Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 161–170 of 176

161

وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And we have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.

(...) ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (الفاء) عاطفة على ما سبق، و(الباء) هنا للسببية، والظلم في الأصل: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، وأما في الشرع فهو التعدي سواء كان بنقصِ واجبٍ أو بفعلِ محرَّمٍ.

وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني بهم قوم موسى حين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي: رجعنا، مع رجوعهم والتزامهم بالرجوع إلى الله ظلموا أنفسهم.

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا الفعل هو العامل في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾، يعني: الجار والمجرور في قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾، والتحريم في اللغة: المنع، ومنه: حريم البئر، وهو ما حولها يمنع من إحياء ما حوله، ومنه سُمِّي النساء حريمًا لاحتجابهن والمنع من التعدِّي عليهن.

﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ﴿طَيِّبَاتٍ﴾ أي: أطعمةً طيباتٍ، فهي صفة لموصوف محذوف، والطيِّب ضد الخبيث، والخبيث له إطلاقات متعددة؛ تارةً يُراد به الشيء النجس، وتارةً يُراد به الرديء، وتارةً يُراد به المحرَّم مطلقًا.

وقوله: ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي: كانت بالأول حلالًا، وهي باقية على طِيبها، لكن حُرِّمت عليهم بسبب ظلمهم.

﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ من الْمُحِلُّ؟ الْمُحِلُّ هو الله عز وجل؛ لأنه هو الذي بيده الأمر.

﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الواو) حرف عطف، و(صَدّ) مصدر يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي ويحتمل أن يكون من الفعل اللازم؛ وذلك لأن (صَدَّ) تكون فعلًا لازمًا وتكون متعديًّا؛ فيُقال: صَدَّ الرجلُ عن كذا؛ بمعنى: أعْرَضَ، وصَدَّ غيرَه عن كذا؛ بمعنى: صَرَفه عنه، وهنا يجوز فيه الأمران؛ فهُم قد صدُّوا بأنفسهم عن سبيل الله كثيرًا، وصدُّوا غيرَهم أيضًا لما عندهم من الكتاب الذي يشبِّهون به ويموِّهون به على الناس ويقولون: إن محمدًا ﷺ ليس هو المبعوث المنتظر، وما أشبه ذلك.

وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المراد بـ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ شَرْعُه الذي شَرَعَه الله لعباده، وسُمِّي (سبيل الله) لأنه طريق موصل إلى الله عز وجل، ولأن الله تعالى هو الذي وضعه للعباد لم يَشْرعه أحدٌ سواه، فأُضيفَ إلى الله تعالى باعتبارين؛ الاعتبار الأول: أنه موصل إليه؛ كما تقول مثلًا: هذا طريق المدينة، هذا طريق مكة، والثاني: أن الله هو الذي وضعه للعباد وشَرَعه لهم، مع أنه يُضاف أحيانًا لسالكيه كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، فهُنا أضاف السبيل إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، وعلى هذا فإذا أُضيفَ السبيلُ إلى الله كان باعتبارين، وإذا أُضيفَ إلى العباد صار باعتبار واحد.

﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿كَثِيرًا﴾ يختلف إعرابها باختلاف كلمة (صَدّ)؛ إن كانت لازمة فهي صفةٌ لمصدر محذوف؛ أي: صدودًا كثيرًا، وإن كانت متعدِّية فهي مفعول لـ(صدّ)، وإن شئت فقُل: صفة لمفعول (صدّ) المحذوف؛ أي: خلقًا كثيرًا، وهم في الواقع جديرون بالوصفين؛ فإنهم صدُّوا بأنفسهم وصدُّوا غيرَهم.

﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا الوصف الثالث: ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾، ولم يقل: أكْل؛ لأن الأخذ أعمّ؛ قد يأخذ الإنسان الرِّبا ولا يأكله، يستعمله في لباس أو في بناء وما أشبه ذلك، وقد يأخذه للأكل، تارةً يُعبَّر بالأكل كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة ٢٧٥]، وتارة يُعبَّر بالأخذ وهو أعمّ، لكن التعبير بالأكل أشدُّ؛ لأن ممارسة الآكل للربا أشدُّ من ممارسة غير الآكل، أشدُّ من ممارسة الآخذ؛ إذ إن الآخذ قد يستعمل …

An-Nisaa 4:161Listen in Qur'an →
162

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أُو۟لَٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا

But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakah and the believers in Allah and the Last Day - those We will give a great reward.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٦٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا في الآية التي قبل هذه، بل في الآيتين ما يدل على إثبات الأسباب؟

* طالب: لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾.

* الشيخ: وجه الدلالة؟

* الطالب: الباء للسببية.

