Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 151–160 of 176

151

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ؛ ﴿هُمُ الكافِرُونَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقُونَ في الكُفْرِ؛ ﴿حَقًّا﴾؛ ولَزِمَهُمُ الكُفْرُ بِالجَمِيعِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ عَلى نُبُوَّةِ البَعْضِ لَزِمَ مِنهُ القَطْعُ بِنُبُوَّةِ كُلِّ مَن حَصَلَ مِنهُ مِثْلُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؛ وحَيْثُ جُوِّزَ حُصُولُ الدَّلِيلِ بِدُونِ المَدْلُولِ؛ تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى شَيْءٍ؛ كالمُعْجِزَةِ؛ فَلَزِمَ حِينَئِذٍ الكُفْرُ بِالجَمِيعِ؛ فَثَبَتَ أنَّ مَن كَذَّبَ بِنُبُوَّةِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَزِمَهُ الكُفْرُ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ؛ ومَن لَزِمَهُ الكُفْرُ بِهِمْ؛ لَزِمَهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ؛ وكُلِّ ما جاءَ بِهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: "فَلا جَرَمَ أنّا أعْتَدْنا - أيْ: هَيَّأْنا - لَهم عَذابًا مُهِينًا؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - تَعْمِيمًا -: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: جَمِيعًا؛ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾؛ أيْ: كَما اسْتَهانُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ؛ وهُمُ الجَدِيرُونَ بِالحُبِّ؛ والكَرامَةِ؛ والآيَةُ شامِلَةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ؛ مِمَّنْ كانَ حالُهُ كَحالِهِمْ؛ وإيلاءُ ذَلِكَ بَيانَ أحْوالِ المُنافِقِينَ أنْسَبُ شَيْءٍ؛ وأحْسَنُهُ؛ لِلتَّعْرِيفِ بِأنَّهم مُنافِقُونَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهم يُظْهِرُونَ شَيْئًا مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ويُبْطِنُونَ غَيْرَهُ؛ وإنْ كانَ ما يُظْهِرُونَهُ عَلى الضِّدِّ مِمّا يُظْهِرُهُ المُنافِقُونَ؛ وبِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا المُنافِقِينَ؛ ولِلتَّحْذِيرِ مِن أقْوالِهِمْ؛ وتَزْيِيفِ ما حَرَّفُوا مِن مَحالِّهِمْ؛ وفي ذَلِكَ التِفاتٌ إلى أوَّلِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]

An-Nisaa 4:151Listen in Qur'an →
152

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

But they who believe in Allah and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allah Forgiving and Merciful.

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ما أعَدَّ لَهُمْ؛ بَيِّنَ ما أعَدَّ لِأضْدادِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ والجَمالُ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ ولَمّا جَمَعُوهم في الإيمانِ ضِدَّ ما فَعَلَ أهْلُ الكُفْرانِ؛ صَرَّحَ بِما أفْهَمَهُ؛ فَقالَ: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾؛ أيْ: في اعْتِقادِهِمْ؛ ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: لَمْ يَجْعَلُوا أحَدًا مِنهم عَلى صِفَةِ الفُرْقَةِ البَلِيغَةِ مِن صاحِبِهِ؛ بِأنْ كَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ وآمَنُوا بِبَعْضٍ - كَما فَعَلَ الأشْقِياءُ -؛ والتَّفْرِقَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا؛ و”أحَدٍ“؛ عامٌّ في الواحِدِ؛ المُذَكَّرِ؛ والمُؤَنَّثِ؛ وتَثْنِيَتِهِما؛ وجَمْعِهِما؛ فَلِذَلِكَ صَحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ؛ بِمَعْنى: بَيْنَ اثْنَيْنِ؛ أوْ جَماعَةٍ؛ وكَأنَّهُ اخْتِيرَ لِلْمُبالَغَةِ بِأنْ لَوْ أنَّ الواحِدَ يُمْكِنُ فِيهِ التَّفْرِقَةُ؛ فَكانَ الإيمانُ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ كُفْرًا؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ في رُتَبِ السَّعادَةِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ تَأْكِيدَ وعْدِهِمْ؛ وكانَ المُشاهَدُ فِيهِ غالِبًا التَّأخُّرَ؛ قالَ: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ وإنْ تَأخَّرَ؛ فالمُرادُ تَحْقِيقُهُ؛ لا تَحْقِيقُ تَأخُّرِهِ؛ ولَكِنَّهُ أتى بِالأداةِ الَّتِي هي أكْثَرُ حُرُوفًا؛ وأشَدُّ تَنْفِيسًا؛ لِأنَّ هَذا السِّياقَ لِأهْلِ الإيمانِ المُجَرَّدِ؛ الشّامِلِ؛ لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ؛ ولِذا أضافَ الأُجُورَ إلَيْهِمْ؛ وخَتَمَ بِالمَغْفِرَةِ؛ لِئَلّا يَحْصُلُ لَهم يَأْسٌ؛ وإنْ طالَ المَدى؛ ﴿أُجُورَهُمْ﴾؛ أيْ: كامِلَةً بِحَسَبِ نِيّاتِهِمْ؛ وأعْمالِهِمْ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَبْلُغُ الواصِفُونَ كُنْهَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ لِما يُرِيدُ مِنَ الزَّلّاتِ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: بِمَن يُرِيدُ إسْعادَهُ بِالجَنّاتِ.

