Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 161–170 of 176

161

وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And we have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.

ولَمّا ذَكَرَ امْتِناعَهُمْ؛ ومَنعَهم مِنَ المَحاسِنِ الَّتِي لا أطْيَبَ مِنها؛ ولا أشْرَفَ؛ أتْبَعَهُ إقْدامَهم عَلى قَبائِحَ دَنِيَّةٍ؛ فِيها ظُلْمُهم لِلْخَلْقِ؛ فَقالَ: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾؛ أيْ: وهو قَبِيحٌ في نَفْسِهِ؛ مُزْرٍ بِصاحِبِهِ؛ ﴿وقَدْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم قَدْ؛ ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾؛ فَضَمُّوا إلى مُخالَفَةِ الطَّبْعِ السَّلِيمِ؛ الِاجْتِراءَ عَلى انْتِهاكِ حُرْمَةِ اللَّهِ العَظِيمِ. ولَمّا ذَكَرَ الرِّبا؛ أتْبَعَهُ ما هو أعَمُّ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيْ: سَواءٌ كانَتْ رِبًا؛ أوْ رَشْوَةً؛ أوْ غَيْرَهُما؛ ولَمّا ذَكَرَ بَعْضَ ما عَذَّبَهم بِهِ في الدُّنْيا؛ أتْبَعَهُ جَزاءَهم في الآخِرَةِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ”حَرَّمْنا“ -: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الكُفْرُ لَهم صِفَةً راسِخَةً؛ فَماتُوا عَلَيْهِ؛ ولَمّا عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ؛ قالَ: ﴿مِنهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ قالَ: ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما آلَمُوا النّاسَ؛ بِأكْلِ أمْوالِهِمْ؛ وتَغْطِيَتِهِمْ عَلى حُقُوقِهِمْ مِنَ الفَضائِلِ؛ والفَواضِلِ.

ذُكِرَ تَحْرِيمُ المالِ بِالرِّبا؛ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الباطِلِ؛ بِنَصِّ التَّوْراةِ؛ قالَ في السِّفْرِ الثّانِي - بَعْدَ ما قَدَّمْتُهُ في ”البَقَرَةِ“؛ مِنَ الأمْرِ بِالإحْسانِ إلى النّاسِ؛ والنَّهْيِ عَنْ أذاهم -: (وإنْ أسْلَفْتَ ورَقَكَ لِلْمِسْكِينِ الَّذِي مَعَكَ مِن شَعْبِي؛ فَلا تَكُونَنَّ لَهُ كالغَرِيمِ؛ ولا تَأْخُذَنَّ مِنهُ رِبًا)؛ وقالَ في الثّالِثِ: (وإنِ افْتَقَرَ أخُوكَ واسْتَعانَ بِكَ فَلا تَتْرُكْهُ بِمَنزِلَةِ الغَرِيبِ السّاكِنِ مَعَكَ؛ بَلْ وسِّعْ عَلَيْهِ؛ وإيّاكَ أنْ تَأْخُذَ مِنهُ رِبًا أوْ عَيِّنَةً؛ لا تُقْرِضْهُ بِالعَيِّنَةِ)؛ وقالَ في الخامِسِ: (ولا تُطْعِمُوا بَيْتَ اللَّهِ رَبِّكم أجْرَ زانِيَةٍ؛ ولا ثَمَنَ كَلْبٍ؛ ولا تَأْخُذُوا مِن إخْوَتِكم رِبًا؛ في فِضَّةٍ؛ ولا في طَعامٍ؛ ولا في شَيْءٍ مِمّا تُعانُونَهُ؛ وأمّا الغَرِيبُ فَخُذُوا مِنهُ إنْ أحْبَبْتُمْ).

فَقَدْ ثَبَتَ مِن تَوْراتِهِمُ النَّهْيُ عَنِ الرِّبا؛ وأمّا تَخْصِيصُهُ بِالغَرِيبِ فَتَبْدِيلٌ مِنهم بِلا رَيْبٍ؛ بِدَلِيلِ ما قَدَّمْتُهُ عَنْها في ”البَقَرَةِ“؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]؛ مِنَ النَّهْيِ عَنْ غَدْرِ العَدُوِّ؛ وعِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]؛ مِنَ الإحْسانِ إلى عامَّةِ النّاسِ؛ لا سِيَّما الغَرِيبَ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.