* الشيخ: أن الباء للسببية، وسبق لنا أيضًا أن الإنسان قد يحرَم الطيبات بطريق شرعي أو بطريق كوني لأجل ظلمه؟

* طالب: لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾، قوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ بسبب ظلمهم.

* الشيخ: التحريم هذا شرعي ولّا قدري؟

* الطالب: شرعي.

* الشيخ: لكن بالقياس؟

* الطالب: هناك من تحريمه قدري.

* الشيخ: يحرم الإنسان الطيبات تحريمًا قدريًّا، فمثلًا في شريعتنا لا يمكن أن تحرم الطيبات تحريمًا شرعيًّا؛ لأنه انتهى وقت التحليل والتحريم، لكن قد يحرم الإنسان إياها تحريما قدريًّا لمرض أو غيره.

قوله: ﴿بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ هل (صد) هنا من الفعل اللازم أو من الفعل المتعدي؟

* طالب: لأنه من الفعل اللازم والفعل المتعدي.

* الشيخ: فسرها على كلا الاحتمالين؛ إذا كانت من اللازم فما معناها؟

* طالب: إذا كان من اللازم: فصدوا بأنفسهم.

* الشيخ: إذا كان من اللازم فالمعنى أنهم صدوا بأنفسهم.

* الطالب: وإذا كانت متعدي فإنهم صدوا غيرهم.

* الشيخ: صدوا غيرهم، بارك الله فيك، على هذا الاختلاف ينبني إعراب ﴿كَثِيرًا﴾ كيف تعرب: كثيرًا؟

* طالب: إن أعربناها على أنها فعل لازم يكون ﴿كَثِيرًا﴾ مفعولًا به، وإن كانت متعديًا فـ﴿كَثِيرًا﴾ وصف.

* الشيخ: إن كانت (صد) من اللازم فـ﴿كَثِيرًا﴾؟

* الطالب: من اللازم؟

* الشيخ: أيوه، فـ﴿كَثِيرًا﴾؟

* الطالب: وصف.

* الشيخ: المعنى؟

* الطالب: وبصدهم عن سبيل الله صدًّا كثيرًا، عما كان صدهم غيرهم يعني خلقًا كثيرًا، فتصير وصفًا لـ(خلقًا).

* الشيخ: لكن وصف لأيش؟

* الطالب: لـ(خلقا) المحذوف.

* الشيخ: للمحذوف، المعنى صدهم عن سبيل الله خلقا كثيرا، يعني: مفعول به، وعلى الأول تكون صفة لمصدر محذوف، وإن شئت فقل: مفعولًا مطلقًا.

﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾ أيش طريقة أخذهم الربا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني تناولهم الربا، سواء أكلوه أو لبسوه أو استعملوه في منافع أخرى، أيّها أعمّ: يأكلون الربا أو يأخذون الربا؟

* الطالب: يأخذون.

* الشيخ: هل تستطيع أن تبين لنا ما هو الربا؟

* طالب: الربا في اللغة: الزيادة، وفي الاصطلاح: زيادة مقدَّرة في أشياء مقدرة.

* الشيخ: زيادة مقدرة في أشياء مقدرة، في زمن مقدر على وجه مقدر، ما أتيت بشيء.

* الطالب: زيادة مقدرة في أشياء معلومة.

* الشيخ: زيادة في أشياء معلومة أو نسأ؟

* الطالب: في أشياء معلومة.

* الشيخ: إذا قلت لك: ما هي الأشياء المعلومة؟

* الطالب: الذهب، والفضة، والبر، والتمر، والملح.

* الشيخ: خمسة هذه؟

* الطالب: والشعير.

* الشيخ: هل يقاس عليها غيرها؟

* طالب: بينها خلاف في (...)

* الشيخ: قل، فصِّل.

* الطالب: منهم من قال: إن العلة في هذه المسألة.

* الشيخ: أما عند الظاهرية فلا يقاس عليها غيرها؛ لأن القياس عندهم ليس دليلًا شرعيًّا، وعلى رأي القياسيين؟

* الطالب: يقاس عليها غيرها، ولكن اختلفوا في العلة.

* الشيخ: خطأ، نعم.

* طالب: أن القياسيين اختلفوا، قال ذلك ابن عقيل الحنبلي، قال: إذا اختلفوا في العلة فنرجع إلى الأقوال، ونبقى على الأصل.

* الشيخ: يعني عند القياسيين منهم من يقتصر عليها، بناء على اختلافهم في العلة، وليس هناك …

An-Nisaa 4:162Listen in Qur'an →
163

۞ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍۢ وَٱلنَّبِيِّۦنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيْمَٰنَ ۚ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًۭا

Indeed, We have revealed to you, [O Muhammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And we revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants, Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon, and to David We gave the book [of Psalms].

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٣، ١٦٤].

* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ﴿إِنَّا﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، وكان بصيغة الجمع للتعظيم.

وقوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء، والمراد به هنا إعلام الله تعالى أنبياءه ورسله بشرعه الذي يتعبد به عباده، هذا هو الوحي، أن يعلم الله أحدًا من أنبيائه أو رسله بالشرع الذي يتعبد به عباده، هذا الوحي. وقد ذكر الله عز وجل في سورة الشورى أنه ثلاثة أقسام فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى ٥١].

وقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (ما) هنا يحتمل أن تكون موصولة، وإذا كان كذلك فلا بد من عائد محذوف، والتقدير: كالذي أوحيناه إلى نوح، ويحتمله، والأقرب أن تكون مصدرية، أي كإيحائنا، وهذا أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، أي كإيحائنا إلى نوح، ونوح هو أول الرسل عليهم الصلاة والسلام كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث الشفاعة، ولهذا قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، والمراد بالنبيين هنا النبيون الذين أُرسلوا إلى أقوامهم، وقد جعل الله النبوة والكتاب في ذرية ابراهيم ونوح؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، وبهذا نعرف أنه لا رسول قبل نوح عليه الصلاة والسلام، وأن ما ذكره المؤرخون من أن إدريس قبل نوح فهو قول خطأ، والصواب أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل فيما يظهر.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هنا فيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان يجوز أن يقرأ بهما الإنسان، ولكن كما أسلفنا لكم: لا يجوز أن يقرأ الإنسان بين العامة بقراءة خارجة عما في أيديهم من المصاحف؛ لأن ذلك يكون سببًا للفتنة.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ وهو ابن ابراهيم الأكبر، ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ وهو ابنه الثاني، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ وهو ابن إسحاق، وإنما نص عليه مع أنه الابن لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا من ذرية يعقوب. إذن إسماعيل وإسحاق أخوان، وإسماعيل عم من؟

* طلبة: يعقوب.

* الشيخ: عم يعقوب، ﴿وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ قيل: إن الأسباط المراد بهم قبائل بني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف ١٦٠]، وقيل: إن المراد بالأسباط هم أولاد يعقوب، فعلى الأول يكون من باب ذكر العام وإرادة الخاص؛ لأن الأسباط كلهم ليسوا أنبياء وإنما الأنبياء فيهم، وعلى الثاني لا إشكال.

﴿وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى﴾ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، ليس بينه وبين محمد ﷺ رسول ولا نبي أيضًا.

وقوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ وهو من بني إسرائيل، ﴿وَيُونُسَ﴾ كذلك، ﴿وَهَارُونَ﴾ كذلك أيضًا من بني إسرائيل، ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ داود هو أبو سليمان، والزبور هو الكتاب الذي أعطاه الله تعالى داود ونص عليه؛ لأن فيه مواعظ مرققة للقلوب، ولأن داود عليه الصلاة والسلام كان يترنم به فتسمعه الطير وتسبح معه …

An-Nisaa 4:163Listen in Qur'an →
164

وَرُسُلًۭا قَدْ قَصَصْنَٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًۭا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًۭا

And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allah spoke to Moses with [direct] speech.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٣، ١٦٤].

* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ﴿إِنَّا﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، وكان بصيغة الجمع للتعظيم.

وقوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء، والمراد به هنا إعلام الله تعالى أنبياءه ورسله بشرعه الذي يتعبد به عباده، هذا هو الوحي، أن يعلم الله أحدًا من أنبيائه أو رسله بالشرع الذي يتعبد به عباده، هذا الوحي. وقد ذكر الله عز وجل في سورة الشورى أنه ثلاثة أقسام فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى ٥١].

وقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (ما) هنا يحتمل أن تكون موصولة، وإذا كان كذلك فلا بد من عائد محذوف، والتقدير: كالذي أوحيناه إلى نوح، ويحتمله، والأقرب أن تكون مصدرية، أي كإيحائنا، وهذا أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، أي كإيحائنا إلى نوح، ونوح هو أول الرسل عليهم الصلاة والسلام كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث الشفاعة، ولهذا قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، والمراد بالنبيين هنا النبيون الذين أُرسلوا إلى أقوامهم، وقد جعل الله النبوة والكتاب في ذرية ابراهيم ونوح؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، وبهذا نعرف أنه لا رسول قبل نوح عليه الصلاة والسلام، وأن ما ذكره المؤرخون من أن إدريس قبل نوح فهو قول خطأ، والصواب أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل فيما يظهر.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هنا فيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان يجوز أن يقرأ بهما الإنسان، ولكن كما أسلفنا لكم: لا يجوز أن يقرأ الإنسان بين العامة بقراءة خارجة عما في أيديهم من المصاحف؛ لأن ذلك يكون سببًا للفتنة.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ وهو ابن ابراهيم الأكبر، ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ وهو ابنه الثاني، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ وهو ابن إسحاق، وإنما نص عليه مع أنه الابن لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا من ذرية يعقوب. إذن إسماعيل وإسحاق أخوان، وإسماعيل عم من؟

* طلبة: يعقوب.