An-Nisaa 4:152Listen in Qur'an →
153

يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰبًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allah outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) بِما عَلى المُفَرِّقِينَ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ؛ وما لِأضْدادِهِمْ؛ أتْبَعَهُ بَعْضَ ما أرادُوا بِهِ الفُرْقَةَ؛ وذَلِكَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ وفِنْحاصَ بْنَ عازُورا؛ مِنَ اليَهُودِ؛ قالا كَذِبًا: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَأْتِنا بِكِتابٍ جُمْلَةً مِنَ السَّماءِ؛ نُعايِنُهُ حِينَ يَنْزِلُ؛ كَما أتى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِكِتابِهِ كَذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) - مُوَبِّخًا لَهم عَلى هَذا الكَذِبِ؛ مُشِيرًا إلى كَذِبِهِمْ فِيهِ؛ مُوهِيًا لِسُؤالِهِمْ؛ مُحَذِّرًا مِن غَوائِلِهِ؛ مُبَيِّنًا لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ -: ﴿يَسْألُكَ﴾؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ مِن أعْظَمِ شُبَهِهِمُ الَّتِي أضَلُّوا بِها مَن أرادَ اللَّهَ؛ وذَلِكَ أنَّهم رَأوْا أنَّ هَذا الكِتابَ المُبِينَ أعْظَمُ المُعْجِزاتِ؛ وأنَّ العَرَبَ لَمْ يُمْكِنْهُمُ الطَّعْنُ فِيهِ؛ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ قَبُولُهُ؛ فَوَجَّهُوا مَكايِدَهم نَحْوَهُ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ؛ ونَحْوِها؛ زَيَّفَها - سُبْحانَهُ وتَعالى - أتَمَّ تَزْيِيفِ؛ وفَضَحَهم بِسَبَبِها غايَةَ الفَضِيحَةِ؛ وزادَ - سُبْحانَهُ - في تَبْكِيتِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أهْلُ الكِتابِ﴾؛ إشارَةً إلى أنَّ العالِمَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكُونَ أبْعَدَ النّاسِ مِنَ التَّمْوِيهِ؛ فَضْلًا عَنِ الكَذِبِ الصَّرِيحِ؛ ﴿أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: خاصًّا بِهِمْ؛ بِإثْباتِ أسْمائِهِمْ؛ ﴿كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ وما أوْهَمُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ هَذا؛ مِن أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أتى بِالتَّوْراةِ جُمْلَةً كِذْبَةٌ تَلَقَّفَها مِنهم مَن أرادَ اللَّهُ (تَعالى) مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ ظَنًّا مِنهم أنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - أقَرَّهم عَلَيْها؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ - كَما يُفْهِمُهُ السِّياقُ كُلُّهُ؛ ويَأْتِي ما هو كالصَّرِيحِ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣]؛ الآيَةَ؛ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ؛ واليَهُودُ الآنَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّها لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ الَّتِي ذَبَحُوها لِأجْلِ القَتِيلِ الَّذِي تَدارَوْا فِيهِ: وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القَسامَةِ في التَّوْراةِ.

ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَسْتَعْظِمُهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ؛ مُبَيِّنًا - تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ أنَّ عادَتَهُمُ التَّعَنُّتُ؛ ودَيْدَنَهُمُ الكُفْرُ؛ وأنَّهم أغْرَقُ النّاسِ في غِلَظِ الأكْبادِ؛ وجَلافَةِ الطَّبائِعِ؛ وأنَّ أوائِلَهم تَعَنَّتُوا عَلى مَن يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ الآنَ؛ وأنَّهم عَلى شَرِيعَتِهِ؛ وأحَبُّ شَيْءٍ فِيهِ ما أراهم مِن تِلْكَ الآياتِ العِظامِ؛ الَّتِي مِنها اسْتِنْقاذُهم مِنَ العُبُودِيَّةِ؛ بَلْ مِنَ الذَّبْحِ؛ وأنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنهُمْ؛ مَعَ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ القَوارِعِ؛ والعَفْوِ؛ فَقالَ: ﴿فَقَدْ﴾؛ أيْ: إنْ تَسْتَعْظِمْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ ﴿سَألُوا﴾؛ أيْ: آباؤُهُمْ؛ أيْ: وهم عَلى نَهْجِهِمْ في التَّعَنُّتِ؛ فَهم شُرَكاؤُهُمْ؛ ﴿مُوسى﴾؛ لِغَيْرِ داعٍ؛ سِوى التَّعَنُّتِ؛ ﴿أكْبَرَ﴾؛ أيْ: أعْظَمَ؛ ﴿مِن ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي واجَهُوكَ بِهِ؛ بَعْدَ ما أظْهَرْتُ مِنَ المُعْجِزاتِ ما أوْجَبْنا عَلى كُلِّ مَن عَلِمَها الإيمانَ بِكَ؛ والتَّأْدِيبَ مَعَكَ؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ الَّذِي لا شَبِيهَ لَهُ؛ وتَقْصُرُ العُقُولُ عَنِ الإحاطَةِ بِعَظَمَتِهِ؛ ﴿جَهْرَةً﴾؛ أيْ: عَيانًا؛ مِن غَيْرِ سِتْرٍ؛ ولا حِجابٍ؛ ولا نَوْعٍ مِن خَفاءٍ؛ بَلْ تُحِيطُ بِهِ أبْصارُنا؛ كَما يُحِيطُ السَّمْعُ بِالقَوْلِ الجَهْرِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنْ كُلًّا مِنَ السُّؤالَيْنِ …

An-Nisaa 4:153Listen in Qur'an →
154

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly", and We said to them, "Do not transgress on the sabbath", and We took from them a solemn covenant.

ولَمّا بَيَّنَ هَذا مِن عَظَمَتِهِ أتْبَعَهُ أمْرًا آخَرَ أعْظَمَ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿ورَفَعْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ولَمّا كانَ قَدْ مَلَأ جِهَةَ الفَوْقِ بِأنْ وارى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ؛ ولَمْ يَسْلَمْ أحَدٌ مِنهم مِن ذَلِكَ؛ نَزَعَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾؛ أيْ: الجَبَلَ العَظِيمَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ رَفْعِهِ؛ فَقالَ: ﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ ؛ أيْ: حَتّى التَزَمُوهُ؛ وأذْعَنُوا لَهُ؛ وقَبِلُوهُ.

