Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ أيْضًا، أنْكَرَ أوَّلًا الأخْذَ، ونَبَّهَ عَلى امْتِناعِ الأخْذِ بِكَوْنِهِ بُهْتانًا وإثْمًا. وأنْكَرَ ثانِيًا حالَةَ الأخْذِ، وأنَّها لَيْسَتْ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُجامَعَ حالَ الإفْضاءِ، لِأنَّ الإفْضاءَ وهو المُباشَرَةُ والدُّنُوُّ الَّذِي ما بَعْدَهُ دُنُوٌّ، يَقْتَضِي أنْ لا يُؤْخَذُ مَعَهُ شَيْءٌ مِمّا أعْطاهُ الزَّوْجُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى الإفْضاءِ أخْذَ النِّساءِ المِيثاقَ الغَلِيظَ مِنَ الأزْواجِ. والإفْضاءُ: الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وناسٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وأبُو الكَلْبِيُّ، والفَرّاءُ: هي الخَلْوَةُ، والمِيثاقُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ سِيرِينَ، والسُّدِّيُّ، وقَتادِةُ. قالَ قَتادَةُ: وكانَ يُقالُ لِلنّاكِحِ في صَدْرِ الإسْلامِ: عَلَيْكم لَتُمْسِكَنَّ بِمَعْرُوفٍ، أوْ لَتُسَرِّحَنَّ بِإحْسانٍ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: المِيثاقُ: كَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي اسْتَحْلَلْتُمْ بِها فُرُوجَهُنَّ، وهي قَوْلُ الرَّجُلِ: نَكَحْتُ ومَلَكْتُ النِّكاحَ، ونَحْوُهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو قَوْلُهُ: (اسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكم، أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ) وقالَ قَوْمٌ: المِيثاقُ: الوَلَدُ، إذْ بِهِ تَتَأكَّدُ أسْبابُ الحُرْمَةِ وتَقْوى دَواعِي الأُلْفَةِ. وقِيلَ: ما شُرِطَ في العَقْدِ مِن أنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما تَقْوى اللَّهِ، وحُسْنَ الصُّحْبَةِ والمُعاشَرَةَ بِالمَعْرُوفِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: حَقُّ الصُّحْبَةِ والمُضاجَعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأخَذْنَ بِهِ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا، أيْ بِإفْضاءِ بَعْضِكم إلى بَعْضٍ. ووَصَفَهُ بِالغِلَظِ لِقُوَّتِهِ وعِظَمِهِ، فَقَدْ قالُوا: صُحْبَةُ عِشْرِينَ يَوْمًا قَرابَةٌ، فَكَيْفَ بِما يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الِاتِّحادِ والِامْتِزاجِ ؟ انْتَهى كَلامُهُ.

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] وقَدْ ذَكَرُوا قِصَصًا، مَضْمُونُها أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَتَزَوَّجُ امْرَأةَ أبِيهِ، وسَمَّوْا جَماعَةً تَزَوَّجُوا زَوْجاتِ آبائِهِمْ بَعْدَ مَوْتِ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في النِّكاحِ: أهُوَ حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ، أمْ في العَقْدِ، أمْ مُشْتَرَكٌ ؟ قالُوا: ولَمْ يَأْتِ النِّكاحُ بِمَعْنى العَقْدِ إلّا في ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] وهَذا الحَصْرُ مَنقُوضٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] . واخْتُلِفَ في (ما) مِن قَوْلِهِ: ما نَكَحَ. فالمُتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ أنَّها مَفْعُولُهُ، وأنَّها واقِعَةٌ عَلى النَّوْعِ كَهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] أيْ: ولا تَنْكِحُوا النَّوْعَ الَّذِي نَكَحَ آباؤُكم. وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ (ما) تَقَعُ عَلى أنْواعِ مَن يَعْقِلُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَمْنَعُ وُقُوعَها عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ. أمّا مَن يُجِيزُ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَتَّضِحُ حَمْلُ (ما) في الآيَةِ عَلَيْهِ، وقَدْ زَعَمَ أنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. وعَلى هَذا المَفْهُومِ مِن إطْلاقِ (ما) عَلى مَنكُوحاتِ الآباءِ تَلَقَّتِ الصَّحابَةُ الآيَةَ واسْتَدَلُّوا بِها عَلى تَحْرِيمِ نِكاحِ الأبْناءِ حَلائِلَ الآباءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يَحْرُمُ إلّا امْرَأةَ الأبِ، والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ امْرَأةٍ تَزَوَّجَها أبُوكَ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ، فَهي عَلَيْكَ حَرامٌ.

