Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

ثُمَّ غَلَّظَ ذَلِكَ بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ كَذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿أفْضى﴾؛ أيْ: بِالمُلامَسَةِ؛ ﴿بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: فَكِدْتُمْ أنْ تَصِيرُوا جَسَدًا واحِدًا؛ ﴿وأخَذْنَ﴾؛ أيْ: النِّساءُ؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: بِالإفْضاءِ؛ والِاتِّحادِ؛ ﴿مِيثاقًا غَلِيظًا﴾؛ قَوِيًّا عَظِيمًا؛ أيْ: بِتَقْوى اللَّهِ في المُعاشَرَةِ بِالإحْسانِ؛ وعَدَمِ الإساءَةِ؛ لِأنَّ مَبْنى النِّكاحِ عَلى ذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِيهِ.

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

ولَمّا كَرَّرَ ذِكْرَ الإذْنِ في نِكاحِهِنَّ؛ وما تَضَمَّنَهُ مَنطُوقًا مَفْهُومًا؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الإذْنُ في نِكاحِ ما طابَ مِنَ النِّساءِ؛ وكانَ الطَّيِّبُ شَرْعًا قَدْ يَحْمِلُ عَلى الحِلِّ؛ مَسَّتِ الحاجَةُ إلى ما يَحِلُّ مِنهُنَّ لِذَلِكَ؛ وما يَحْرُمُ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَنْكِحُوا﴾؛ أيْ: تَتَزَوَّجُوا؛ وتُجامِعُوا؛ ﴿ما نَكَحَ﴾؛ أيْ: بِمُجَرَّدِ العَقْدِ في الحُرَّةِ؛ وبِالوَطْءِ في مِلْكِ اليَمِينِ؛ ﴿آباؤُكُمْ﴾ وبَيَّنَ ”ما“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾؛ أيْ: سَواءٌ كانَتْ إماءً؛ أوْ لا؛ بِنِكاحٍ؛ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ؛ وعَبَّرَ بِما دُونَ ”مَن“؛ لِما في النِّساءِ غالِبًا مِنَ السَّفَهِ المُدَنِّي لِما لا يَعْقِلُ.

ولَمّا نَهى عَنْ ذَلِكَ؛ فَنَزَعَتِ النُّفُوسُ عَمّا كانَ قَدْ أُلِفَ بَهاؤُهُ؛ فَلاحَ أنَّهُ في غايَةِ القَباحَةِ؛ وأنَّ المَيْلَ إلَيْهِ إنَّما هو شَهْوَةٌ بَهِيمِيَّةٌ؛ لا شَيْءَ فِيها مِن عَقْلٍ؛ ولا مُرُوَّةٍ؛ وكانَتْ عادَتُهم في مِثْلِ ذَلِكَ - مَعَ التَّأسُّفِ عَلى ارْتِكابِهِ - السُّؤالَ عَمّا مَضى مِنهُ - كَما وقَعَ في اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ وشُرْبِ الخَمْرِ -؛ أتْبَعَهُ الِاسْتِثْناءَ مِن لازِمِ الحُكْمِ؛ وهُوَ: ”فَإنَّهُ مُوجِبٌ لِمَقْتِ مَنِ ارْتَكَبَهُ؛ وعِقابِهِ“؛ فَقالَ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾؛ أيْ: لَكم مِن فِعْلِ ذَلِكَ في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ؛ كَما قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”الأُمُّ“: ”قالَ السُّهَيْلِيُّ في رَوْضِهِ: وكانَ ذَلِكَ مُباحًا في الجاهِلِيَّةِ لِشَرْعٍ مُتَقَدِّمٍ؛ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الحُرُماتِ الَّتِي انْتَهَكُوها“؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾؛ أيْ: هَذا النِّكاحَ؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: الآنَ؛ وما بَعْدَهُ؛ كَوْنًا راسِخًا؛ ﴿فاحِشَةً﴾؛ أيْ: والفاحِشَةُ لا يُقْدِمُ عَلَيْها تامُّ العَقْلِ؛ ﴿ومَقْتًا﴾؛ أيْ: أشَرَّ ما يَكُونُ بَيْنَكُمْ؛ وبَيْنَ ذَوِي الهِمَمِ؛ لِما انْتَهَكْتُمْ مِن حُرْمَةِ آبائِكُمْ؛ ﴿وساءَ سَبِيلا﴾؛ أيْ: قَبُحَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ.

