Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 11–20 of 176

11

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

Allah instructs you concerning your children: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate. And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [or sisters], for his mother is a sixth, after any bequest he [may have] made or debt. Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allah. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

ثم قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الوصية هي: العهد لأمر هام عهد به إليك، أي: أنه عهد إليك بشيء هام، هذه الوصية، وتكون بعد الموت، وأما ما قبل الموت فهي وكالة.

وينبغي أن يعلم أن المتصرف في غير ماله له أوصاف بحسب الوظيفة التي هو قائم بها، فتارة نسميه وكيلًا، وتارة نسميه وليًّا، وتارة نسميه ناظرًا، وتارة نسميه وصيًّا، فإذا كان يتولى مال الغير بغير إذن منه بل بإذن من الشرع، فإنه يسمى وليًّا كولي اليتيم، وإذا كان يتولى مال الغير بعد موته فإنه يسمى وصيًّا، وإذا كان يتولى الوقف فإنه يسمى ناظرًا، وإذا كان يتولى لحي فإنه يسمى وكيلًا.

هنا ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ قلنا: أصل الوصية العهد بالأمر الهام، وقوله: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ متعلق بـ﴿يُوصِيكُمُ﴾ أي: أن الوصية في الأولاد أنفسهم، و(الأولاد) جمع (ولد)، ويشمل الذكور والإناث بدليل قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يعني: إذا اجتمع في الأولاد ذكور وإناث، فإننا نعطي الذكر مثل حظ الأنثيين.

وتأمل كيف جاءت العبارة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ دون أن يقول: للأنثى نصف الذكر؛ لأن الحظ والنصيب فضل وزيادة والنصف نقص؛ فلهذا قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر؛ لما في كلمة (نصف) من النقص بخلاف (حظ) ﴿حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإن فيه زيادة، فهو أحسن تعبيرًا مما لو قال: للأنثى نصف ما للذكر.

﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإذا هلك عن خمسة أبناء وبنت فكم للبنت؟ واحد من أحد عشر؛ لأن الخمسة عن عشرة.

وإذا هلك عن سبعة أبناء وثلاث بنات؟ واحد من سبعة عشر، ليش؟ لأن السبعة عن أربعة عشر سهمًا، والثلاث عن ثلاثة أسهم، فالجميع سبعة عشر سهمًا، وهلم جرًّا.

﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ هنا قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ ولم يقل: فإن كانوا نساء -أي: الأولاد- مع أنه جائز، فيجوز في الضمير إذا اكتنفه مذكر ومؤنث يجوز أن تذكره باعتبار ما سبقه إذا كان السابق مذكر، وتؤنثها باعتبار ما لحقها، فهنا قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ أنث الضمير أو ذكره؟ أنثه، باعتبار ما لحقه، ولو كان في غير القرآن وقيل: فإن كانوا نساء جاز باعتبار ما سبقه، فالضمير يعود في مثل هذا التركيب..، يجوز أن يعود على ما سبق، ويجوز أن يعود على ما لحق.

﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ فقيل: إنها زائدة، وإن المعنى: فإن كن نساء اثنتين؛ وذلك لأن الثلثين تستحقه الثنتان فما فوق، وظاهر الآية الكريمة أن الثنتين لا تستحقان الثلثين، لماذا؟

* طالب: ظاهر الآية أن الثنتين لا يستحقان.

* الشيخ: لا، أنا سألتك لماذا؟ ما أريد أن تخبرني ما ظاهر الآية.

* الطالب: (...).

* الشيخ: أنا تكلمت بكلام ثم طلبت منك تعليله، فقلتُ: لماذا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أقول لماذا؟ لماذا كان هو ظاهر الآية؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: لأنه قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾.

* الشيخ: لأنه قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، فظاهره أن ثنتين لا تستحقان الثلثين مع أن الحكم خلاف ذلك؛ فلهذا قال بعض العلماء: إنها زائدة، ولكن الصحيح أنها ليست بزائدة، بل هي مفيدة وأصلية ليتبين أن ما فوق ثنتين لا ينحصر، لو كن عشرًا أو عشرين فإن الفرض لا يزيد بزيادتهن، بقي علينا الثنتان، الثنتان لنا في تقرير الثلثين لهما عدة أوجه:

الوجه الأول أنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ﴿وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ مفهومه: ما زاد على الواحدة ليس لها النصف، ولا نعلم فرضًا للبنات سوى النصف أو الثلثين، فإذا لم يكن لها …

12

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for the wives is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third, after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused]. [This is] an ordinance from Allah, and Allah is Knowing and Forbearing.

