Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 1–10 of 176

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.

سُورَةُ ”النِّساءِ“

مَقْصُودُها الِاجْتِماعُ عَلى التَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هَدَتْ إلَيْهِ ”آلُ عِمْرانَ“؛ والكِتابِ الَّذِي حَدَتْ عَلَيْهِ ”البَقَرَةُ“؛ لِأجْلِ الدِّينِ؛ الَّذِي جَمَعَتْهُ ”الفاتِحَةُ“؛ تَحْذِيرًا مِمّا أرادَهُ شَأْسُ بْنُ قَيْسٍ؛ وأنْظارُهُ؛ مِنَ الفُرْقَةِ؛ وهَذِهِ السُّورَةُ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ؛ رَوى البُخارِيُّ في ”فَضائِلُ القُرْآنِ“؛ عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ؛ أنَّ عِراقِيًّا سَألَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ ”عائِشَةَ“ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنْ تُرِيَهُ مُصْحَفَها؛ فَقالَتْ: ”لِمَ؟“؛ قالَ لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ؛ فَإنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ؛ قالَتْ: ”وما يَضُرُّكَ أيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إنَّما نَزَلَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ؛ فِيها ذِكْرُ الجَنَّةِ والنّارِ؛ حَتّى إذا ثابَ النّاسُ إلى الإسْلامِ؛ نَزَلَ الحَلالُ؛ والحَرامُ؛ ولَوْ نَزَلَ أوَّلُ شَيْءٍ: (لا تَشْرَبُوا الخَمْرَ)؛ لَقالُوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبَدًا؛ ولَوْ نَزَلَ: (لا تَزْنُوا)؛ لَقالُوا: لا نَدَعُ الزِّنا أبَدًا؛ لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلى مُحَمَّدٍ؛ وإنِّي لِجارِيَةٌ ألْعَبُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]؛ وما نَزَلَتْ سُورَةُ“البَقَرَةِ”؛ و“النِّساءِ”؛ إلّا وأنا عِنْدَهُ“؛ قالَ: فَأخْرَجَتْ لَهُ المُصْحَفَ؛ فَأمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ؛ انْتَهى.

وقَدْ عَنَتْ بِهَذا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ القُرْآنَ حازَ أعْلى البَلاغَةِ في إنْزالِهِ مُطابِقًا لِما تَقْتَضِيهِ الأحْوالُ؛ بِحَسَبِ الأزْمانِ؛ ثُمَّ رُتِّبَ عَلى أعْلى وُجُوهِ البَلاغَةِ؛ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَفاهِيمُ مِنَ المَقالِ؛ كَما تُشاهِدُهُ مِن هَذا الكِتابِ البَدِيعِ؛ البَعِيدِ المَنالِ؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُها الِاجْتِماعَ عَلى ما دَعَتْ إلَيْهِ السُّورَتانِ قَبْلَها مِنَ التَّوْحِيدِ؛ وكانَ السَّبَبُ الأعْظَمُ في الِاجْتِماعِ والتَّواصُلِ - عادَةً - الأرْحامَ العاطِفَةَ؛ الَّتِي مَدارُها النِّساءُ؛ سُمِّيَتْ ”النِّساءَ“؛ لِذَلِكَ؛ ولِأنَّ بِالِاتِّقاءِ فِيهِنَّ تَتَحَقَّقُ العِفَّةُ والعَدْلُ الَّذِي لُبابُهُ التَّوْحِيدُ؛ بِسْمِ اللَّهِ؛ الجامِعِ لِشَتاتِ الأُمُورِ؛ بِإحْسانِ التَّزاوُجِ في لَطائِفِ المَقْدُورِ؛ الرَّحْمَنِ؛ الَّذِي جَعَلَ الأرْحامَ رَحْمَةً عامَّةً؛ الرَّحِيمِ؛ الَّذِي خَصَّ مَن أرادَ بِالتَّواصُلِ عَلى ما دَعا إلَيْهِ دِينُهُ؛ الَّذِي جَعَلَهُ نِعْمَةً تامَّةً.

لَمّا تَقَرَّرَ أمْرُ الكِتابِ الجامِعِ؛ الَّذِي هو الطَّرِيقُ؛ وثَبَتَ الأساسُ الحامِلُ؛ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ؛ احْتِيجَ إلى الِاجْتِماعِ عَلى ذَلِكَ؛ فَجاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ داعِيَةً إلى الِاجْتِماعِ؛ والتَّواصُلِ؛ والتَّعاطُفِ؛ والتَّراحُمِ؛ فابْتُدِئَتْ بِالنِّداءِ العامِّ لِكُلِّ النّاسِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَتْ أُمَّهاتُ الفَضائِلِ - كَما تَبَيَّنَ في عِلْمِ الأخْلاقِ - أرْبَعًا: العِلْمَ؛ والشَّجاعَةَ؛ والعَدْلَ؛ والعِفَّةَ؛ كَما يَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”لُقْمانَ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكانَتْ ”آلُ عِمْرانَ“؛ داعِيَةً - مَعَ ما ذُكِرَ مِن مَقاصِدِها - إلى اثْنَتَيْنِ مِنها؛ وهُما: العِلْمُ؛ والشَّجاعَةُ - كَما أُشِيرَ إلى ذَلِكَ في غَيْرِ آيَةٍ: ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ …