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

ولَمّا ابْتَدَأ بِتَعْظِيمِ الآباءِ؛ واحْتِرامِهِمْ في أنْ يَنْكِحَ الأبْناءُ أزْواجَهم عَلى العُمُومِ؛ ثَنّى بِخُصُوصِ الأُمِّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ أعْظَمُ مَقْصُودٍ مِنَ النِّساءِ النِّكاحَ؛ فَكانَ إضافَةُ التَّحْرِيمِ إلى أعْيانِهِنَّ - إفادَةَ التَّأْكِيدِ - غَيْرَ قادِحٍ في فَهْمِهِ؛ وكانَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ النِّكاحُ؛ أسْنَدَ التَّحْرِيمَ إلى الذّاتِ؛ تَأْكِيدًا لِلتَّحْرِيمِ؛ فَقالَ: ﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾؛ أيْ: التَّمَتُّعُ بِهِنَّ؛ بِنِكاحٍ؛ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ؛ فَكانَ تَحْرِيمُها مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ؛ تَأْكِيدًا لَهُ؛ وتَغْلِيظًا لِأمْرِهِ في نَفْسِهِ؛ واحْتِرامًا لِلْأبِ؛ وتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ؛ ﴿وبَناتُكُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ سَفَلْنَ؛ لِما في ذَلِكَ مِن ضِرارِ أُمَّهاتِهِنَّ؛ وهَذانِ الصِّنْفانِ لَمْ يُحَلَّلْنَ في دِينٍ مِنَ الأدْيانِ؛ ﴿وأخَواتُكُمْ﴾؛ أيْ: أشِقّاءَ؛ أوْ لا؛ ﴿وعَمّاتُكُمْ﴾؛ كَذَلِكَ؛ ﴿وخالاتُكُمْ﴾؛ أيْضًا؛ والضّابِطُ لَهُما أنَّ كُلَّ ذَكَرٍ رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْهِ فَأُخْتُهُ عَمَّتُكَ؛ وقَدْ تَكُونُ مِن جِهَةِ الأُمِّ؛ وهي أُخْتُ أبِي أُمِّكَ؛ وكُلُّ أُنْثى رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْها بِالوِلادَةِ؛ فَأُخْتُها خالَتُكَ؛ وقَدْ تَكُونُ الخالَةُ مِن جِهَةِ الأبِ؛ وهي أُخْتُ أمِّ أبِيكَ؛﴿وبَناتُ الأخِ﴾؛ شَقِيقًا كانَ؛ أوْ لا؛ ﴿وبَناتُ الأُخْتِ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ؛ وفُرُوعُهُنَّ؛ وإنْ سَفَلْنَ.

ولَمّا انْقَضى أمْرُ النَّسَبِ؛ وهو سَبْعَةُ أصْنافٍ؛ أتْبَعَهُ أمْرَ السَّبَبِ؛ وهو ثَمانِيَةٌ؛ أوَّلُهُ أزْواجُ الآباءِ؛ أفْرَدَها؛ وقَدَّمَها تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِها؛ لَمّا كانُوا اسْتَهانُوا مِن ذَلِكَ؛ وآخِرُهُ المُحْصَناتُ؛ وبَدَأ مِن هَذا القِسْمِ بِالأُمِّ مِنَ الرَّضاعِ؛ كَما بَدَأ النَّسَبَ بِالأُمِّ؛ فَقالَ: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾؛ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ النَّسَبِ؛ ولِذَلِكَ سَمّاها أُمًّا؛ فَكُلُّ أُنْثى انْتَسَبْتَ بِاللَّبَنِ إلَيْها فَهي أُمُّكَ؛ وهي مَن أرْضَعَتْكَ؛ أوْ أرْضَعَتِ امْرَأةً أرْضَعَتْكَ؛ أوْ رَجُلًا أرْضَعَكَ بِلَبانِهِ مِن زَوْجَتِهِ؛ أوْ أُمِّ ولَدِهِ؛ وكُلُّ امْرَأةٍ ولَدَتِ امْرَأةً أرْضَعَتْكَ؛ أوْ رَجُلًا أرْضَعَكَ؛ فَهي أُمُّكَ مِنَ الرَّضاعَةِ؛ والمُراضَعَةُ أُخْتُكَ؛ وزَوْجُ المُرْضِعَةِ الَّذِي أرْضَعَتْ هي بِلَبانِهِ أبُوكَ؛ وأبَواهُ جَدّاكَ؛ وأُخْتُهُ عَمَّتُكَ؛ وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ لَهُ مِن غَيْرِ المُرْضِعَةِ قَبْلَ الرَّضاعِ وبَعْدَهُ إخْوَةُ الأبِ؛ وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتُكَ؛ وأُخْتُها خالَتُكَ؛ وكُلُّ مَن وُلِدَ لَها مِن هَذا الزَّوْجِ إخْوَةٌ لِأبٍ وأُمٍّ؛ ومَن وُلِدَ لَها مِن غَيْرِهِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأُمٍّ؛ فَعَلى ذَلِكَ يَنْزِلُ قَوْلُهُ: ﴿وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ كَما في النَّسَبِ؛ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ خَمْسَ رَضْعاتٍ؛ وفي الحَوْلَيْنِ؛ وبِتَسْمِيَةِ المُرْضِعَةِ أُمًّا؛ والمُشارِكَةِ في الرِّضاعِ أُخْتًا عُلِمَ أنَّ الرَّضاعَ كالنَّسَبِ؛ كَما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «”يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ“؛» فالصُّورَتانِ مُنَبِّهَتانِ عَلى بَقِيَّةِ السَّبْعِ؛ الأُمُّ مُنَبِّهَةٌ عَلى البِنْتِ؛ بِجامِعِ الوِلادَةِ؛ والأخَواتُ عَلى العَمّاتِ؛ والخالاتِ؛ وبَناتِ الأخِ؛ وبَناتِ الأُخْتِ؛ بِجامِعِ الأُخُوَّةِ.