Explained together with ayah 11

13

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

These are the limits [set by] Allah, and whoever obeys Allah and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

(...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء ١٣] (...) هذه مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ اسم إشارة ﴿تِلْكَ﴾، والخبر ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾، والمشار إليه ما سبق من المواريث في الآية، ويحتمل أن يكون المشار إليه كل ما سبق من الأحكام قبل هذه الجملة، وذلك أن القرآن وإن كان آيات مفصلات لكنه في الحقيقة كلام واحد من حيث المعنى والسياق، ومعنى قولنا: كلام واحد أن بعضه ينبني على بعض؛ ولهذا اعتنى بعض المفسرين ببيان تناسب الآيات، كما اعتنى بعضهم ببيان تناسب السور، وهذا بحث جيد.

ولكن لو قال قائل: إن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور على حسب القاعدة (...) أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وكذلك الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، كان المراد بالمشار إليه هنا ما ذكر في هذه الآية: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾.

وقوله: ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ هي جمع (حدٍّ)، والحد هو: الشيء الفاصل بين شيئين، ومنه: حدود الأرض بعضها عن بعض، وحدود الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: حدود واجبات، وحدود محرمات.

أما حدود الواجبات فهي ما أوجبه الله على عباده بشروطها وأركانها وواجباتها، وأما حدود النواهي فهي ما حرمه الله على عباده كالزنا، واللواط، وشرب الخمر، وقتل النفس، وغير هذا.

قال أهل العلم: وإذا قال الله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ فهي من حدود الأوامر، وإذا قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ فهي من حدود النواهي، فالزنا –مثلًا- نقول: هو حد من حدود الله، لا تقربوه، والصلاة حد من حدود الله لا تعتدي، يعني لا تتجاوز ولا تعتدي.

قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية هنا من حدود الأوامر أو النواهي؟

* طلبة: من حدود الأوامر.

* الشيخ: من حدود الأوامر.

ثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجملة هذه شرطية، اسم الشرط فيها ﴿وَمَنْ﴾، وفعل الشرط ﴿يُطِعِ﴾، وهو مجزوم بالسكون كما هو ظاهر، وأصل ﴿يُطِعِ﴾ أصلها (يطيع) لكنها حذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن العين استحقت السكون بالشرط والياء ساكنة، وقد قال ابن مالك في الكافية:

إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَــحَـــذْفَـــهُاسْـــتَـــحَــقْ

إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق، وإن يكن لينًا -يعني: حرف من حروف اللينة الثلاثة- فحذفه استحق، على أي (...) تنطبق الآية؟

* طالب: على الثاني.

* الشيخ: على الثاني، إلا في قوله: ﴿يُطِعِ اللَّه﴾ كسر العين فتكون على الأول، إذن الآية جمعت بين الوجهين.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فما هي الطاعة؟ الطاعة قال العلماء: هي موافقة الأمر، وتكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فتارك شرب الخمر امتثالًا لنهي الله عز وجل يقال: إنه مطيع، والمصلي يقال: إنه مطيع.

هذا إذا أفردت الطاعة فإنها تشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وأما إذا قرنت بالمعصية فقيل –مثلًا-: من أطاع الله ومن عصى الله، كانت الطاعة في الأوامر خاصة، والمعصية في النواهي. والآية التي معنا الآن من النوع الثاني أو الأول؟

* طلبة: الأول.

* طلبة آخرون: الثاني.

* الشيخ: ما هو الثاني وما هو الأول؟ مقرونة بـ﴿يَعْصِ﴾، إذن فالمراد بها القيام بالأوامر.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عطف اسم الرسول عليه الصلاة والسلام أو وصفه على اسمه تعالى؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠].

وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ المراد به حين نزول القرآن رسول معين وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأما حين قيام الشرائع السابقة …

14

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And whoever disobeys Allah and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

(...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء ١٣] (...) هذه مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ اسم إشارة ﴿تِلْكَ﴾، والخبر ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾، والمشار إليه ما سبق من المواريث في الآية، ويحتمل أن يكون المشار إليه كل ما سبق من الأحكام قبل هذه الجملة، وذلك أن القرآن وإن كان آيات مفصلات لكنه في الحقيقة كلام واحد من حيث المعنى والسياق، ومعنى قولنا: كلام واحد أن بعضه ينبني على بعض؛ ولهذا اعتنى بعض المفسرين ببيان تناسب الآيات، كما اعتنى بعضهم ببيان تناسب السور، وهذا بحث جيد.