2

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

ولَمّا بانَ مِن هَذا تَعْظِيمُهُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ؛ بِجَعْلِها في سِياقِ ذِكْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - المُعَبِّرِ عَنْهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ - كَما فَعَلَ نَحْوَ ذَلِكَ في غَيْرِ آيَةٍ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ في السُّورَةِ الماضِيَةِ ذِكْرُ قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ الَّتِي انْكَشَفَتْ عَنْ أيْتامٍ؛ ثُمَّ ذَكَرَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؛ أنَّ المَوْتَ مُشَرَّعٌ؛ لا بُدَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِن وُرُودِهِ؛ عُلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجُودِ الأيْتامِ في كُلِّ وقْتٍ؛ فَدَعا إلى العِفَّةِ؛ والعَدْلِ فِيهِمْ؛ لِأنَّهم بَعْدَ الأرْحامِ أوْلى مَن يُتَّقى اللَّهُ فِيهِ؛ ويُخْشى مُراقَبَتُهُ بِسَبَبِهِ؛ فَقالَ: ﴿وآتُوا اليَتامى﴾؛ أيْ: الضُّعَفاءَ؛ الَّذِينَ انْفَرَدُوا عَنْ آبائِهِمْ؛ وأصْلُ ”اليُتْمِ“: الِانْفِرادُ؛ ﴿أمْوالَهُمْ﴾؛ أيْ: هَيِّئُوها بِحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيها؛ لِأنْ تُؤْتُوهم إيّاها بَعْدَ البُلُوغِ - كَما يَأْتِي؛ أوْ يَكُونُ الإيتاءُ حَقِيقَةً؛ واليُتْمُ بِاعْتِبارِ ما كانَ؛ أوْ بِاعْتِبارِ الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ؛ وهو مُطْلَقُ الِانْفِرادِ؛ وما أبْدَعَ إيلاءَها لِلْآيَةِ الآمِرَةِ بَعْدَ عُمُومِ تَقْوى اللَّهِ بِخُصُوصِها؛ في صِلَةِ الرَّحِمِ؛ المُخْتَتَمَةِ بِصِفَةِ الرَّقِيبِ! لِما لا يَخْفى مِن أنَّهُ لا حامِلَ عَلى العَدْلِ في الأيْتامِ إلّا المُراقَبَةُ؛ لِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهُمْ؛ وقَدْ يَكُونُونَ ذَوِي رَحِمٍ.

ولَمّا أمَرَ بِالعِفَّةِ في أمْوالِهِمْ؛ أتْبَعَهُ تَقْبِيحَ الشَّرَهِ الحامِلِ لِلْغافِلِ عَلى لُزُومِ المَأْمُورِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا﴾؛ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم أنْ تَأْخُذُوا عَلى وجْهِ البَدَلِيَّةِ؛ ﴿الخَبِيثَ﴾؛ أيْ: مِنَ الخَباثَةِ الَّتِي لا أخْبَثَ مِنها؛ لِأنَّها تَذْهَبُ بِالمَقْصُودِ مِنَ الإنْسانِ؛ فَتَهْدِمُ جَمِيعَ أمْرِهِ؛ ﴿بِالطَّيِّبِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو كُلُّ أمْرٍ يَحْمِلُ عَلى مَعالِي الأخْلاقِ الصّائِنَةِ لِلْعِرْضِ؛ المُعْلِيَةِ لِقَدْرِ الإنْسانِ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا النَّهْيِ العامِّ نَوَّهَ بِالنَّهْيِ عَنْ نَوْعٍ مِنهُ خاصٍّ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالأكْلِ؛ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَذُمُّ بِالإكْثارِ مِنهُ؛ ولَوْ أنَّهُ حَلالٌ طَيِّبٌ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ حَرامًا؛ ومِن مالِ ضَعِيفٍ؛ مَعَ الغِنى عَنْهُ -: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهُمْ﴾؛ أيْ: تَنْتَفِعُوا بِها؛ أيَّ انْتِفاعٍ كانَ؛ مَجْمُوعَةً ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾؛ شَرَهًا؛ وحِرْصًا؛ وحُبًّا في الزِّيادَةِ مِنَ الدُّنْيا الَّتِي عَلِمْتُمْ شُؤْمَها؛ وما أثَّرَتْ مِنَ الخِذْلانِ؛ في ”آلِ عِمْرانَ“؛ وعَبَّرَ بِـ ”إلى“؛ إشارَةً إلى تَضْمِينِ الأكْلِ مَعْنى الضَّمِّ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها مَتى ضُمَّتْ إلى مالِ الوَلِيِّ أكَلَ مِنها؛ فَوَقَعَ في النَّهْيِ؛ فَحَضَّ بِذَلِكَ عَلى تَرْكِها مَحْفُوظَةً عَلى حِيالِها؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾؛ أيْ: الأكْلَ؛ ﴿كانَ حُوبًا﴾؛ أيْ: إثْمًا؛ وهَلاكًا؛ ﴿كَبِيرًا﴾

