Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 171–176 of 176

171

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا

O People of the Scripture, do not commit excess in your religion or say about Allah except the truth. The Messiah, Jesus, the son of Mary, was but a messenger of Allah and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allah and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allah is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

ولَمّا اقْتَضى السِّياقُ الأكْمَلُ فِيما سَبَقَ إتْمامَ أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إذْ كانَ الكَلامُ في بَيانِ عَظِيمِ جُرْأتِهِمْ وجَفائِهِمْ؛ وكانَ ما فَعَلُوا مَعَهُ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ؛ وكانَ كُلٌّ مِن أعْدائِهِ؛ وأحْبابِهِ؛ قَدْ ضَلَّ في أمْرِهِ؛ وغَلا في شَأْنِهِ اليَهُودُ بِخَفْضِهِ؛ والنَّصارى بِرَفْعِهِ؛ اقْتَضى قانُونُ العِلْمِ والحِكْمَةِ؛ المُشارِ إلَيْهِما بِخِتامِ الآيَةِ السّالِفَةِ؛ بَيانَ ما هو الحَقُّ مِن شَأْنِهِ؛ ودُعاءَ الفَرِيقَيْنِ إلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾؛ أيْ: لا تُفَرِّطُوا في أمْرِهِ؛ فَتُجاوِزُوا بِسَبَبِهِ حُدُودَ الشَّرْعِ؛ وقَوانِينَ العَقْلِ؛ ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ شَيْئًا مِنَ القَوْلِ؛ ﴿إلا الحَقَّ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ فَمَن قالَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ؛ فَقَدْ أغْرَقَ في الباطِلِ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما وقَفَتْ أُمُّهُ لِلدَّوامِ عَلى الطّاعاتِ؛ ولا ظَهَرَتْ عَلَيْها عَجائِبُ الكَراماتِ؛ ولا تَكَلَّمَ هو في المَهْدِ؛ ولا ظَهَرَتْ عَلى لِسانِهِ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ؛ ولا قَدَرَ عَلى إحْياءِ المَوْتى؛ وذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) العَلِيمَ الحَكِيمَ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِ مَن لا يُحِبُّهُ؛ وذَلِكَ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ؛ فَهو كَذِبٌ عَلى اللَّهِ؛ بَعِيدٌ عَنْ تَنْزِيهِهِ؛ ومَن قالَ: إنَّهُ اللَّهُ؛ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَهو أبْطَلُ وأبْطَلُ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ حادِثًا؛ ولَما احْتاجَ إلى الطَّعامِ؛ والشَّرابِ؛ وما يَنْشَأُ عَنْهُما؛ ولا قَدِرَ أحَدٌ عَلى أذاهُ؛ ولَثَبَتَتِ الحاجَةُ إلى الصّاحِبَةِ لِلْإلَهِ؛ فَلَمْ يَصْلُحْ لِلْإلَهِيَّةِ؛ وذَلِكَ أبْطَلُ الباطِلِ.

ولَمّا ادَّعى اليَهُودُ أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ؛ والنَّصارى أنَّهُ إلَهٌ؛ حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما المَسِيحُ﴾؛ أيْ: المُبارَكُ الَّذِي هو أهْلٌ لِأنَّ يَمْسَحَهُ الإمامُ بِدُهْنِ القُدْسِ؛ لِما فِيهِ مِن صَلاحِيَةِ الإمامَةِ؛ وهو أهْلٌ أيْضًا لِأنْ يَمْسَحَ النّاسَ ويُطَهِّرَهُمْ؛ لِما لَهُ مِنَ الكَرامَةِ؛ ولَمّا ابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِوَصْفِهِ الأشْهَرِ؛ وكانَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِيسى﴾؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ اتَّصَلَ بِها اتِّصالَ الأوْلادِ بِأُمَّهاتِهِمْ؛ لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ لِلْبُنُوَّةِ إلى غَيْرِها؛ ولَيْسَ هو اللَّهَ؛ ولا ابْنَ اللَّهِ - كَما زَعَمَ النَّصارى - ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾؛ لا أنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ - كَما كَذَبَ اليَهُودُ.

ولَمّا كانَ تَكَوُّنُهُ بِكَلِمَةِ اللَّهِ؛ مِن غَيْرِ واسِطَةِ ذَكَرٍ؛ جُعِلَ نَفْسَ الكَلِمَةِ؛ فَقالَ: ﴿وكَلِمَتُهُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ بِها مِن غَيْرِ تَسَبُّبٍ عَنْ أبٍ؛ بَلْ كَوْنًا خارِقًا لِلْعَوائِدِ؛ ﴿ألْقاها﴾؛ أيْ: أوْصَلَها عَلى عُلُوِّ أمْرِهِ؛ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ؛ إيصالًا سَرِيعًا؛ ﴿إلى مَرْيَمَ﴾؛ وحَصَّلَها فِيها؛ وزادَهُ تَشْرِيفًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ورُوحٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمَةٌ؛ نَفَخَها؛ فِيما تَكَوَّنَ في مَرْيَمَ مِنَ الجَسَدِ الَّذِي قامَ بِالكَلِمَةِ؛ لا بِمادَّةٍ مِن ذَكَرٍ؛ والرُّوحُ هو النَّفْخُ؛ في لِسانِ العَرَبِ؛ وهو كالرِّيحِ؛ إلّا أنَّهُ أقْوى؛ بِما لَهُ مِنَ الواوِ؛ والحَرَكَةِ المُجانِسَةِ لَها؛ ولِغَلَبَةِ الرُّوحِ عَلَيْهِ كانَ يُحْيِي المَوْتى؛ إذا أرادَ؛ وأكْمَلَ شَرَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ جِبْرائِيلُ هو النّافِخَ؛ وإذا وُصِفَ شَيْءٌ بِغايَةِ الطِّهارَةِ قِيلَ: …

An-Nisaa 4:171Listen in Qur'an →
172

لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًۭا

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allah, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

ولَمّا كانَ الوَكِيلُ مَن يَقُومُ مَقامَ المُوَكِّلِ؛ ويَفْعَلُ ما يَعْجِزُ عَنْهُ المُوَكِّلُ؛ وكانَ اللَّهُ (تَعالى) لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ ولا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ؛ وكانَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا يَدَّعِي القُدْرَةَ عَلى شَيْءٍ إلّا بِاللَّهِ؛ وكانَ يَحْتاجُ إلى النَّوْمِ؛ وإلى الأكْلِ؛ والشُّرْبِ؛ وإلى ما يَسْتَلْزِمانِهِ؛ صَحَّ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ - دالًّا عَلى ذَلِكَ -: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبَ ويُرِيدَ أنْ يَمْتَنِعَ؛ ويَأْبى؛ ويَسْتَحْيِيَ؛ ويَأْنَفَ؛ ويَسْتَكْبِرَ؛ ﴿المَسِيحُ﴾؛ أيْ: الَّذِي ادَّعَوْا فِيهِ الإلَهِيَّةَ؛ وأنِفُوا لَهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ؛ لِكَوْنِهِ خُلِقَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؛ ولِكَوْنِهِ أيْضًا يُخْبِرُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ؛ ويُحْيِي بَعْضَ الأمْواتِ؛ ويَأْتِي بِخَوارِقِ العاداتِ؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: مِن أنْ؛ ﴿يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ؛ فَإنَّهُ مِن جِنْسِ البَشَرِ في الجُمْلَةِ؛ وإنْ كانَ خَلْقُهُ خارِقًا لِعادَةِ البَشَرِ؛ ﴿ولا المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم أعْجَبُ خَلْقًا مِنهُ؛ في كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مِن ذَكَرٍ ولا أُنْثى؛ ولا ما يُجانِسُ عُنْصُرَ البَشَرِ؛ فَكانُوا لِذَلِكَ أعْجَبَ خَلْقًا مِن آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْضًا؛ وهم لا يَسْتَنْكِفُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْ يَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْرِيبُ مُقْتَضِيًا في الأغْلَبِ لِلِاسْتِحْقاقِ؛ وكانَ صِفَةً عامَّةً لِلْمَلائِكَةِ؛ قالَ: ﴿المُقَرَّبُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم في حَضْرَةِ القُدْسِ؛ فَهم أجْدَرُ بِعِلْمِ المُغَيَّباتِ؛ وإظْهارِ الكَراماتِ؛ وجِبْرائِيلُ الَّذِي هو أحَدُهم كانَ سَبَبًا في حَياةِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقَدِ ادَّعى بَعْضُ النّاسِ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ أيْضًا؛ وبِهَذا طاحَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ عَلى أفْضَلِيَّةِ المَلَكِ عَلى البَشَرِ؛ بِأنَّ العادَةَ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى بَعْدَ تَسْلِيمِ مُدَعّاهُمْ؛ لَكِنْ في الخَلْقِ لا في المَخْلُوقِ.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَنْ خُلَّصِ عِبادِهِ بِالتَّشَرُّفِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ أخْبَرَ عَمَّنْ يَأْبى ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُهَدِّدًا؛ مُحَذِّرًا؛ مُوعِدًا -: ﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ﴾؛ أيْ: مِنَ المَوْجُوداتِ كُلِّهِمْ؛ ﴿عَنْ عِبادَتِهِ﴾؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِنْكافُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مُجَرَّدِ الِامْتِناعِ؛ لا كِبْرًا؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِلْمُرادِ مِن مَعْناهُ هُنا -: ﴿ويَسْتَكْبِرْ﴾؛ أيْ: يَطْلُبِ الكِبْرَ عَنْ ذَلِكَ؛ ويُوجِدْهُ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ الِامْتِناعِ لا يَسْتَلْزِمُهُ؛ ولَمّا كانَ الحَشْرُ عامًّا لِلْمُسْتَكْبِرِ وغَيْرِهِ؛ كانَ الضَّمِيرُ في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾؛ عائِدًا عَلى العِبادِ؛ المُشارِ إلَيْهِمْ؛ بِـ ”عَبْدًا“؛ و”عِبادَتِهِ“؛ ولا يُسْتَحْسَنُ عَوْدُهُ عَلى ”مَن“؛ لِأنَّ التَّفْصِيلَ يَأْباهُ؛ والتَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ: ”فَسَيُذِلُّهُمْ؛ لِأنَّهُ سَيَحْشُرُ العِبادَ ﴿إلَيْهِ جَمِيعًا﴾“؛ أيْ: المُسْتَكْبِرِينَ وغَيْرَهُمْ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ لِأنَّ الكُلَّ يَمُوتُونَ؛ ومَن ماتَ كانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا قَطْعًا؛ ومَن كانَ مَقْدُورًا عَلى ابْتِدائِهِ وإفْنائِهِ؛ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى إعادَتِهِ أوْلى؛ و”الحَشْرُ“: الجَمْعُ بِكُرْهٍ.