ولكن لو قال قائل: إن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور على حسب القاعدة (...) أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وكذلك الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، كان المراد بالمشار إليه هنا ما ذكر في هذه الآية: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾.

وقوله: ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ هي جمع (حدٍّ)، والحد هو: الشيء الفاصل بين شيئين، ومنه: حدود الأرض بعضها عن بعض، وحدود الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: حدود واجبات، وحدود محرمات.

أما حدود الواجبات فهي ما أوجبه الله على عباده بشروطها وأركانها وواجباتها، وأما حدود النواهي فهي ما حرمه الله على عباده كالزنا، واللواط، وشرب الخمر، وقتل النفس، وغير هذا.

قال أهل العلم: وإذا قال الله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ فهي من حدود الأوامر، وإذا قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ فهي من حدود النواهي، فالزنا –مثلًا- نقول: هو حد من حدود الله، لا تقربوه، والصلاة حد من حدود الله لا تعتدي، يعني لا تتجاوز ولا تعتدي.

قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية هنا من حدود الأوامر أو النواهي؟

* طلبة: من حدود الأوامر.

* الشيخ: من حدود الأوامر.

ثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجملة هذه شرطية، اسم الشرط فيها ﴿وَمَنْ﴾، وفعل الشرط ﴿يُطِعِ﴾، وهو مجزوم بالسكون كما هو ظاهر، وأصل ﴿يُطِعِ﴾ أصلها (يطيع) لكنها حذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن العين استحقت السكون بالشرط والياء ساكنة، وقد قال ابن مالك في الكافية:

إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَــحَـــذْفَـــهُاسْـــتَـــحَــقْ

إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق، وإن يكن لينًا -يعني: حرف من حروف اللينة الثلاثة- فحذفه استحق، على أي (...) تنطبق الآية؟

* طالب: على الثاني.

* الشيخ: على الثاني، إلا في قوله: ﴿يُطِعِ اللَّه﴾ كسر العين فتكون على الأول، إذن الآية جمعت بين الوجهين.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فما هي الطاعة؟ الطاعة قال العلماء: هي موافقة الأمر، وتكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فتارك شرب الخمر امتثالًا لنهي الله عز وجل يقال: إنه مطيع، والمصلي يقال: إنه مطيع.

هذا إذا أفردت الطاعة فإنها تشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وأما إذا قرنت بالمعصية فقيل –مثلًا-: من أطاع الله ومن عصى الله، كانت الطاعة في الأوامر خاصة، والمعصية في النواهي. والآية التي معنا الآن من النوع الثاني أو الأول؟

* طلبة: الأول.

* طلبة آخرون: الثاني.

* الشيخ: ما هو الثاني وما هو الأول؟ مقرونة بـ﴿يَعْصِ﴾، إذن فالمراد بها القيام بالأوامر.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عطف اسم الرسول عليه الصلاة والسلام أو وصفه على اسمه تعالى؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠].

وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ المراد به حين نزول القرآن رسول معين وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأما حين قيام الشرائع السابقة …

15

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا

Those who commit unlawful sexual intercourse of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify, confine the guilty women to houses until death takes them or Allah ordains for them [another] way.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ مبتدأ، وخبره جملة: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾، وهنا يطلب لماذا اقترنت (الفاء) في خبر المبتدأ؟

والجواب على ذلك: أنه لما كان المبتدأ اسمًا موصولًا كان مشبهًا لاسم الشرط في العموم فأعطي حكمه، واقترنت الفاء بخبره، ومنه قول النحويين في المثال المشهور: الذي يأتيني فله درهم، فإنه نائب مناب قولك: من يأتيني فله درهم، فاسم الموصول لما أشبه اسم الشرط في العموم صار دخول الفاء في خبره كدخول الفاء في جواب الشرط.