ولَمّا ذَكَرَ المِيثاقَ عَلى هَذا الوَجْهِ العَجِيبِ؛ أتْبَعَهُ ما نَقَضُوا فِيهِ؛ عَلى سُهُولَتِهِ؛ دَلِيلًا عَلى سُوءِ طِباعِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وقُلْنا لَهُمُ﴾؛ أيْ: بِما تَكَرَّرَ لَهم مِن رُؤْيَةِ عَظَمَتِنا؛ ﴿ادْخُلُوا البابَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ ﴿سُجَّدًا﴾؛ أيْ: فَنَقَضُوا ذَلِكَ العَهْدَ الوَثِيقَ؛ وبَدَّلُوا؛ ﴿وقُلْنا لَهُمُ﴾؛ أيْ: عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في كَثِيرٍ مِنَ التَّوْراةِ؛ ﴿لا تَعْدُوا﴾؛ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا ما حَدَّدْناهُ لَكُمْ؛ ﴿فِي السَّبْتِ﴾؛ أيْ: لا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ - تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ -؛ سُمِّيَ ”عَدْوًا“؛ لِأنَّ العالِمَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ لِشِدَّةِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ يَعْدُو؛ ﴿وأخَذْنا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ ﴿مِيثاقًا غَلِيظًا﴾؛ وإنَّما جَزَمْتُ بِأنَّ المُرادَ بِهَذا - واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ - عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ لِأنَّهُ (تَعالى) كَرَّرَ التَّأْكِيدَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ في حِفْظِ السَّبْتِ؛ وأوْصاهم بِهِ؛ وعَهِدَ إلَيْهِمْ فِيهِ ما قَلَّ أنْ عَهِدَهُ في شَيْءٍ مِنَ الفُرُوعِ غَيْرِهِ؛ قالَ بَعْضُ المُتَرْجِمِينَ لِلتَّوْراةِ؛ في السِّفْرِ الثّانِي؛ في العَشْرِ الآياتِ الَّتِي أوَّلُها: (أنا إلَهُكَ الَّذِي أصَعَدْتُكَ مِن أرْضِ مِصْرَ؛ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ؛ لا يَكُونُ لَكَ إلَهٌ غَيْرِي)؛ ما نَصُّهُ: (اذْكُرْ حِفْظَ يَوْمِ السَّبْتِ؛ وطُهْرُهُ سِتَّةُ أيّامٍ؛ كِدَّ فِيها؛ واصْنَعْ جَمِيعَ ما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَصْنَعَهُ؛ واليَوْمُ السّابِعُ سَبْتُ اللَّهِ رَبِّكَ؛ لا تَعْمَلَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ أنْتَ؛ وابْنُكَ؛ وابْنَتُكَ؛ وعَبْدُكَ؛ وأمَتُكَ؛ ودَوابُّكَ؛ والسّاكِنُ في قُراكَ؛ لِأنَّ الرَّبَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامِ؛ والبُحُورَ وجَمِيعَ ما فِيها؛ واسْتَراحَ في اليَوْمِ السّابِعِ؛ ولِذَلِكَ بارَكَ اللَّهُ اليَوْمَ السّابِعَ؛ وقَدَّسَهُ؛ أكْرِمْ أباكَ)؛ إلى آخِرِ ما مَرَّ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ ثُمَّ عادَ العَشْرَ الآياتِ في أوائِلِ السِّفْرِ الخامِسِ؛ وقالَ - في السَّبْتِ -: (احْفَظُوا يَوْمَ السَّبْتِ وظُهُورَهُ؛ كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ واعْمَلُوا الأعْمالَ في سِتَّةِ أيّامٍ؛ كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ واعْمَلُوا الأعْمالَ في سِتَّةِ أيّامٍ؛ فاصْنَعُوا ما أرَدْتُمْ أنْ تَصْنَعُوا فِيها؛ فَأمّا يَوْمُ السَّبْتِ فَأُسْبُوعُ رَبِّكُمْ؛ لا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا أنْتُمْ؛ وبَنُوكُمْ؛ وعَبِيدُكُمْ؛ وإماؤُكُمْ؛ وثِيرانُكُمْ؛ وحَمِيرُكُمْ؛ وكُلُّ بَهائِمِكُمْ؛ والسّاكِنُ الَّذِي في قُراكُمْ؛ لِيَسْتَرِيحَ عَبِيدُكُمْ)؛ إلى آخِرِ ما في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ عِنْدَ: ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؛ وقالَ في الثّانِي بَعْدَ ذَلِكَ: (وقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: وأنْتَ فَأْمُرْ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ تَحْفَظُوا السُّبُوتَ؛ لِأنَّها أمارَةُ العَهْدِ؛ وعَلامَةٌ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكم لِأحْقابِكُمْ؛ فَتَعْلَمُوا أنِّي أنا الرَّبُّ؛ إلَهُكُمْ؛ مُقَدِّسُكُمُ؛ احْفَظُوا يَوْمَ السَّبْتِ فَإنَّهُ …

An-Nisaa 4:154Listen in Qur'an →
155

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And [We cursed them] for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allah and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped". Rather, Allah has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.

فَلَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أكَّدَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ؛ وأكْثَرَ مِنَ التَّقَدُّمِ في حِفْظِ العَهْدِ؛ بَيَّنَ أنَّهم نَقَضُوا؛ فَأعْقَبَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ ما هُدِّدُوا بِهِ في التَّوْراةِ؛ مِنَ الخِزْيِ؛ وضَرْبِ الذِّلَّةِ؛ مَعَ ما ادَّخَرَ لَهم في الآخِرَةِ؛ فَقالَ: ﴿فَبِما﴾؛ مُؤَكِّدًا بِإدْخالِ ”ما“؛ ﴿نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ جَمِيعَ ما ذَكَرْنا في التَّوْراةِ مِنَ الخِزْيِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنهُ في القُرْآنِ؛ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي تَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ الآتِي: ”حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ“؛ و”واعْتَدْنا“؛ ويَكُونُ مِنَ الطَّيِّباتِ العِزُّ؛ ورَغَدُ العَيْشِ؛ وذَلِكَ جامِعٌ لِنَكَدِ الدّارَيْنِ؛ وعَطَفَ عَلى هَذا الأمْرِ العامِّ ما اشْتَدَّتْ بِهِ العِنايَةُ مِن إفْرادِهِ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ؛ فَقالَ: ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ مِمّا جاءَهم عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَكُونَ عَظَمَتُها مُناسِبَةً لِعَظَمَةِ اسْمِهِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي هو مُسَمّى جَمِيعِ الأسْماءِ؛ فاسْتَلْزَمَ كُفْرُهم بِهِ كُفْرَهم بِما أنْزَلَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ أعْظَمُ ما نَقَضُوا فِيهِ؛ وأخَصُّ مِن مُطْلَقِ النَّقْضَ؛ ﴿وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ﴾؛ وهو أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سَدٌّ لِبابِ الإيمانِ عَنْهُمْ؛ وعَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ سَبَبُ الإيمانِ؛ وفي مَحْوِ السَّبَبِ مَحْوُ المُسَبِّبِ.