3

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hand possesses. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

ولَمّا كانَ (تَعالى) قَدْ أجْرى سُنَّةَ الإلَهِيَّةِ في أنَّهُ لا بُدَّ في التَّناسُلِ مِن تَوَسُّطِ النِّكاحِ؛ إلّا ما كانَ مِن آدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ وعِيسى - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وكانُوا قَدْ أُمِرُوا بِالعَدْلِ في أمْوالِ اليَتامى؛ وكانُوا يَلُونَ أُمُورَ يَتاماهُمْ؛ وكانُوا رُبَّما نَكَحُوا مَن في حُجُورِهِمْ مِنهُنَّ؛ فَكانَ رُبَّما أوْقَفَهم هَذا التَّحْذِيرُ مِن أمْوالِهِمْ عَنِ النِّكاحِ؛ خَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ في حَقٍّ مِن حُقُوقِهِنَّ؛ أتْبَعَهُ (تَعالى) - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنْ وثِقْتُمْ مِن أنْفُسِكم بِالعَدْلِ؛ فَخالِطُوهم بِالنِّكاحِ؛ وغَيْرِهِ“ -: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾؛ فَعَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ؛ حَثًّا عَلى الوَرَعِ؛ ﴿ألا تُقْسِطُوا﴾؛ أيْ: تَعْدِلُوا؛ ﴿فِي اليَتامى﴾؛ ووَثِقْتُمْ مِن أنْفُسِكم بِالعَدْلِ في غَيْرِهِنَّ؛ ﴿فانْكِحُوا﴾؛ ولَمّا كانَتِ النِّساءُ ناقِصاتٌ؛ عَقْلًا؛ ودِينًا؛ عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ؛ إشارَةً إلى الرِّفْقِ بِهِنَّ؛ والتَّجاوُزِ عَنْهُنَّ؛ فَقالَ: ﴿ما﴾؛ ولَمّا أفادَ ”انْكِحُوا“؛ الإذْنَ المُتَضَمِّنَ لِلْحِلِّ؛ حَمَلَ الطَّيِّبَ عَلى اللَّذِيذِ؛ المُنْفَكِّ عَنِ النَّهْيِ السّابِقِ؛ لِيَكُونَ الكَلامُ عامًّا مَخْصُوصًا بِما يَأْتِي مِن آيَةِ المُحَرَّماتِ مِنَ النِّساءِ ولا يَحْمِلُ الطَّيِّبَ عَلى الحِلِّ؛ لِئَلّا يُؤَدِّي - مَعَ كَوْنِهِ تَكْرارًا - إلى أنْ يَكُونَ الكَلامُ مُجْمَلًا - لِأنَّ الحِلَّ لَمْ يَتَقَدَّمْ عِلْمُهُ؛ والحَمْلُ عَلى العامِّ المَخْصُوصِ أوْلى؛ لِأنَّهُ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ؛ والمُجْمَلُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أصْلًا - أفادَهُ الإمامُ الرّازِيُّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿طابَ﴾؛ أيْ: زالَ عَنْهُ حَرَجُ النَّهْيِ السّابِقِ؛ ولَذَّ؛ وأتْبَعَهُ قَيْدًا لا بُدَّ مِنهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾؛ وصَرَّحَ بِما عُلِمَ التِزامًا؛ فَقالَ: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِهِنَّ؛ ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِ هَذا المَأْذُونِ في نِكاحِهِ مُوَزَّعًا هَكَذا: ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ؛ وثَلاثًا ثَلاثًا؛ وأرْبَعًا أرْبَعًا؛ لِكُلِّ واحِدٍ؛ وهَذا الحُكْمُ عُرِفَ مِنَ العَطْفِ بِالواوِ؛ ولَوْ كانَ بَـ ”أوْ“؛ لَما أفادَ التَّزَوُّجَ إلّا عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ؛ ولَمْ يُفِدِ التَّخْيِيرَ المُفِيدَ لِلْجَمْعِ بَيْنَها؛ عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ؛ وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ النِّساءَ أضْعافُ الرِّجالِ؛ ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنْ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾؛ فَقالَتْ: ”يا ابْنَ أُخْتِي؛ هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها؛ تُشْرِكُهُ في مالِهِ؛ ويُعْجِبُهُ مالُها؛ وجَمالُها؛ فَيُرِيدُ ولِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها؛ فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ؛ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ؛ ويَبْلُغُوا لَهُنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ“؛ قالَ عُرْوَةُ: «قالَتْ عائِشَةُ: ”وإنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧]“؛» قالَتْ عائِشَةُ: ”وقَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]؛ رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ؛ والجَمالِ“؛ قالَتْ: ”فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا مَن رَغِبُوا في مالِهِ …

4

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.