وقالَ قَوْمٌ: ما مَصْدَرِيَّةٌ. والتَّقْدِيرُ: ولا تَنْكِحُوا نِكاحَ آبائِكم أيْ: مِثْلَ نِكاحِ آبائِكُمُ الفاسِدِ، أوِ الحَرامِ الَّذِي كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ في الجاهِلِيَّةِ كالشِّغارِ وغَيْرِهِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبَ الأمِيرِ أيْ: مِثْلَ ضَرْبِ الأمِيرِ. ويُبَيِّنُ كَوْنَهُ حَرامًا أوْ فاسِدًا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ واخْتارَ هَذا القَوْلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قالَ: ولَوْ كانَ مَعْناهُ ولا تَنْكِحُوا النِّساءَ اللّاتِي نَكَحَ آباؤُكم، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ ما مِن. وحَمَلَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وعَطاءٌ النِّكاحَ هُنا عَلى الوَطْءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَرِثُونَ نِكاحَ نِسائِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في جَماعَةٍ: المُرادُ بِهِ العَقْدُ الصَّحِيحُ، لا ما كانَ مِنهم بِالزِّنا. انْتَهى.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: إلّا ما قَدْ سَلَفَ مُنْقَطِعٌ، إذْ لا يُجامِعُ الِاسْتِقْبالُ الماضِيَ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أنْ يَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُهم، دَلَّ عَلى أنَّ مُتَعاطِيَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ آثِمٌ، وتَطَرَّقَ الوَهْمُ إلى ما صَدَرَ مِنهم قَبْلَ النَّهْيِ ما حُكْمُهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ أيْ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَلَمْ يَكُنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّهْيُ فَلا إثْمَ فِيهِ. ولَمّا حَمَلَ ابْنُ زَيْدٍ النِّكاحَ عَلى العَقْدِ الصَّحِيحِ، حَمَلَ قَوْلَهُ: إلّا ما قَدْ سَلَفَ، عَلى ما كانَ يَتَعاطاهُ بَعْضُهم مِنَ الزِّنا، فَقالَ: إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الآباءِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الزِّنا بِالنِّساءِ، فَذَلِكَ جائِزٌ لَكم زَواجُهم في الإسْلامِ، إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا، وكَأنَّهُ قِيلَ: ولا …

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكُمْ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ تَحْرِيمُ نِكاحِ امْرَأةِ الأبِ عَلى ابْنِهِ ولَيْسَتْ أُمَّهُ، كانَ تَحْرِيمُ أُمِّهِ أوْلى بِالتَّحْرِيمِ. ولَيْسَ هَذا مِنَ المُجْمَلِ، بَلْ هَذا مِمّا حُذِفَ مِنهُ المُضافُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: حُرِّمَ عَلَيْكَ الخَمْرُ، إنَّما يُفْهَمُ مِنهُ شُرْبُها. وحُرِّمَتْ عَلَيْكَ المَيْتَةُ، أيْ: أكْلُها. وهَذا مِن هَذا القَبِيلِ، فالمَعْنى: نِكاحُ أُمَّهاتِكم. ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] .

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: فِيها عِنْدِي بَحْثٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ بِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ لا تَصْرِيحَ فِيهِ بِأنَّ المُحَرِّمَ هو اللَّهُ. وثانِيها: أنَّ حُرِّمَتْ لا يَدُلُّ عَلى التَّأْبِيدِ، إذْ يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إلى المُؤَبَّدِ والمُؤَقَّتِ. وثالِثُها: أنَّ عَلَيْكم خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَيَخْتَصُّ بِالحاضِرِينَ. ورابِعُها: أنَّ حُرِّمَتْ ماضٍ، فَلا يَتَناوَلُ الحالَ والمُسْتَقْبَلَ. وخامِسُها: أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ يُحَرِّمُ عَلى كُلِّ أحَدٍ جَمِيعَ أُمَّهاتِهِمْ. وسادِسُها: أنَّ حُرِّمَتْ يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِسَبْقِ الحِلِّ، إذْ لَوْ كانَ حَرامًا لَما قِيلَ: حُرِّمَتْ. وثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ وحْدَهُ غَيْرُ كافٍ في إثْباتِ المَطْلُوبِ انْتَهى مُلَخَّصًا.