ولَمّا كانَ الأنْبِياءُ مَعْصُومِينَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ؛ ومُبَرَّئِينَ مِن كُلِّ دَنِيَّةٍ؛ لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ حَقٌّ لا يُؤَدُّونَهُ؛ قالَ:﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ أيْ: كَبِيرٍ ولا صَغِيرٍ أصْلًا؛ وهَذا الحَرْفُ - لِكَوْنِهِ في سِياقِ طَعْنِهِمْ في القُرْآنِ؛ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ - وقَعَ التَّعْبِيرُ فِيهِ أبْلَغَ مِمّا في ”آلِ عِمْرانَ“؛ الَّذِي هو أبْلَغُ مِمّا سَبَقَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذا مَعَ جَمْعِ الكَثْرَةِ وتَنْكِيرِ الحَقِّ عَبَّرَ فِيهِ بِالمَصْدَرِ المُفْهِمِ لِأنَّ الِاجْتِراءَ عَلى القَتْلِ صارَ لَهم خُلُقًا؛ وصِفَةً راسِخَةً؛ بِخِلافِ ما مَضى؛ فَإنَّهُ بِالمُضارِعِ الَّذِي رُبَّما دَلَّ عَلى العُرُوضِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وهو إسْنادُهم عَظائِمَهم إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ فَقالَ: ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾؛ أيْ: لا ذَنْبَ لَنا؛ لِأنَّ قُلُوبَنا خُلِقَتْ مِن أصْلِ الفَهْمِ بَعِيدَةً عَنْ فَهْمِ مِثْلِ ما يَقُولُ الأنْبِياءُ؛ لِكَوْنِها في أغْشِيَةٍ؛ فَهي شَدِيدَةُ الصَّلابَةِ؛ وذَلِكَ سَبَبُ قَتْلِهِمْ؛ ورَدِّ قَوْلِهِمْ؛ وهَذا بَعْدَ أنْ كانُوا يُقِرُّونَ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ ويَشْهَدُونَ لَهُ بِالرِّسالَةِ؛ وبِأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ؛ ويَصِفُونَهُ بِأشْهَرِ صِفاتِهِ؛ ويَتَرَقَّبُونَ إتْيانَهُ؛ لا جَرَمَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”وقَدْ كَذَبُوا؛ لِأنَّهم وُلِدُوا عَلى الفِطْرَةِ؛ كَسائِرِ الوِلْدانِ؛ فَلَمْ تَكُنْ قُلُوبُهم في الأصْلِ غُلْفًا“ -: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ مَعاقِدُ العِزِّ؛ ومَجامِعِ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلَيْها﴾؛ طَبْعًا عارِضًا؛ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾؛ بَلْ إنَّهُ خَلَقَها أوَّلًا عَلى الفِطْرَةِ؛ مُتَمَكِّنَةً مِنَ اخْتِيارِ الخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ فَلَمّا أعْرَضُوا - بِما هَيَّأ قُلُوبَهم لَهُ مِن قَبُولِ النَّقْضِ - عَنِ الخَيْرِ؛ واخْتارُوا الشَّرَّ؛ بِاتِّباعِ شَهَواتِهِمُ النّاشِئَةِ مِن نُفُوسِهِمْ؛ وتَرْكِ ما تَدْعُو إلَيْهِ عُقُولُهُمْ؛ طَبَعَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلَيْها؛ فَجَعَلَها قاسِيَةً …