An-Nisaa 4:161Listen in Qur'an →
162

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أُو۟لَٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا

But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakah and the believers in Allah and the Last Day - those We will give a great reward.

ولَمّا بَيَّنَ (تَعالى) ما لِلْمَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمُ؛ الغَرِيقِينَ في الكُفْرِ مِنَ العِقابِ؛ بَيَّنَ ما لِنَيِّرِي البَصائِرِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ؛ والإيمانِ مِنَ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هُيِّئَتْ قُلُوبُهم في أصْلِ الخِلْقَةِ لِقَبُولِ العِلْمِ؛ فَأُبْعِدَ عَنْها الطَّبْعُ؛ وجِلَتْ بِالحِكْمَةِ؛ ورَسَخَتْ بِالرَّحْمَةِ؛ فامْتَلَأتْ مِن نُورِ العِلْمِ؛ وتَمَكَّنَتْ بِأُنْسِ الإيمانِ.

ولَمّا ذَكَرَ نَعْتَ العِلْمِ المُفِيدِ لِجَمِيعِ الفَضائِلِ؛ أتْبَعَهُ ما نَشَأ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هُيِّئُوا لِلْإيمانِ؛ ودَخَلُوا فِيهِ؛ فَصارَ لَهم خُلُقًا لازِمًا؛ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإيمانَ في كُلِّ لَحْظَةٍ؛ ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾؛ لِأنَّهم أعْرَفُ النّاسِ بِأنَّهُ حَقٌّ؛ ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: عَلى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وبِسَبَبِ إيمانِهِمُ الخالِصِ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ.

ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ أعْظَمَ دَعائِمِ الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ كانَتْ ناهِيَةً عَنِ الفَحْشاءِ؛ والمُنْكَرِ؛ نُصِبَتْ عَلى المَدْحِ مِن بَيْنِ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ؛ إظْهارًا لِفَضْلِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: بِفِعْلِها بِجَمِيعِ حُدُودِها؛ ويَجُوزُ - عَلى بُعْدٍ - أنْ يَكُونَ المُقْتَضِي لِنَصْبِها جَعْلَ ”لَكِنْ“؛ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها بِمَعْنى ”إلّا“؛ وتَضْمِينَها لَفْظَها؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّآخِي؛ فَيَكُونَ المَعْنى أنَّهم مُسْتَثْنَوْنَ مِمَّنْ أُعِدَّ لَهُمُ العَذابُ الألِيمُ؛ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وهو الفاعِلُ المُخْتارُ - سَبَقَ عِلْمُهُ بِأنَّ مُقِيمَ الصَّلاةِ بِجَمِيعِ حُدُودِها لا يَمُوتُ كَما يَمُوتُ كافِرٌ؛ بَلْ تَنالُهُ بَرَكَتُها؛ فَيَسْلَمُ؛ وهَذا أعْظَمُ مَدْحٍ لَها؛ والحاصِلُ أنَّ ”لَكِنْ“؛ اْسْتُعِيرَتْ لِمَعْنى ”إلّا“؛ بِجامِعِ أنَّ ما بَعْدَ كُلٍّ مِنهُما مُخالِفٌ في الحُكْمِ لِما قَبْلَهُ؛ كَما اسْتُعِيرَتْ ”إلّا“؛ لِمَعْنى ”لَكِنْ“؛ في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.

ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ بِما بَعْدَها إلى الأُسْلُوبِ الماضِي أبْيَنَ في مَدْحِها؛ قالَ: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾؛ ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم جَمَعُوا إلى صِلَةِ الخالِقِ الإحْسانَ إلى الخَلائِقِ؛ ذَكَرَ الإيمانَ؛ بانِيًا عَلى عَظَمَتِهِ؛ مُفَصِّلًا لَهُ بَعْضَ التَّفْصِيلِ؛ ومُشِيرًا إلى أنَّ نَفْعَهُ؛ كَما يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ فاتِحًا؛ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ خاتِمًا؛ فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: مُسْتَحْضِرِينَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ وضَمَّ إلَيْهِ الحامِلَ عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ والمُقْعِدَ عَنْ كُلِّ شَرٍّ؛ تَرْغِيبًا؛ وتَرْهِيبًا؛ فَقالَ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ فَصارَ الإيمانُ مَذْكُورًا خَمْسَ مَرّاتٍ؛ فَإنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ؛ عُطِفَتْ بِالواوِ؛ تَفْخِيمًا لَها؛ وإشارَةً إلى أنَّ وصْفَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ مُقْتَضٍ لِأنَّهم في الذِّرْوَةِ مِن كُلِّ وصْفٍ مِنها؛ والِاتِّصافُ بِكُلٍّ مِنها يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِيَوْمِ الدِّينِ؛ فَإنَّهُ لا يُمْدَحُ أحَدٌ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِنها عَرِيًّا عَنِ الإيمانِ بِهِ؛ لا جَرَمَ نَبَّهَ عَلى فَخامَةِ أمْرِهِمْ؛ وعُلُوِّ شَأْنِهِمْ؛ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ والهِمَمِ؛ ولِكَوْنِ السِّياقِ في الرّاسِخِينَ؛ العامِلِينَ؛ أنْهى في التَّأْكِيدِ بِالسِّينِ؛ لِأنَّ المَكْرَ هُنا أقَلُّ مِنهُ في الأُولى؛ ولَمْ …

An-Nisaa 4:162Listen in Qur'an →
163

۞ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍۢ وَٱلنَّبِيِّۦنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيْمَٰنَ ۚ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًۭا

Indeed, We have revealed to you, [O Muhammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And we revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants, Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon, and to David We gave the book [of Psalms].

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأوْصافُ مُنْطَبِقَةً عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وكانَ مِن أحْوالِهِمُ الوَحْيُ؛ قالَ (تَعالى) - إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمُ القائِلَةِ: ”لَوْ كانَ نَبِيًّا أتى بِكِتابِهِ جُمْلَةً مِنَ السَّماءِ؛ كَما أتى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّوْراةِ كَذَلِكَ“؛ بِإقْرارِهِمْ بِنُبُوَّةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعَ كَوْنِهِمْ لَيْسَ لَهم تِلْكَ الصِّفَةُ؛ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في نُبُوَّةِ أحَدٍ مِنهُمْ؛ ولا رِسالَتِهِ -: ﴿إنّا﴾؛ ويَصِحُّ أنَّ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِـ ”يُؤْمِنُونَ“؛ أيْ: إنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ لِأنّا ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما﴾؛ أيْ: مِثْلَما ﴿أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾؛ وقَدْ آمَنُوا بِما بِهِ لِما أتى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ المُوجِبِ لِلْإيمانِ؛ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى مُعْجِزٍ آخَرَ؛ ولا غَيْرِهِ؛ لِأنَّ إثْباتَ المَدْلُولِ إنَّما يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ الدَّلِيلِ؛ فَإذا تَمَّ الدَّلِيلُ كانَتِ المُطالَبَةُ بِدَلِيلٍ آخَرَ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وإظْهارًا لِلتَّعَنُّتِ واللَّجاجِ - واللَّهِ - سُبْحانَهُ - يَفْعَلُ ما يَشاءُ؛ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.

ولَمّا كانَ مَقامُ الإيحاءِ - وهو الأنْبِياءُ - مِن قِبَلِ اللَّهِ (تَعالى)؛ قالَ: ﴿والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: فَهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ بِما لَهم مِنَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ؛ وطَهارَةِ الأوْصافِ؛ ولا يَشُكُّونَ في أنَّ الكُلَّ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ؛ مَعَ أنَّ هَذا الكِتابَ أبْلَغُ؛ والتَّعْبِيرُ فِيهِ عَنِ المَقاصِدِ أجْلى؛ وأجْمَعُ؛ فَهم إلَيْهِ أمْيَلُ؛ ولَهُ أقْبَلُ؛ وأمّا المَطْبُوعُ عَلى قُلُوبِهِمُ؛ المَمْنُوعُونَ مِن رُسُوخِ العِلْمِ فِيها بِكَثافَةِ الحِجابِ؛ حَتّى إنَّها لا تَنْظُرُ إلى أسْرارِهِ إلّا مِن وراءِ غِشاءٍ؛ فَهم غَيْرُ قابِلِينَ لِنُورِ العِلْمِ؛ المُتَهَيِّئِ لِلْإيمانِ؛ فَأسْرَعُوا إلى الكُفْرِ؛ وبادَرُوا بِالذُّلِّ والصَّغارِ؛ وفي الآخِرَةِ بِالسُّخْطِ؛ والنّارِ. ولَمّا أجْمَلَ (تَعالى) ذِكْرَ النَّبِيِّينَ فَصَّلَ؛ فَقالَ - مُنَبِّهًا عَلى شَرَفِ مَن ذَكَرَهُمْ؛ وشُهْرَتِهِمْ -: ﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أبِيكُمْ؛ وأبِيهِمْ كَذَلِكَ؛ ﴿وإسْماعِيلَ﴾؛ أيْ: ابْنِهِ الأكْبَرِ؛ الَّذِي هو أبُوكم دُونَهُمْ؛ ﴿وإسْحاقَ﴾؛ وهو ابْنُهُ الثّانِي؛ وأبُوهُمْ؛ ﴿ويَعْقُوبَ﴾؛ أيْ: ابْنِ إسْحاقَ؛ ﴿والأسْباطِ﴾؛ أيْ: أوْلادِ يَعْقُوبَ.