وهَذِهِ البُحُوثُ الَّتِي ذَكَرَها لا تَخْتَصُّ بِهَذا المَوْضِعِ ولا طائِلَ فِيها، إذْ مِنَ البَواعِثِ عَلى حَذْفِ الفاعِلِ العِلْمُ بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُحَرِّمَ هو اللَّهُ تَعالى. ألا تَرى إلى آخِرِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقالَ بَعْدُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] عَلى قِراءَةِ مَن بَناهُ لِلْفاعِلِ. ومَتى جاءَ التَّحْرِيمُ مِنَ اللَّهِ فَلا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا التَّأْبِيدُ، فَإنْ كانَ لَهُ حالَةُ إباحَةٍ نَصَّ عَلَيْها كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] وأمّا أنَّهُ صِيغَةُ ماضٍ فَيَخُصُّهُ فالأفْعالُ الَّتِي جاءَتْ يُسْتَفادُ مِنها الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ، وإنْ كانَتْ بِصِيغَةِ الماضِي فَإنَّها لا تَخُصُّهُ، فَإنَّها نَظِيرُ أقْسَمْتُ لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا لا يُرادُ بِها أنَّهُ صَدَرَ مِنهُ إقْسامٌ في زَمانٍ ماضٍ. فَإنْ كانَ الحُكْمُ ثابِتًا قَبْلَ وُرُودِ الفِعْلِ فَفائِدَتُهُ تَقْرِيرُ ذَلِكَ الحُكْمِ الثّابِتِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثابِتًا فَفائِدَتُهُ إنْشاءُ ذَلِكَ الحُكْمِ وتَجْدِيدُهُ. وأمّا أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ يُحَرِّمُ عَلى كُلِّ أحَدٍ جَمِيعَ أُمَّهاتِهِمْ فَلَيْسَ بِظاهِرٍ، ولا مَفْهُومٍ مِنَ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ ﴿عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ عامٌّ يُقابِلُهُ عامٌّ، ومَدْلُولُ العُمُومِ أنَّ تُقابِلَ كُلَّ واحِدٍ بِكُلِّ واحِدٍ واحِدٍ. أمّا أنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الجَمْعِيَّةِ فَلا؛ لِأنَّها لَيْسَتْ دَلالَةَ العامِّ. فَإنَّما المَفْهُومُ: حُرِّمَ عَلى كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنكم كُلُّ واحِدَةٍ واحِدَةٍ مِن أُمِّ نَفْسِهِ. والمَعْنى: حُرِّمَ عَلى هَذا أُمُّهُ، وعَلى هَذا أُمُّهُ، والأُمُّ المُحَرَّمَةُ شَرْعًا هي كُلُّ امْرَأةٍ رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْها بِالوِلادَةِ مِن جِهَةِ أبِيكَ، أوْ مِن جِهَةِ أُمِّكَ. ولَفْظُ الأُمِّ حَقِيقَةٌ في الَّتِي ولَدَتْكَ نَفْسُها. ودَلالَةُ لَفْظِ الأُمِّ عَلى الجَدَّةِ إنْ كانَ بالتَّواطُؤِ أوْ بِالِاشْتِراكِ، وجازَ حَمْلُهُ عَلى المُشْتَرِكِينَ، كانَ حَقِيقَةً، وتَناوَلَها …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الإحْصانُ: التَّزَوُّجُ، أوِ الحُرِّيَّةُ، أوِ الإسْلامُ، أوِ العِفَّةُ. وعَلى هَذِهِ المَعانِي تَصَرَّفَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ في القُرْآنِ، ويُفَسَّرُ كُلُّ مَكانٍ بِما يُناسِبُهُ مِنها. ورَوى أبُو سَعِيدٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا إلى أوْطاسَ، فَلَقَوْا عَدُوًّا وأصابُوا سَبْيًا لَهُنَّ أزْواجٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَتَأثَّمَ المُسْلِمُونَ مِن غِشْيانِهِنَّ، فَنَزَلَتْ» . فالمُحْصَناتُ هُنا المُزَوَّجاتُ. والمُسْتَثْنى هو السَّبايا، فَإذا وقَعَتْ في سَهْمِهِ مَن لَها زَوْجٌ فَهي حَلالٌ لَهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو سَعِيدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قِلابَةَ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وهَذا كَما قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎وذاتُ حَلِيلٍ أنَكَحَتْها رِماحُنا حَلالٌ لِمَن يَبْنِي بِها لَمْ تُطَلَّقِ

وقِيلَ: المُحْصَناتُ المُزَوَّجاتُ، والمُسْتَثْنى هُنَّ الإماءُ، فَتَحْرُمُ المُزَوَّجاتُ إلّا ما مُلِكَ مِنهُنَّ بِشِراءٍ، أوْ هِبَةٍ، أوْ صَدَقَةٍ، أوْ إرْثٍ. فَإنَّ مالِكَها أحَقُّ بِبُضْعِها مِنَ الزَّوْجِ، وبَيْعِها، وهِبَتِها، والصَّدَقَةِ بِها، وإرْثُها طَلاقٌ لَها. وإلى هَذا ذَهَبَ الأعْمَشِ، وأبُو جابِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وسَعِيدٌ، والحَسَنُ. وذَهَبَ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو العالِيَةِ، وعُبَيْدَةُ، وطاوُسٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: إلى أنَّ المُحْصَناتِ هُنَّ العَفائِفُ، وأُرِيدَ بِهِ كُلُّ النِّساءِ حَرامٌ، والشَّرائِعِ كُلُّها تَقْتَضِي ذَلِكَ. والمُسْتَثْنى مَعْناهُ: إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِنِكاحٍ أوْ بِمِلْكٍ، فَيَدْخُلُ ذَلِكَ كُلُّهُ تَحْتَ مِلْكِ اليَمِينِ. وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ المَعْنى تَحْرِيمَ الزِّنا. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ في المُحْصَناتِ أنَّهُنَّ الحَرائِرُ ؟ فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: بِنِكاحٍ إنْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وإنْ كانَ أُرِيدُ بِهِ الإماءُ كانَ مُنْقَطِعًا. قِيلَ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الإحْصانِ - إنْ تَعَلَّقَ بِالقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ مَعانِيهِ - الأرْبَعَةُ، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهاتُ الإحْصانِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ عَلى ظاهِرِ اسْتِعْمالِهِ في القُرْآنِ وفي السُّنَّةِ وعَرْفِ العُلَماءِ مِن أنَّ المُرادَ بِهِ الإماءُ، ويَعُودُ الِاسْتِثْناءُ إلى ما صَحَّ أنْ يَعُودَ عَلَيْهِ مِن جِهاتِ الإحْصانِ. وكُلُّ ما صَحَّ مِلْكُها مِلْكَ يَمِينٍ حَلَّتْ لِمالِكِها مِن مَسْبِيَّةٍ أوْ مَمْلُوكَةٍ مُزَوَّجَةٍ.

ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في فَتْحِ الصّادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾، واخْتَلَفُوا في سِوى هَذا فَقَرَأ الكِسائِيُّ: بِكَسْرِ الصّادِ، سَواءٌ كانَ مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ، أمْ نَكِرَةً. وقَرَأ باقِيهِمْ وعَلْقَمَةُ: بِالفَتْحِ، كَهَذا المُتَّفَقِ عَلَيْهِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ: (والمُحْصُناتُ) بِضَمِّ الصّادِ اتِّباعًا لِضَمَّةِ المِيمِ، كَما قالُوا (مُنْتُنٌ) ولَمْ يَعْتَدُّوا بِالحاجِزِ لِأنَّهُ ساكِنٌ، فَهو حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ. وقالَ مَكِّيٌّ: فائِدَةُ قَوْلِهِ: (مِنَ النِّساءِ) - أنَّ المُحْصَناتِ تَقَعُ عَلى الأنْفُسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] لَوْ أُرِيدَ بِهِ النِّساءُ خاصَّةً، لَما حُدَّ مَن قَذَفَ رَجُلًا بِنَصِّ القُرْآنِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ حَدَّهُ بِهَذا النَّصِّ.

﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ انْتَصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وهو فِعْلٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ الطَّوْلُ: السَّعَةُ في المالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومالِكٌ في المُدَوَّنَةِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ورَبِيعَةُ: الطَّوْلُ هُنا الجَلَدُ والصَّبْرُ لِمَن أحَبَّ أمَةً وهو بِها حَتّى صارَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَها فَلَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها، وإنْ كانَ يَجِدُ سَعَةً في المالِ لِنِكاحِ حُرَّةٍ. والمُحْصَناتُ هُنا الحَرائِرُ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّقْسِيمُ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الإماءِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ العَفائِفُ، وهو ضَعِيفٌ.