An-Nisaa 4:155Listen in Qur'an →
156

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَٰنًا عَظِيمًۭا

And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander,

ولَمّا بَيَّنَ كُفْرانَهم بِقَتْلِ الأنْبِياءِ؛ بَيَّنَ كُفْرَهم بِالبُهْتانِ الَّذِي هو سَبَّبُ القَتْلِ؛ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ؛ فَقالَ - مُعَظِّمًا لَهُ بِإعادَةِ العامِلِ -: ﴿وبِكُفْرِهِمْ﴾؛ أيْ: المُطْلَقِ؛ الَّذِي هو سَبَبُ اجْتِرائِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِنَبِيٍّ مُعَيَّنٍ؛ كَمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وعَلى القَذْفِ؛ لِيَكُونَ بَعْضُ كُفْرِهِمْ مَعْطُوفًا عَلى بَعْضٍ آخَرَ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْها مِنَ الكَراماتِ الدّالَّةِ عَلى بَراءَتِها؛ وأنَّها مُلازِمَةٌ لِلْعِبادَةِ بِأنْواعِ الطّاعاتِ؛ ﴿بُهْتانًا عَظِيمًا﴾؛

An-Nisaa 4:156Listen in Qur'an →
157

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا

And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus, the son of Mary, the messenger of Allah." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.

ثُمَّ عَلَّمَهم بِما لَمْ يَنالُوا مِن قَتْلِ أعْظَمِ مَن جاءَ مِن أنْبِيائِهِمْ؛ بِأعْظَمِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ مِن بَعْدِ مُوسى؛ وهو عِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ بِادِّعائِهِمْ لِقَتْلِهِ؛ وصَلْبِهِ؛ افْتِخارًا بِهِ؛ مَعَ شَكِّهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ ثُمَّ تَهَكَّمُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ؛ أيْ: الَّذِي لَهُ أنْهى العَظَمَةِ؛ فَجَمَعُوا بَيْنَ أنْواعٍ مِنَ القَبائِحِ؛ مِنها التَّشَيُّعُ بِما لَمْ يُعْطَوْا؛ ومِنها أنَّهُ - عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِهِمْ - جامِعٌ لِأكْبَرِ الكَبائِرِ مُطْلَقًا؛ وهو الكُفْرُ بِقَتْلِ النَّبِيِّ؛ لِكَوْنِهِ نَبِيًّا؛ وأكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَهُ؛ وهو مُطْلَقُ القَتْلِ؛ ولَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتّى كانُوا يَصِفُونَهُ بِالرِّسالَةِ مُضافَةً إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ اسْتِهْزاءً بِهِ؛ وبِمَن أرْسَلَهُ - عَزَّ اسْمُهُ؛ وجَلَّتْ عَظَمَتُهُ؛ وتَعالى كِبْرِياؤُهُ؛ وتَمَّتْ كَلِماتُهُ؛ ونَفَذَتْ أوامِرُهُ - لِكَوْنِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنهم - عَلى زَعْمِهِمْ - ﴿وما﴾؛ أيْ: والحالَةُ أنَّهم ما ﴿قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾؛ وإنْ كَثُرَ قائِلُو ذَلِكَ مِنهُمْ؛ وسَلَّمَهُ لَهُمُ النَّصارى؛ ﴿ولَكِنْ﴾؛ لَمّا كانَ المَقْصُودُ وُقُوعَ اللَّبْسِ عَلَيْهِمُ؛ الضّارِّ لَهُمْ؛ لا لِكَوْنِهِ مِن مُعَيَّنٍ؛ قالَ: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: فَكانُوا في عَزْمِهِمْ بِذَلِكَ مُتَشَيِّعِينَ بِما لَمْ يُعْطَوْا.