* الشيخ: عم يعقوب، ﴿وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ قيل: إن الأسباط المراد بهم قبائل بني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف ١٦٠]، وقيل: إن المراد بالأسباط هم أولاد يعقوب، فعلى الأول يكون من باب ذكر العام وإرادة الخاص؛ لأن الأسباط كلهم ليسوا أنبياء وإنما الأنبياء فيهم، وعلى الثاني لا إشكال.

﴿وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى﴾ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، ليس بينه وبين محمد ﷺ رسول ولا نبي أيضًا.

وقوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ وهو من بني إسرائيل، ﴿وَيُونُسَ﴾ كذلك، ﴿وَهَارُونَ﴾ كذلك أيضًا من بني إسرائيل، ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ داود هو أبو سليمان، والزبور هو الكتاب الذي أعطاه الله تعالى داود ونص عليه؛ لأن فيه مواعظ مرققة للقلوب، ولأن داود عليه الصلاة والسلام كان يترنم به فتسمعه الطير وتسبح معه …

An-Nisaa 4:164Listen in Qur'an →
165

رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allah after the messengers. And ever is Allah Exalted in Might and Wise.

ثم قال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ﴿رُسُلًا﴾ جمع رسول بمعنى المرسل، والظاهر أنها حال من قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ حال كونهم رسلًا مبشرين ومنذرين، وكانت حالًا لأنها بمعنى المشتق؛ إذ إن ﴿رُسُلًا﴾ بمعنى مرسلين، ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ البشارة: الإخبار بما يَسُرُّ، والإنذار: التخويف بما يُخاف منه؛ وذلك أن الشرائع التي جاءت بها الرسل أوامر ونواهٍ، فما الذي يناسب الأوامر؟ البشارة، يبشر العامل لهذا العمل بالثواب، والذي يناسب الإنذار هو النواهي، فينذر الإنسان من الوقوع فيها، ولهذا كانت أنواع التكليف اثنين: أمر، والثاني: نهي، فالذي يليق بالأمر البشارة، والذي يليق بالنهي الإنذار، هذا هو ما جاءت به الرسل: البشارة والإنذار، حتى محمد عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٥].

﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ اللام هنا في قوله: ﴿لِئَلَّا﴾ اللام للتعليل، أي لأجل ألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، الحجة ما يحتج به الغير على آخر لدفع الملامة عنه ورفع العقوبة عنه، هذه هي الحجة، يعني الدليل أو البينة أو ما أشبه ذلك.

وقوله: ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي بعد إرسال الرسل؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام يبينون للناس بيانًا تامًّا لا يحتاج معه إلى إيضاح، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ لأيش؟ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وبعد البيان ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٤]، فلا بد من البيان على كل رسول ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، فلعزته أرسل الرسل، وجعل النصر لهم في الدنيا وفي الآخرة، ولحكمته شرع الشرائع وأحكمها وأتقنها.

* في هذه الآية الكريمة: بيان حال الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنها لا تخلو من أيش؟ بشارة ونذارة، حسب الأوامر والنواهي.

* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يعامل الناس بما تعامل به الرسل أقوامها، فتارة يبشر وتارة ينذر؛ لأنه إن سلك سبيل البشارة دائمًا أدخل الناس في الإرجاء، وإن سلك سبيل الإنذار دائمًا أدخل الناس في القنوط واليأس، فلذلك يجب أن يكون الإنسان حكيمًا يراعي أحوال الناس، فمثلًا إذا رأى الناس قد انهمكوا في أمر محرم فهل هنا الأولى أن يسلك سبيل البشارة فيوقع الناس في الأمن من مكر الله أو الإنذار؟ الإنذار، ويشدد، فإن لم ينفع بهم الواعظ الديني فالرادع السلطان.

ولهذا كان من سياسة عمر رضي الله عنه أنه يستعمل الردع السلطاني إذا لم يصلح الناس إلا بدونه. ولهذا لما ورد الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة إذا لم يرتدع قال شيخ الإسلام: إن هذا الحكم ثابت إذا لم ينته الناس بدونه.

* ومن فوائد هذه الآية: إثبات التعليل في أفعال الله كما هو كذلك في أحكامه الشرعية، يعني إثبات التعليل لأحكام الله القدرية كما هو ثابت في الأحكام الشرعية. من أين يؤخذ؟ من لام التعليل، وهذا ثابت بأدلة كثيرة أوصلها بعضهم إلى ألف دليل، على أن أفعال الله وأحكامه معللة، ولو لم يكن من ذلك إلا اسم الله الحكيم لكان هذا كافيًا، فكل ما فعله فلحكمة، وكل ما شرعه فلحكمة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يحب الإعذار من الناس؛ لأنه أرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة.

