Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 171–176 of 176

171

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا

O People of the Scripture, do not commit excess in your religion or say about Allah except the truth. The Messiah, Jesus, the son of Mary, was but a messenger of Allah and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allah and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allah is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء ١٧١ - ١٧٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، قوله هنا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ عامٌّ أريد به الخاص، والمراد بهم النصارى؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر حال اليهود فيما سبق من قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى آخره [النساء: ١٥٧]، وما قبلها أيضًا.

ثم خاطب أهل الكتاب الذين هم النصارى، فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، والغلُوّ هو الزيادة، الزيادة في الشيء تسمى غلوًّا، وتسمَّى إفراطًا، وضدها التفريط والتقصير.

وقوله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي: فيما تدينون الله به، وذلك أنهم اعتقدوا أن المسيح الله، أو ثالث ثلاثة، أو قالوا: إن المسيح وأمه إلهان، وقالوا: إن المسيح ابن الله، كل هذه الأقوال يرونها أيش؟ يرونها دينًا، فقال لهم الله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، أي: فيما تدينون الله به.

﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ أي: لا تقولوا على الله تعالى فيما تصفونه به إلا الحق، أي الشيء الثابت المقبول عقلًا وفطرةً ونقلًا، وضده الباطل، فمن قال: إن المسيح ابن الله، فقد قال على الله غير الحق، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة، فقد قال على الله غير الحق، ومن قال: إن المسيح وأمه إلهان، فقد قال على الله غير الحق، ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.

﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، هذه الجملة إبطال لقولهم: إن المسيح ابن الله، وإن المسيح وأمه إلهان، وإن الله ثالث ثلاثة، وما أشبه ذلك.

قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ عندنا أربع كلمات: المسيح، وعيسى، وابن مريم، ورسول الله، فلا بد من إعرابها.

أما قوله: ﴿الْمَسِيحُ﴾ فهو مبتدأ.

وأما قوله: ﴿عِيسَى﴾ فهو عطف بيان.

وأما قوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فهو صفة.

وأما قوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ فهو خبر.

وهذه الجملة ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ جملة تدل على الحصر، فيكون التركيب: ما المسيح عيسى بن مريم إلا أيش؟ إلا رسول الله، يعني: وليس جزءًا من الله ولا إلهًا.

﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾، المسيح لقب لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وسُمِّي بذلك لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، يُبرِئ الأكمه والأبرص بإذن الله عز وجل، بخلاف المسيح الدجال؛ فإنما سُمِّي المسيح لأنه ممسوح العين، أي أعورها.

وقوله: ﴿عِيسَى﴾ هو العلَم.

فإن قال قائل: كيف قدَّم اللقب على العلَم واللقب وصف والعلَم ذات؟ قلنا: إن اللقب إذا اشتهر به الملقَّب صار بمنزلة …

An-Nisaa 4:171Listen in Qur'an →
172

لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًۭا

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allah, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ ، ﴿الْمَسِيحُ﴾ هو ابن مريم الذي اتخذه هؤلاء إلهًا، بَيَّنَ أن المسيح نفسه لا يمكن أن يستنكف عن عبادة الله، بل هو عليه الصلاة والسلام يطلب الوسيلة إلى الله في القرب لديه، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء ٥٧]، يعني: يطلبون الوسيلة التي تقرِّبهم إلى الله عز وجل، وأولئك يدعونهم، مساكين.

فهنا يقول: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾: لن يأبى، ﴿يَسْتَنْكِفَ﴾ بمعنى: يأبى أنفةً وعُلُوًّا.

وقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ أي: عبدًا شرعيًّا أو كونيًّا؟

* الطلبة: شرعيًّا.

* الشيخ: شرعيًّا؛ لأن الكوني ما أحد يستنكف، حتى أفجر عباد الله لن يستنكف أن يكون عبدًا لله بالعبودية القدرية، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].

