Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنْكارٌ لِأخْذِهِ إثْرَ إنْكارٍ وتَنْفِيرٍ عَنْهُ غَبَّ تَنْفِيرٍ وقَدْ بُولِغَ فِيهِ حَيْثُ وُجِّهَ الإنْكارُ إلى كَيْفِيَّةِ الأخْذِ إيذانًَا بِأنَّهُ مِمّا لا سَبِيلَ لَهُ إلى التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ أصْلًَا لِأنَّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ لابُدَّ أنْ يَكُونَ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَإذا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ حالٌ أصْلًَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الوُجُودِ قَطْعًَا. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تَأْخُذُونَهُ" مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ، أيْ: عَلى أيِّ حالٍ أوْ في أيِّ حالٍ تَأْخُذُونَهُ، والحالُ أنَّهُ قَدْ جَرى بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ أحْوالٌ مُنافِيَةٌ لَهُ مِنَ الخَلْوَةِ وتَقَرُّرِ المَهْرِ وثُبُوتِ حَقِّ خِدْمَتِهِنَّ لَكم وغَيْرِ ذَلِكَ.

﴿وَأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، أيْ: أخَذْنَ مِنكم عَهْدًَا وثِيقًَا وهو حَقُّ الصُّحْبَةِ والمُعاشَرَةِ أوْ ما أوْثَقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في شَأْنِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أوْ ما أشارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: « "أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى".»

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَن يَحْرُمُ نِكاحُها مِنَ النِّساءِ ومَن لا يَحْرُمُ، وإنَّما خُصَّ هَذا النِّكاحُ بِالنَّهْيِ ولَمْ يُنْظَمْ في سِلْكِ نِكاحِ المُحَرَّماتِ الآتِيَةِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنْهُ حَيْثُ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى تَعاطِيهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَزَوَّجُونَ بِأزْواجِ آبائِهِمْ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ واسْمُ الآباءِ يَنْتَظِمُ الأجْدادَ مَجازًَا فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ ما نَكَحُوها نَصًَّا وإجْماعًَا ويَسْتَقِلُّ في إثْباتِ هَذِهِ الحُرْمَةِ نَفْسُ النِّكاحِ إذا كانَ صَحِيحًَا، وأمّا إذا كانَ فاسِدًَا فَلا بُدَّ في إثْباتِها مِنَ الوَطْءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ التَّقْبِيلِ والمَسِّ بِشَهْوَةٍ ونَحْوِهِما بَلْ هو المُثْبِتُ لَها في الحَقِيقَةِ حَتّى لَوْ وقَعَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ أوْ بِالوَجْهِ المُحَرَّمِ تَثْبُتُ بِهِ الحُرْمَةُ عِنْدَنا خِلافًَا لِلشّافِعِيِّ في المُحَرَّمِ، أيْ: لا تَنْكِحُوُا الَّتِي نَكَحَها آباؤُكُمْ، وإيثارُ "ما" عَلى "مَن" لِلذَّهابِ إلى الوَصْفِ، وقِيلَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ عَلى إرادَةِ المَفْعُولِ مِنَ المَصْدَرِ.

﴿مِنَ النِّساءِ﴾ بَيانٌ لِما نُكِحَ عَلى الوَجْهَيْنِ.

﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِمّا نُكِحَ مُفِيدٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْرِيمِ بِإخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:

؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

والمَعْنى: لا تَنْكِحُوا حَلائِلَ آبائِكم إلّا مَن ماتَتْ مِنهُنَّ، والمَقْصُودُ: سَدُّ طَرِيقِ الإباحَةِ بِالكُلِّيَّةِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِمّا يَسْتَلْزِمُهُ النَّهْيُ ويَسْتَوْجِبُهُ مُباشَرَةً المَنهِيُّ عَنْهُ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ فَإنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعِقابِ إلّا ما قَدْ مَضى فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْناهُ: لَكِنَّ ما قَدْ سَلَفَ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ لا أنَّهُ مُقَرَّرٌ ويَأْباهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وبَيانٌ لِكَوْنِ المَنهِيِّ عَنْهُ في غايَةِ القُبْحِ مَبْغُوضًَا أشَدَّ البُغْضِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ مَوْصُوفًَا بِذَلِكَ ما رَخَّصَ فِيهِ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ فَلا يُلائِمُ أنْ يُوَسَّطَ بَيْنَهُما ما يُهَوِّنُ أمْرَهُ مِن تَرْكِ المُؤاخَذَةِ عَلى ما سَلَفَ مِنهُ.

﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ في كَلِمَةِ "ساءَ" قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّها جارِيَةٌ مَجْرى بِئْسَ في الذَّمِّ والعَمَلِ فَفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "وَساءَ سَبِيلًَا سَبِيلُ ذَلِكَ النِّكاحِ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الماءُ، وثانِيهِما: أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ وفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ "إنَّهُ" وسَبِيلًَا تَمْيِيزٌ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ كانَ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ هو المَعْطُوفُ في الحَقِيقَةِ تَقْدِيرُهُ: ومَقُولًَا في حَقِّهِ ساءَ سَبِيلًَا، فَإنَّ ألْسِنَةَ الأُمَمِ كافَّةً لَمْ تَزَلْ ناطِقَةً بِذَلِكَ في الأعْصارِ والأمْصارِ. قِيلَ: مَراتِبُ القُبْحِ ثَلاثٌ: القُبْحُ الشَّرْعِيُّ والقُبْحُ العَقْلِيُّ والقُبْحُ العادِيُّ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى هَذا النِّكاحَ بِكُلِّ …

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ لَيْسَ المُرادُ تَحْرِيمَ ذَواتِهِنَّ بَلْ تَحْرِيمَ نِكاحِهِنَّ، وما يُقْصَدُ بِهِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ وبَيانَ امْتِناعِ وُرُودِ مِلْكِ النِّكاحِ عَلَيْهِنَّ وانْتِفاءَ مَحَلِّيَّتِهِنَّ لَهُ رَأْسًَا، وأمّا حُرْمَةُ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ في المَوادِّ الَّتِي يُتَصَوَّرُ فِيها قَرارُ المِلْكِ كَما في بَعْضِ المَعْطُوفاتِ عَلى تَقْدِيرِ رِقِّهِنَّ فَثابِتَةٌ بِدِلالَةِ النَّصِّ لِاتِّحادِ المَدارِ الَّذِي هو عَدَمُ مَحَلِّيَّةِ أبْضاعِهِنَّ لِلْمِلْكِ لا بِعِبارَتِهِ بِشَهادَةِ سِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ وإنَّما لَمْ يُوجِبِ المَدارُ المَذْكُورُ امْتِناعَ وُرُودِ مِلْكِ اليَمِينِ رَأْسًَا ولا حُرْمَةَ سَبَبِهِ الَّذِي هو العَقْدُ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ كَما أوْجَبَ حُرْمَةَ عَقْدِ النِّكاحِ وامْتِناعَ وُرُودِ حُكْمِهِ عَلَيْهِنَّ لِأنَّ مَوْرِدَ مِلْكِ اليَمِينِ لَيْسَ هو البُضْعَ الَّذِي هو مَوْرِدُ مِلْكِ النِّكاحِ حَتّى يَفُوتَ بِفَواتِ مَحَلِّيَّتِهِ لَهُ كَمِلْكِ النِّكاحِ، فَإنَّهُ حَيْثُ كانَ مَوْرِدُهُ ذَلِكَ فاتَ بِفَواتِ مَحَلِّيَّتِهِ لَهُ قَطْعًَا وإنَّما مَوْرِدُهُ الرَّقَبَةُ المَوْجُودَةُ في كُلِّ رَقِيقٍ فَيَتَحَقَّقُ بِتَحَقُّقِ مَحَلِّهِ حَتْمًَا ثُمَّ يَزُولُ بِوُقُوعِ العِتْقِ في المَوادِّ الَّتِي سَبَبُ حُرْمَتِها مَحْضُ القَرابَةِ النَّسَبِيَّةِ كالمَذْكُوراتِ ويَبْقى في البَواقِي عَلى حالِهِ مُسْتَتْبِعًَا لِجَمِيعِ أحْكامِهِ المَقْصُودَةِ مِنهُ شَرْعًَا، وأمّا حَلُّ الوَطْءِ فَلَيْسَ مِن تِلْكَ الأحْكامِ فَلا ضَيْرَ في تَخَلُّفِهِ عَنْهُ كَما في المَجُوسِيَّةِ، والأُمَّهاتُ تَعُمُّ الجَدّاتِ وإنْ عَلَوْنَ، والبَناتُ تَتَناوَلُ بَناتِهِنَّ وإنْ سَفَلْنَ، والأخَواتُ يَنْتَظِمْنَ الأخَواتِ مِنَ الجِهاتِ الثَّلاثِ وكَذا الباقِياتُ والعَمَّةُ كُلُّ أُنْثى ولَدَها مَن ولَدَ والِدَكَ، والخالَةُ كُلُّ أُنْثى ولَدَها مَن ولَدَ والِدَتَكَ قَرِيبًَا أوْ بَعِيدًَا، وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ تَتَناوَلُ.القُرْبى والبُعْدى.

﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ نَزَّلَ اللَّهُ تَعالى الرَّضاعَةَ مَنزِلَةَ النَّسَبِ حَتّى سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًَّا لِلرَّضِيعِ والمُراضَعَةَ أُخْتًَا، وكَذَلِكَ زَوْجُ المُرْضِعَةِ أبُوهُ وأبَواهُ جَدّاهُ وأُخْتُهُ عَمَّتُهُ وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ لَهُ مِن غَيْرِ المُرْضِعَةِ قَبْلَ الرَّضاعِ وبَعْدَهُ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتُهُ وأُخْتُها خالَتُهُ وكُلُّ مَن وُلِدَ لَها مِن هَذا الزَّوْجِ فَهم إخْوانُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ ومَن ولَدُها مِن غَيْرِهِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأُمِّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ﴾ وهو حُكْمٌ كُلِّيٌّ جارٍ عَلى عُمُومِهِ، وأمّا أُمُّ أخِيهِ لِأبٍ وأُخْتُ ابْنِهِ لِأُمٍّ وأُمُّ أُمِّ ابْنِهِ وأُمُّ عَمِّهِ وأُمُّ خالِهِ لِأبٍ فَلَيْسَتْ حُرْمَتُهُنَّ مِن جِهَةِ النَّسَبِ حَتّى يَحِلَّ بِعُمُومِهِ ضَرُورَةَ حِلِّهِنَّ في صُوَرِ الرَّضاعِ بَلْ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ، ألا يُرى أنَّ الأُولى مَوْطُوءَةُ أبِيهِ والثّانِيَةَ بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِ والثّالِثَةَ أُمُّ مَوْطُوءَتِهِ والرّابِعَةَ مَوْطُوءَةُ جَدِّهِ الصَّحِيحِ والخامِسَةَ مَوْطُوءَةُ جَدِّهِ الفاسِدِ.

﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ إثْرَ بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ الرَّضاعَةِ الَّتِي …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

﴿والمُحْصَناتُ﴾ بِفَتْحِ الصّادِ، وهُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ أحْصَنَهُنَّ التَّزَوُّجُ أوِ الأزْواجُ أوِ الأوْلِياءُ أيْ: أعَفَّهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ عَنْ غَيْرِ أزْواجِهِنَّ أوْ أحْصَنَّ أزْواجَهُنَّ. وقِيلَ: الصِّيغَةُ لِلْفاعِلِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًَا وفَتْحُ الصّادِ مَحْمُولٌ عَلى الشُّذُوذِ كَما في نَظِيرَيْهِ مُلْقَحٍ ومُسْهَبٍ مِن ألْقَحَ وأسْهَبَ. قِيلَ: ورَدَ الإحْصانُ في القرآن بِإزاءِ أرْبَعَةِ مَعانٍ، الأوَّلُ: التَّزَوُّجُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، الثّانِي: العِفَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾، الثّالِثُ: الحُرِّيَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾، والرّابِعُ: الإسْلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ . قِيلَ في تَفْسِيرِهِ، أيْ: أسْلَمْنَ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى المُحَرَّماتِ السّابِقَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنها، أيْ: كائِناتٍ مِنَ النِّساءِ، وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ عُمُومِها لا دَفْعُ تَوَهُّمِ شُمُولِها لِلرِّجالِ بِناءً عَلى كَوْنِها صِفَةً لِلْأنْفُسِ كَما تُوُهِّمَ.

﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْصَناتِ اسْتِثْناءَ النَّوْعِ مِنَ الجِنْسِ أيْ: مَلَكْتُمُوهُ، وإسْنادُ المِلْكِ إلى الأيْمانِ لِما أنَّ سَبَبَهُ الغالِبَ هو الصِّفَةُ الواقِعَةُ بِها، وقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ في الأرِقّاءِ لاسِيَّما في إناثِهِمْ وهُنَّ المُراداتُ هَهُنا رِعايَةً لِلْمُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مِلْكِ النِّكاحِ الوارِدِ عَلى الحَرائِرِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُنَّ بِـ"ما" لِإسْقاطِهِنَّ بِما فِيهِنَّ مِن قُصُورِ الرِّقِّ عَنْ رُتْبَةِ العُقَلاءِ، وهي إمّا عامَّةٌ حَسَبَ عُمُومِ صِلَتِها فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِإخْراجِ جَمِيعِ أفْرادِها مِن حُكْمِ التَّحْرِيمِ بِطَرِيقِ شُمُولِ النَّفْيِ بَلْ بِطَرِيقِ نَفْيِ الشُّمُولِ المُسْتَلْزِمِ لِإخْراجِ بَعْضِها، أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ عَلى الإطْلاقِ إلّا المُحْصَناتُ اللّاتِي مَلَكْتُمُوهُنَّ فَإنَّهُنَّ لَسْنَ مِنَ المُحَرَّماتِ عَلى الإطْلاقِ بَلْ فِيهِنَّ مَن لا يَحْرُمُ نِكاحُهُنَّ في الجُمْلَةِ وهُنَّ المَسْبِيّاتُ بِغَيْرِ أزْواجِهِنَّ أوْ مُطْلَقًَا حَسَبَ اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، وإمّا خاصَّةٌ بِالمَذْكُوراتِ فالمَعْنى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ إلّا اللّاتِي سُبِينَ فَإنَّ نِكاحَهُنَّ مَشْرُوعٌ في الجُمْلَةِ أيْ: لِغَيْرِ مُلّاكِهِنَّ، وأمّا حِلُّهُنَّ لَهم بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ فَمَفْهُومٌ بِدِلالَةِ النَّصِّ لِاتِّحادِ المَناطِ لا بِعِبارَتِهِ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالمُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ بِحُكْمِ مِلْكِ النِّكاحِ وإنَّما ثُبُوتُ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ بِطَرِيقِ دِلالَةِ النَّصِّ وذَلِكَ مِمّا لا يَجْرِي فِيهِ الِاسْتِثْناءُ قَطْعًَا، وأمّا عَدُّهُنَّ مِن ذَواتِ الأزْواجِ مَعَ تَحَقُّقِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ قَطْعًَا بِالتَّبايُنِ أوْ بِالسَّبْيِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ فَمَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِ النّاسِ حَيْثُ كانُوا حِينَئِذٍ غافِلِينَ عَنِ الفُرْقَةِ، ألا يُرى إلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن أنَّهُ قالَ: أصَبْنا يَوْمَ أوْطاسٍ سَبايا لَهُنَّ أزْواجٌ فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ - وفي رِوايَةٍ عَنْهُ …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ﴾ "مَن" إمّا شَرْطِيَّةٌ ما بَعْدَها شَرْطُها أوْ مَوْصُولَةٌ ما بَعْدَها صِلَتُها والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ "يَسْتَطِعْ" أيْ: حالَ كَوْنِهِ مِنكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَوْلا﴾ أوْ غِنىً وسَعَةً، أيِ: اعْتِلاءً ونَيْلًَا وأصْلُهُ الزِّيادَةُ والفَضْلُ مَفْعُولٌ لِـ"يَسْتَطِعْ". وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ إمّا مَفْعُولٌ صَرِيحٌ لِـ"طَوْلًَا" فَإنَّ إعْمالَ المَصْدَرِ المُنَوَّنِ شائِعٌ ذائِعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم أنْ يَنالَ نِكاحَهُنَّ، وإمّا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم غِنىً إلى نِكاحِهِنَّ أوْ لِنِكاحِهِنَّ، فالجارُّ في مَحَلِّ النَّصْبِ صِفَةً لِـ"طَوْلًَا" أيْ: طَوْلًَا مُوصِلًَا إلَيْهِ أوْ كائِنًَا لَهُ أوْ عَلى نِكاحِهِنَّ عَلى أنَّ الطَّوْلَ بِمَعْنى القُدْرَةِ، في القامُوسِ: الطَّوْلُ والطّائِلُ والطّائِلَةُ الفَضْلُ والقُدْرَةُ والغِنى والسَّعَةُ، ومَحَلُّ "أنْ" بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ نَصْبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ وجَرٌّ عِنْدَ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، وإمّا بَدَلٌ مِن "طَوْلًَا" لِأنَّ الطَّوْلَ فَضْلٌ والنِّكاحَ قُدْرَةٌ، وإمّا مَفْعُولٌ لِـ"يَسْتَطِعْ" و"طَوْلًَا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ لِأنَّهُ بِمَعْناهُ؛ إذِ الاسْتِطاعَةُ هي الطَّوْلُ أوْ تَمْيِيزٌ، أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم نِكاحَهُنَّ اسْتِطاعَةً أوْ مِن جِهَةِ الطَّوْلِ والغِنى، أيْ: لا مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ والمِزاجِ فَإنَّ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ، والمُرادُ بِالمُحْصَناتِ: الحَرائِرُ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِنَّ بِالمَمْلُوكاتِ فَإنَّ حُرِّيَّتَهُنَّ أحْصَنَتْهُنَّ عَنْ ذُلِّ الرِّقِّ والِابْتِذالِ وغَيْرِهِما مِن صِفاتِ القُصُورِ والنُّقْصانِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ إمّا جَوابٌ لِلشَّرْطِ أوْ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ حُذِفَ مَفْعُولُهُ و"ما" مَوْصُولَةٌ، أيْ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأةً أوْ أمَةً مِنَ النَّوْعِ الَّذِي مَلَكَتْهُ أيْمانُكم وهو في الحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـذَلِكَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأةً كائِنَةً مِن ذَلِكَ النَّوْعِ. وقِيلَ: "مِن" زائِدَةٌ والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، أيْ: فَلْيَنْكِحْ ما مَلَكَتْهُ أيْمانُكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ في "مَلَكَتْ" الرّاجِعِ إلى ما. وقِيلَ: هو المَفْعُولُ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ عَلى زِيادَةِ "مِن" و "مِمّا مَلَكَتْ" مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فَتَياتِكم و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: فَلْيَنْكِحْ فَتَياتِكم كائِناتٍ بَعْضَ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم و"المُؤْمِناتِ" صِفَةٌ لِـ"فَتَياتِكُمْ" عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وقِيلَ: هو المَفْعُولُ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ و"مِمّا مَلَكَتْ" عَلى ما تَقَدَّمَ آنِفًَا و"مِن فَتَياتِكُمْ" حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ يُفِيدُ عَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ لِلْمُسْتَطِيعِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وعَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ أصْلًَا كَما هو رَأْيُ أهْلِ الحِجازِ وقَدْ جَوَّزَهُما أبُو …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ وبَيانِ كَوْنِها جارِيَةً عَلى مَناهِجِ المُهْتَدِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، قِيلَ: أصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ "يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ" فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ اللّازِمِ لِلْإرادَةِ ومَفْعُولُ "يُبَيِّنَ" مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِشَهادَةِ السِّباقِ والسِّياقِ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم ما هو خَفِيٌّ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكم أوْ ما تَعَبَّدَكم بِهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقِيلَ: مَفْعُولُ "يُرِيدُ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ تَشْرِيعَ ما شَرَعَ مِنَ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ لِأجْلِ التَّبْيِينِ لَكُمْ، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ ويُعْزى إلى سِيبَوَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ اللّامَ بِنَفْسِها ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ إضْمارِ أنْ وهي وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُتَقَدِّمِ فَإنَّ اللّامَ قَدْ تُقامُ مَقامَ أنْ في فِعْلِ الإرادَةِ والأمْرِ، فَيُقالُ: أرَدْتُ لِأذْهَبَ وأنْ أذْهَبَ وأمَرْتُكَ لِتَقُومَ وأنْ تَقُومَ. قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ وفي مَوْضِعٍ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾، وقالَ تَعالى: ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ وفي مَوْضِعٍ ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ﴾ وفي آخَرَ ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ: أنْ أعْدِلَ بَيْنَكُمْ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ وقالُوا: إنَّ وظِيفَةَ اللّامِ هي الجَرُّ والنَّصْبُ فِيما قالُوا بِإضْمارِ أنْ، أيْ: أُمِرْنا بِما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ ويُرِيدُونَ ما يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا. وقِيلَ: يُؤَوَّلُ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَ اللّامِ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ ويُجْعَلُ ما بَعْدَهُ خَبَرًَا لَهُ كَما في "تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ" أيْ: أنْ تَسْمَعَ بِهِ ويُعْزى بِهِ هَذا الرَّأْيُ إلى بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