ولَمّا أفْهَمَ التَّشْبِيهُ الِاخْتِلافَ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فاخْتَلَفُوا بِسَبَبِ التَّشْبِيهِ في قَتْلِهِ؛ فَمِنهم مَن قالَ: قَتَلْناهُ؛ جازِمًا؛ ومِنهم مَن قالَ: لَيْسَ هو المَقْتُولَ؛ ومِنهم مَن قالَ: الظّاهِرُ أنَّهُ هُوَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - دالًّا عَلى شَكِّهِمْ بِاخْتِلافِهِمْ -: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أيْ: في قَتْلِهِ؛ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾؛ أيْ: تَرَدُّدٍ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ؛ كُلُّهُمْ؛ وإنْ جَزَمَ بَعْضُهُمْ؛ ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِهِ﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِلْمٍ﴾ ولَمّا كانُوا يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهُمُ اعْتِقادَ ذَلِكَ؛ بِالنَّظَرِ في شَهادَتِهِ؛ فَرُبَّما قَوِيَتْ عِنْدَهم شُبْهَةٌ؛ فَصارَتْ أمارَةً أوْجَبَتْ لَهم - لِشَغَفِهِمْ بِآمالِها - ظَنًّا؛ ثُمَّ اضْمَحَلَّتْ في الحالِ؛ لِكَوْنِها لا حَقِيقَةَ لَها؛ فَعادَ الشَّكُّ؛ وكانَ أبْلَغَ في التَّحَيُّرِ؛ قالَ: ﴿إلا﴾؛ أيْ: لَكِنْ؛ ﴿اتِّباعَ الظَّنِّ﴾؛ أيْ: يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم الِارْتِقاءَ مِن دَرْكِ الشَّكِّ إلى رُتْبَةِ الظَّنِّ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِثْناءِ دُونَ ”لَكِنْ“؛ المَوْضُوعَةِ لِلِانْقِطاعِ؛ إشارَةً إلى أنَّ إدْراكَهم لِما زَعَمُوهُ مِن قَتْلِهِ؛ مَعَ كَوْنِهِ في الحَقِيقَةِ شَكًّا؛ يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم جَعْلَهُ ظَنًّا؛ ثُمَّ يَجْزِمُونَ بِهِ؛ ثُمَّ صارَ عِنْدَهم مُتَواتِرًا قَطْعِيًّا؛ فَلا أجْهَلَ مِنهم.

ولَمّا أخْبَرَ بِشَكِّهِمْ فِيهِ بَعْدَ الإخْبارِ بِنَفْيِهِ؛ أعادَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ؛ فَقالَ: ﴿وما قَتَلُوهُ﴾؛ أيْ: انْتَفى قَتْلُهم لَهُ انْتِفاءً؛ ﴿يَقِينًا﴾؛ أيْ: انْتِفاؤُهُ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ”قَتَلُوهُ“؛ أيْ: ما فَعَلُوا القَتْلَ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ بَلْ فَعَلُوهُ شاكِّينَ فِيهِ؛ والحَقُّ أنَّهم لَمْ يَقْتُلُوا إلّا الرَّجُلَ الَّذِي أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَيْهِ؛ والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِقَوْلِهِ:

An-Nisaa 4:157Listen in Qur'an →
158

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Rather, Allah raised him to Himself. And ever is Allah Exalted in Might and Wise.

﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾؛ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ البالِغَةِ؛ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ؛ رَفَعَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى مَكانٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ حُكْمُ آدَمِيٍّ؛ وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ابْنَ ثَلاثِينَ؛ ورُفِعَ ابْنَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ؛ فَكانَتْ رِسالَتُهُ ثَلاثًا؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ في كُلِّ حالٍ؛ عِنْدَ قَصْدِهِمْ لَهُ؛ وقَبْلَهُ؛ وبَعْدَهُ؛ ﴿عَزِيزًا﴾؛ أيْ: يَغْلِبُ؛ ولا يُغْلَبُ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: إذا فَعَلَ شَيْئًا أتْقَنَهُ؛ بِحَيْثُ لا يَطْمَعُ أحَدٌ في نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ؛ وخَتْمُ الآيَةِ بِما بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما قَرَّرَتْهُ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ؛ وأنَّهُ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ؛ أيْ: إنَّهُ قَدْ فَعَلَ ما يَمْنَعُ مِنَ اسْتِهْزائِكُمْ؛ فَرَفَعَهُ إلَيْهِ بِعِزَّتِهِ؛ وحَفِظَهُ بِحِكْمَتِهِ؛ وسَوْفَ يُنْزِلُهُ بِبالِغِ قُدْرَتِهِ؛ فَيَرُدُّكم عَنْ أهْوائِكُمْ؛ ويَسْفِكُ دِماءَكُمْ؛ ويُبِيدُ خَضْراءَكُمْ؛ ولَهُ في رَفْعِهِ وإدْخالِهِ الشُّبْهَةَ عَلَيْكم حِكْمَةٌ تَدِقُّ عَنْ أفْكارِ أمْثالِكم.