ولَمّا انْقَضى ما هو كَلُحْمَةِ النَّسَبِ أتْبَعَهُ أمْرَ ما بِالمُصاهَرَةِ؛ فَقالَ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾؛ أيْ: دَخَلْتُمْ بِهِنَّ؛ أوْ لا؛ - لِما في ذَلِكَ مِن إفْسادِ ذاتِ البَيْنِ غالِبًا؛ ﴿ورَبائِبُكُمُ﴾؛ وذَكَرَ سَبَبَ الحُرْمَةِ فَقالَ: ﴿اللاتِي في …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

ولَمّا ذَكَرَ مُضارَّةَ الجَمْعِ أتْبَعَهُ مُضارَّةَ الإغارَةِ عَلى الحَقِّ؛ والأوَّلُ جَمْعٌ بَيْنَ المَنكُوحَيْنِ؛ وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ النّاكِحَيْنِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى النّائِبِ عَنْ فاعِلِ ”حُرِّمَتْ“:- ﴿والمُحْصَناتُ﴾؛ أيْ: الحَرائِرُ المُزَوَّجاتُ؛ لِأنَّهُنَّ مُنِعَتْ فُرُوجُهُنَّ بِالنِّكاحِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ؛ ﴿مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أزْواجِ أهْلِ الحَرْبِ؛ فَإنَّ المِلْكَ بِالأسْرِ يَقْطَعُ النِّكاحَ.

ولَمّا أتَمَّ ذَلِكَ قالَ - مُؤَكِّدًا لَهُ؛ ومُبَيِّنًا عَظَمَتَهُ -: ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: خُذُوا فَرْضَ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكم إيجابَ ما هو مَوْصُولٌ في الشَّيْءِ بِقَطْعِهِ مِنهُ؛ والزَمُوهُ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى غَيْرِهِ؛ وزادَ في تَأْكِيدِهِ بِأداةِ الوُجُوبِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ حِلَّ ما سِواهُ؛ أفْصَحَ بِهِ احْتِياطًا لِلْإيضاحِ؛ وتَعْظِيمًا لِحُرْمَتِها؛ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ﴾؛ وبَيَّنَ عَظَمَةَ هَذا التَّحْرِيمِ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي ذُكِرَ لَكم مِنَ المُحَرَّماتِ العَظِيمَةِ؛ ولَمّا كانَ الكَلامُ في المَنعِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالفاعِلِ؛ بَلْ قالَ؛ ”حُرِّمَتْ“؛ تَرَفُّقًا في الخِطابِ؛ حَثًّا عَلى الآدابِ؛ فَلَمّا وصَلَ الأمْرُ إلى الحَلِّ أظْهَرَهُ؛ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ؛ وتَأْنِيسًا لِلنُّفُوسِ؛ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ ونافِعٍ؛ وأبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والحاءِ؛ وأبْهَمَهُ في قِراءَةِ الباقِينَ؛ عَلى نَسَقِ ”حُرِّمَتْ“؛ لِأنَّ فاعِلَ الحِلِّ والحُرْمَةِ عِنْدَ أهْلِ هَذا الكِتابِ مَعْرُوفٌ أنَّهُ المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ أصْلًا؛ ثُمَّ أتْبَعَ التَّحْلِيلَ عِلَّتَهُ؛ فَقالَ: ﴿أنْ﴾؛ أيْ: إرادَةَ أنْ ﴿تَبْتَغُوا﴾؛ أيْ: تَطْلُبُوا؛ مُتَّبِعِينَ مَن شِئْتُمْ مِمّا أُحِلَّ لَكُمْ؛ ﴿بِأمْوالِكُمْ﴾؛ اللّاتِي تَدْفَعُونَها مُهُورًا؛ حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿مُحْصِنِينَ﴾؛ أيْ: قاصِدِينَ بِذَلِكَ العِفَّةَ لِأنْفُسِكُمْ؛ ولَهُنَّ؛ ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾؛ أيْ: قاصِدِينَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ؛ وصَبَّ الماءِ الدّافِقِ لِذَلِكَ فَقَطْ؛ وهو عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ إلّا زِنًا؛ سِرًّا وجَهْرًا؛ فَيَكُونُ فِيهِ حِينَئِذٍ إضاعَةُ المالِ؛ وإهْلاكُ الدِّينِ؛ ولا مَفْسَدَةَ أعْظَمُ مِمّا يَجْمَعُ هَذَيْنِ الخُسْرانَيْنِ.