ولَمّا حُذِّرُوا مِنَ القَوْلِ الَّذِي مِن مَدْلُولِهِ المُحاجَّةُ عَنْ كَثْرَةِ النِّساءِ؛ كانَ رُبَّما تَعَلَّقَ بِهِ مَن يَبْخَلُ عَنْ بَعْضِ الحُقُوقِ؛ لا سِيَّما ما يَسْتَكْثِرُهُ مِنَ الصَّداقِ؛ فَأتْبَعَهُ ما يَنْفِي ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لِلْأزْواجِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لَهُمْ؛ مُعَبِّرًا بِما يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ؛ والِالتِزامِ المُهَيِّئِ لَهُ -: ﴿وآتُوا النِّساءَ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ مِنَ اليَتامى؛ وغَيْرِهِنَّ؛ ﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾؛ وقَوْلُهُ - مُؤَكِّدًا لِلْإيتاءِ بِمَصْدَرٍ مِن مَعْناهُ: ﴿نِحْلَةً﴾ - مُؤَيِّدٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْناها: عَطِيَّةً عَنْ طِيبِ نَفْسٍ؛ قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ؛ في دِيوانِهِ: وأصْلُهُ - أيْ: ”النَّحْلُ“: إعْطاءُ الشَّيْءِ؛ لا يُرادُ بِهِ عِوَضٌ؛ وكَذا إنْ قُلْنا: مَعْنى ”النِّحْلَةُ“: الدِّيانَةُ؛ والمِلَّةُ؛ والشِّرْعَةُ؛ والمَذْهَبُ؛ أيْ: آتُوهُنَّ ذَلِكَ دِيانَةً.

ولَمّا وقَعَ الأمْرُ بِذَلِكَ؛ كانَ رُبَّما أبى المُتَخَلِّقُ بِالإسْلامِ قَبُولَ ما تَسْمَحُ بِهِ المَرْأةُ مِنهُ بِإبْراءٍ؛ أوْ رَدٍّ؛ عَلى سَبِيلِ الهِبَةِ - لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مُتَجاوِزاتٍ؛ ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾؛ ووَحَّدَ الضَّمِيرَ؛ لِيَرْجِعَ إلى الصَّداقِ المَفْهُومِ مِنَ الصَّدُقاتِ؛ ولَمْ يَقُلْ: ”مِنها“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المَوْهُوبَ لا يَجُوزُ إلّا إنْ كانَ صَداقًا كامِلًا؛ فَقالَ: ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: الصَّداقِ؛ ﴿نَفْسًا﴾؛ أيْ: عَنْ شَهْوَةٍ صادِقَةٍ؛ مِن غَيْرِ إكْراهٍ؛ ولا خَدِيعَةٍ؛ ﴿فَكُلُوهُ﴾؛ أيْ: تَصَرَّفُوا فِيهِ بِكُلِّ تَصَرُّفٍ يَخُصُّكُمْ؛ ﴿هَنِيئًا﴾؛ أيْ: سائِغًا؛ صالِحًا؛ لَذِيذًا؛ في عافِيَةٍ بِلا مَشَقَّةٍ؛ ولا مَضَرَّةٍ؛ ﴿مَرِيئًا﴾؛ أيْ: جَيِّدَ المَغَبَّةِ؛ بَهِجًا؛ سارًّا؛ لا تَنْغِيصَ فِيهِ؛ ورُبَّما كانَ التَّبْعِيضُ نَدْبًا إلى التَّعَفُّفِ عَنْ قَبُولِ الكُلِّ؛ لِأنَّهُ في الغالِبِ لا يَكُونُ إلّا عَنْ خِداعٍ؛ أوْ ضَجَرٍ؛ فَرُبَّما أُعْقِبَ النَّدَمَ؛ وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ أيْضًا عَلى تَخْصِيصِ الأحْرارِ؛ دُونَ العَبِيدِ؛ لِأنَّهم لا يَمْلِكُونَ ما جَعَلَتْهُ النِّساءُ لَهم لِيَأْكُلُوهُ هَنِيئًا؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: فَإنْ وُهِبَتْ لَهُ؛ ثُمَّ طَلَبَتْ مِنهُ بَعْدَ الهِبَةِ؛ عُلِمَ أنَّها لَمْ تَطِبْ نَفْسُها؛ وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ رَجُلًا أتى مَعَ امْرَأتِهِ شُرَيْحًا في عَطِيَّةٍ أعْطَتْها إيّاهُ؛ وهي تَطْلُبُ أنْ تَرْجِعَ؛ فَقالَ شُرَيْحٌ: رُدَّ عَلَيْها؛ فَقالَ الرَّجُلُ: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ ؟ قالَ: لَوْ طابَتْ نَفْسُها لَما رَجَعَتْ فِيهِ؛ وعَنْهُ قالَ: أُقِيلُها فِيما وهَبَتْ؛ ولا أُقِيلُهُ؛ لِأنَّهُنَّ يَخْدَعْنَ.