واخْتَلَفُوا في جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ لِواجِدِ طَوْلِ الحُرَّةِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَطِعْ ما يَتَزَوَّجُ بِهِ الحُرَّةَ المُؤْمِنَةَ وخافَ العَنَتَ، فَيَجُوزُ لَهُ أنَّ يَتَزَوَّجَ الأمَةَ المُؤْمِنَةَ، ويَكُونُ هَذا تَخْصِيصًا لْعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فَيَكُونُ تَخْصِيصًا في النّاكِحِ بِشَرْطِ ألّا يَجِدَ طَوْلَ الحُرَّةِ ويَخافَ العَنَتَ، وتَخْصِيصًا في إمائِكم بِقَوْلِهِ: مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ، وتَخْصِيصُ جَوازِ نِكاحِ الإماءِ بِالمُؤْمِناتِ لِغَيْرِ واجِدِ طَوْلِ الحُرَّةِ، هو مَذْهَبُ أهْلِ الحِجازِ. فَلا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، وبِهِ قالَ: الأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ. وذَهَبَ العِراقِيُّونَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ والثَّوْرِيُّ ومِنَ التّابِعِينَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ إلى جَوازِ ذَلِكَ. ونِكاحُ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ أفْضَلُ، فَحَمَلُوهُ عَلى الفَضْلِ لا عَلى الوُجُوبِ. واسْتَدَلُّوا عَلى أنَّ الإيمانَ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِكَوْنِهِ وُصِفَ بِهِ الحَرائِرُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾، ولَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِنَّ اتِّفاقًا، لَكِنَّهُ أفْضَلُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَّعَ اللَّهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ بِنِكاحِ الأمَةِ، واليَهُودِيَّةِ، والنَّصْرانِيَّةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ اخْتِلافًا كَثِيرًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيِّ، ومَكْحُولٍ: لا يَتَزَوَّجُ الأمَةَ إلّا مَن لا يَجِدُ طَوْلًا لِلْحُرَّةِ، وهَذا هو ظاهِرُ القُرْآنِ. ورُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ: أنَّ نِكاحَها بِمَنزِلَةِ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، يَعْنِي: أنَّهُ يُباحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وإبْراهِيمَ، والحَسَنِ، والزُّهْرِيِّ: أنَّ لَهُ نِكاحَها، وإنْ كانَ مُوسِرًا. ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أنَّهُ يَتَزَوَّجُها إنْ خَشِيَ أنْ يَزْنِيَ بِها، ولَوْ كانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ. قالَ عَطاءٌ: يَتَزَوَّجُ الأمَةَ عَلى الحُرَّةِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا يَتَزَوَّجُها عَلَيْها إلّا المَمْلُوكُ. وقالَ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومَكْحُولٌ في آخَرِينَ: لا يَتَزَوَّجُها عَلَيْها. وهَذا الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ، لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَنْكِحُ الأمَةَ إلّا مَن لا يَجِدُ طَوْلًا لِلْحُرَّةِ. فَإذا كانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، فَبِالأوْلى أنْ لا يَجُوزَ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ، لِأنَّ وِجْدانَ الطَّوْلِ لِلْحُرَّةِ إنَّما هو سَبَبٌ لِتَحْصِيلِها، فَإذا كانَتْ حاصِلَةً كانَ أوْلى بِالمَنعِ. وقالَ إبْراهِيمُ: يَتَزَوَّجُ الأمَةَ …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ مَفْعُولُ (يَتُوبَ) مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ، هَذا هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ: تَحْلِيلُ ما حَلَّلَ، وتَحْرِيمُ ما حَرَّمَ، وتَشْرِيعُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والمَعْنى: يُرِيدُ اللَّهُ تَكْلِيفَ ما كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ مِمّا ذَكَرَ لِأجْلِ التَّبْيِينِ لَهم بِهِدايَتِهِمْ، فَمُتَعَلِّقُ الإرادَةِ غَيْرُ التَّبْيِينِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ولا يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ التَّبْيِينَ، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَعَدِّي الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ المُتَأخِّرِ بِوَساطَةِ اللّامِ، وإلى إضْمارِ (أنْ) بَعْدَ لامٍ لَيْسَتْ لامَ الجُحُودِ، ولا لامَ كَيْ، وكِلاهُما لا يَجُوزُ عِنْدَهم. ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ: أنَّ مُتَعَلِّقَ الإرادَةِ هو التَّبْيِينُ، واللّامُ هي النّاصِبَةُ بِنَفْسِها لا (أنْ) مُضْمَرَةٌ بَعْدَها. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: إذا جاءَ مِثْلُ هَذا قُدِّرَ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَ اللّامِ بِالمَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ: إرادَةُ اللَّهِ لِما يُرِيدُ لِيُبَيِّنَ، وكَذَلِكَ أُرِيدُ لا يَنْسى ذِكْرَها، أيْ: إرادَتِي لا يَنْسى ذِكْرَها. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] أيْ: أُمِرْنا بِما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَسَبَهُ ابْنُ عِيسى لِسِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ، وهَذا يُبْحَثُ في عِلْمِ النَّحْوِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم، فَزِيدَتِ اللّامُ مُؤَكِّدَةً لِإرادَةِ التَّبْيِينِ، كَما زِيدَتْ في لا أبا لَكَ لِتَأْكِيدِ إضافَةِ الأبِ، والمَعْنى: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم ما خَفِيَ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكُمُ. انْتَهى كَلامُهُ وهو خارِجٌ عَنْ أقْوالِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ. وأمّا كَوْنُهُ خارِجًا عَنْ أقْوالِ البَصْرِيِّينَ فَلِأنَّهُ جَعَلَ اللّامَ مُؤَكِّدَةً مُقَوِّيَةً لِتَعَدِّي (يُرِيدُ)، والمَفْعُولُ مُتَأخِّرٌ، وأضْمَرَ (أنْ) بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ. وأمّا كَوْنُهُ خارِجًا عَنْ قَوْلِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم يَجْعَلُونَ النَّصْبَ بِاللّامِ، لا بِـ (أنْ)، وهو جَعْلُ النَّصْبِ بِـ (أنْ) مُضْمَرَةً بَعْدَ اللّامِ. وذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: لِيُبَيِّنَ لَكم لامُ العاقِبَةِ، قالَ: كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ولَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُ (يُبَيِّنَ) .

قالَ عَطاءٌ: يُبَيِّنُ لَكم ما يُقَرِّبُكم. وقالَ أبُو الكَلْبِيُّ: يُبَيِّنُ لَكم أنَّ الصَّبْرَ عَنْ نِكاحِ الإماءِ خَيْرٌ. وقِيلَ: ما فَصَّلَ مِنَ المُحَرَّماتِ والمُحَلَّلاتِ. وقِيلَ: شَرائِعَ دِينِكم، ومَصالِحَ أُمُورِكم. وقِيلَ: طَرِيقَ مَن قَبْلَكم إلى الجَنَّةِ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، فَيَكُونُ مَفْعُولُ (لِيُبَيِّنَ) ضَمِيرًا مَحْذُوفًا يُفَسِّرُهُ مَفْعُولُ (ويَهْدِيَكم)، نَحْوَ: ضَرَبْتُ وأهَنْتُ زَيْدًا، التَّقْدِيرُ: لِيُبَيِّنَها لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أيْ لِيُبَيِّنَ لَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم.