* طالب: فرعون؟

* الشيخ: فرعون مستكبر، لكن قدرًا ما يمكن يستكبر، كلامنا على القدر، أما الاستكبار على الأمر الشرعي هذا كثير.

وقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ أي: عبودية شرعية، ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، يعني: ولن يستنكف الملائكة المقرَّبون، والملائكة هم عالَم غيبي خلقهم الله من نور، وجعل غذاءهم التسبيح، ولهذا كانوا صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون.

وقوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: إلى الله، وإذا كان الملائكة المقرَّبون لا يستنكفون عن عبادته فغيرهم من باب أولى.

وقوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾، هل هي صفة كاشفة أو صفة قيد؟ يحتمل أن يكون ذلك صفة كاشفة؛ لأن الملائكة مقرَّبون إلى الله عز وجل، ويحتمل أن يكون قيدًا، وعلى هذا الاحتمال يكون الملائكة فيهم المقرَّبون، وفيهم من ليس بمقرَّب، فالله أعلم.

فإن قال قائل: ما المناسبة في ذكر الملائكة عند ذكر عيسى؟ قلنا: المناسبة أن من الناس من جعل الملائكة أولادًا لله، كما أن منهم من جعل المسيح ابنًا لله عز وجل، فهذه المناسبة، يعني حتى الملائكة الذين اتخذتموهم أولادًا لله لن يستنكفوا أن يكونوا عبادًا لله.

ثم قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، ﴿مَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾، الجملة هنا شرطية، و(من) أداة شرط، ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، وقُرِن بالفاء؛ لأنه صُدِّر بالسين، وإذا صُدِّر الجواب بالسين وسوف فإنه يتعين أن يُربط بالفاء.

وقوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ عبادة من؟ عبادة الله شرعًا، صح؟ من يستنكف عن عبادته شرعًا.

﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾: يتعلَّى ويترفَّع ويأبى أن يخضع للأوامر والنواهي.

﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، المستنكف المستكبر والمتعبِّد المتذلِّل كلهم سيُحْشَرون إليه، وعلى هذا فالضمير في قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يعود على الجميع.

وهنا فيه مباحث: أولًا: ﴿مَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾ رُوعِي في فعل الشرط لفظ الشرط..

وجواب الشرط: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٧٢]، وقُرن بالفاء؛ لأنه صُدِّر بالسين، وإذا صُدّر الجواب بالسين و(سوف) فإنه يتعيّن أن يُربط بالفاء.

وقوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [النساء ١٧٢]، عبادة مَن؟ عبادة الله شرعًا، صح؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: من يستنكف عن عبادته شرعًا.

﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ يتعلّى ويترفّع، ويأبى أن يخضع للأوامر والنواهي.

﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ المستكبر والمتعبّد المتذلّل، كلهم سيحشرون إليه، وعلى هذا فالضمير في قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يعود على الجميع. وهنا فيه مباحث: أولًا: ﴿مَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾ رُوعي في فعل الشرط لفظ الشرط، صح، روعي لفظه لأن (مَن) لفظُه مفرد ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾، فاعله مفرد ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ …

An-Nisaa 4:172Listen in Qur'an →
173

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allah any protector or helper.

ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾، في هذه الآية والتي بعدها التفصيل، والتفصيل بعد الإجمال من أساليب البلاغة، ومن المعلوم أن القرآن على أعلى أنواع البلاغة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. (أما) هنا شرطية، وتفيد مع الشرط تفيد التفصيل، أما كونها شرطية فلأن لها جوابًا وهو قوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، وأما كونها تفصيلية فلأنه فُصِّل فيها المؤمنون والذين استنكفوا واستكبروا.

وقوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذه تكرّرت علينا كثيرًا، فلا حاجة إلى إعادة شرحها. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: يعطيهم أجورهم وافية كاملة، وقد جاء في القرآن والسنة بيان كيف هذه الأجور، وأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولهذا قال: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني زائدًا على أجورهم، فإذا استحق الإنسان الحسنة بعشر أمثالها تُضاعف إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ استنكفوا بقلوبهم واستكبروا بجوارحهم عن عبادة الله ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: عذاب عقوبة وألم. و﴿أَلِيمًا﴾ بمعنى (مؤلم)، وكلمة ﴿عَذَابًا﴾ يسميها النحويون من حيث الإعراب أيش؟

* طالب: نائب عن المفعول المطلق، مصدر.

* الشيخ: مصدر؛ لأن المفعول المطلق هو الذي لا يكون كالفعل أو كالعامل، هذا المفعول المطلق، أما إذا كان من العامل فإنه يسمى مصدرًا، والمصدر له عدة أغراض منها التوكيد كما هنا ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، فهو توكيد من جهة أنه عاد بلفظ العامل (يعذّب)، وهو أيضًا توطئة لما بعده حيث وُصف بأنه أليم.

﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ الولي أي: من يتولاهم إذا عذّبهم الله ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يمنع عنهم عذاب الله، فليس لهم دافع ولا رافع من عقوبة الله عز وجل، الدافع من؟

* طالب: الولي.

* طالب آخر: الله.

* الشيخ: الولي، والرافع؟

* طلبة: النصير.

* الشيخ: النصير. في هذه الآية الكريمة دليل على المجازاة، وأن الإنسان يجازى بقدر عمله، ولكن حسب ما وعد الله عز وجل.

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والعمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

ومن فوائدها: أنها ربما تُشعر بأن العمل الصالح لن يكون مقبولًا إلا بالإيمان؛ لأنه قدّم ذِكر الإيمان، والأصل أن ما قُدّم فهو الأسبق، وهذا أمر دلّت عليه السنة، بل دلّ عليه القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤] فلا بد من الإيمان السابق على العمل الصالح. هل يمكن أن يُستدل بهذا على أن العمل الصالح لا يدخل في الإيمان؛ لأن الأصل في العطف التغاير؟

قد يستدل به من يستدل على أن الإيمان ليس العمل الصالح، ولكن نقول: قد دلّ الكتاب والسنة على أن العمل من الإيمان، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة ١٤٣] قال أهل التفسير: أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، والصلاة عمل، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»متفق عليه؛ البخاري (٩) ومسلم (٣٥ / ٥٨) واللفظ له، من حديث أبي هريرة. . وربما يقال: إنه إذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح صار المراد بالإيمان عمل القلب وقول القلب، وبالعمل الصالح عمل الجوارح وقول اللسان، فيكون هذا من باب ما يفترق عند الاجتماع، ويجتمع عند الافتراق.

* ومن فوائد …

An-Nisaa 4:173Listen in Qur'an →
174

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَٰنٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًۭا مُّبِينًۭا

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.

ثم قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ إلى آخره [النساء: ١٧٤، ١٧٥].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الخطاب هنا بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لإفادة أن رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عامة، لا تختص بقوم دون قوم؛ فالناس كلهم مخاطبون بشريعة النبي ﷺ حتى اليهود والنصارى مخاطَبون بذلك.

وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ الجملة هنا مؤكدة بكم مؤكد؟ مؤكد واحد، وهي (قد)، وقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البرهان هو الدليل، والمراد به الآيات التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعظم آية جاء بها الرسول آية النبي ﷺ؛ وهي القرآن الكريم الذي بقي آية للرسول إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم.

وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الربوبية هنا ربوبية بالمعنى الأخص؛ لأن كونه عز وجل يمن علينا بالآيات البينات القاطعة لا شك أن هذا من مقتضى الربوبية الخاصة فهو سبحانه وتعالى رب الجميع، لكن هناك ربوبية خاصة يمن الله بها على من يشاء من عباده.