5

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And do not give the weak-minded your property, which Allah has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

ولَمّا أمَرَ بِدَفْعِ أمْوالِ اليَتامى؛ والنِّساءِ إلَيْهِمْ؛ ونَهى عَنْ أكْلِ شَيْءٍ مِنها؛ تَزْهِيدًا في المالِ؛ واسْتِهانَةً بِهِ؛ وكانَ في النِّساءِ والمَحاجِيرِ مِنَ الأيْتامِ؛ وغَيْرِهِمْ سُفَهاءُ؛ وأمَرَ بِالِاقْتِصادِ في المَعِيشَةِ؛ حَذَرًا مِنَ الظُّلْمِ؛ والحاجَةِ؛ نَهى عَنِ التَّبْذِيرِ؛ وقَدْ حَثَّ - سُبْحانَهُ - عَلى حُسْنِ رِعايَةِ المالِ؛ في غَيْرِ آيَةٍ مِن كِتابِهِ؛ لِأنَّهُ «”نِعْمَ المالُ الصّالِحُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ“؛» رَواهُ أحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ؛ رَفَعَهُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ فارِغَ البالِ لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِتَحْصِيلِ ما يُهِمُّهُ مِنَ الدُّنْيا؛ وما لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن تَحْصِيلِ ما يُهِمُّهُ مِنَ الدُّنْيا لا يُمْكِنُهُ أمْرُ الآخِرَةِ؛ ولا يَكُونُ فارِغَ البالِ إلّا بِواسِطَةِ ما يَكْفِيهِ مِنَ المالِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ في هَذِهِ الدّارِ؛ الَّتِي مَبْناها عَلى الأسْبابِ؛ مِن جَلْبِ المَنافِعِ؛ ودَفْعِ المَضارِّ؛ إلّا بِهِ؛ فَمَن أرادَهُ لِهَذا الغَرَضِ كانَ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ المُعِينَةِ لَهُ عَلى اكْتِسابِ سَعادَةِ الآخَرِينَ؛ ومَن أرادَهُ لِنَفْسِهِ كانَ مِن أعْظَمِ المُعَوِّقاتِ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا﴾؛ أيُّها الأزْواجُ؛ والأوْلِياءُ؛ ﴿السُّفَهاءَ﴾؛ أيْ: مِن مَحاجِيرِكُمْ؛ ونِسائِكُمْ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿أمْوالَكُمُ﴾؛ أيْ: الأمْوالَ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لِعِبادِهِ؛ سَواءٌ كانَتْ مُخْتَصَّةً بِكُمْ؛ أوْ بِهِمْ؛ ولَكم بِها عَلَقَةٌ بِوِلايَةٍ؛ أوْ غَيْرِها؛ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكم حِفْظُها؛ ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالعِلْمِ الشّامِلِ؛ والقُدْرَةِ التّامَّةِ؛ ﴿لَكم قِيامًا﴾؛ أيْ: مِلاكًا؛ وعِمادًا؛ تَقُومُ بِها أحْوالُكُمْ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَياعِها؛ فَضَياعُها سَبَبٌ لِضَياعِكُمْ؛ فَهو مِن تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ المُسَبِّبِ لِلْمُبالَغَةِ في سَبَبِيَّتِهِ؛ ﴿وارْزُقُوهُمْ﴾؛ مُتَّجِرِينَ؛ ﴿فِيها﴾؛ وعَبَّرَ بِالظَّرْفِ؛ إشارَةً إلى الِاقْتِصادِ؛ واسْتِثْمارِ الأمْوالِ؛ حَتّى لا تَزالَ مَوْضِعًا لِلْفَضْلِ؛ حَتّى تَكُونَ النَّفَقَةُ والكِسْوَةُ مِنَ الرِّبْحِ؛ لا مِن رَأْسِ المالِ؛ ﴿واكْسُوهُمْ﴾؛ أيْ: فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ بَلْ هو مِن مَعالِي الأخْلاقِ؛ ومَحاسِنِ الأعْمالِ؛ ﴿وقُولُوا لَهُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ؛ ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ أيْ: في الشَّرْعِ؛ والعَقْلِ؛ كالعِدَةِ الحَسَنَةِ؛ ونَحْوِها؛ وكُلُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ؛ وأحَبَّتْهُ؛ مِن قَوْلٍ؛ أوْ عَمَلٍ؛ ولَيْسَ مُخالِفًا لِلشَّرْعِ؛ فَهو مَعْرُوفٌ؛ فَإنَّ ذَلِكَ رُبَّما كانَ أنْفَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الإعْطاءِ؛ وأقْطَعَ لِلشَّرِّ؛ والحَجْرُ عَلى السَّفِيهِ مُنْدَرِجٌ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ تَرْكَ الحَجْرِ عَلَيْهِ مِنَ الإيتاءِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allah as Accountant.