والسُّنَنُ: جُمَعُ سُنَّةٍ، وهي الطَّرِيقَةُ. واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، هَلْ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الهِدايَةِ لِسُنَنِهِمْ ؟ أوْ عَلى التَّشْبِيهِ ؟ أيْ: سُنَنًا مِثْلَ سُنَنِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. فَمَن قالَ بِالأوَّلِ أرادَ أنَّ السُّنَنَ هي ما حَرُمَ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ بِالنَّسَبِ والرَّضاعِ …

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ مَفْعُولُ (يَتُوبَ) مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ، هَذا هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ: تَحْلِيلُ ما حَلَّلَ، وتَحْرِيمُ ما حَرَّمَ، وتَشْرِيعُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والمَعْنى: يُرِيدُ اللَّهُ تَكْلِيفَ ما كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ مِمّا ذَكَرَ لِأجْلِ التَّبْيِينِ لَهم بِهِدايَتِهِمْ، فَمُتَعَلِّقُ الإرادَةِ غَيْرُ التَّبْيِينِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ولا يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ التَّبْيِينَ، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَعَدِّي الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ المُتَأخِّرِ بِوَساطَةِ اللّامِ، وإلى إضْمارِ (أنْ) بَعْدَ لامٍ لَيْسَتْ لامَ الجُحُودِ، ولا لامَ كَيْ، وكِلاهُما لا يَجُوزُ عِنْدَهم. ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ: أنَّ مُتَعَلِّقَ الإرادَةِ هو التَّبْيِينُ، واللّامُ هي النّاصِبَةُ بِنَفْسِها لا (أنْ) مُضْمَرَةٌ بَعْدَها. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: إذا جاءَ مِثْلُ هَذا قُدِّرَ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَ اللّامِ بِالمَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ: إرادَةُ اللَّهِ لِما يُرِيدُ لِيُبَيِّنَ، وكَذَلِكَ أُرِيدُ لا يَنْسى ذِكْرَها، أيْ: إرادَتِي لا يَنْسى ذِكْرَها. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] أيْ: أُمِرْنا بِما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَسَبَهُ ابْنُ عِيسى لِسِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ، وهَذا يُبْحَثُ في عِلْمِ النَّحْوِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم، فَزِيدَتِ اللّامُ مُؤَكِّدَةً لِإرادَةِ التَّبْيِينِ، كَما زِيدَتْ في لا أبا لَكَ لِتَأْكِيدِ إضافَةِ الأبِ، والمَعْنى: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم ما خَفِيَ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكُمُ. انْتَهى كَلامُهُ وهو خارِجٌ عَنْ أقْوالِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ. وأمّا كَوْنُهُ خارِجًا عَنْ أقْوالِ البَصْرِيِّينَ فَلِأنَّهُ جَعَلَ اللّامَ مُؤَكِّدَةً مُقَوِّيَةً لِتَعَدِّي (يُرِيدُ)، والمَفْعُولُ مُتَأخِّرٌ، وأضْمَرَ (أنْ) بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ. وأمّا كَوْنُهُ خارِجًا عَنْ قَوْلِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم يَجْعَلُونَ النَّصْبَ بِاللّامِ، لا بِـ (أنْ)، وهو جَعْلُ النَّصْبِ بِـ (أنْ) مُضْمَرَةً بَعْدَ اللّامِ. وذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: لِيُبَيِّنَ لَكم لامُ العاقِبَةِ، قالَ: كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ولَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُ (يُبَيِّنَ) .

قالَ عَطاءٌ: يُبَيِّنُ لَكم ما يُقَرِّبُكم. وقالَ أبُو الكَلْبِيُّ: يُبَيِّنُ لَكم أنَّ الصَّبْرَ عَنْ نِكاحِ الإماءِ خَيْرٌ. وقِيلَ: ما فَصَّلَ مِنَ المُحَرَّماتِ والمُحَلَّلاتِ. وقِيلَ: شَرائِعَ دِينِكم، ومَصالِحَ أُمُورِكم. وقِيلَ: طَرِيقَ مَن قَبْلَكم إلى الجَنَّةِ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، فَيَكُونُ مَفْعُولُ (لِيُبَيِّنَ) ضَمِيرًا مَحْذُوفًا يُفَسِّرُهُ مَفْعُولُ (ويَهْدِيَكم)، نَحْوَ: ضَرَبْتُ وأهَنْتُ زَيْدًا، التَّقْدِيرُ: لِيُبَيِّنَها لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أيْ لِيُبَيِّنَ لَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم.

والسُّنَنُ: جُمَعُ سُنَّةٍ، وهي الطَّرِيقَةُ. واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، هَلْ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الهِدايَةِ لِسُنَنِهِمْ ؟ أوْ عَلى التَّشْبِيهِ ؟ أيْ: سُنَنًا مِثْلَ سُنَنِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. فَمَن قالَ بِالأوَّلِ أرادَ أنَّ السُّنَنَ هي ما حَرُمَ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ بِالنَّسَبِ والرَّضاعِ …