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا﴾ يعني به القرآن، والنور ضد الظلمة، وهل هو نور معنوي أو حسي؟ هو نور معنوي لا شك؛ لأنه به يستنير القلب والوجه والقبر والبعث؛ فالقرآن كله نور، لكنه يحتاج إلى تأمّل وتدبّر لمعانيه وعمل به.

﴿نُورًا مُبِينًا﴾ كلمة (مبين) ذكرنا -فيما سبق- أنها تصلح أن تكون بمعنى أيش؟ بَيّن، وبمعنى مُظهر؛ وذلك لأنها مشتقة من (أبان)، وأبان تصلح متعدية ولازمة فتقول: أبان لي الطريق، وحينئذٍ تكون أيش؟ أبان لي الطريق، متعدية، وتقول: أبان الفجر، بمعنى (طلع)، هذه لازمة، وعلى هذا فكلمة ﴿مُبِينًا﴾ يصح أن تفسّرها بأنه مبين لغيره، وبأنه بَيّن في نفسه، وهل يتنافى المعنيان؟

الجواب: لا، وقد مر علينا القاعدة المهمة الأصيلة؛ أنه متى كانت النصوص من القرآن والسنة تحتمل معنيين لا مرجّح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما وجب حمْل النص على المعنيين جميعًا.

* في هذه الآية الكريمة فوائد منها: أن القرآن الكريم نازِل لجميع الخلق؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ويترتب على هذا عموم رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على من لم يعرف اللغة العربية أن يتعلّمها ليتوصل إلى الاستفادة من القرآن؛ لقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ومن المعلوم أنك لو تلوته على رجل أعجمي فكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] لأنهم لا يعرفونه، ولا يتذوقّون طعمه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية، وأن إرسال الرسل وإنزال الكتب من مقتضى أيش؟ ربوبيته؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم نور، ولكن -يا إخواني- لا يتذوق ذلك، أو لا يشاهد ذلك إلا من جمع بين أمرين: الأول: التدبر، والثاني: التذكر؛ دليل هذا قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ لأي غرض؟

* طالب: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.

* الشيخ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ هذه واحدة، ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، فمن تدبر الآيات، وسلم من الهوى، وسلم من تحريف الأدلة، واتعظ بما فيها فإنه سيجد نورًا عظيمًا في قلبه ويُكشف له من العلوم ما لا يُكشف لغيره.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم فيه بيان كل شيء؛ لأن النور لا بد أن تستبين به الأشياء كالنهار إذا طلع بانت به الأشياء، وكالحجرة إذا أسرجتها فإنها لا بد أن يبين بها ما كان خافيًا، فالقرآن تبيان لكل شيء، ولكن قد يخفى البيان؛ إما لقلة الإيمان، وإما لقلة …

An-Nisaa 4:174Listen in Qur'an →
175

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَفَضْلٍۢ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

So those who believe in Allah and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.

ثم قال عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ هذه جمعت بين الإيمان والتوكّل، آمنوا به واعتصموا به، ولم يلجؤوا لأحد سواه، بل جعلوه هو حمايتهم عز وجل، وبه عصمتهم لا يعتصمون بأحد سوى الله، ولا يعتمدون ولا يتوكّلون إلا على الله.

﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ السين في قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمْ﴾ تفيد شيئين؛ الأول: التحقيق، والثاني: القرب، أما التحقيق فظاهر، وأما القرب فما أقرب الآخرة من الدنيا، ما بين الإنسان وبين الآخرة إلا أن تخرج روحه من جسده، ثم يكون في عالم الآخرة، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.

وقوله: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ كلمة ﴿رَحْمَةٍ﴾ يصح أن تكون صفة لله، ويصح أن تكون مخلوقة لله، فأيهما المراد هنا؟

* طالب: المخلوقة.