ولَمّا نَهى عَنْ ذَلِكَ البَذْلِ لِلسُّفَهاءِ؛ أيْتامًا كانُوا؛ أوْ غَيْرَهُمْ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ دائِمًا؛ بَلْ ما دامَ السَّفَهُ قائِمًا؛ فَمَسَّتِ الحاجَةُ إلى التَّعْرِيفِ بِمَن يُعْطى؛ ومَن يُمْنَعُ؛ وكَيْفَ يُفْعَلُ عِنْدَ الدَّفْعِ؛ ولَمّا كانَ السَّفَهُ أمْرًا باطِنًا لا يُعْرَفُ إلّا بِالتَّصَرُّفِ؛ ولا سِيَّما في المالِ؛ بَدَأ - سُبْحانَهُ - بِتَعْلِيمِ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى مَعْرِفَتِهِ؛ فَقالَ - مُصَرِّحًا بِالأيْتامِ؛ اهْتِمامًا بِأمْرِهِمْ -: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾؛ أيْ: اخْتَبِرُوهم في أمْرِ الرُّشْدِ في الدِّينِ؛ والمالِ؛ في مُدَّةِ مُراهَقَتِهِمْ؛ واجْعَلُوا ذَلِكَ دَأْبَكُمْ؛ ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾؛ أيْ: وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ بِالِاحْتِلامِ؛ أوِ السِّنِّ؛ ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمْتُمْ عِلْمًا أنْتُمْ في عَظِيمِ تَيَقُّنِهِ؛ كَأنَّكم تُبْصِرُونَهُ عَلى وجْهٍ تُحِبُّونَهُ؛ وتَطِيبُ أنْفُسُكم بِهِ؛ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: عِنْدَ بُلُوغِهِ؛ ﴿رُشْدًا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ التَّصَرُّفِ؛ ونَكَّرَهُ لِأنَّ وُجُودَ كَمالِ الرُّشْدِ في أحَدٍ يَعِزُّ وُقُوعُهُ؛ ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ أيْ: لِزَوالِ الحاجَةِ إلى الحَجَرِ؛ بِخَوْفِ التَّبْذِيرِ؛ وأضافَها إلَيْهِمْ بَعْدَ إضافَتِها أوَّلًا إلى المُعْطِينَ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّها إلّا مَن يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِيها.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَجْبُولًا عَلى نَقائِصَ؛ مِنها الطَّمَعُ وعَدَمُ الشِّبَعِ؛ لا سِيَّما إذا خالَطَ؛ لا سِيَّما إنْ حَصَلَ لَهُ إذْنٌ ما؛ أدَّبَهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوها﴾؛ أيْ: بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقْكم لِذَلِكَ؛ بِالعَمَلِ فِيها ﴿إسْرافًا﴾؛ أيْ: مُسْرِفِينَ؛ بِالخُرُوجِ عَنِ القَصْدِ في التَّصَرُّفِ؛ ووَضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وإغْفالِ العَدْلِ؛ والشَّفَقَةِ؛ ﴿وبِدارًا﴾؛ أيْ: مُبادِرِينَ؛ ﴿أنْ يَكْبَرُوا﴾؛ أيْ: فَيَأْخُذُوها مِنكم عِنْدَ كِبَرِهِمْ؛ فَيَفُوتَكم الِانْتِفاعُ بِها؛ وكَأنَّهُ عَطَفَ بِالواوِ الدّالَّةِ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ؛ وتَمامِهِ؛ إشارَةً إلى عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِما يَعْجِزُ عَنْهُ الإنْسانُ المَجْبُولُ عَلى النُّقْصانِ؛ مِمّا يُجْرى في الأفْعالِ مُجْرى الوَسْوَسَةِ في الأقْوالِ؛ ”ولَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ“؛ ولَمّا أشْعَرَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ الكُلِّ؛ بِأنَّ لَهم في الأكْلِ في الجُمْلَةِ عِلَّةً مَقْبُولَةً؛ أفْصَحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ أيُّها الأوْلِياءُ؛ ﴿غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ أيْ: يَطْلُبِ العِفَّةَ؛ ويُوجِدْها؛ ويُظْهِرْها؛ عَنِ الأكْلِ مِنها جُمْلَةً؛ فَيَعِفَّ عَنْهُ بِما بَسَطَ اللَّهُ لَهُ مِن رِزْقِهِ؛ ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا﴾؛ وهو يَتَعَهَّدُ مالَ اليَتِيمِ لِإصْلاحِهِ؛ ولَمّا كانَ يُخْشى مِنَ امْتِناعِهِ مِنَ الأكْلِ مِنهُ التَّفْرِيطُ فِيهِ؛ بِالِاشْتِغالِ بِما يُهِمُّهُ في نَفْسِهِ؛ أخْرَجَ الكَلامَ في صِيغَةِ الأمْرِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالأكْلِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ -: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: بِقَدْرِ أُجْرَةِ سَعْيِهِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمَ الأمانَ إلى الرُّشْدِ؛ بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ أمَرَ بِالحَزْمِ - كَما في الطَّبَرانِيِّ الأوْسَطِ؛ عَنْ أنَسٍ: ”احْتَرِسُوا مِنَ النّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ“ - فَقالَ: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: اليَتامى؛ ﴿أمْوالَهُمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي كانَتْ تَحْتَ أيْدِيكُمْ؛ لِعَجْزِهِمْ عَنْ حِفْظِها؛ ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أيْ: احْتِياطًا؛ لِأنَّ الأحْوالَ تَتَبَدَّلُ؛ والرُّشْدَ يَتَفاوَتُ؛ فالإشْهادُ أقْطَعُ لِلشَّرِّ؛ وأنْفَعُ في كُلِّ أمْرٍ؛ والأمْرُ …