An-Nisaa 4:172Listen in Qur'an →
173

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allah any protector or helper.

ولَمّا عَمَّ بِالحَشْرِ المُسْتَكْبِرِينَ؛ وغَيْرَهُمْ؛ جاءَ التَّفْصِيلُ إلى القِسْمَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أذْعَنُوا لِلَّهِ (تَعالى)؛ وخَضَعُوا لَهُ؛ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾؛ تَصْدِيقًا لِإقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي جَرَتِ العاداتُ بَيْنَكم أنْ يُعْطَوْها؛ وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ لا يَسْتَحِقُّونَها؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) هو الَّذِي وفَّقَهم لَها؛ فَهي فَضْلٌ مِنهُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿ويَزِيدُهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ما قُضِيَتْ بِهِ العاداتُ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: شَيْئًا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ؛ لِأنَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ؛ ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا﴾؛ أيْ: طَلَبُوا كُلًّا مِنَ الإباءِ؛ والكِبْرِ؛ ﴿فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا﴾؛ أيْ: بِما وجَدُوا مِن لَذاذَةِ التَّرَفُّعِ؛ والكِبْرِ؛ وآلَمُوا بِذَلِكَ أوْلِياءَ اللَّهِ؛ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: حالًا؛ ولا مَآلًا؛ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿ولِيًّا﴾؛ أيْ: قَرِيبًا يَصْنَعُ مَعَهم ما يَصْنَعُ القَرِيبُ؛ ﴿ولا نَصِيرًا﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ بَعِيدًا؛ وفي هَذا أتَمُّ زاجِرٍ عَمّا قَصَدَهُ المُنافِقُونَ مِن مُوالاةِ أهْلِ الكِتابِ؛ وأعْظَمُ نافٍ لِما مَنَّوْهم إيّاهُ مِمّا لَهُمْ؛ وزَعَمُوا مِنَ المَنزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ؛ المُقْتَضِيَةِ أنْ يُقَرِّبُوا مَن شاؤُوا؛ ويُبْعِدُوا مَن شاؤُوا؛ وهو مِن أنْسَبِ الأشْياءِ لِخِتامِ أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِنهُمْ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]

An-Nisaa 4:173Listen in Qur'an →
174

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَٰنٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًۭا مُّبِينًۭا

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.