* الشيخ: الرحمة المخلوقة، نعم؛ لأن الرحمة الصفة لا يمكن أن يدخل الناس فيها، لكن الرحمة المخلوقة هي التي يمكن أن يدخل الناس فيها، ولهذا قال: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾. و(من) هنا ليست للتبعيض، ولكنها للابتداء أي: رحمة كائنة منه.

﴿وَفَضْلٍ﴾ أي: زائد على الرحمة، أو على الأصح: زائد على ما يستحقونه من الثواب والأجور.

﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فذكر الله تعالى للذين آمنوا بالله واعتصموا به، ذكر ثمرتين عظيمتين: الثمرة الأولى: أن يدخلهم الله في الرحمة والفضل، والثانية: أن يهديهم إليه صراطًا مستقيمًا أي: يدلهم، وهذا يدل على أن الإيمان والاعتصام بالله سبب لزيادة العلم، وهو واضح، ودلّت عليه نصوص أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١].

وقوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فيها قراءتان: الأولى بالسين، والثانية بالصاد؛ لأن السين والصاد تتناوبان لقرب مخرجيهما. وقوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ الصراط هو الطريق أيش؟ الواسع السهل، وأصل ذلك من قولهم: زرط اللقمة إذا ابتلعها بسرعة، وسرطها وصرطها، كلها معناها واحد.

وقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ ضد المعوج، والاعوجاج تارة يكون اعوجاجًا طلوعًا ونزولًا، وتارة يكون اعوجاجًا يمينًا وشمالًا، صراط الله عز وجل مستقيم ليس به يمين ولا شمال، وليس به طلوع ولا نزول؛ لأنه سهل.

* طالب: الفرق بين يستنكف ويستكبر، ممكن يكون إذا اجتمعا يكون الاستنكاف بالقلب والاستكبار بالفعل، والأصل أنهما بمعنى واحد؟

* الشيخ: لا، لكنهما متلازمان، كل إنسان يستنكف فإنه سيستكبر، كل إنسان مستكبر فهو مستنكف، لكن عند الاجتماع يكون الاستنكاف بالقلب والاستكبار بالجوارح.

* طالب: (...).

* الشيخ: من هذه الآية يعني إن القرآن أفضل من غيره، وجه ذلك؟

* طالب: وجه ذلك أنه وصف الكتب السماوية (...)، ووصف القرآن بالإضافة إلى مبين (...).

* الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قد يقال: المراد بالناس بعد شريعة محمد هم أمة محمد الذين وُجهت لهم الدعوة.

* طالب: قالوا: لا بد من الذكر قبل الإضمار ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ قلنا: أي جميع الناس، ولم يسبقهم، لم يسبق المسيح والملك.

* الشيخ: ما هو قلنا: العموم يستفاد من التفصيل فيما بعد؟

على كل حال إحنا ذكرنا هذا، قلنا: أولًا: اللي غير المسيح والملائكة ما ذُكِروا، لا الكفار ولا المؤمنون، لكن ذكرنا أن التفصيل فيما بعد يدل على ذلك.

* طالب: بارك الله فيك، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا …

An-Nisaa 4:175Listen in Qur'an →
176

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَهُۥٓ أُخْتٌۭ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةًۭ رِّجَالًۭا وَنِسَآءًۭ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ

They request from you a [legal] ruling. Say, "Allah gives you a ruling concerning one having neither descendants nor ascendants [as heirs]." If a man dies, leaving no child but [only] a sister, she will have half of what he left. And he inherits from her if she [dies and] has no child. But if there are two sisters [or more], they will have two-thirds of what he left. If there are both brothers and sisters, the male will have the share of two females. Allah makes clear to you [His law], lest you go astray. And Allah is Knowing of all things.

ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخره. الاستفتاء طلب الإفتاء، والإفتاء هو الإخبار عن حكم شرعي أو غير شرعي أيضًا؛ لأن الإنسان قد يُستفتى في أمور دنيوية. والفاعل في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الصحابة، والكاف في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام.

﴿قُلِ﴾ مجيبًا لهم ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.