* ومن فوائدها، الفائدة العظيمة الكبرى، وهي: العذر بالجهل، حتى في أصول الدين؛ لأن الرسل يأتون بأصول وفروع، فإذا كان الإنسان جاهلًا لم يأته رسول فله الحجة على الله، ولا يمكن أن تثبت له الحجة على الله إلا إذا أيش؟ إلا إذا كان معذورًا؛ لأنه لو لم يكن معذورًا فلا حجة له، وهذا الأصل هو الذي دل …

An-Nisaa 4:165Listen in Qur'an →
166

لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ ۖ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا

But Allah bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allah as Witness.

ثم قال عز وجل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ كلمة (لكن) حرف استدراك، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾، فلماذا جاء حرف الاستدراك في هذا الموضع؟ لأن النبي ﷺ له من يكذبه، ويقول: إنك لم ترسل كما أرسل الرسل، فقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ خلافًا لمن؟ لمن كذبه وقال: إنه لم ينزل إليه، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن، وشهادته سبحانه وتعالى لنبيه نوعان: شهادة قولية كما في هذه الآية، وشهادة فعلية وهي تمكينه في الأرض ونصره على عدوه وإظهار الآيات التي تعجز البشر، على يده ﷺ، فإن هذا شهادة أيش؟

* طالب: قولية.

* الشيخ: قولية؟ كون الله ينصره ويمكن له في الأرض ويورثه الأرض ويعطيه الآيات هذه شهادة فعلية، إذن شهادة الله تعالى لنبيه بالحق تنقسم إلى قسمين: شهادة قولية كما في هذه الآية، وشهادة فعلية، وذلك بما أعطاه الله عز وجل من الآيات والتمكين في الأرض.

﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ يعني أنه نزل بعلم من الله عز وجل، أو أنزله بمعلومه، أي بما علم سبحانه وتعالى أنه مصلح للخلق والعباد، وكلا المعنيين صحيح ولا يتنافيان، فيجب حمل الآية على المعنيين بناء على القاعدة السابقة أنه إذا احتمل الدليل لمعنيين على السواء ولا منافاة بينهما وجب حمله عليهما جميعًا.

﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ الملائكة تشهد أيضًا أن الله أنزل على محمد ﷺ قرآنًا كان به رسولًا. الملائكة: هل المراد بالملائكة هنا ملك واحد وهو جبريل؛ لأنه نزل بالقرآن، أو العموم؟ العموم، يجب أن نعلم أنه إذا جاء اللفظ عامًّا فالواجب حمله على عمومه إلا بدلالة قوية تدل على أنه أريد به الخصوص، سواء كانت دلالة شرعية أو عقلية.

ومن المعلوم لنا جميعًا أن النبي ﷺ لما عرج به كان جبريل يستفتح، فيقال: من معك؟ فيقول: محمد، فيقال: أرسل إليه؟ فيقول: نعممتفق عليه؛ البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣) من حديث أبي ذر الغفاري.، فتعلم الملائكة بهذا أنه أوحي إليه عليه الصلاة والسلام.

الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم عبادات كما اقتضتها حكمته، وجعل بعضهم أفضل من بعض. وتقدم الكلام عليهم كثيرًا فلا حاجة للإعادة.

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، ﴿شَهِيدًا﴾ حال؛ أي: كفى الله شاهدًا عز وجل، والباء هنا قالوا: إنها زائدة لتحسين اللفظ، والأصل: كفى الله شاهدًا، ونعم والله كفى الله شاهدًا، لكن إذا جاء شاهد آخر وثالث ازداد الأمر القوة؛ كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، فالشهادة على الوحدانية صارت من أطراف ثلاثة: الرب عز وجل، والثاني: الملائكة، والثالث: أولي العلم، أما الشهادة بالرسالة فلم يذكر إلا طرفين: الله، والملائكة، لماذا؟ لأن أولي العلم لا يكونون أولي علم إلا بعد ثبوت الرسالة، فهم تابعون في الواقع، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.

* طالب: ﴿شَهِيدًا﴾ حال أم توكيد؟

* الشيخ: لا، حال ﴿شَهِيدًا﴾ بمعنى شاهدًا.

* في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الشهادة لله، من قوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾، ومن قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، وهو سبحانه وتعالى شاهد على كل أعمال خلقه، على كل ما يحدث في السماء والأرض، بل على ما لا يحدث لو حدث كيف كان، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] مع أنه لم يتكلم به لكن الله يعلم بذلك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾.

* ومن فوائدها: أن القرآن كلام الله، من أين تؤخذ؟

* طالب: من قوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، فإنزال …

An-Nisaa 4:166Listen in Qur'an →
167

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا۟ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allah have certainly gone far astray.

ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ١٦٧]

* طالب: صدق الله، الأحسن نقول: الملائكة ذو عقول أو ذات عقول؟

* الشيخ: ذات.

يقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.

هذه الجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدين: الأول: (إن)، والثاني: قد ضلوا.

﴿كَفَرُوا﴾ أي بالله، والكفر في الأصل الستر، ومنه الكُفُرَّى، وهو غلافة طلع النخل، هذا لأنه يستر ما في جوفه.

وقوله: ﴿صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لها وجهان: الوجه الأول: أعرضوا عن سبيل الله، وعلى هذا تكون لازمة، أي تكون (صد) فعلًا لازمًا، والوجه الثاني: صدوا غيرهم، أي: حملوهم على الإعراض، وعلى هذا فتكون متعدية، والمفعول به محذوف، أي: وصدوا غيرهم عن سبيل الله، فالآية إذن محتملة للوجهين، وكلاهما لا يناقض الآخر، فتكون محمولة عليهما جميعًا. والكفار لا شك أنهم صادون بأنفسهم صادون لغيرهم، إن كانوا من دعاة الكفر فصدهم واضح، وإن لم يكونوا من دعاة الكفر فإن الناس يقتدون بهم، فيصدون عن سبيل الله كما صد هؤلاء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا»أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.. إذن صد الكفار لغيرهم يكون بالقول ويكون بالفعل، متى يكون بالقول؟

* طالب: إذا كانوا دعاة.

* الشيخ: إذا كانوا دعاة إلى الكفر، كلما رأوا شخصًا يريد الهداية ذهبوا إليه يصدونه، ويكون بالفعل إذا كانوا يفعلون، ولكنهم لا يدعون الناس إلا أن الناس إذا رأوهم اقتدوا بهم، ولا سيما إذا كانوا من أشراف الناس ووجهائهم، فإن الناس عادة يتبعون القوم.

وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السبيل بمعنى الطريق، وأضافه الله إليه لأنه تبارك وتعالى هو الذي شرعه لعباده، فأضيف إليه.

واعلم أن السبيل والطريق والصراط تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى غير الله، فيضاف إلى الله باعتبار أن الله هو الذي شرع للعباد، ويضاف إلى غيره باعتبار السالكين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥]، فأضاف السبيل إلى المؤمنين، وهنا أضافه إلى الله، يضاف إلى الله لأنه هو الذي شرعه، ولأنه يوصل إلى الله، فمن سلكه وصل إلى الله عز وجل، كما تقول: سبيل مكة من هنا؛ لأنك إذا سلكته أوصلك إليها.

﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ﴿ضَلُّوا﴾ الضلال بمعنى التيه، أي: تاهوا عن الحق، ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وذلك لكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ووصف بأنه بعيد لأن هذا الضلال -والعياذ بالله- ضلال عن شيء بيِّن، فإن الحق منار وعلم يهتدي به كل ضال، فإذا ضل عنه أناس كان ضلالهم بعيدًا لقوة الدليل.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما بدا من قوة شيخ الإسلام رحمه الله في إنكار من قال: إن الدين أصول وفروع، فإن شيخ الإسلام يعني يرى (...) فليس مثلًا إثبات علو الله كترك مثلًا السواك عند الوضوء يخالف يعني بعض هذا باطل؟

* الشيخ: لا، الشيخ رحمه الله يقول: إنه تقسيمه إلى أصول وفروع بمعنى أن هذا أصول وهذه فروع، هذا الغلط، يعني يقول: كل الأحكام العملية فروع والأحكام العقدية أصول، هذا ما هو بصحيح؛ لأن من الأحكام العملية ما هو من أصل الأصول.

* طالب: كيف ننفك من هذا.

* الشيخ: كأركان الإسلام الخمسة مثلًا، ننفك بأن نقول: الدين الإسلامي بعضه أعلى من بعض وأوكد من بعض وأعظم من بعض، فليس ترك سنة من سنن الصلاة كترك واجب بها، وليس ترك راتبة للصلاة كترك الصلاة، هذا اللي نقول.

* الطالب: إذا كان المقابل يفهم هذا؟

* الشيخ: ويش يفهم؟

* الطالب: يفهم أن ما قال قسم الدين مثلًا إلى عقائد وإلى أعمال يقول: أصول الدين وفروع مثلًا؟

* الشيخ: …

An-Nisaa 4:167Listen in Qur'an →
168

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا

Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allah forgive them, nor will He guide them to a path.

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ هذه الآية كالآية الأولى، فيها التوكيد بهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ ظلموا بالاستمرار على الكفر؛ لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]، والظلم في الأصل بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]

واستقام على سبيل الله، ودعا الناس إليها، فهو على الهدى، نعرف ذلك من أي شيء؟

* طالب: من المقابل.