ولَمّا أزاحَ شُبَهَ جَمِيعِ المُخالِفِينَ مِن سائِرِ الفِرَقِ: اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ والمُنافِقِينَ؛ وأقامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ؛ وأقامَ الأدِلَّةَ القاطِعَةَ عَلى حَشْرِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ؛ فَثَبَتَ أنَّهم كُلُّهم عَبِيدُهُ؛ عَمَّ في الإرْشادِ؛ لُطْفًا مِنهُ بِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم.

ولَمّا كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَكُونَ قَدْ شَرَحَ صَدْرًا بِقَواطِعِ الأدِلَّةِ بِكَلامٍ وجِيزٍ؛ جامِعٍ؛ قالَ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ﴾؛ أيْ: حُجَّةٌ نَيِّرَةٌ؛ واضِحَةٌ؛ مُفِيدَةٌ لِلْيَقِينِ التّامِّ؛ وهو رَسُولٌ مُؤَيَّدٌ بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِإرْسالِ الَّذِي لَمْ تَرَوْا قَطُّ إحْسانًا إلّا مِنهُ.

ولَمّا كانَ القُرْآنْ صِفَةَ الرَّحْمَنِ؛ أتى بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿وأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ والقُدْرَةِ؛ والعِلْمِ؛ والحِكْمَةِ؛ عَلى الرَّسُولِ المَوْصُوفِ؛ مُنْتَهِيًا ﴿إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: واضِحًا في نَفْسِهِ؛ مُوَضِّحًا لِغَيْرِهِ؛ وهو هَذا القُرْآنُ الجامِعُ بِإعْجازِهِ؛ وحُسْنِ بَيانِهِ؛ بَيْنَ تَحْقِيقِ النَّقْلِ؛ وتَبْصِيرِ العَقْلِ؛ فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ مِنَ المَدْعُوِّينَ بِهِ نَوْعُ عُذْرٍ؛ والحاصِلُ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا خَلَقَ لِلْآدَمِيِّ عَقْلًا؛ وأسْكَنَهُ نُورًا لا يَضِلُّ؛ ولا يَمِيلُ؛ مَهْما جُرِّدَ؛ ولَكِنَّهُ - سُبْحانَهُ - حَفَّهُ بِالشَّهَواتِ؛ والحُظُوظِ؛ والمَلَلِ؛ والفُتُورِ؛ فَكانَ في أغْلَبِ أحْوالِهِ قاصِرًا؛ إلّا الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ومَن ألْحَقَهُ - سُبْحانَهُ - بِهِمْ؛ أنْزَلَ كُتُبَهُ بِذَلِكَ العَقْلِ مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ عائِقٍ؛ وأمَرَهم أنْ يَجْعَلُوا عُقُولَهم تابِعَةً لَهُ؛ مُنْقادَةً بِهِ؛ لِأنَّها مَشُوبَةٌ؛ وهو مُجَرَّدٌ؛ لا شَوْبَ فِيهِ بِوَجْهٍ.

An-Nisaa 4:174Listen in Qur'an →
175

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَفَضْلٍۢ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

So those who believe in Allah and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.