ولَمّا أجْمَلَ بِذِكْرِ الأسْباطِ بَعْدَ تَفْصِيلِ مَن قَبْلَهُمْ؛ فَصَّلَ مَن بَعْدَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وعِيسى﴾؛ أيْ: الَّذِي هو آخِرُهُمْ؛ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ؛ ﴿وأيُّوبَ﴾؛ وهو مِن ذُرِّيَّةِ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ؛ عَلى ما ذَكَرُوا؛ ﴿ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّعْظِيمِ بِالوَحْيِ؛ وكانَ داوُدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أهْلِ الكِتابِ قالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾؛ أيْ: وهم يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ؛ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً؛ ولا مَكْتُوبًا مِنَ السَّماءِ.

An-Nisaa 4:163Listen in Qur'an →
164

وَرُسُلًۭا قَدْ قَصَصْنَٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًۭا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًۭا

And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allah spoke to Moses with [direct] speech.

ولَمّا تَمَّ ما اقْتَضاهُ مَقامُ النُّبُوَّةِ؛ وكانَ فِيهِمْ رُسُلٌ؛ وكانَ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتٌ: إنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ غَيْرُ شَأْنِ الأنْبِياءِ في الوَحْيِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ - مِن مَعْنى ”أوْحَيْنا“ -: ”أرْسَلْنا مَن شِئْنا مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَصْناهم عَلَيْكَ هُنا؛ إلى مَن شِئْنا مِنَ النّاسِ -: ﴿ورُسُلا﴾؛ أيْ: غَيْرَ هَؤُلاءِ؛ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾؛ أيْ: تَلَوْنا ذِكْرَهُمْ؛ ﴿عَلَيْكَ﴾؛ ولَمّا كانَ القَصُّ عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ الماضِي؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ؛ ﴿ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: إلى الآنَ. ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَ النَّبِيِّ؛ والرَّسُولِ؛ في الوَحْيِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَهو يَفْعَلُ ما يُرِيدُ؛ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿مُوسى تَكْلِيمًا﴾؛ أيْ: عَلى التَّدَرُّجِ؛ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ بِحَسَبِ المَصالِحِ؛ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ؛ فَلا فارِقَ في الوَحْيِ بَيْنَ ما كانَ بِواسِطَةٍ؛ وبَيْنَ ما كانَ بِلا واسِطَةٍ؛ والمَعْنى أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ إنَّما تَتَوَقَّفُونَ عَنِ الإيمانِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ تَثَبُّتًا؛ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مِنَ الكَرامَةِ؛ لَمْ تُؤْمِنُوا بِإبْراهِيمَ؛ وإسْحاقَ؛ ويَعْقُوبَ؛ والأسْباطِ؛ وهارُونَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَإنَّهُ خُصَّ بِالتَّكْلِيمِ دُونَهُمْ؛ فَلِمَ جَعَلْتُمُ الإتْيانَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شَرْطًا في الإيمانِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ؛ دُونَ بَعْضٍ؟ وإنْ جَعَلْتُمُ الشَّرْطَ الإتْيانَ بِالكِتابِ جُمْلَةً مِنَ السَّماءِ؛ مُدَّعِينَ أنَّهُ كانَ لَهُ ذَلِكَ؛ دُونَ التَّكْلِيمِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِمّا جُعِلَ لَهُ؛ كانَ ذَلِكَ - عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ تَنَزُّلًا - تَحَكُّمًا؛ وتَرْجِيحًا مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ؛ عَلى أنَّ التَّوْراةَ أيْضًا - كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ - كَهَذا القُرْآنِ في إنْزالِها مُنَجَّمَةً؛ عَلى حَسَبِ الوَقائِعِ؛ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ“تَكْلِيمًا”؛ ولَمْ يُكْتَبْ مِنها جُمْلَةً إلّا اللَّوْحانِ اللَّذانِ وُضِعا في تابُوتِ الشَّهادَةِ؛ كَما أُنْزِلَ بَعْضُ سُوَرِ القُرْآنِ جُمْلَةً؛ كَسُورَةِ“الأنْعامِ”؛ ولَيْسَ في نُزُولِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهِما مِن جَبَلِ الطُّورِ مَكْتُوبَيْنِ دَلِيلٌ عَلى نُزُولِهِما مِنَ السَّماءِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن نُصُوصِها؛ أصْرَحُها أنَّهُ (تَعالى) حَرَّمَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ في السَّبْتِ؛ عَقِبَ إخْراجِهِمْ مِنَ البَحْرِ؛ عِنْدَ إنْزالِ المَنِّ - كَما بَيَّنَ في السِّفْرِ الثّانِي مِنهُما - ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ يُفْعَلُ بِالعاصِي فِيهِ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ؛ بِدَلِيلِ ما في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنها؛ في قِصَّةِ التِّيهِ: (ومَكَثَ بَنُو إسْرائِيلَ في البَرِّيَّةِ؛ ووَجَدُوا رَجُلًا يَحْتَطِبُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ؛ فَقَدَّمَهُ الَّذِينَ وجَدُوهُ يَحْتَطِبُ إلى مُوسى؛ وهارُونَ؛ وإلى الجَماعَةِ كُلِّها؛ وحَبَسُوهُ في السِّجْنِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أُوحِيَ إلى مُوسى كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِ؛ فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: يُقْتَلُ هَذا الرَّجُلُ؛ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ خارِجًا مِنَ العَسْكَرِ؛ ورَجَمَهُ الجَماعَةُ كُلُّها بِالحِجارَةِ؛ وماتَ - كَما أمَرَ الرَّبُّ مُوسى)؛ ومِنها أنَّهُ أمَرَهم - كَما بَيَّنَ في السِّفْرِ الثّانِي - بِنَصْبِ قُبَّةِ الزَّمانِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها؛ ويَسْمَعُ مُوسى الكَلامَ مِنها؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ …

An-Nisaa 4:164Listen in Qur'an →
165

رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allah after the messengers. And ever is Allah Exalted in Might and Wise.

ولَمّا كانَ مُعْظَمُ رِسالَةِ نَبِيِّنا ﷺ بِشارَةً ونِذارَةً؛ قالَ - مُبَيِّنًا أنَّهم مِثْلُهُ في ذَلِكَ؛ كَما كانُوا قَبْلَهُ في الوَحْيِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإرْسالِ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ جَمْعُ الخَلْقِ بِالبِشارَةِ؛ والنِّذارَةِ -: ﴿رُسُلا﴾؛ أيْ: جَعَلْناهم رُسُلًا؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”رُسُلًا“؛ الماضِي؛ وأنْ يَكُونَ حالًا؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَكُونَ﴾؛ أيْ: لِيَنْتَفِيَ أنْ يُوجَدَ؛ ﴿لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: نَوْعُ مَن فِيهِ قُوَّةُ النَّوْسِ. ولَمّا كانَتِ الحُجَّةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ العُذْرِ؛ ولَوْ كانَ مَرْدُودًا؛ عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾؛ أيْ: واجِبَةُ القَبُولِ عَلى المَلِكِ؛ الَّذِي اخْتُصَّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ في ألّا يُعَذِّبَ عُصاتَهُمْ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ النَّفْيِ لِجَمِيعِ الزَّمانِ المُتَعَقِّبِ لِلْإرْسالِ؛ أسْقَطَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ﴾؛ أيْ: انْتَفى ذَلِكَ انْتِفاءً مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي يُوجَدُ بَعْدَ إرْسالِ ﴿الرُّسُلِ﴾؛ وتَبْلِيغِهِمْ لِلنّاسِ؛ وذَلِكَ عَلى أنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَتِهِ (تَعالى) إنَّما يَثْبُتُ بِالسَّمْعِ؛ وأمّا نَفْسُ المَعْرِفَةِ؛ والنَّظَرِ؛ والتَّوْحِيدِ؛ فَطَرِيقُها العَقْلُ؛ فالمَعْرِفَةُ مُتَلَقّاةٌ مِنَ العَقْلِ؛ والوُجُوبُ مُتَلَقًّى مِنَ الشَّرْعِ؛ والنَّقْلِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ رُبَّما امْتَنَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - أخْذٌ؛ بِحُجَّةٍ أوْ غَيْرِها؛ قالَ - مُزِيلًا لِذَلِكَ -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ العَظَمَةِ؛ ﴿عَزِيزًا﴾؛ أيْ: يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ فَهو قادِرٌ عَلى ما طَلَبُوهُ؛ ولَكِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى سَبِيلِ اللَّجاجِ؛ وهم غَيْرُ مُعْجِزِينَ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يَضَعُ الأشْياءَ في أتْقَنِ مَواضِعِها؛ فَلِذَلِكَ رَتَّبَ أُمُورًا لا يَكُونُ مَعَها لِأحَدٍ حُجَّةٌ؛ ومِن حِكْمَتِهِ أنَّهُ لا يُجِيبُ المُتَعَنِّتَ.