ولَمّا تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ وأثْناءَها الأمْرُ بِدَفْعِ الصَّداقِ؛ والنَّهْيُ عَنْ أخْذِ شَيْءٍ مِمّا دُفِعَ إلى المَرْأةِ؛ وكانَ ذَلِكَ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ أوْ قَبْلَهُ؛ مُسَمًّى أوْ لا؛ قالَ هُنا - مُسَبِّبًا عَنْ الابْتِغاءِ المَذْكُورِ -: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ﴾؛ أيْ: أوْجَدْتُمُ المَتاعَ؛ وهو الِانْتِفاعُ؛ ﴿بِهِ مِنهُنَّ﴾؛ بِالبِناءِ بِها؛ مُتَطَلِّبِينَ لِذَلِكَ مِن وُجُوهِهِ الصَّحِيحَةِ؛ راغِبِينَ فِيهِ؛ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ كامِلَةً؛ وهي المُهُورُ؛ ﴿فَرِيضَةً﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِها واجِبَةً مِنَ اللَّهِ؛ ومُسَمّاةً؛ مُقَدَّرَةً؛ قَدَّرْتُمُوها عَلى أنْفُسِكُمْ؛ ويَجُوزُ كَوْنُهُ تَأْكِيدًا لِـ ”آتُوا“؛ بِمَصْدَرٍ مِن مَعْناهُ؛ ﴿ولا جُناحَ﴾؛ أيْ: حَرَجَ؛ ومَيْلَ؛ ﴿عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ والأزْواجُ؛ ﴿مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾؛ أيْ: مِن طَلاقٍ؛ أوْ فِراقٍ؛ أوْ زِيادَةٍ؛ أوْ نَقْصٍ؛ إنْ كانَتْ مَوْجُودَةَ؛ مُقَدَّرَةً؛ أوْ مِن مَهْرِ المِثْلِ؛ مِن بَعْدِ تَقْدِيرِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُسَمّاةً فِيمَن عُقِدَ عَلَيْها؛ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةِ صَداقٍ.

ولَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا مَضى ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ الجَلِيلِ؛ عُرِفَ أنَّهُ كُلَّهُ في الحَرائِرِ؛ لِأنَّهُ الوَجْهُ الأحْكَمُ في النِّكاحِ؛ وأتْبَعَهُ تَعْلِيمَ الحِكْمَةِ في نِكاحِ الإماءِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”هَذا حُكْمُ مَنِ اسْتَطاعَ نِكاحَ حُرَّةٍ -: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿طَوْلا﴾؛ أيْ: سَعَةً؛ وزِيادَةً؛ عَبَّرَ فِيما قَبْلَهُ بِالمالِ؛ تَهْوِينًا لِبَذْلِهِ بِأنَّهُ مَيّالٌ؛ لا ثَباتَ لَهُ؛ وهُنا بِالطَّوْلِ؛ الَّذِي مَعْناهُ:“الَّتِي قَلَّ مَن يَجِدُها”؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: لِأنْ ﴿يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾؛ أيْ: الحَرائِرَ؛ فَإنَّ الحُرَّةَ مَظِنَّةُ العِفَّةِ الجاعِلَةِ لَها فِيما هو كالحِصْنِ عَلى مُرِيدِ الفَسادِ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَصُونُونَهُنَّ؛ وهُنَّ يَصُنَّ أنْفُسَهُنَّ عَنْ أنْ يَكُنَّ كالإماءِ؛ ﴿المُؤْمِناتِ﴾؛ بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُؤْنَةِ؛ وغَلاءِ المَهْرِ؛ ﴿فَمِن﴾؛ أيْ: فَلْيَنْكِحْ؛ إنْ أرادَ؛ مِن ﴿ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ أيْ: مِمّا مَلَكَ غَيْرُكم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿مِن فَتَياتِكُمُ﴾؛ أيْ: إمائِكُمْ؛ وأُطْلِقَتِ الفُتُوَّةُ - وهِيَ الشَّبابُ - عَلى الرَّقِيقِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ الشّابُّ؛ لِتَكْلِيفِ السَّيِّدِ لَهُ إلى الخِدْمَةِ؛ وعَدَمِ تَوْقِيرِهِ؛ وإنْ كانَ شَيْخًا؛ ثُمَّ وضَّحَ المُرادَ بِالإضافَةِ؛ فَقالَ: ﴿المُؤْمِناتِ﴾؛ أيْ: لا مِنَ الحَرائِرِ الكافِراتِ؛ ولا مِمّا مَلَكْتُمْ مِنَ الإماءِ الكافِراتِ؛ ولا مِمّا مَلَكَ الكُفّارُ؛ حَذَرًا مِن مُخالَطَةِ كافِرَةٍ؛ خَوْفًا مِنَ الفِتْنَةِ - كَما مَضى في“البَقَرَةِ”؛ ولِئَلّا يَكُونَ الوَلَدُ المُسْلِمُ بِحُكْمِ تَبَعِيَّةِ أُمِّهِ في الرِّقِّ مِلْكًا لِكافِرٍ؛ هَذا ما تُفْهِمُهُ العِبارَةُ؛ ولَكِنَّهم قالُوا: إنَّ تَقْيِيدَ المُحْصَناتِ بِالمُؤْمِناتِ لا مَفْهُومَ لَهُ؛ وإلّا لَصارَ نِكاحُ الحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ المُباحُ بِآيَةِ“المائِدَةِ”؛ مَشْرُوطًا بِعَقْدِ مُسْلِمَةٍ؛ حُرَّةٍ كانَتْ أوْ أمَةً؛ ولَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ؛ ومَذْهَبُالشّافِعِيِّ أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى حُرَّةٍ كِتابِيَّةٍ؛ والظّاهِرُ أنَّ فائِدَةَ التَّقْيِيدِ النَّدْبُ إلى مُباعَدَةِ الكُفّارِ؛ فَلا يُنْكَحُ مِنهُنَّ إلّا لِضَرُورَةٍ؛ فَكَأنَّ هَذِهِ سُورَةُ المُواصَلَةِ؛ أسْقَطَ فِيها أهْلَ المُباعَدَةِ؛ و“المائِدَةُ”؛ سُورَةُ تَمامِ الدِّينِ؛ فَذَكَرَ فِيها ما يَجُوزُ لِأهْلِهِ؛ فَلا ضَرَرَ في القَيْدِ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ لا يَقْوى لِمُعارَضَةِ المَنطُوقِ مَعَ ما فِيهِ مِن فائِدَةِ النَّدْبِ إلى التَّرْكِ؛ وهَذا كَما أنَّ قَيْدَ الإحْصانِ هُنا لِلنَّدْبِ إلى عَدَمِ نِكاحِ الزَّوانِي؛ مَعَ جَوازِهِ بِآيَةِ“النُّورِ”: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ كَما يَأْتِي بَيانُهُ هُناكَ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى). ولَمّا شَرَطَ في هَذا النِّكاحِ الإيمانَ؛ وعَبَّرَ فِيهِ بِالوَصْفِ؛ وكانَ أمْرًا قَلْبِيًّا؛ لا يَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا اللَّهُ؛ أعْقَبَهُ بِبَيانِ أنَّهُ يُكْتَفى فِيهِ بِالظّاهِرِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ بِالمَعْلُوماتِ والمَقْدُوراتِ؛ ﴿أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾؛ فَرُبَّما ظَهَرَ ضَعْفُ إيمانِ أحَدٍ؛ والباطِنُ بِخِلافِهِ؛ لَكِنْ في التَّعْبِيرِ بِهِ؛ وبِالوَصْفِ؛ لا بِالفِعْلِ؛ إرْشادٌ إلى مَزِيدِ التَّحَرِّي مِن جِهَةِ الدِّينِ: «“فاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ؛ تَرِبَتْ يَداكَ”؛» ولَمّا اشْتُرِطَ الدِّينُ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ:“فالنَّسَبُ؟”؛ فَأُشِيرَ إلى عَدَمِ اشْتِراطِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾؛ أيْ: كُلُّكم مِن آدَمَ؛ وإنْ تَشَعَّبْتُمْ بَعْدَهُ؛ …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ - الحَلالَ والحَرامَ مِن هَذِهِ الحُدُودِ؛ والأحْكامِ؛ وخَتَمَها بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ؛ بَيَّنَ ما أرادَ بِها مِن مُوجِباتِ الرَّحْمَةِ؛ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ؛ لِتُشْكَرَ؛ وتَحْذِيرًا مِن أنْ تُنْسى فَتُكْفَرَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ إنْزالَ هَذِهِ الأحْكامِ عَلى هَذا النِّظامِ؛ ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: لِيُوقِعَ لَكُمُ البَيانَ الشّافِيَ فِيما لَكُمْ؛ وعَلَيْكُمْ؛ مِن شَرائِعِ الدِّينِ؛ ﴿ويَهْدِيَكُمْ﴾؛ أيْ: يُعَرِّفَكُمْ؛ ﴿سُنَنَ﴾؛ أيْ: طُرُقَ ﴿الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ بَعْضَ الماضِينَ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ: الأنْبِياءِ؛ وأتْباعِهِمْ؛ ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: يَرْجِعَ بِكم عَنْ كُلِّ ما لا يُرْضِيهِ؛ لا سِيَّما ما يَجُرُّ إلى المُقاطَعَةِ - مِثْلِ مَنعِ النِّساءِ والأطْفالِ الإرْثَ؛ ومِثْلِ نِكاحِ ما يَحَرُمُ نِكاحُهُ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَأعْلَمَهم بِهَذا أنَّهم لَمْ يَخُصَّهم بِهَذِهِ التَّكالِيفِ؛ بَلْ يَسْلُكُ بِهِمْ فِيها صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى لَهم إلى القَبُولِ؛ وأعْوَنَ عَلى الِامْتِثالِ؛ ولِيَتَحَقَّقُوا أنَّ إلْقاءَ أهْلِ الكِتابِ الشُّبَهَ إلَيْهِمْ؛ وتَذْكِيرَهم بِالأضْغانِ؛ لِإرادَةِ إلْقاءِ العَداوَةِ؛ مَحْضُ حَسَدٍ لِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في مِنَنِهِمْ؛ إذْ هُدُوا لِسُنَنِهِمْ؛ وما أحْسَنَ خَتْمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فَلا يَشْرَعُ لَكم شَيْئًا إلّا وهو في غايَةِ الإحْكامِ؛ فاعْمَلُوا بِهِ يُوصِلْكم إلى دارِ السَّلامِ.