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ مَفْعُولُ (يَتُوبَ) مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ، هَذا هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ: تَحْلِيلُ ما حَلَّلَ، وتَحْرِيمُ ما حَرَّمَ، وتَشْرِيعُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والمَعْنى: يُرِيدُ اللَّهُ تَكْلِيفَ ما كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ مِمّا ذَكَرَ لِأجْلِ التَّبْيِينِ لَهم بِهِدايَتِهِمْ، فَمُتَعَلِّقُ الإرادَةِ غَيْرُ التَّبْيِينِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ولا يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ التَّبْيِينَ، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَعَدِّي الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ المُتَأخِّرِ بِوَساطَةِ اللّامِ، وإلى إضْمارِ (أنْ) بَعْدَ لامٍ لَيْسَتْ لامَ الجُحُودِ، ولا لامَ كَيْ، وكِلاهُما لا يَجُوزُ عِنْدَهم. ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ: أنَّ مُتَعَلِّقَ الإرادَةِ هو التَّبْيِينُ، واللّامُ هي النّاصِبَةُ بِنَفْسِها لا (أنْ) مُضْمَرَةٌ بَعْدَها. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: إذا جاءَ مِثْلُ هَذا قُدِّرَ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَ اللّامِ بِالمَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ: إرادَةُ اللَّهِ لِما يُرِيدُ لِيُبَيِّنَ، وكَذَلِكَ أُرِيدُ لا يَنْسى ذِكْرَها، أيْ: إرادَتِي لا يَنْسى ذِكْرَها. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] أيْ: أُمِرْنا بِما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَسَبَهُ ابْنُ عِيسى لِسِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ، وهَذا يُبْحَثُ في عِلْمِ النَّحْوِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم، فَزِيدَتِ اللّامُ مُؤَكِّدَةً لِإرادَةِ التَّبْيِينِ، كَما زِيدَتْ في لا أبا لَكَ لِتَأْكِيدِ إضافَةِ الأبِ، والمَعْنى: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم ما خَفِيَ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكُمُ. انْتَهى كَلامُهُ وهو خارِجٌ عَنْ أقْوالِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ. وأمّا كَوْنُهُ خارِجًا عَنْ أقْوالِ البَصْرِيِّينَ فَلِأنَّهُ جَعَلَ اللّامَ مُؤَكِّدَةً مُقَوِّيَةً لِتَعَدِّي (يُرِيدُ)، والمَفْعُولُ مُتَأخِّرٌ، وأضْمَرَ (أنْ) بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ. وأمّا كَوْنُهُ خارِجًا عَنْ قَوْلِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم يَجْعَلُونَ النَّصْبَ بِاللّامِ، لا بِـ (أنْ)، وهو جَعْلُ النَّصْبِ بِـ (أنْ) مُضْمَرَةً بَعْدَ اللّامِ. وذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: لِيُبَيِّنَ لَكم لامُ العاقِبَةِ، قالَ: كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ولَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُ (يُبَيِّنَ) .

قالَ عَطاءٌ: يُبَيِّنُ لَكم ما يُقَرِّبُكم. وقالَ أبُو الكَلْبِيُّ: يُبَيِّنُ لَكم أنَّ الصَّبْرَ عَنْ نِكاحِ الإماءِ خَيْرٌ. وقِيلَ: ما فَصَّلَ مِنَ المُحَرَّماتِ والمُحَلَّلاتِ. وقِيلَ: شَرائِعَ دِينِكم، ومَصالِحَ أُمُورِكم. وقِيلَ: طَرِيقَ مَن قَبْلَكم إلى الجَنَّةِ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، فَيَكُونُ مَفْعُولُ (لِيُبَيِّنَ) ضَمِيرًا مَحْذُوفًا يُفَسِّرُهُ مَفْعُولُ (ويَهْدِيَكم)، نَحْوَ: ضَرَبْتُ وأهَنْتُ زَيْدًا، التَّقْدِيرُ: لِيُبَيِّنَها لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أيْ لِيُبَيِّنَ لَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم.

والسُّنَنُ: جُمَعُ سُنَّةٍ، وهي الطَّرِيقَةُ. واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، هَلْ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الهِدايَةِ لِسُنَنِهِمْ ؟ أوْ عَلى التَّشْبِيهِ ؟ أيْ: سُنَنًا مِثْلَ سُنَنِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. فَمَن قالَ بِالأوَّلِ أرادَ أنَّ السُّنَنَ هي ما حَرُمَ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ بِالنَّسَبِ والرَّضاعِ …

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢] ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣] ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] الجارُ: القَرِيبُ المَسْكَنِ مِنكَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِقَوْلِهِمْ: جاوَرْتُ، ويُجْمَعُ عَلى جِيرانٍ وجِيرَةٍ. والجُنُبُ: البَعِيدُ. والجَنابَةُ البُعْدُ، قالَ:

؎فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عَنْ جَنابَةٍ فَإنِّي امْرُؤٌ وسَطَ القِبابِ غَرِيبُ

وهُوَ مِنَ الِاجْتِنابِ، وهو أنْ يُتْرَكَ الرَّجُلُ جانِبًا. وقالَ تَعالى: (واجْنُبْنِي) أيْ بَعِّدْنِي، وهو وصْفٌ عَلى فِعْلٍ كَناقَةٍ سَرَحٍ.