﴿وَيَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ لِتَقْتَدُوا بِهِمْ.

﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ إذا تُبْتُمْ إلَيْهِ تَعالى عَمّا يَقَعُ مِنكم مِنَ التَّقْصِيرِ والتَّفْرِيطِ في مُراعاةِ ما كُلِّفْتُمُوهُ مِنَ الشَّرائِعِ - فَإنَّ المُكَلَّفَ قَلَّما يَخْلُو مِن تَقْصِيرٍ يَسْتَدْعِي تَلافِيَهُ بِالتَّوْبَةِ - ويَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم أوْ يُرْشِدُكم إلى ما يَرْدَعُكم عَنِ المَعاصِي ويَحُثُّكم عَلى التَّوْبَةِ أوْ إلى ما يَكُونُ كَفّارَةً لِسَيِّئاتِكُمْ، ولَيْسَ الخِطابُ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ حَتّى يَتَخَلَّفَ مُرادُهُ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ فِيمَن لَمْ يَتُبْ مِنهم بَلْ لِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَصُلَتْ لَهم هَذِهِ التَّوْبَةُ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شَرَعَ لَكم مِنَ الأحْكامِ.

﴿حَكِيمٌ﴾ مُراعٍ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ.

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كَمالِ مَنفَعَةِ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى وكَمالِ مَضَرَّةِ ما يُرِيدُ الفَجَرَةُ، لا لِبَيانِ إرادَتِهِ تَعالى لِتَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَكُونَ مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلتَّقْرِيرِ ولِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دِلالَةً عَلى دَوامِ الإرادَةِ ولَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ لِلْإشارَةِ إلى الحُدُوثِ ولِلْإيماءِ إلى كَمالِ المُبايَنَةِ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةِ والمُرادُ بِمُتَّبِعِي الشَّهَواتِ: الفَجَرَةُ فَإنَّ اتِّباعَها الِائْتِمارُ بِها وأمّا المُتَعاطِي لِما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ مِنَ المُشَهَّياتِ دُونَ غَيْرِهِ فَهو مُتَّبِعٌ لَهُ لا لَها. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقِيلَ: هُمُ المَجُوسُ حَيْثُ كانُوا يُحِلُّونَ الأخَواتِ مِنَ الأبِ وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ فَلَمّا حَرَّمَهُنَّ اللَّهُ تَعالى قالُوا: فَإنَّكم تُحِلُّونَ بِنْتَ الخالَةِ وبِنْتَ العَمَّةِ مَعَ أنَّ العَمَّةَ والخالَةَ عَلَيْكم حَرامٌ فانْكِحُوا بَناتِ الأخِ والأُخْتِ فَنَزَلَتْ.

﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ بِمُوافَقَتِهِمْ عَلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ واسْتِحْلالِ المُحَرَّماتِ وتَكُونُوا زُناةً مِثْلَهُمْ، وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ والضَّمِيرُ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ.

﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى مَيْلِ مَنِ اقْتَرَفَ خَطِيئَةً عَلى نُدْرَةٍ بِلا اسْتِحْلالٍ.

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بِما مَرَّ مِنَ الرُّخَصِ ما في عُهْدَتِكم مِن مَشاقِّ التَّكالِيفِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.

﴿وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ عاجِزًَا عَنْ مُخالَفَةِ هَواهُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى مُقابَلَةِ دَواعِيهِ وقُواهُ حَيْثُ لا يَصْبِرُ عَنِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ ولا يَسْتَخْدِمُ قُواهُ في مَشاقِّ الطّاعاتِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ ضَعْفُ الخِلْقَةِ ولا يُساعِدُهُ المَقامُ فَإنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّخْفِيفِ بِالرُّخْصَةِ في نِكاحِ الإماءِ ولَيْسَ لِضَعْفِ البِنْيَةِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ وإنَّما الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّخْفِيفُ في العِباداتِ الشّاقَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ضَعْفُهُ في أمْرِ النِّساءِ خاصَّةً حَيْثُ لا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: ما أيِسَ الشَّيْطانُ مِن بَنِي آدَمَ قَطُّ إلّا أتاهم مِن قِبَلِ النِّساءِ فَقَدْ أتى عَلَيَّ ثَمانُونَ سَنَةً وذَهَبَتْ إحْدى عَيْنىَّ وأنا أعْشُو بِالأُخْرى وإنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلىَّ فِتْنَةُ النِّساءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما "وَخَلَقَ الإنْسانَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والضَّمِيرُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثَمانِي آياتٍ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾، ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾، ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ .

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الحُرُماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ إثْرَ بَيانِ الحُرُماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأبْضاعِ، وتَصْدِيرُ الخِطابِ بِالنِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ والمُرادُ بِالباطِلِ: ما يُخالِفُ الشَّرْعَ كالغَصْبِ والسَّرِقَةِ والخِيانَةِ والقِمارِ وعُقُودِ الرِّبا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ الشَّرْعُ، أيْ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ.

﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ و"عَنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"تِجارَةً" أيْ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً صادِرَةً عَنْ تَراضٍ كَما في قَوْلِهِ:

؎ إذا كانَ يَوْمًَا ذا كَواكِبَ أشْنَعًَا

أيْ: إذا كانَ اليَوْمُ يَوْمًَا إلَخْ أوْ إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ أمْوالَ تِجارَةٍ، وقُرِئَ "تِجارَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ: ولَكِنِ اقْصُدُوا كَوْنَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ أيْ: وُقُوعَها أوْ ولَكِنَّ وُجُودَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيانِ سائِرِ أسْبابِ المِلْكِ لِكَوْنِها مُعْظَمَها وأغْلَبَها وُقُوعًَا وأوْفَقَها لِذَوِي المُرُوءاتِ، والمُرادُ بِالتَّراضِي: مُراضاةُ المُتَبايِعَيْنِ فِيما تَعاقَدا عَلَيْهِ في حالِ المُبايَعَةِ وقْتَ الإيجابِ والقَبُولِ عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حالَةَ الِافْتِراقِ عَنْ مَجْلِسِ العَقْدِ.

﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: مَن كانَ مِن جِنْسِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ كُلَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، وعَنِ الحَسَنِ: تَقْتُلُوا إخْوانَكُمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْ قَتْلِهِمْ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَفْعَلُهُ عاقِلٌ أوْ لا تُهْلِكُوا أنْفُسَكم بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ بِاقْتِرافِ ما يُفْضِي إلَيْهِ فَإنَّهُ القَتْلُ الحَقِيقِيُّ لَها كَما يُشْعِرُ بِهِ إيرادُهُ عَقِيبَ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ الحَرامِ فَيَكُونُ مُقَرِّرًَا لِلنَّهْيِ السّابِقِ. وقِيلَ: لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِالبَخْعِ كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ أوْ بِارْتِكابِ ما يُؤَدِّي إلى القَتْلِ مِنَ الجِناياتِ. وقِيلَ: بِإلْقائِها في التَّهْلُكَةِ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ تَأوَّلَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِخَوْفِ البَرْدِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ. وقُرِئَ "وَلا تُقَتِّلُوا" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ وقَدْ جُمِعَ في التَّوْصِيَةِ بَيْنَ حِفْظِ النَّفْسِ وحِفْظِ المالِ لِما أنَّهُ شَقِيقُها مِن حَيْثُ أنَّهُ سَبَبٌ لِقِوامِها وتَحْصِيلِ كَمالاتِها واسْتِيفاءِ فَضائِلِها وتَقْدِيمُ النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيْ: مُبالِغًَا في الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ ولِذَلِكَ نَهاكم عَمّا نَهى فَإنَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ لَكم بِالزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي ولِلَّذِينَ هم في مَعْرِضِ التَّعَرُّضِ لَهم بِحِفْظِ أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ كانَ بِكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحِيمًَا حَيْثُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم لِيَكُونَ تَوْبَةً لَهم وتَمْحِيصًَا لِخَطاياهم ولَمْ يُكَلِّفْكم تِلْكَ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ.

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القَتْلِ خاصَّةً أوْ لِما قَبْلَهُ مِن أكْلِ الأمْوالِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِما في الفَسادِ.

﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ أيْ: إفْراطًَا في التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ وإتْيانًَا بِما لا يَسْتَحِقُّهُ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالعُدْوانِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ بِالظُّلْمِ والظُّلْمُ عَلى النَّفْسِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ أوْ عَلى العِلِيَّةِ أىْ مُعْتَدِيًَا وظالِمًَا أوْ لِلْعُدْوانِ والظُّلْمِ، وقُرِئَ "عِدْوانًَا" بِكَسْرِ العَيْنِ.

﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ أىْ: نُدْخِلُهُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِن صَلّى وبِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ يَصْلِيهِ ومِنهُ شاةٌ مَصْلِيَّةٌ ويُصْلِيهِ بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلصَّلْيِ.

﴿نارًا﴾ أيْ: نارًَا مَخْصُوصَةً هائِلَةً شَدِيدَةَ العَذابِ.

﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ.

﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِتَحَقُّقِ الدّاعِي وعَدَمِ الصّارِفِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.