بَيانُ ذَلِكَ أنَّ ما في هَذِهِ السُّورَةِ الأمْرُ بِالتَّقْوى؛ والحَثُّ عَلَيْها؛ وبَيانُ الفَرائِضِ؛ وأمْرِ الزُّناةِ؛ وما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ النِّساءِ؛ والتَّحَرِّي في الأمْوالِ؛ والإحْسانُ إلى النّاسِ؛ لا سِيَّما الأيْتامَ والوالِدَيْنِ؛ والإذْعانُ لِلْأحْكامِ؛ وتَحْرِيمُ القَتْلِ؛ والأمْرُ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ؛ وغَيْرِها؛ وكُلُّ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ أُصُولُهُ في التَّوْراةِ؛ كَما هو مَبْثُوثٌ في هَذا الدِّيوانِ عَنْ نُصُوصِها في المَواضِعِ اللّائِقَةِ بِهِ؛ لَكِنَّ القُرْآنَ أحْسَنُ بَيانًا؛ وأبْلَغُ تِبْيانًا؛ وأبْدَعُ شَأْنًا؛ وألْطَفُ عِبارَةً؛ وأدَقُّ إشارَةً؛ وأعْجَبُ ذَلِكَ أنَّ سَبَبَ إنْزالِ فَرائِضِ المِيراثِ في شَرِيعَتِنا النِّساءُ؛ فَفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما؛ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «مَرِضْتُ فَعادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ فَأتانِي وقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ؛ وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ: عادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ في بَنِي سَلَمَةَ؛ ماشِيَيْنِ؛ فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ﷺ لا أعْقِلُ؛ فَدَعا بِماءٍ فَتَوَضَّأ؛ فَصَبَّ عَلَيَّ وضُوءَهُ؛ فَأفَقْتُ؛ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَيْفَ أصْنَعُ في مالِي؟ وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إنَّما يَرِثُنِي كَلالَةٌ؛ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ؛ وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ وكانَتْ لِي تِسْعُ أخَواتٍ؛ حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ؛ وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ: فَنَزَلَتْ؛ وفي رِوايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: حَتّى نَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وفي رِوايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]؛ الآيَةُ؛» وقالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ ولِأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ؛ وابْنِ ماجَةَ؛ والدّارَقُطْنِيِّ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «”جاءَتِ امْرَأةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْها مِن سَعْدٍ - …

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

ولَمّا قَرَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إرادَتَهُ لِصَلاحِهِمْ ورَغَّبَ في اتِّباعِ الهُدى بِعِلْمِهِ؛ وحِكْمَتِهِ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ بِلُطْفٍ مِنهُ وعِظَمِ سُلْطانِهِ؛ ﴿يُرِيدُ﴾؛ أيْ: بِإنْزالِهِ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ؛ وإرْسالِهِ هَذا الرَّسُولَ الكَرِيمَ؛ ﴿أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: يَرْجِعَ لَكم بِالبَيانِ الشّافِي عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِن طُرُقِ الضَّلالِ؛ لِما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَمى بِالجَهْلِ؛ وزادَهم في ذَلِكَ رَغْبَةً؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿الشَّهَواتِ﴾؛ أيْ: مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ وغَيْرِهِمْ؛ كَشَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الأعْداءِ؛ ﴿أنْ تَمِيلُوا﴾؛ أيْ: عَنْ سَبِيلِ الرَّشادِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: إلى أنْ تَصِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلالِ؛ فَقَدْ أبْلَغَ - سُبْحانَهُ - في الحَمْلِ عَلى الهُدى؛ بِمُوافَقَةِ الوَلِيِّ المُنْعِمِ الجَلِيلِ؛ الَّذِي لا تَلْحَقُهُ شائِبَةُ نَقْصٍ؛ ومُخالَفَةُ العَدُوِّ الحَسُودِ الجاهِلِ؛ النّازِلِ مِن أوْجِ العَقْلِ إلى حَضِيضِ طِباعِ البَهائِمِ.