7

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

ولَمّا ذَكَرَ أمْوالَ اليَتامى؛ عَلى حَسَبِ ما دَعَتْ إلَيْهِ الحاجَةُ؛ واقْتَضاهُ التَّناسُبُ؛ إلى أنَّ خَتَمَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ كانَ كَأنَّ سائِلًا سَألَ: مِن أيْنَ تَكُونُ أمْوالُهُمْ؟ فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإجْمالِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلرِّجالِ﴾؛ أيْ: الذُّكُورِ مِن أوْلادِ المَيِّتِ؛ وأقْرِبائِهِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَ الذُّكُورِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ؛ ويَخُصُّونَ الإرْثَ بِما عَمَّرَ الدِّيارَ؛ فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى أنَّ العِلَّةَ النُّطْفَةُ؛ ﴿نَصِيبٌ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ مَعْلُومٌ؛ ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾؛ ولَمّا كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ؛ قالَ: ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾؛ ولِقَصْدِ التَّصْرِيحِ؛ لِلتَّأْكِيدِ؛ قالَ - مَوْضِعَ ”مِمّا تَرَكُوا“ -: ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَهُنَّ؛ وبَيْنَ الرِّجالِ؛ في القُرْبِ الَّذِي هو سَبَبُ الإرْثِ؛ ثُمَّ زادَ الأمْرَ تَأْكِيدًا؛ وتَصْرِيحًا؛ بِقَوْلِهِ - إبْدالًا مِمّا قَبْلَهُ؛ بِتَكْرِيرِ العامِلِ -: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾؛ ثُمَّ عَرَّفَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَتْمِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِلِاعْتِناءِ بِهِ بِقَطْعِهِ عَنِ الأوَّلِ؛ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ بِتَقْدِيرِ: ”أعْنِي“ -: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أيْ: مُقَدَّرًا؛ واجِبًا؛ مُبَيَّنًا؛ وهَذِهِ الآيَةُ مُجْمَلَةٌ؛ بَيَّنَتْها آيَةُ المَوارِيثِ؛ وبِالآيَةِ عُلِمَ أنَّها خاصَّةٌ بِالعَصَباتِ؛ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالفَرْضِ؛ لِأنَّ الإجْماعُ - كَما نَقَلَهُ الأصْبَهانِيُّ عَنِ الرّازِيِّ - عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِذَوِي الأرْحامِ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ.

8

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of the estate and speak to them words of appropriate kindness.

ولَمّا بَيَّنَ المَفْرُوضَ؛ أتْبَعَهُ المَندُوبَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾؛ أيْ: مِمَّنْ لا يَرِثُ؛ صِغارًا؛ أوْ كِبارًا؛ ﴿واليَتامى والمَساكِينُ﴾؛ أيْ: قُرَباءَ؛ أوْ غُرَباءَ؛ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾؛ أيْ: المَتْرُوكِ؛ وهُوَ أمْرُ نَدْبٍ؛ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ؛ وقَرِينَةُ صَرْفِهِ عَنِ الوُجُوبِ تَرْكُ التَّحْدِيدِ؛ ﴿وقُولُوا لَهُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ الإعْطاءِ؛ ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ أيْ: حَسَنًا؛ سائِغًا في الشَّرْعِ؛ مَقْبُولًا؛ تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهم.

9

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allah and speak words of appropriate justice.

