ما الأكثر في جواب (لو) إذا كان مثبتًا؟ أن تقترن به اللام فيقال: لو جاء زيد لجاء عمرو، لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا لخافوا عليهم، ولكن اللام تحذف أحيانًا في جواب (لو) في الإثبات، ومنه هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، وفي نفس السياق قال في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥].

أما إذا جاء جواب (لو) منفيًّا بـ(ما)، فالأفصح أن لا تذكر (اللام)، فإذا قلت: لو جاء زيد ما قلتُ شيئًا، هذا أفصح من أن تقول: لما قلت شيئًا، لكن قد تقترن (اللام) بـ(ما) النافية في جواب (لو)، ومنه قول الشاعر:

وَلَوْ نُعْطَى الْخِيارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَــكِــنْ لَا خِــيَـــارَ مَــــعَاللَّيَالِي

إذنْ فعل الشرط في (لو)؟

* طالب: ﴿تَرَكُوا﴾.

* الشيخ: وجوابه ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾.

وتكميلًا للفائدة (لو) تأتي على أوجه، هذا واحد تكون شرطية، والثاني أن تكون أيش؟ مصدرية، أن تكون مصدرية كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا إدهانكم فيدهنون، وهل هي إذا جاءت شرطية هل تكون جازمة؟ لا، هي من أدوات الشرط غير الجازمة.

وقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا أمر بالتقوى تأكيد للأمر بالخشية في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ يقول الله عز وجل مذكرًا هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ويضيعونها يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ ليخشوا الخشية أشد الخوف، ولا تكون إلا مع العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] فيقول: يخشى هؤلاء الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا، ومفعول ﴿يَخْشَى﴾ محذوف، أي: ليخشى أن يضيعوا أموال اليتامى ويأكلوها.

وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وأولاد بني البنين، وأما أولاد البنات وأولاد بنات البنات وبني البنات فإنهم لا يدخلون في الذرية، هذا هو المشهور عند أهل العلم.

فلو قال القائل: هذا وقف على ذريتي لم يدخل أولاد البنات في هذا الوقف؛ لأن أولاد البنات ليسوا من الذرية، فهم كالأولاد والبنين لا يدخل فيهم أولاد البنات ولا بنو أولاد البنات.

فإن قال قائل: هذا القول ينتقض بعيسى بن مريم؛ فإن الله تعالى جعله من ذرية إبراهيم وهو ابن بنت؟ موافقون؟ هو ابن بنت ولَّا غير؟ هو ابن بنت.

فيقال في الجواب عن ذلك: إنه لا أب له، فأمه أبوه؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن ولد الزنا أمه ترثه بالفرض …

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ لام الأمر، والفعل مجزوم بها بحذف الألف، وأصل (يخشَ) (يخشى) بالألف وسكنت اللام؛ لام الأمر هنا، لماذا؟

* طالب: لوجود (واو) قبلها.

* الشيخ: نعم، وتسكن لام الأمر إذا وقعت بعد الواو والفاء و(ثُم)، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج ١٥]، بخلاف لام التعليل فإنها مكسورة ولو وقعت بعد الواو أو (ثُم) أو الفاء، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦] لا تقرأها: ولْيتمتعوا إلا إذا ثبت أن فيها قراءة بسكون اللام، فحينئذٍ تكون اللام لام الأمر ولا تكون لام التعليل.

وقوله: ﴿لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ (لو) هنا شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَكُوا﴾، وجوابه ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، لو تركوا خافوا عليهم، وهنا خرجت الآية الكريمة عن الأكثر في جواب (لو)، ما الأكثر في جواب (لو) إذا كان مثبتًا؟ أن تقترن به اللام فيقال: لو جاء زيد لجاء عمرو، لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا لخافوا عليهم، ولكن اللام تحذف أحيانًا في جواب (لو) في الإثبات، ومنه هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، وفي نفس السياق قال في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥].

أما إذا جاء جواب (لو) منفيًّا بـ(ما)، فالأفصح أن لا تذكر (اللام)، فإذا قلت: لو جاء زيد ما قلتُ شيئًا، هذا أفصح من أن تقول: لما قلت شيئًا، لكن قد تقترن (اللام) بـ(ما) النافية في جواب (لو)، ومنه قول الشاعر:

وَلَوْ نُعْطَى الْخِيارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَــكِــنْ لَا خِــيَـــارَ مَــــعَاللَّيَالِي

إذنْ فعل الشرط في (لو)؟

* طالب: ﴿تَرَكُوا﴾.

* الشيخ: وجوابه ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾.

وتكميلًا للفائدة (لو) تأتي على أوجه، هذا واحد تكون شرطية، والثاني أن تكون أيش؟ مصدرية، أن تكون مصدرية كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا إدهانكم فيدهنون، وهل هي إذا جاءت شرطية هل تكون جازمة؟ لا، هي من أدوات الشرط غير الجازمة.

وقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا أمر بالتقوى تأكيد للأمر بالخشية في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ يقول الله عز وجل مذكرًا هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ويضيعونها يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ ليخشوا الخشية أشد الخوف، ولا تكون إلا مع العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] فيقول: يخشى هؤلاء الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا، ومفعول ﴿يَخْشَى﴾ محذوف، أي: ليخشى أن يضيعوا أموال اليتامى ويأكلوها.

وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وأولاد بني البنين، وأما أولاد البنات وأولاد بنات البنات وبني البنات فإنهم لا يدخلون في الذرية، هذا هو المشهور عند أهل العلم.

فلو قال القائل: هذا وقف على ذريتي لم يدخل أولاد البنات في هذا الوقف؛ لأن أولاد البنات ليسوا من الذرية، فهم كالأولاد والبنين لا يدخل فيهم أولاد البنات ولا بنو أولاد البنات.

فإن قال قائل: هذا القول ينتقض بعيسى بن مريم؛ فإن الله تعالى جعله من ذرية إبراهيم وهو ابن بنت؟ موافقون؟ هو ابن بنت ولَّا غير؟ هو ابن بنت.

فيقال في الجواب عن ذلك: إنه لا أب له، فأمه أبوه؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن ولد الزنا أمه ترثه بالفرض …

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.