وقوله: ﴿اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ جمع، جمع أيش؟ جمع (التي) لكنه على غير قياس؛ لأن هذه الأسماء غير مشتقة، وقوله: ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الفاحشة: ما يستفحش، ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والذي يستفحش شرعًا يستفحش عرفًا في أعراف المسلمين لا في أعراف غير المسلمين، وإنما قيدنا ذلك؛ لأن الزنا فاحش شرعًا، وفاحش عرفًا في عرف من؟

* الطلبة: المسلمين.

* الشيخ: لكن بعرف الكفار ليس بفاحش، ومن هنا نعرف أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»أخرجه مسلم (٢٥٥٣ / ١٥) من حديث النواس بن سمعان. أن هذا خاص بمن؟ بالمسلم الذي يكره الإثم ويخشى أن يطلع عليه الناس في حال إثمه، وإلا فإن الكافر لا يحوك في نفسه الإثم.

قوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ ما المراد بالفاحشة هنا؟ معنى الفاحشة ما يستفحش، معناها ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والمراد بها الزنا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، وعلى هذا فتكون (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يذكر لكنه معروف شرعًا، وإنما قررنا ذلك لرد قول من يقول كأبي مسلم الخراساني قال: إن المراد بها السحاق، السحاق بين النساء، ولكن هذا بعيد من الصواب، ولم (...) به أحد من الصحابة أو التابعين فيما نعلم، والصواب أن المراد بها –الفاحشة- أيش؟ الزنا، والدليل ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾.

وقوله: ﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾ المراد بها الجنس، يعني: جنس النساء، سواء كانت من زوجاتنا أو من غير الزوجات. وقوله: ﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾ (من) هذه بيان للموصول في قوله: ﴿اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾.

﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ﴿اسْتَشْهِدُوا﴾ أي: اطلبوا شهادة أربعة، و﴿أَرْبَعَةً﴾ هنا عدد يدل على أن المعدود مذكر. ما وجهه؟

* طالب: نصب ﴿أَرْبَعَةً﴾.

* الشيخ: نصب ﴿أَرْبَعَةً﴾، يعني: فلو جاء مرفوعًا لم يكن دالًّا على أن المعدود مذكر؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لأن العدد المؤنث يكون معدوده مذكرًا فيما دون العشرة، فتقول: تسعة رجال، وتسع نساء، واضح؟

﴿أَرْبَعَةً﴾، وقوله: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمسلمين؛ لأن من شرط الشهادة ولا سيما في هذا الأمر العظيم أن يكون الشاهد مسلمًا.

﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ يعني: شهدوا على فعل الفاحشة، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الخطاب هنا ﴿أَمْسِكُوهُنَّ﴾ عام، فمن الذي يقصد به؟ الذي يقصد به ولي الأمر، ولي الأمر إما الخاص وإما العام.

وقوله: ﴿أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ جمع (بيت)، أي: أمسكوها ببيتها، احبسوها لا تخرج؛ لأن ذلك وسيلة إلى تقليل الزنا حيث تبقى محبوسة في بيتها لا تخرج فتفتن الناس وتفتتن.

﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ﴾ (...)، يقال: توفيت حقي من فلان، أي: قبضته، وقوله: ﴿الْمَوْتُ﴾ يعني: ملك الموت، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، ولكنه يعبر عن ذلك بالموت توسعًا، ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ …

16

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا

And the two who commit it among you, dishonor them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allah is ever Accepting of repentance and Merciful.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ مبتدأ، وخبره جملة: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾، وهنا يطلب لماذا اقترنت (الفاء) في خبر المبتدأ؟

والجواب على ذلك: أنه لما كان المبتدأ اسمًا موصولًا كان مشبهًا لاسم الشرط في العموم فأعطي حكمه، واقترنت الفاء بخبره، ومنه قول النحويين في المثال المشهور: الذي يأتيني فله درهم، فإنه نائب مناب قولك: من يأتيني فله درهم، فاسم الموصول لما أشبه اسم الشرط في العموم صار دخول الفاء في خبره كدخول الفاء في جواب الشرط.

وقوله: ﴿اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ جمع، جمع أيش؟ جمع (التي) لكنه على غير قياس؛ لأن هذه الأسماء غير مشتقة، وقوله: ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الفاحشة: ما يستفحش، ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والذي يستفحش شرعًا يستفحش عرفًا في أعراف المسلمين لا في أعراف غير المسلمين، وإنما قيدنا ذلك؛ لأن الزنا فاحش شرعًا، وفاحش عرفًا في عرف من؟

* الطلبة: المسلمين.