An-Nisaa 4:165Listen in Qur'an →
166

لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ ۖ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا

But Allah bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allah as Witness.

ولَمّا لَمْ يُبْقِ - سُبْحانَهُ - لَهم شُبْهَةً؛ واسْتَمَرُّوا عَلى عِنادِهِمْ؛ أشارَ (تَعالى) إلى ما تَقْدِيرُهُ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ لَكَ عِنْدَ اتِّضاحِ الأمْرِ؛ فَقالَ: ﴿لَكِنِ﴾؛ أيْ: ومَعَ ما قامَ مِنَ البَراهِينِ عَلى صِدْقِكَ؛ وكَوْنِ كِتابِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ فَهم لا يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ؛ لَكِنْ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ فَلا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿يَشْهَدُ﴾؛ أيْ: لَكَ؛ ﴿بِما أنْـزَلَ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: مِن هَذا الكِتابِ المُعْجِزِ؛ الَّذِي قَدْ أخْرَسَ الفُصَحاءَ؛ وأبْكَمَ البُلَغاءَ؛ وفِيهِ هَذِهِ الأحْكامُ الصّادِقَةُ لِما عِنْدَهُمْ؛ وهم يُرِيدُونَ الإضْلالَ عَنْها؛ فَشَهادَتُهُ بِبَلاغَتِهِ؛ وحِكْمَتِهِ بِصِدْقِ الآتِي بِهِ؛ هي شَهادَةُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ قائِلُهُ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾؛ أيْ: عالِمًا بِإنْزالِهِ عَلى الوَجْهِ المُعْجِزِ؛ مَعَ كَثْرَةِ المُعارِضِ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ؛ ولا يَقْدِرُ؛ عَلى إحْداثِ شَيْءٍ فِيهِ مِن تَغْيِيرٍ؛ ولا تَبْدِيلٍ؛ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ؛ ولا مُعارَضَةٍ؛ ﴿والمَلائِكَةُ﴾؛ أيْضًا؛ ﴿يَشْهَدُونَ﴾؛ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا حُضُورًا لِإنْزالِهِ؛ وأُمَناءَ عَلى مَن كانَ مِنهم عَلى يَدِهِ لِيُبْلِغَهُ - كَما قالَ (تَعالى): ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]؛ وهَذا خِطابٌ لِلْعِبادِ؛ عَلى حَسَبِ ما يَعْرِفُونَ. ولَمّا كانَ رُبَّما أفْهَمَ نَقْصًا؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ أيْ: وكَفى بِشَهادَتِهِ في ذَلِكَ شَهادَةً عَنْ شَهادَةِ غَيْرِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ أنْزَلَهُ - سُبْحانَهُ - شاهِدًا بِشَهادَتِهِ؛ ناطِقًا بِها؛ لِإعْجازِهِ بِنَظْمِهِ؛ وبِما فِيهِ مِن عِلْمِهِ مِنَ الحِكَمِ؛ والأحْكامِ؛ ومُوافَقَةِ كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ؛ فَشَهادَتُهُ بِذَلِكَ هي شَهادَةُ اللَّهِ؛ وهي لَعَمْرِي لا تَحْتاجُ إلى شَهادَةِ أحَدٍ غَيْرِهِ.