قوله: ﴿فِي الْكَلَالَةِ﴾ متعلقة على ما رجحناه بأيش؟ بـ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ و﴿يُفْتِيكُمْ﴾؛ لأننا قلنا: لا مانع من أن يتسلط عاملان على معمول واحد كما هو مذهب الكوفيين، وعلى هذا فنقول: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ أما على رأي البصريين فيقولون: إن ﴿فِي الْكَلَالَةِ﴾ متعلّق بـ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ و﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ حُذفت منها، ولم يكن فيها الضمير؛ لأنه ليس عمدة.

على كل حال ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ والاستفتاء عن الكلالة ما هي؟ فبيّن الله تعالى ما هي الكلالة بذكر المسألة التي تتضمنها، وأصل الكلالة مأخوذة من الإكليل؛ وهو ما أحاط بالشيء، ولهذا نقول في تفسيرها: هم الحواشي؛ لأن قرابات الإنسان ثلاث شعب: شعبة منه، وشعبة أصل له، وشعبة من آبائه وأجداده، الشعبة التي منه تسمى؟

* طلبة: الفروع.

* الشيخ: الفروع، والشعبة التي هو منها؟

* الطلبة: الأصول.

* الشيخ: الأصول، والشعبة التي من آبائه وأجداده؟

* الطلبة: الحواشي.

* الشيخ: الحواشي، وعلى هذا نقول: المراد بالكلالة الحواشي؛ الأخ وأبناؤه، والعم وأبناؤه، سواء كان عمك أو عم أبيك أو عم جدك؛ هؤلاء هم الكلالة، ولهذا فسرها الصديق رضي الله عنه فيما ذكروا عنه أنها «من لا ولد له، ولا والد»أخرجه الدارمي (٣٠١٥) وعبد الرزاق في المصنف (١٩١٩١) واللفظ له، من حديث أبي بكر الصديق..

﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾.

﴿إِنِ﴾ شرطية، وأدوات الشرط لا تدخل إلا على الأفعال، وهنا دخلت على اسم ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ فهل هذا ينقض القاعدة التي قرّرها النحاة، وأن (إن) الشرطية بل كل الشرط لا يدخل إلا على الأفعال، أو إن هذا موضع خلاف؟

هذا موضع خلاف؛ فعلى رأي من يرى أن الشرط لا يدخل إلا على الأفعال يقول: إنّ ﴿امْرُؤٌ﴾ فاعل لفعل محذوف، والتقدير: إن هلك امرؤ.

ولكن هناك قول آخر؛ وهو أن أدوات الشرط تدخل على الأسماء لورود ذلك كثيرًا في اللغة العربية ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار ١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق ١]، ﴿إِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار ٢] أمثلة كثيرة فيقول: لا مانع من أن تدخل أداة الشرط على الأسماء.

ورأي ثالث يقول: إن الذي يلي (إن) الشرطية يكون معمولًا للفعل الذي بعدها إن كان فاعلًا فهو فاعل مقدّم، وإن كان نائب فاعل فهو نائب فاعل مقدّم، وإن كان منصوبًا فهو مفعول مقدّم ولا مانع. وعلى كل حال فالذي نرى أنه إذا اختلف النحاة في شيء فإنا نتبع الأسهل.

﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي: مات. ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ لا ذكور ولا إناث؛ لأن (ولد) نكرة في سياق النفي فتعمّ. ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ أخت شقيقة أو لأب أو لأم؟

* طالب: شقيقة (...).

* الشيخ: شقيقة أو لأب، الدليل أن الأخت من الأم ذكرها الله تعالى في أول السورة فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء ١٢] إذن المراد بالأخت هنا: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾؟

* طالب: الشقيقة والأخت لأب.

* الشيخ: الشقيقة والأخت لأب، لماذا لا نقول إنها عامة أخت شقيقة أو لأب أو لأم؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: إي، …

An-Nisaa 4:176Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.