* الشيخ: من المقابل والضد؛ فإنه إذا ثبت الحكم لشيء ثبت نقيضه لضده.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضلال ينقسم إلى: ضلال قريب، وضلال بعيد، وهكذا أيضًا المعاصي تنقسم إلى: كبائر، وصغائر، كما هو معروف.

* * *

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء ١٦٨] هذه الآية كالآية الأولى؛ فيها التوكيد لهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ ظلموا بالاستمرار على الكفر؛ لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]، والظلم في الأصل بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص.

وسُمِّيَ المعتدي ظالمًا؛ لأنه نقص من حق المعتدَى عليه فاعتدى عليه، وهنا ظلموا من؟ هل ظلموا غيرهم ولَّا ظلموا أنفسهم؟

* الطلبة: كلاهما.

* الشيخ: كلاهما، يعني حصل منهم الظلم لأنفسهم ولغيرهم؛ حيث دلوا غيرهم على طرق الكفر.

﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ﴾ تسمى عند علماء النحو لام الجحود، أو لام النفي، وعلامتها أن تقع بعد (ما كان)، أو (لم يكن)، فكلما وُجدت اللام بعد (لم يكن)، أو بعد (ما كان) فهي لام الجحود، أو لام النفي، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣] اللام؟

* طلبة: لام الجحود.

* الشيخ: لام الجحود؛ لأنها وقعت بعد (ما كان)، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أيضًا تسمى لام الجحود؛ لأنها وقعت بعد ﴿لَمْ يَكُنِ﴾.

﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، والمعنى أنه لا يوفِّقهم للتوبة حتى يغفر لهم، وليس المعنى: لم يكن الله ليغفر لهم إذا تابوا؛ فإن الله سبحانه وتعالى يتوب على من تاب مهما كان عمله، لكن المراد أنه لا يوفِّقهم للتوبة حتى يغفر لهم، والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه، فسَّرناها بهذين المعنيين؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على الرأس عند القتال وقاية للرأس من السهام، وفيه المعنيان جميعًا، وهما: الستر، والوقاية، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر..

﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾، يعني: لا يوفِّقهم، الهداية هنا هداية التوفيق، ﴿طَرِيقًا﴾ أي: مسلكًا يسيرون عليه، إلا طريقًا واحدًا وهو طريق جهنم، ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء ١٦٩]، وهو من أسماء النار.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين فيها، ﴿أَبَدًا﴾ أي: باستمرار، والأبد هو الاستمرار في المستقبل، والأمد هو الاستمرار إلى حد معين غير مؤبَّد.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: كان خلودهم في النار …

An-Nisaa 4:168Listen in Qur'an →
169

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا

Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allah, is [always] easy.

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ هذه الآية كالآية الأولى، فيها التوكيد بهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ ظلموا بالاستمرار على الكفر؛ لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]، والظلم في الأصل بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]

واستقام على سبيل الله، ودعا الناس إليها، فهو على الهدى، نعرف ذلك من أي شيء؟

* طالب: من المقابل.

* الشيخ: من المقابل والضد؛ فإنه إذا ثبت الحكم لشيء ثبت نقيضه لضده.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضلال ينقسم إلى: ضلال قريب، وضلال بعيد، وهكذا أيضًا المعاصي تنقسم إلى: كبائر، وصغائر، كما هو معروف.

* * *

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء ١٦٨] هذه الآية كالآية الأولى؛ فيها التوكيد لهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ ظلموا بالاستمرار على الكفر؛ لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]، والظلم في الأصل بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص.

وسُمِّيَ المعتدي ظالمًا؛ لأنه نقص من حق المعتدَى عليه فاعتدى عليه، وهنا ظلموا من؟ هل ظلموا غيرهم ولَّا ظلموا أنفسهم؟

* الطلبة: كلاهما.

* الشيخ: كلاهما، يعني حصل منهم الظلم لأنفسهم ولغيرهم؛ حيث دلوا غيرهم على طرق الكفر.

﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ﴾ تسمى عند علماء النحو لام الجحود، أو لام النفي، وعلامتها أن تقع بعد (ما كان)، أو (لم يكن)، فكلما وُجدت اللام بعد (لم يكن)، أو بعد (ما كان) فهي لام الجحود، أو لام النفي، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣] اللام؟

* طلبة: لام الجحود.

* الشيخ: لام الجحود؛ لأنها وقعت بعد (ما كان)، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أيضًا تسمى لام الجحود؛ لأنها وقعت بعد ﴿لَمْ يَكُنِ﴾.

﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، والمعنى أنه لا يوفِّقهم للتوبة حتى يغفر لهم، وليس المعنى: لم يكن الله ليغفر لهم إذا تابوا؛ فإن الله سبحانه وتعالى يتوب على من تاب مهما كان عمله، لكن المراد أنه لا يوفِّقهم للتوبة حتى يغفر لهم، والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه، فسَّرناها بهذين المعنيين؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على الرأس عند القتال وقاية للرأس من السهام، وفيه المعنيان جميعًا، وهما: الستر، والوقاية، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر..

﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾، يعني: لا يوفِّقهم، الهداية هنا هداية التوفيق، ﴿طَرِيقًا﴾ أي: مسلكًا يسيرون عليه، إلا طريقًا واحدًا وهو طريق جهنم، ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء ١٦٩]، وهو من أسماء النار.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين فيها، ﴿أَبَدًا﴾ أي: باستمرار، والأبد هو الاستمرار في المستقبل، والأمد هو الاستمرار إلى حد معين غير مؤبَّد.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: كان خلودهم في النار …

An-Nisaa 4:169Listen in Qur'an →
170

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

O Mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allah belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allah Knowing and Wise.

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء ١٧٠].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هنا الخطاب لعموم الناس، مع أن السورة مدنية، والغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها للمؤمنين؛ لأن القرآن نزل وسط أمة مؤمنة، لكن قد يأتي الخطاب بالعموم؛ لقرائن تحتفُّ به، وذلك أن الخطاب سوف ينتقل من هذا العموم إلى مخاطبة أهل الكتاب، وأهل الكتاب ليسوا من المؤمنين؛ ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾، الرسول هو محمد ﷺ؛ لأن (أل) هنا للعهد، أيّ العهود؟ الذهني؛ إذ لا رسول مع محمد ﷺ، نظير ذلك أن تقول: جاء الأمير، وليس في البلد إلا أمير واحد، كل ينصرف ذهنه إلى أيش؟ إلى هذا الأمير؛ أمير البلد، فـ (أل) للعهد الذهني، كذلك أيضًا: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ هو محمد ﷺ.

وقد ذكر العلماء أن العهود ثلاثة: عهد حضوري، وعهد ذِكْري، وعهد ذهني، فما تعيَّن بالذهن فـ (أل) فيه للعهد الذهني، وما تعيَّن بالذِّكر فـ (أل) فيه للعهد الذِّكْري، ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] من؟ الرسول السابق.

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح ٥، ٦] أي العسرين؟ العسر الثاني هو الأول، ولهذا قال ابن عباس: «لن يغلبَ عسْرٌ يسرَيْن»ينظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣ / ٥٩٤)، والوسيط للواحدي (٤ / ٥١٧). .

وتكون للعهد الحضوريّ، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣]، وكقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٦]، ولها ضابط، أعني (أل) التي للعهد الحضوريّ، وهي التي تأتي بعد اسم الإشارة، فإنها للعهد الحضوري؛ وذلك لأن اسم الإشارة يدل على القرب، فإذا قلت: هذا الرجل، فـ (أل) هنا للعهد الحضوري؛ لأن المشار إليه يكون قريبًا.

قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾، الباء هنا تكون للمصاحبة والتعدية، أي: مصاحبًا الحق، فما جاء به فهو حق، أو ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني أنه رسول من عند الله حقًّا، فالآية تحتمل هذا وهذا، وهل بينهما منافاة؟ ليس بينهما منافاة، وعلى هذا فنقول: إن المراد بها المعنيان جميعًا، أي إنه جاء بالحق لم يأت بالباطل، وإنه رسول الحق ليس بكاذب عليه الصلاة والسلام، والحقّ ضد الباطل، وأصله الثبوت؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٦] أي: ثبتت ولزمت، فالأصل أن هذه الكلمة تفيد معنى الثبوت، والحق ثابت والباطل زائل، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨].

﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، (من) هنا للابتداء، أي أن الحق جاء من عند الله، وتأمل قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾، حيث إن فيها إشارة إلى أنه يجب عليكم أن تقبلوا هذا الرسول؛ لأنه جاء من ربّكم الذي هو مالكُكم والمدبرُ لأمورِكم، فيجب عليكم أن تقبلوا ما جاء به هذا الرسول؛ لأنه من ربِّكم.

﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ الفاء للتفريع؛ أي فيتفرع على ذلك وجوب الإيمان، آمنوا بمن؟ بالرسول وبما جاء به.

وقوله: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ هذه منصوبة على أنها خبر (يكن) المحذوفة، والتقدير: فآمنوا يكن خيرًا لكم، خيرًا من أيش؟ خيرًا من الكفر، ولا شك أن الإيمان خير من الكفر؛ لأن الإيمان به سعادة الدنيا والآخرة، والكفر به خسارة الدنيا والآخرة؛ لقول الله تبارك وتعالى في الكفر: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]، وفي الإيمان: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ …

An-Nisaa 4:170Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.