المُخْتالُ: المُتَكَبِّرُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اخْتالَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ؛ لِقَوْلِهِمُ: الخُيَلاءُ والمَخِيلَةُ. ويُقالُ: خالَ الرَّجُلُ يَخُولُ خَوْلًا إذا تَكَبَّرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، فَتَكُونُ هَذِهِ مادَّةً أُخْرى، لِأنَّ تِلْكَ مُرَكَّبَةٌ مِن خَيَلَ (خ ي ل)، وهَذِهِ مادَّةٌ مِن (خ و ل) . الفَخُورُ: فَعُولٌ مِن فَخَرَ، والفَخْرُ عَدُّ المَناقِبِ عَلى سَبِيلِ الشُّغُوفِ والتَّطاوُلِ.

القَرِينُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، مِن قارَنَهُ إذا لازَمَهُ وخالَطَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ قَرِينَةً. ومِنهُ قِيلَ لَمّا يَلْزَمْنَ الإبِلَ والبَقَرَ: قَرِينانِ، ولِلْحَبَلِ الَّذِي يَشُدّانِ بِهِ قَرْنٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ

وقالَ:

؎كَمُدْخِلٍ رَأْسَهُ لَمْ يُدْنِهِ أحَدٌ ∗∗∗ مِنَ القَرِينَيْنِ حَتّى لَزَّهُ القَرَنُ …

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما وقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وقَتْلِ الأنْفُسِ. لِأنَّ النَّهْيَ عَنْهُما جاءَ مُتَّسِقًا مَسْرُودًا، ثُمَّ ورَدَ الوَعِيدُ حَسَبَ النَّهْيِ. وذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ. وتَقْيِيدُ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ بِالِاعْتِداءِ والظُّلْمِ عَلى هَذا القَوْلِ لَيْسَ المَعْنى أنْ يَقَعَ عَلى جِهَةٍ لا يَكُونُ اعْتِداءً وظُلْمًا، بَلْ هو مِنَ الأوْصافِ الَّتِي لا يَقَعُ الفِعْلُ إلّا عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّما قالَ: عُدْوانًا وظُلْمًا لِيَخْرُجَ مِنهُ السَّهْوُ والغَلَطُ، وما كانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ في الأحْكامِ. وأمّا تَقْيِيدُ قَتْلِ الأنْفُسِ عَلى تَفْسِيرِ قَتْلِ بَعْضِنا بَعْضًا بِقَوْلِهِ: عُدْوانًا وظُلْمًا، فَإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ القَتْلَ يَقَعُ كَذَلِكَ، ويَقَعُ خَطَأً واقْتِصاصًا. وقِيلَ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو: قَتْلُ الأنْفُسِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، واخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى القَتْلِ أيْ: ومَن يُقْدِمُ عَلى قَتْلِ الأنْفُسِ عُدْوانًا وظُلْمًا لا خَطَأً ولا اقْتِصاصًا انْتَهى. ويَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِنَ النَّهْيِ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ وعِيدٌ، وهو مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] إلى هَذا النَّهْيِ الَّذِي هو ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم، فَأمّا ما قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ فَقَدِ اقْتَرَنَ بِهِ الوَعِيدُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ قَدِ اسْتَقَلَّتْ بِنَفْسِها، ولا يَظْهَرُ لَها تَعَلُّقٌ بِما بَعْدَها إلّا تَعَلُّقَ المُناسَبَةِ، ولا تَعَلُّقَ اضْطِرارِ المَعْنى. وأبْعَدُ مِن قَوْلِ الطَّبَرِيِّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِن أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما نَهى عَنْهُ مِنَ القَضايا، مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى النَّهْيِ الَّذِي أعْقَبَهُ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ . وجَوَّزَ الماتُرِيدِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، قالَ: وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى ما سَبَقَ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، أوْ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أوْ إلَيْهِما جَمِيعًا. انْتَهى. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

وانْتِصابُ ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُعْتَدِينَ وظالِمِينَ. وقُرِئَ: (عِدْوانًا) بِالكَسْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُصْلِيهِ بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ والأعْمَشُ: بِفَتْحِها مِن صَلاهُ، ومِنهُ شاةٌ مَصْلِيَّةٌ. وقُرِئَ أيْضًا: (نُصَلِّيهِ) مُشَدَّدًا. وقُرِئَ: (يُصْلِيهِ) بِالياءِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ هو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ: فَسَوْفَ يُصْلِيهِ هو، أيِ اللَّهُ تَعالى. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ، قالَ: لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْمُصَلِّي، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَدْلُولُ (نارًا) مُطْلَقٌ، والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - تَقْيِيدُها بِوَصْفِ الشِّدَّةِ، أوْ ما يُناسِبُ هَذا الجِرْمَ العَظِيمَ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ الأنْفُسِ.

﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى إصْلائِهِ النّارَ، ويُسْرُهُ عَلَيْهِ تَعالى سُهُولَتُهُ، لِأنَّ حُجَّتَهُ بالِغَةٌ وحُكْمَهُ لا …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.