ولَمّا أعادَ الوَصِيَّةَ بِاليَتامى مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ وخَتَمَ بِالأمْرِ بِإلانَةِ القَوْلِ؛ وكانَ لِلتَّصْوِيرِ في التَّأْثِيرِ في النَّفْسِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ؛ أعادَ الوَصِيَّةَ بِهِمْ؛ لِضَعْفِهِمْ؛ مُصَوِّرًا لِحالِهِمْ؛ مُبَيِّنًا أنَّ القَوْلَ المَعْرُوفَ هو الصَّوابُ الَّذِي لا خَلَلَ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ولْيَخْشَ﴾؛ أيْ: يُوَقِعِ الخَشْيَةَ عَلى ذُرِّيَّةِ غَيْرِهِمْ؛ ﴿الَّذِينَ﴾ وذَكَرَ لَهم حالًا؛ هو جَدِيرٌ بِإيقاعِ الخَشْيَةِ في قُلُوبِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿لَوْ تَرَكُوا﴾؛ أيْ: شارَفُوا التَّرْكَ؛ بِمَوْتٍ؛ أوْ هَرَمٍ؛ وصَوَّرَ حالَهُمْ؛ وحَقَّقَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ أوْ عَجْزِهِمُ العَجْزَ الَّذِي هو كَمَوْتِهِمْ؛ ﴿ذُرِّيَّةً﴾؛ أيْ: أوْلادًا؛ مِن ذُكُورٍ؛ أوْ إناثٍ؛ ﴿ضِعافًا﴾؛ أيْ: لِصِغَرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿خافُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: جَوْرَ الجائِرِينَ؛ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ التَّصَوُّرِ في أنْفُسِهِمْ خَوْفُهم عَلى ذُرِّيَّةِ غَيْرِهِمْ؛ كَما يَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ؛ سَواءٌ كانُوا أوْصِياءَ؛ أوْ أوْلِياءَ؛ أوْ أجانِبَ؛ وكانَ هَذا الخَوْفُ رُبَّما أدّاهم في قَصْدِ نَفْعِهِمْ إلى جَوْرٍ عَلى غَيْرِهِمْ؛ أمَرَ بِما يَحْفَظُهم عَلى الصِّراطِ السَّوِيِّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَتَّقُوا﴾؛ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إرْشادًا إلى اسْتِحْضارِ جَمِيعِ عَظَمَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: فَلْيَعْدِلُوا في أمْرِهِمْ؛ لِيُقَيِّضَ اللَّهُ لَهم مَن يَعْدِلُ في ذُرِّيَّتِهِمْ؛ وإلّا أوْشَكَ أنْ يُسَلِّطَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ مَن يَجُورُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿ولْيَقُولُوا﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾؛ أيْ: عَدْلًا؛ قاصِدًا صَوابًا؛ لِيَدُلَّ هَذا الظّاهِرُ عَلى صَلاحِ ما ائْتَمَرَهُ مِنَ الباطِنِ؛

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze.

ولَمّا طالَ التَّحْذِيرُ؛ والزَّجْرُ؛ والتَّهْوِيلُ؛ في شَأْنِ اليَتامى؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْجَبَ النَّفْرَةَ مِن مُخالَطَتِهِمْ رَأْسًا؛ فَتَضِيعُ مَصالِحُهُمْ؛ وصَلَ بِذَلِكَ ما بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِالظّالِمِ؛ في سِياقٍ مُوجِبٍ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ؛ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما كانَ قَدْ رَسَخَ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِأمْوالِهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ الأكْلُ أعْظَمَ مَقاصِدِ الإنْسانِ؛ عَبَّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الأغْراضِ؛ فَقالَ: ﴿يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾؛ أيْ: أكْلًا هو في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَهو كَفِعْلِ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ ما زادَهُ تَأْكِيدًا؛ بِالتَّحْذِيرِ في سِياقِ الحَصْرِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ﴾؛ أيْ: في الحالِ؛ وصَوَّرَ الأكْلَ وحَقَّقَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ نارًا﴾؛ أيْ تَحْرِقُ المَعانِيَ الباطِنِيَّةَ؛ الَّتِي تَكُونُ بِها قِوامَ الإنْسانِيَّةِ؛ وبَيَّنَ أنَّها عَلى حَقِيقَتِها في الدُّنْيا؛ ولَكِنّا لا نُحِسُّها الآنَ؛ لِأنَّها غَيْرُ النّارِ المَعْهُودَةِ في الظّاهِرِ بِقَوْلِهِ - مُكَرِّرًا التَّحْذِيرَ؛ مُبَيِّنًا - بِقِراءَةِ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ - أنَّهم يُلْجَؤُونَ إلَيْها إلْجاءً يُصَيِّرُهم كَأنَّهم يُدْخِلُونَها بِأنْفُسِهِمْ -: ﴿وسَيَصْلَوْنَ﴾؛ أيْ: في الآخِرَةِ - بِوَعِيدِ حَتْمٍ؛ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿سَعِيرًا﴾؛ أيْ: عَظِيمًا؛ هو نِهايَةٌ في العَظَمَةِ؛ وذَلِكَ هو مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ؛ وعاصِمٍ؛ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ؛ أيْ: يُلْجِئُهم إلى صَلْيِها مُلْجِئٌ قاهِرٌ؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى نَوْعِ دِفاعٍ لَهُ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.