يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا
O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.
(سُورَةُ النِّساءِ مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَةٌ وسِتٌّ وسَبْعُونَ آيَةً)
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ عِنْدَ النُّزُولِ ومَن سَيَنْتَظِمُ في سِلْكِهِمْ مِنَ المَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ والحادِثِينَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ عِنْدَ انْتِظامِهِمْ فِيهِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، فَإنَّ خِطابَ المُشافَهَةِ لا يَتَناوَلُ القاصِرِينَ عَنْ دَرَجَةِ التَّكْلِيفِ إلّا عِنْدَ الحَنابِلَةِ بَلْ إمّا بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ الفَرِيقِ الأوَّلِ عَلى الأخِيرَيْنِ وإمّا بِطَرِيقِ تَعْمِيمِ حُكْمِهِ لَهُما بِدَلِيلٍ خارِجِيٍّ، فَإنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ آخِرَ الأُمَّةِ مُكَلَّفٌ بِما كُلِّفَ بِهِ أوَّلُها كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الحَلالُ ما جَرى عَلى لِسانِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ والحَرامُ ما جَرى عَلى لِسانِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وقَدْ فُصِّلَ في مَوْضِعِهِ، وأمّا الأُمَمُ الدّارِجَةُ قَبْلَ النُّزُولِ فَلا حَظَّ لَهم في الخِطابِ لِاخْتِصاصِ الأوامِرِ والنَّواهِي بِمَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ الِامْتِثالُ وأمّا انْدِراجُهم في خِطابِ ما عَداهُما مِمّا لَهُ دَخْلٌ في تَأْكِيدِ التَّكْلِيفِ وتَقْوِيَةِ الإيجابِ فَسَتَعْرِفُ حالَهُ، ولَفْظُ النّاسِ يَنْتَظِمُ الذُّكُورَ والإناثَ حَقِيقَةً، وأمّا صِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ فَوارِدَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ لِعَدَمِ تَناوُلِها حَقِيقَةً لِلْإناثِ عِنْدَ غَيْرِ الحَنابِلَةِ، وأمّا إدْخالُهُنَّ في الأمْرِ بِالتَّقْوى بِما ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ الخارِجِيِّ وإنْ كانَ فِيهِ مُراعاةُ جانِبِ الصِّيغَةِ لَكِنَّهُ يَسْتَدْعِي تَخْصِيصَ لَفْظِ النّاسِ بِبَعْضِ أفْرادِهِ، والمَأْمُورُ بِهِ إمّا مُطْلَقُ التَّقْوى الَّتِي هي التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤْثِمُ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ وإمّا التَّقْوى فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ أبْناءِ الجِنْسِ، أيِ: اتَّقُوهُ في مُخالَفَةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ عَلى الإطْلاقِ أوْ في مُخالَفَةِ تَكالِيفِهِ الوارِدَةِ هَهُنا وأيًَّا ما كانَ؛ فالتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وكَذا وصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ فَإنَّ خَلْقَهُ تَعالى إيّاهم عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ لِإنْبائِهِ عَنْ قُدْرَةٍ شامِلَةٍ لِجَمِيعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عِقابُهم عَلى مَعاصِيهِمْ وعَنْ نِعْمَةٍ كامِلَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الِاتِّقاءِ مِن مُوجِباتِ نِقْمَتِهِ وأتَمِّ الزَّواجِرِ عَنْ كُفْرانِ نِعْمَتِهِ، وكَذا جَعْلُهُ تَعالى إيّاهم صِنْوانًَا مُفَرَّغَةً مِن أرُومَةٍ واحِدَةٍ هي نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُوجِباتِ الِاحْتِرازِ عَنِ الإخْلالِ بِمُراعاةِ ما بَيْنَهم مِن حُقُوقِ الأُخُوَّةِ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ في "رَبَّكُمْ" و"خَلَقَكُمْ" لِلْأُمَمِ السّالِفَةِ أيْضًَا مَعَ اخْتِصاصِهِ فِيما قَبْلُ بِالمَأْمُورِينَ بِناءً عَلى أنَّ تَذْكِيرَ شُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى وخَلْقِهِ لِلْكُلِّ مِن مُؤَكِّداتِ الأمْرِ بِالتَّقْوى ومُوجِباتِ الِامْتِثالِ بِهِ تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ لِأنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِلْمَأْمُورِينَ مِن نَفْسِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ بِواسِطَةِ ما بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ كانَ …