An-Nisaa 4:166Listen in Qur'an →
167

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا۟ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allah have certainly gone far astray.

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ أقامَ الأدِلَّةَ عَلى صِحَّتِهِ بِالمُعْجِزاتِ؛ فَصارَ كَأنَّهُ شَهِدَ بِحَقِيقَتِهِ؛ كانَ أنْفَعُ الأشْياءِ إتْباعَ ذَلِكَ بِوَصْفِ مَن جَحَدَهُ في نَفْسِهِ؛ وصَدَّ عَنْهُ غَيْرَهُ؛ زَجْرًا عَنْ مِثْلِ حالِهِ؛ وتَقْبِيحًا لِما أبْدى مِن ضَلالِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِصِدْقِهِ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن شاهِدِ العَقْلِ؛ وقاطِعِ النَّقْلِ؛ مِنَ اليَهُودِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ بِأنْفُسِهِمْ؛ وبِإضْلالِ غَيْرِهِمْ بِما يُلْقُونَهُ مِنَ الشُّبَهِ؛ مِن مِثْلِ هَذِهِ؛ وقَوْلِهِمْ - كَذِبًا -: إنَّ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا تُنْسَخُ؛ وقَوْلِهِمْ: إنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن أبْناءِ هارُونَ؛ وداوُدَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾؛ أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى مَقْصُودِهِمْ؛ في حَسَدِهِ؛ ومَنعِ ما يُرادُ مِن إعْلائِهِ؛ ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾؛ أيْ: لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ ضَلالًا مُبْطِلٌ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مُحِقٌّ؛ ثُمَّ يَحْمِلُ غَيْرَهُ عَلى مِثْلِ باطِلِهِ؛ فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُرْجى لَهُمُ الرُّجُوعُ إلى الطَّرِيقِ النّافِعِ؛ لا سِيَّما إنْ ضُمَّ إلى ذَلِكَ الحَسَدُ؛ لِأنَّ داءَ الحَسَدِ أدْوَأُ داءٍ؛

An-Nisaa 4:167Listen in Qur'an →
168

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا

Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allah forgive them, nor will He guide them to a path.

ثُمَّ عَلَّلَ إغْراقَهم في الضَّلالِ بِإضْلالِهِ لَهُمْ؛ لِتَمادِيهِمْ فِيما تَدْعُو إلَيْهِ نَقِيصَةُ النَّفْسِ مِنَ الظُّلْمِ؛ بِقَوْلِهِ - وعِيدًا لَهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما عِنْدَهم مِن نُورِ العَقْلِ؛ ﴿وظَلَمُوا﴾؛ أيْ: فَعَلُوا لِحَسَدِهِمْ فِعْلَ الماشِي في الظَّلامِ؛ بِإعْراضِهِمْ وإضْلالِهِمْ غَيْرَهُمْ؛ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِجَلالِهِ؛ ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِظُلْمِهِمْ؛ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾؛ أيْ: لِتَضْيِيعِهِمْ ما آتاهم مِن نُورِ العَقْلِ؛ ومُنابَذَتِهِمْ؛

An-Nisaa 4:168Listen in Qur'an →
169

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا

Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allah, is [always] easy.

ثُمَّ تَهَكَّمَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: بِما تَجَهَّمُوا مَن ظَلَمُوهُ.

ولَمّا كانَ المَعْنى: فَإنَّهُ يُسْكِنُهم إيّاها؛ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ أيْ: لِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ؛ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ - مَعَ ما لَهم مِنَ العُقُولِ - أمْرًا عَجِيبًا؛ قالَ (تَعالى): ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ مِن كُفْرِهِمْ؛ وضَلالِهِمْ؛ وعَذابِهِمْ؛ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

An-Nisaa 4:169Listen in Qur'an →
170

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

O Mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allah belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allah Knowing and Wise.