* الشيخ: لكن بعرف الكفار ليس بفاحش، ومن هنا نعرف أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»أخرجه مسلم (٢٥٥٣ / ١٥) من حديث النواس بن سمعان. أن هذا خاص بمن؟ بالمسلم الذي يكره الإثم ويخشى أن يطلع عليه الناس في حال إثمه، وإلا فإن الكافر لا يحوك في نفسه الإثم.

قوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ ما المراد بالفاحشة هنا؟ معنى الفاحشة ما يستفحش، معناها ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والمراد بها الزنا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، وعلى هذا فتكون (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يذكر لكنه معروف شرعًا، وإنما قررنا ذلك لرد قول من يقول كأبي مسلم الخراساني قال: إن المراد بها السحاق، السحاق بين النساء، ولكن هذا بعيد من الصواب، ولم (...) به أحد من الصحابة أو التابعين فيما نعلم، والصواب أن المراد بها –الفاحشة- أيش؟ الزنا، والدليل ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾.

وقوله: ﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾ المراد بها الجنس، يعني: جنس النساء، سواء كانت من زوجاتنا أو من غير الزوجات. وقوله: ﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾ (من) هذه بيان للموصول في قوله: ﴿اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾.

﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ﴿اسْتَشْهِدُوا﴾ أي: اطلبوا شهادة أربعة، و﴿أَرْبَعَةً﴾ هنا عدد يدل على أن المعدود مذكر. ما وجهه؟

* طالب: نصب ﴿أَرْبَعَةً﴾.

* الشيخ: نصب ﴿أَرْبَعَةً﴾، يعني: فلو جاء مرفوعًا لم يكن دالًّا على أن المعدود مذكر؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لأن العدد المؤنث يكون معدوده مذكرًا فيما دون العشرة، فتقول: تسعة رجال، وتسع نساء، واضح؟

﴿أَرْبَعَةً﴾، وقوله: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمسلمين؛ لأن من شرط الشهادة ولا سيما في هذا الأمر العظيم أن يكون الشاهد مسلمًا.

﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ يعني: شهدوا على فعل الفاحشة، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الخطاب هنا ﴿أَمْسِكُوهُنَّ﴾ عام، فمن الذي يقصد به؟ الذي يقصد به ولي الأمر، ولي الأمر إما الخاص وإما العام.

وقوله: ﴿أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ جمع (بيت)، أي: أمسكوها ببيتها، احبسوها لا تخرج؛ لأن ذلك وسيلة إلى تقليل الزنا حيث تبقى محبوسة في بيتها لا تخرج فتفتن الناس وتفتتن.

﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ﴾ (...)، يقال: توفيت حقي من فلان، أي: قبضته، وقوله: ﴿الْمَوْتُ﴾ يعني: ملك الموت، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، ولكنه يعبر عن ذلك بالموت توسعًا، ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ …

17

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

The repentance accepted by Allah is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon after. It is those to whom Allah will turn in forgiveness, and Allah is ever Knowing and Wise.

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ هذه مبتدأ مسبوق بأداة الحصر وهي ﴿إِنَّمَا﴾، وخبر المبتدأ قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ أو قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ يحتمل هذا أو هذا.

وقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ ﴿السُّوءَ﴾ يعني: العمل السيئ كالمنكرات، فعل المحظورات أو ترك الواجبات، ولكنه قيدها بقوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾، والمراد بالجهالة هنا السفاهة وليست الجهل؛ لأن فاعل السوء بجهل معذور لا ذنب عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ولكن المراد بالجهالة هنا السفاهة، ومنه قول الشاعر الأول:

أَلَا لَا يَجْــــهَـــــلَـــنْ أَحَـــــدٌعَـــــلَــــيْـــــنَـــا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا

﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ يعني: ثم إذا عملوا السوء بجهالة تابوا إلى الله من قريب، والقريب هنا ما كان قبل الموت، فإذا تابوا قبل الموت تاب الله عليهم، ولكن سيأتينا في الفوائد أنه تجب التوبة فورًا، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ ﴿يَتُوبُونَ﴾ بمعنى يرجعون إلى الله وذلك بترك ما قاموا به من السوء أو فعل ما تركوه من الواجب.

﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هذه الجملة باعتبار ما قبلها تأكيد؛ لأن هذا الحكم مفهوم من قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾، ولكنه أكد ما التزم به عز وجل على نفسه بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، وأشار إليهم بـ(أولئك) مع أنهم باعتبار الحديث عنهم في محل القرب، والقريب يشار إليه بأيش؟ بـ(هؤلاء)، لكن هنا قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ أشار إليهم بإشارة البعيد إشارة إلى علو منزلتهم بالتوبة.

﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: ذا علم وحُكم وحِكمة، فالعلم إدراك الشيء على ما هو عليه، وهذا التعريف يخرج الجهلين جميعًا: الجهل البسيط والجهل المركب؛ لأن الجهل البسيط ليس فيه إدراك مطلقًا، والجهل المركب فيه إدراك الشيء على غير ما هو عليه، فالعلم إدراك الشيء على ما هو عليه..

* طالب: إدراكًا جازمًا.

* الشيخ: نعم؟

* الطالب: إدراكًا جازمًا.

* الشيخ: معروف؛ لأن الذي ما جزم ما أدرك.

بالنسبة لعلم الله عز وجل علم كامل شامل، كامل أي: أنه لم يسبق بجهل ولم يلحق بنسيان، قال موسى عليه الصلاة والسلام لفرعون حين قال: ﴿مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥١، ٥٢] ﴿لَا يَضِلُّ﴾ لا يجهل، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ما علم.

وهو كذلك شامل، قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢]، وقد بين الله تعالى علمه في كتابه أحيانًا بالإجمال والعموم، وأحيانًا بالتفصيل، ففي قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩] فهذا تفصيل، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان ٣٤]، والله يعلم ذلك أيضًا فيه شيء من التفصيل، وأما الإجمال فكثير في القرآن.

والعلم أشمل من القدرة وأوسع؛ لأنه يتعلق بكل شيء …

18

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، هنا قال: ﴿لَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، ولم يقل: على الله؛ لأن هذه التوبة منتفية شرعًا فهي ليست حقيقية، ﴿لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، السيئات يحتمل أن يراد بها الجنس، وهو الأظهر، أو الجمع؛ لأنه ظاهر اللفظ.

﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، هؤلاء لا توبة لهم؛ لأن توبتهم توبة ضرورة، كالمكره على العمل، والمكره على العمل لا حكم لعمله كما هو معروف؛ لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يُحكم بكفره، كذلك هذا الذي تاب بعد أن أيس من الدنيا وأيقن أنه راحل، فإن هذه التوبة لا تنفعه، ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآن عندما شاهد الموت يتوب، أي توبة صادقة لشخص علم أنه قد فارق الدنيا؟!

وهذا نظير قوله ﷺ من بعض الوجوه: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ»، تأمل البقاء لصحتك، الصحيح يستبعد الموت، وتخشى الفقر؛ لأنه شحيح، «وَلَا تُمْهِلْ» يعني تأخر، «حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ»متفق عليه؛ البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢ / ٩٣) من حديث أبي هريرة. ، من فلان اللي كان له؟ الوارث، وهذا يقع كثيرًا، إذا أيِس الإنسان من حياته ذهب يوصي: أوصيتك بكذا بأعمال البر، بالصدقة على الفقراء، طبع الكتب، بناء المساجد، طيب قبل عشرة أيام ما توصي؟ لأنه الآن أيس من حياته وعلم أنه مفارق لا محالة.

قال: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، قال: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ الواو حرف عطف، و(لا) زائدة للتوكيد، و﴿الَّذِينَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾، يعني: وليست التوبة أيضًا للذين يموتون وهم كفار، الذين يموتون وهم كفار لا توبة لهم.

وظاهر الآية مشكل؛ لأن من مات انقطع عمله، فكيف يقول: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؟ نقول: المراد بذلك ندمهم يوم القيامة، حيث يندمون ويقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧]، قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨]، فتوبة الكافر بعد الموت يراد بها ندمه الذي يظهره يوم القيامة، فإن ذلك لا ينفعه؛ لأن وقت العمل انتهى، ما بقي إلا وقت الجزاء، فلا تنفعه.

﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه الكفار الذين ماتوا على الكفر، أعد الله لهم عذابًا أليمًا، أما من مات على ما دون الكفر فهذا أمره إلى الله؛ إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له، فإعداد النار إنما هو للكافرين، أما العصاة فقد يُعْفَى عنهم ولا يدخلون النار أبدًا.

* في هذه الآية عدة فوائد؛ الفائدة الأولى: أن التوبة تنقطع باحتضار المرء، أي بحضور الموت؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.