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

ولَمّا كانَ المَيْلُ مُتْعِبًا لِمُرْتَكِبِهِ؛ أخْبَرَهم أنَّ عِلَّةَ بَيانِهِ لِلْهِدايَةِ؛ وإرادَتِهِ التَّوْبَةَ؛ الرِّفْقُ بِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو الَّذِي لَهُ الجَلالُ؛ والجَمالُ؛ وجَمِيعُ العَظَمَةِ؛ والكَمالِ؛ ﴿أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: يَفْعَلَ في هَذا البَيانِ؛ وهَذِهِ الأحْكامِ؛ فِعْلَ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ؛ فَيَضَعَ عَنْكُمُ الآصارَ الَّتِي كانَتْ عَلى مَن كانَ قَبْلَكُمُ؛ الحامِلَةَ عَلى المَيْلِ؛ ويُرَخِّصَ لَكم في بَعْضِ الأشْياءِ؛ كَنِكاحِ الأمَةِ - عَلى ما تَقَدَّمَ -؛ ودَلَّ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ بِالواوِ العاطِفَةِ؛ لِأنَّكم خُلِقْتُمْ ضُعَفاءَ؛ يَشُقُّ عَلَيْكُمُ الثِّقْلُ؛ ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ﴾؛ أيْ: الَّذِي أنْتُمْ بَعْضُهُ؛ ﴿ضَعِيفًا﴾؛ مَبْناهُ الحاجَةُ؛ فَهو لا يَصْبِرُ عَنِ النِّكاحِ؛ ولا غَيْرِهِ مِنَ الشَّهَواتِ؛ ولا يَقْوى عَلى فِعْلِ شَيْءٍ إلّا بِتَأْيِيدِ مِنهُ - سُبْحانَهُ.

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

ولَمّا كانَ غالِبُ ما مَضى مَبْنِيًّا عَلى الأمْوالِ تارَةً بِالإرْثِ؛ وتارَةً بِالجُعْلِ في النِّكاحِ؛ حَلالًا أوْ حَرامًا؛ قالَ (تَعالى) - إنْتاجًا مِمّا مَضى؛ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ؛ وبَيَّنَ ضَعْفَ هَذا النَّوْعِ كُلِّهِ؛ فَبَطَلَ تَعْلِيلُهم لِمَنعِ النِّساءِ؛ والصِّغارِ مِنَ الإرْثِ بِالضَّعْفِ؛ وبَعْدَ أنْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّرَصُّفِ في أمْرِ النِّكاحِ بِالأمْوالِ؛ وغَيْرِها حِفْظًا لِلْأنْسابِ؛ ذاكِرًا كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في الأمْوالِ؛ تَطْهِيرًا لِلْإنْسانِ؛ مُخاطِبًا لِأدْنى الأسْنانِ في الإيمانِ؛ تَرْفِيعًا لِغَيْرِهِمْ عَنْ مِثْلِ هَذا الشَّأْنِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ والتِزامِ الأحْكامِ؛ ولَمّا كانَ الأكْلُ أعْظَمَ المَقاصِدِ بِالمالِ؛ وكانَ العَرَبُ يَرَوْنَ التَّهافُتَ عَلى الأكْلِ أعْظَمَ العارِ؛ وإنْ كانَ حَلالًا؛ كَنّى بِهِ التَّناوُلَ فَقالَ: ﴿لا تَأْكُلُوا﴾؛ أيْ: تَتَناوَلُوا؛ ﴿أمْوالَكُمْ﴾؛ أيْ: الأمْوالَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ قِيامًا لِلنّاسِ؛ ﴿بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾؛ أيْ: مِنَ التَّسَبُّبِ فِيها؛ بِأخْذِ نَصِيبِ النِّساءِ والصِّغارِ؛ مِنَ الإرْثِ؛ وبِعَضْلِ بَعْضِ النِّساءِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ؛ وغَيْرِهِ.