ولَمّا أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الرَّسُولِ الأصْفى؛ والنَّبِيِّ الأهْدى؛ المَجْبُولِ عَلى هَذا العَقْلِ الأقْوَمِ الأجْلى؛ والكِتابِ الأتَمِّ الأوْفى؛ الجارِي عَلى هَذا القانُونِ الأعْلى؛ الوافِي تَعْبِيرُهُ؛ الوَجِيزِ بِأحْكامِ الأُولى والأُخْرى؛ الكَفِيلِ سِياقُهُ وتَرْتِيبُ آياتِهِ بِوُضُوحِ الأدِلَّةِ؛ وظُهُورِ الحُجَجِ؛ أخَذَ يُقَسِّمُ المُنْذَرِينَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي اتَّضَحَ أنَّهُ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ في ذاتِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ وأفْعالِهِ؛ وأحْكامِهِ؛ وأسْمائِهِ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قاطِعُ البُرْهانِ؛ ﴿واعْتَصَمُوا بِهِ﴾؛ أيْ: جَعَلُوهُ عِصامًا لَهم في الفَرائِضِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ يَرْبِطُهُمْ؛ ويَضْبِطُهم عَنْ أنْ يَضِلُّوا بَعْدَ الهُدى؛ ويَرْجِعُوا مِنَ الِاسْتِبْصارِ إلى العَمى؛ لِأنَّ العِصامَ هو الرّابِطُ لِلْوِعاءِ أنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِ؛ وصِيغَةُ الِافْتِعال تَدُلُّ عَلى الِاجْتِهادِ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ داعِيَةٌ إلى الإهْمالِ؛ المُنْتِجِ لِلضَّلالِ؛ ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ولَعَلَّ السِّينَ ذُكِرَتْ لِتُفِيدَ - مَعَ تَحْقِيقِ الوَعْدِ - الحَثَّ عَلى المُثابَرَةِ؛ والمُداوَمَةَ؛ عَلى العَمَلِ؛ إشارَةً إلى عِزَّةِ ما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنهُ﴾؛ أيْ: ثَوابٍ عَظِيمٍ؛ هو بِرَحْمَتِهِ لَهُمْ؛ لا بِشَيْءٍ اسْتَوْجَبُوهُ؛ وأشارَ إلى البِرِّ؛ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهُمْ؛ لَوْ كانَتْ لَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَضْلٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ؛ يَعْلَمُونَ أنَّهُ زِيادَةٌ؛ لا سَبَبَ لَهم فِيها؛ ﴿ويَهْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿إلَيْهِ صِراطًا﴾؛ أيْ: عَظِيمًا؛ واضِحًا جِدًّا؛ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾؛ أيْ: هو مُرْشِدُ قَوْمِهِ؛ كَأنَّهُ طالِبٌ لِتَقْوِيمِ نَفْسِهِ؛ فَهو يُوصِلُهُمْ؛ لا مَحالَةَ؛ إلى وعْدِهِ بِما يَحْفَظُهم في سِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ؛ يَسْتَجْلِي أنْوارَ عالَمِ القُدْسِ في أرْواحِهِمْ؛ وتَوْفِيقِهِمْ لِاتِّباعِ ما هَدَتْ إلَيْهِ مِن أمْرِ الفَرائِضِ؛ وغَيْرِها؛ فَقَدْ أتى - كَما تَرى – بِـ ”أمّا“؛ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّقْسِيمِ؛ لا مَحالَةَ؛ وأتى بِأحَدِ القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ ووَصَفَهم بِالِاعْتِصامِ بِاللَّهِ؛ في النُّصْرَةِ؛ وقَبُولِ جَمِيعِ أحْكامِهِ؛ في الفَرائِضِ وغَيْرِها؛ وافَقَتْ أهَوِيَتَهم أوْ خالَفَتْها؛ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ والَوْا غَيْرَهُمْ؛ وبِالكافِرِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ وتَرَكَ القِسْمَ الآخَرَ؛ وهو قِسْمُ المُسْتَنْكِفِينَ؛ والمُسْتَكْبِرِينَ؛ ووَضَعَ مَوْضِعَهُ حُكْمًا مِن أحْكامِ الفَرائِضِ المُفْتَتَحِ بِها السُّورَةُ؛ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِها مِن غَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ بَلْ بِكَمالِ الِاتِّصالِ؛ فَقالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ تَكْرِيرَ السُّؤالِ عَنِ النِّساءِ؛ والأطْفالِ؛ بَعْدَ شافِي المَقالِ؛ مُبَيِّنًا أنَّهُ قَدْ هَدى في ذَلِكَ كُلِّهِ أقْوَمَ طَرِيقٍ -:

An-Nisaa 4:175Listen in Qur'an →
176

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَهُۥٓ أُخْتٌۭ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةًۭ رِّجَالًۭا وَنِسَآءًۭ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ

They request from you a [legal] ruling. Say, "Allah gives you a ruling concerning one having neither descendants nor ascendants [as heirs]." If a man dies, leaving no child but [only] a sister, she will have half of what he left. And he inherits from her if she [dies and] has no child. But if there are two sisters [or more], they will have two-thirds of what he left. If there are both brothers and sisters, the male will have the share of two females. Allah makes clear to you [His law], lest you go astray. And Allah is Knowing of all things.

﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ أيْ: يَسْألُونَكَ أنْ تُفْتِيَهُمْ؛ أيْ: أنْ تُبَيِّنَ لَهم بِما عِنْدَكَ مِنَ الكَرَمِ؛ والجُودِ؛ والسَّخاءِ؛ ما انْغَلَقَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ؛ وانْبَهَمَ لَدَيْهِمْ سِرُّهُ؛ مِن حُكْمِ الكَلالَةِ؛ ولِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ المَوارِيثِ؛ قالَ - إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَكِلْ أمْرَها إلى غَيْرِهِ -: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾؛ وهو مَن لا ولَدَ لَهُ؛ ولا والِدَ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ ”بَراءَةٌ“؛ وآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾؛ وقالَ الأصْبَهانِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ: اخْتَلَفَ أبُو بَكْرٍ؛ وعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في الكَلالَةِ؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هو ما عَدا الوالِدَ؛ وقالَ عُمَرُ: ما عَدا الوالِدَ والوَلَدَ؛ ثُمَّ قالَ عُمَرُ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أُخالِفَ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أيْ: وهو مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ؛ أوْ حالَ كَوْنِهِ ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾؛ أيْ: وإنْ سَفَلَ؛ سَواءٌ كانَ ذَكَرًا؛ أوْ أُنْثى؛ عِنْدَ إرْثِ النِّصْفِ؛ ولَيْسَ لَهُ أيْضًا والِدٌ؛ فَإنْ كانَ لَهُ أحَدُهُما لَمْ يُسَمَّ ”كَلالَةً“؛ وقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ السُّنَّةُ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ولَيْسا بِأوَّلِ حُكْمَيْنِ بُيِّنَ أحَدُهُما بِالكِتابِ؛ والآخَرُ بِالسُّنَّةِ؛ وهو قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «”ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها؛ فَما بَقِيَ فَلِأوْلى عُصْبَةٍ ذَكَرٍ؛ والأبُ أوْلى مِنَ الأخِ“؛» و؛ الحالُ أنَّهُ؛ لَهُ أُخْتٌ؛ أيْ: واحِدَةٌ؛ مِن أبٍ؛ شَقِيقَةً كانَتْ أوْ لا؛ لِأنَّهُ سَيَأْتِي أنَّ أخاها يَعْصِبُها؛ فَلَوْ كانَ ولَدَ أُمٍّ لَمْ يَعْصِبْ؛ ﴿فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهُوَ﴾؛ أيْ: وهَذا الأخُ المَيِّتُ؛ ﴿يَرِثُها﴾؛ أيْ: إنْ ماتَتْ هي وبَقِيَ هُوَ؛ جَمِيعَ مالِها؛ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾؛ أيْ: ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى - كَما مَرَّ في عَكْسِهِ؛ هَذا إنْ أُرِيدَ بِالإرْثِ جَمِيعُ المالِ؛ وإلّا فَهو يَرِثُ مَعَ الأُنْثى؛ كَما أنَّها هي أيْضًا تَرِثُ مَعَ الأُنْثى - كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ السِّياقُ أيْضًا - دُونَ النِّصْفِ.

ولَمّا بَيَّنَ الأمْرَ عِنْدَ الِانْفِرادِ أتْبَعَهُ بَيانَهُ عِنْدَ الِاجْتِماعِ؛ وقَدَّمَ أقَلَّهُ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ كانَتا﴾؛ أيْ: الوارِثَتانِ؛ بِبَيانِ السِّياقِ لَهُما؛ وإرْشادِهِ إلَيْهِما؛ ولَمّا أضْمَرَ ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ؛ وكانَ الخَبَرُ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ: ”صالِحَتَيْنِ“؛ أوْ: ”صَغِيرَتَيْنِ“؛ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ - كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ السِّياقُ أيْضًا - مُطْلَقُ العَدَدِ عَلى أيِّ وصْفٍ اتَّفَقَ؛ فَقالَ: ﴿اثْنَتَيْنِ﴾؛ أيْ: مِنَ الأخَواتِ لِلْأبِ؛ شَقِيقَتَيْنِ كانَتا أوْ لا؛ ﴿فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾؛ فَإنْ كانَتْ شَقِيقَتَيْنِ كانَ لِكُلٍّ مِنهُما ثُلُثٌ؛ وإنِ اخْتَلَفَتا كانَ لِلشَّقِيقَةِ النِّصْفُ؛ ولِلَّتِي لِلْأبِ فَقَطِ السُّدُسُ؛ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ.

ولَمّا بَيَّنَ أقَلَّ الِاجْتِماعِ أتْبَعَهُ ما فَوْقَهُ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ كانُوا﴾؛ أيْ: الوارِثُ؛ ﴿إخْوَةً﴾؛ أيْ: مُخْتَلِطِينَ؛ ﴿رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾؛ وقَدْ أنْهى - سُبْحانَهُ - ما أرادَ مِن بَيانِ إرْثِ الإخْوَةِ لِأبٍ؛ فَتَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعُ أحْوالِ ما أرادَ مِنَ الإرْثِ؛ وهو عَلى وجازَتِهِ كَما تَرى - يَحْتَمِلُ مُجَلَّداتٍ؛ واللَّهُ الهادِي؛ ووَضْعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا - كَما تَقَدَّمَ - …

An-Nisaa 4:176Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.