* ومن فوائدها: أن المحتضَر لا حكم لقوله، لا حكم لقوله، هكذا؟ أو نقول: لا حكم لقوله الذي يستعتب به؛ لأنه في هذه الحال ليس وقت استعتاب، أما لو قال قولًا آخر فإنه يعتبر؟ الجواب: الأول، المحتضر لا عبرة بقوله؛ لأنه غير كامل الشعور، فلا يعتد بقوله.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يشترط لصحة التوبة أن تكون في الزمن الذي تُقبل فيه التوبة، وذلك قبل حضور الموت، وحينئذ يحسن بنا أن نأتي على شروط التوبة، وقد تتبعناها فوجدناها خمسة:

الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل، بأن لا يكون الحامل له على التوبة إلا محبة الله والقرب إليه والخوف من عذابه، …

19

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion. And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them unless they commit a clear immorality. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allah makes therein much good.

ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ إلى آخره، سبق لنا أن الخطاب إذا ابتدئ بالنداء فإنه دليل على أهميته والعناية به، وسبق لنا أنه إذا صُدِّر بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كان دليلًا على أن امتثاله من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته (...)، وسبق لنا أيضًا أن فيه دليلًا على اتخاذ الاسم المغري بالشيء -يعني الحاثّ على الشيء- لقوله: (...) كأنه يغريهم على قبول ما سيوجَّه إليهم؛ لأن الوصف إذا ذُكر على وجه يهيج الإنسان كان هذا إغراء به، كما تقول: يا أيها الكريم لا تبخل على الضيف، يا أيها الرجل لا تغلبك النساء، فإن هذا يوجب الإنسان أن يأخذه الحماس حتى يمتثل.

يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، ونفي الحل يقتضي التحريم، والمحلِّل (...) هو الله عز وجل؛ ولهذا (...) بالتحريم وأحيانًا بنفي الحل، ففي هذه الآية قال: ﴿لَا يَحِلُّ﴾، وسيأتي بعدها بآيات التصريح بالتحريم في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٣].

يقول: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، ﴿كَرْهًا﴾ يعني: كُرهًا عليهن بحيث لا يرضين بذلك وأنتم تجبرونهن على هذا الميراث، (...) الميراث هل معناه أنهم يرثونهن كما يرثون المال، بمعنى أنهم يسترقونهن؟ أو أنهم يخلُفون أزواجهن فيهن دون تملّك؟ الثاني؛ لأنهم ليسوا يرثون النساء كما يرثون المال، بل يرثون النساء، أي: يخلُفون أزواجهن فيهن، فسمّاه الله ميراثًا، مَن خلف غيره في شيء فهو وارث له، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم ٤٠]، مع أنه عز وجل مالك لها من قبل، ومالك لمن عليها (...) أنه يُفني من عليها ويبقى هو سبحانه وتعالى، وقال تعالى عن زكريا: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم ٥، ٦] أي: يخلفني في قومي في العلم والنبوة، وليس يرثه ميراث ميعاد، وذلك لأن الأنبياء لا يوَرِّثون، إذن ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، أي: تخلفوا أزواجهن فيهن كرهًا.

وقوله: ﴿كَرْهًا﴾ هذا القيد (...)، وإذا كان لبيان الواقع فلا يدل على أنهن لو رضين أن يخلف الرجال أزواجهن فإن ذلك جائز؛ لأن هذا لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي، وذلك أنهم كانوا (...) إذا مات الرجل جاء ورثته من بعده ومنعوا المرأة أن تتزوج (...)، وإذا كانوا من بني عمه اختارها أحدهم فتزوجها قهرًا عليها وعدوانًا، فلهذا نهى الله عنه، قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، وعلى هذا فيكون القيد بيانًا للواقع، وما كان بيانًا للواقع فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا فلا يحل أن (...) اختيارهم.

قال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، هذه مسألة أخرى تشابه ما سبق، ﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا تمنعوهن حقوقهن فتلجئوهن إلى (...)، ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، وهذا يقع كثيرًا من بعض الأزواج الظلمة، يعضل زوجته فيمنعها، فإذا ضاقت به ذرعًا اضطرت إلى أن تفتدي نفسها منه، لماذا؟ أخذًا لما أعطاها من قبل إما الكل وإما البعض.

وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ لو قال قائل: لو عضلها ليأخذ كل ما أعطاها فهل يدخل في النهي؟ (...) لأنه من باب ﴿أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، وفي قراءة: ﴿مُبَيَّنَةٍ﴾ ، يعني إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فلكم، وما هي الفاحشة المبينة؟ الفاحشة المبينة فيها أقوال:

قيل: إنها (...)، فإذا زنت فله أن يعضلها من أجل أن تفتدي منه؛ لأن (...) زانية، ولا تطيب نفسه أن يطلقها هكذا فيذهب ماله، فله في هذه الحال أن (...) ويمنعها حقها من أجل أن تخالع أو تفتدي نفسها منه.

(...) المراد بالفاحشة المبينة …

20

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، ﴿إِِنْ أَرَدْتُمُ﴾ يعني: اخترتم، الإرادة هنا بمعنى المشيئة والاختيار، وقوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ يعني أخذ زوج مكان زوج، يعني: أردتم أن تطلقوا الزوجة الأولى وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة.

﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾، ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الأولى أو الثانية؟ إحداهن، الآية مبهمة، الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل فإن المبدل منه هو الأولى، يعني: وآتيتم إحداهن وهي الأولى، على أنه يصح أن يكون للثانية بأن يتزوج ثانية ولكن لا يرغب فيها ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا.

وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمد الهمزة..

﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء ٢٠].

﴿إِنْ أَرَدْتُمُ﴾ يعني: اخترتم، فالإرادة هنا بمعنى المشيئة والاختيار.

وقوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ يعني أخذ زوج مكان زوج؛ يعني أردتم أن تطلِّقوا الزوجة الأولى وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة.

﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الأولى أو الثانية؟ ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل فإن المبدل منه هو الأولى؛ يعني ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾ وهي الأولى، على أنه يصح أن يكون للثانية بأن يتزوج ثانيةً ولكن لا يرغب فيها ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا.

وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمد الهمزة بمعنى أعطيتم، أما قصر الهمزة (أتيتم) فهو بمعنى جئتم. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمعنى أعطيتم تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وفي هذه الآية المفعول الأول: ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾، والثاني: ﴿قِنْطَارًا﴾.

فإذا قال قائل: ما هي العلامة على أنها نصبت ما ليس بمبتدأ ولا خبر؟

قلنا: العلامة أنه إن صح الإخبار بالثاني عن الأول فأصلهما المبتدأ والخبر، وإن لم يصح فليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ فهنا لو قال: هن قنطار، يصح؟

* الطلبة: لا يصح.

* الشيخ: لا يصح.

﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ الفاء هذه رابطة للجواب، وإنما رُبِط الجواب بالفاء لأنه طلب؛ ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾، و(لا) ناهية، والدليل على أنها نهيٌ جزمُ الفعل، وإذا وقع الجواب جملة طلبية وجب اقترانه بالفاء، ونُظِم في ذلك بيتٌ من الشعر ينشده لنا..

* طالب:

اسْمِـــــيَّـــــــةٌ طَـــلَــبِــــيَّــــــةٌوَبِجَــــــامِـــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــا وَقَــدْ وَبِلَـــنْ وَبِالتَّنْفِيــــسِ

* الشيخ: تمام. هنا ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾ من باب أيش؟

* طالب: طلبية.

* الشيخ: طلبية.

﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾ أي: مما آتيتموهن.

﴿شَيْئًا﴾ (شيئًا) نكرة في سياق النهي تعم القليل والكثير؛ ﴿لَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، لماذا؟ لأن لها المهر بما استحلَّ من فرجها كما سيأتي في الآية التي بعدها: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ٢١]، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن استحلال الفرج موجِبٌ للمهر كاملًاانظر سنن أبي داود (٢١٣١). كما سيأتي في الفوائد.

﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، فالله تعالى يوبِّخ هؤلاء الذين يحاولون أن يأخذوا منه شيئًا وينكر عليهم.

وقوله: ﴿بُهْتَانًا﴾ أي: كذبًا؛ لأنكم لم تستحقوه.

وقوله: ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: عقوبةً أو معصيةً بيِّنةً واضحةً، فالمبين هنا بمعنى بيِّن، وإن كانت من الرباعي؛ لأن (أَبَانَ) الرباعي يجوز أن يكون لازمًا ومتعديًا؛ فإذا قلت؟

* طالب: أَبَانَ يُبِينُ.

* الشيخ: نريد …

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.