ولَمّا نَهى عَنِ الأكْلِ بِالباطِلِ؛ اسْتَدْرَكَ ما لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿إلا أنْ تَكُونَ﴾؛ أيْ: المُعامَلَةُ المُدارَةُ المُتَداوَلَةُ بَيْنَكُمْ؛ ﴿تِجارَةً﴾؛ هَذا في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالنَّصْبِ؛ وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ: إلّا أنْ تُوجَدَ تِجارَةٌ كائِنَةٌ؛ ﴿عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: غَيْرِ مَنهِيٍّ عَنْهُ مِنَ الشّارِعِ؛ ولَعَلَّ الإتْيانَ بِأداةِ الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ - والمَعْنى عَلى المُنْقَطِعِ - لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تَصَرُّفاتِ الدُّنْيا كُلَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يَجْرِيَ عَلَيْها اسْمُ الباطِلِ؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ ”إلّا“؛ مَعْنِيًّا بِها تَزْهِيدًا فِيها؛ وصَدًّا عَنْ الِاسْتِكْثارِ مِنها؛ وتَرْغِيبًا فِيما يَدُومُ نَفْعُهُ بِبَقائِهِ؛ وهَكَذا كُلُّ اسْتِثْناءٍ مُنْقَطِعٍ في القُرْآنِ؛ مَن تَأمَّلَهُ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدَ لِلْعُدُولِ عَنِ الحَرْفِ المَوْضُوعِ لَهُ - وهو ”لَكِنْ“ - إلى صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ حِكْمَةً بالِغَةً؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.

ولَمّا كانَ المالُ عَدِيلَ الرُّوحِ؛ ونَهى عَنْ إتْلافِهِ بِالباطِلِ؛ نَهى عَنْ إتْلافِ النَّفْسِ؛ لِكَوْنِ أكْثَرِ إتْلافِهِمْ لَها بِالغاراتِ؛ لِنَهْبِ الأمْوالِ؛ وما كانَ بِسَبَبِها؛ وتَسْبِيبِها؛ عَلى أنَّ مَن أُكِلَ مالُهُ ثارَتْ نَفْسُهُ؛ فَأدّى ذَلِكَ إلى الفِتَنِ الَّتِي رُبَّما كانَ آخِرُها القَتْلَ؛ فَكانَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ أنْسَبَ شَيْءٍ؛ لِما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ التَّعاطُفِ؛ والتَّواصُلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: حَقِيقَةً؛ بِأنْ يُباشِرَ الإنْسانُ قَتْلَ نَفْسِهِ؛ أوْ مَجازًا بِأنْ يَقْتُلَ بَعْضُكم بَعْضًا؛ فَإنَّ الأنْفُسَ واحِدَةٌ؛ وذَلِكَ أيْضًا يُؤَدِّي إلى قَتْلِ نَفْسِ القاتِلِ؛ فَلا تَغْفُلُوا عَنْ حَظِّ أنْفُسِكم مِنَ الشُّكْرِ؛ فَمَن غَفَلَ عَنْ حَظِّها فَكَأنَّما قَتَلَها؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِما يُلِينُ أقْسى النّاسِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ؛ الَّتِي لا تُدانِيها عَظَمَةٌ؛ ﴿كانَ بِكُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ حَيْثُ خَفَّفَ عَلَيْكم ما شَدَّدَهُ عَلى مَن كانَ قَبْلَكُمْ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: بَلِيغَ الرَّحْمَةِ؛ حَيْثُ يَسَّرَ لَكُمُ الطّاعَةَ؛ ووَفَّقَكم لَها؛ فَأبْلَغَ - سُبْحانَهُ - التَّرْغِيبَ في الِامْتِثالِ؛

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

ثُمَّ قالَ - تَرْهِيبًا مِن مُواقَعَةِ الضَّلالِ -: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: المَنهِيَّ عَنْهُ مِنَ القَتْلِ؛ وغَيْرِهِ؛ العَظِيمِ الإبْعادِ عَنْ حَضَراتِ الإلَهِ؛ ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وعَطْفُهُ لِلْوَصْفِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى تَناهِي كُلٍّ مِنهُما؛ هَذا مَعَ ما أفْهَمَهُ صِفَةُ الـ ”فُعْلانِ“؛ مِنَ المُبالَغَةِ؛ فَكانَ المُرادُ العَدُوَّ الشَّدِيدَ المُفْرِطَ المُتَجاوِزَ لِلْحُدُودِ؛ النّاشِئَ عَنِ العَهْدِ؛ وتَناهِي الظُّلْمِ الَّذِي لا شائِبَةَ فِيهِ لِلْحَقِّ؛ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾؛ أيْ: نُدْخِلُهُ إيّاها؛ بِوَعِيدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ وإنْ طالَ إمْهالُهُ؛ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي تُوُعِّدُ بِهِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ؛ والجَمالُ؛ ﴿يَسِيرًا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ لا يُنْقِصُهُ مِن مُلْكِهِ شَيْئًا؛ ولا يَمْنَعُ مِنهُ مانِعٌ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.