ولَمّا وضَحَ بِالحِجاجِ مَعَهُمُ الحَقُّ؛ واسْتَبانَ بِمَحْوِ شَبَهِهِمْ كُلِّها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ الرُّشْدُ؛ وأوْضَحَ فَسادَ طُرُقِهِمْ؛ وأبْلَغَ في وعِيدِهِمْ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ صِدْقَ الرَّسُولِ؛ وحَقِيقَةَ ما يَقُولُ: فَأذْعَنَتِ النُّفُوسُ؛ فَكانَ أنْسَبُ الأشْياءِ أنْ عَمَّمَ - سُبْحانَهُ - في الخِطابِ؛ لِما وجَبَ مِنَ إتْباعِهِ عَلى وجْهِ العُمُومِ؛ عِنْدَ بَيانِ السَّبِيلِ؛ ونُهُوضِ الدَّلِيلِ؛ فَقالَ - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ ﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾؛ أيْ: الكامِلُ في الرُّسُلِيَّةِ؛ الَّذِي كانَ يَنْتَظِرُهُ أهْلُ الكِتابِ لِرَفْعِ الِارْتِيابِ؛ مُلْتَبِسًا ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ وسَتَنْظُرُونَ الوَقائِعَ فَتُطَبِّقُونَها عَلى ما سَبَقَ مِنَ الأخْبارِ؛ كائِنًا ذَلِكَ الحَقُّ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكُمْ؛ فَإنِ اتَّبَعْتُمْ رَسُولَهُ قَبِلْتُمْ إحْسانَهُ؛ فَتَمَّتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْكُمْ؛ ولِهَذا سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَآمِنُوا﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - بِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ تَوَعُّدًا لَهم -: ”إنْ تُؤْمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾؛ أيْ: تَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرانِكُمْ؛ أوْ تُجَدِّدُوا كُفْرًا؛ يَكُنِ الكُفْرانُ شَرًّا لَكُمْ؛ أيْ: خاصًّا ذَلِكَ الشَّرُّ بِكُمْ؛ ولا يَضُرُّهُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ؛ ولا يُنْقِصُهُ مِن مُلْكِهِ شَيْئًا؛ كَما أنَّ الإيمانَ لَمْ يَنْفَعْهُ شَيْئًا؛ ولا زادَ في مُلْكِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّ لَهُ الغِنى المُطْلَقَ؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الكامِلَ العَظَمَةِ؛ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ فَإنَّهُ مِن إقامَةِ العِلَّةِ مَقامَ المَعْلُولِ؛ ولَمْ يُؤَكِّدْ بِتَكْرِيرِ ”ما“؛ وإنْ كانَ الخِطابُ مَعَ المُضْطَرِبِينَ؛ لِأنَّ قِيامَ الأدِلَّةِ أوْصَلَ إلى حَدٍّ مِنَ الوُضُوحِ؛ بِشَهادَةِ اللَّهِ؛ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ؛ فَصارَ المَدْلُولُ بِهِ كالمَحْسُوسِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ؛ ولَهُ عَبِيدٌ غَيْرُكم لا يَعْصُونَهُ؛ وهو قادِرٌ عَلى تَعْذِيبِكم بِإسْقاطِ ما أرادَ مِنَ السَّماءِ؛ وخَسْفِ ما أرادَ مِنَ الأرْضِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ“؛ وكانَ تَنْعِيمُ المُؤالِفِ؛ وتَعْذِيبُ المُخالِفِ؛ وتَلَقِّي النَّصِيحَةِ بِالقَبُولِ دائِرًا عَلى العِلْمِ؛ وعَلى الحِكْمَةِ؛ الَّتِي هي نَتِيجَةُ العِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الِاخْتِصاصُ التّامُّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ مَعَ أنَّ لَهُ جَمِيعَ المُلْكِ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: فَلا يَسَعُ ذا لُبٍّ أنْ يَعْدِلَ عَمّا أخْبَرَ بِهِ؛ مِن أنَّ أمْرَ هَذا الرَّسُولِ حَقٌّ؛ إذْ هو لَمْ يُخْبِرْ بِهِ إلّا عَنْ تَمامِ العِلْمِ؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ عاصٍ؛ ولا مُطِيعٌ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ فَلا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يُضَيِّعَ شَيْئًا مِن أوامِرِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَضَعْها إلّا عَلى كَمالِ الأحْكامِ؛ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يُحِلَّ بِمُخالِفِهِ أيَّ انْتِقامٍ؛ ويُثِيبَ مَن أطاعَهُ بِكُلِّ إنْعامٍ.

An-Nisaa 4:170Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.