قِصَّةُ رَفْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الإنْجِيلِ المَوْجُودِ اليَوْمَ بَيْنَ أظْهُرِ النَّصارى؛ وهي تَتَضَمَّنُ الإنْذارَ بِالدَّجّالِ؛ والإخْبارَ بِنُزُولِهِ صَعِيدًا؛ والبِشارَةَ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي وصَفَهُ بِـ ”الفارْقَلِيطُ“؛ وبِـ ”الأُرْكُونُ“؛ وأنَّ إخْبارَهم بِقَتْلِهِ؛ وصَلْبِهِ؛ لَيْسَ مُسْتَنِدًا إلّا إلى شَكٍّ - كَما قالَ اللَّهُ (تَعالى)؛ وأحْسَنَ ما رَدَّ عَلى الإنْسانِ بِما يَعْتَقِدُهُ -؛ قالَ مُتَرْجِمُهم في إنْجِيلِ مَتّى: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَخَلَ إلى الهَيْكَلِ في يِرُوشَلِيمَ - وهِيَ القُدْسُ - وجَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأحْبارِ مُحاوَراتٌ؛ كانَ آخِرُها أنْ قالَ لَهُمْ: ”إنِّي أقُولُ لَكُمْ: إنَّكم لا تَرَوْنَنِي الآنَ حَتّى تَقُولُوا: مُبارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ؛ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الهَيْكَلِ؛ فَجاءَ إلَيْهِ تَلامِيذُهُ كَيْ يُرُوهُ بِناءَ الهَيْكَلِ؛ فَأجابَ وقالَ لَهُمْ: انْظُرُوا هَذا كُلَّهُ؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ لا يُتْرَكُ هُنا حَجَرٌ عَلى حَجَرٍ إلّا نُقِضَ؛ ثُمَّ جَلَسَ عَلى جَبَلِ الزَّيْتُونِ - قالَ مُرْقُسُ: قُدّامَ الهَيْكَلِ -: فَجاءَ إلَيْهِ تَلامِيذُهُ قائِلِينَ: قُلْ لَنا: مَتى هَذا؟ وما عَلامَةُ مَجِيئِكَ وانْقِضاءِ الزَّمانِ؟ فَقالَ لَهُمْ:“انْظُرُوا لا يُضِلُّنَّكم أحَدٌ - قالَ مُرْقُسُ ولُوقا: فَإنَّ كَثِيرًا يَأْتُونَ بِاسْمِي قائِلِينَ: إنَّما هو المَسِيحُ؛ ويَضِلُّونَ كَثِيرًا - فَإذا سَمِعْتُمْ بِالحُرُوبِ؛ وأخْبارِ الحُرُوبِ؛ انْظُرُوا لا تَقْلَقُوا؛ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ هَذا كُلُّهُ؛ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلى أُمَّةٍ؛ ومَمْلَكَةٌ عَلى مَمْلَكَةٍ؛ ويَكُونُ خَوْفٌ عَظِيمٌ؛ واضْطِرابٌ؛ وجُوعٌ؛ ووَباءٌ - قالَ لُوقا: وعَلاماتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّماءِ - وزَلازِلُ في أماكِنَ؛ وكُلُّ هَذا أوَّلُ المَخاضِ - وقالَ مُرْقُسُ: وهَذِهِ بِدايَةُ الطَّلْقِ؛ انْظُرُوا أنْتُمْ؛ إنَّهم يُسَلِّمُونَكم إلى المَجامِعِ؛ والمَحافِلِ؛ وتُضْرَبُونَ - وقالَ لُوقا: وقَبْلَ هَذا كُلِّهِ يَضَعُونَ أيْدِيَهم عَلَيْكُمْ؛ ويَطْرُدُونَكم إلى المَجامِعِ والسُّجُونِ؛ وتُقامُونَ أمامَ المُلُوكِ والقُوّادِ؛ شَهادَةً عَلَيْهِمْ؛ وعَلى كُلِّ الأُمَمِ؛ يَنْبَغِي أوَّلًا أنْ يَكْرِزَ بِالإنْجِيلِ؛ فَإذا قَدَّمُوكم وأسْلَمُوكم فَلا تَهْتَمُّوا بِما تَقُولُونَ؛ ولا ماذا تُجِيبُونَ؛ فَإنَّكم تُعْطَوْنَ في تِلْكَ السّاعَةِ الَّذِي تَتَكَلَّمُونَ بِهِ؛ ولَسْتُمُ …

An-Nisaa 4:158Listen in Qur'an →
159

وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in Jesus before his death. And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

ولَمّا أنْجَزَ الكَلامَ إلى أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى هَذا المِنهاجِ البَدِيعِ؛ بِما ذَكَرَ في نَصائِحِ اليَهُودِ؛ وقَبائِحِ أفْعالِهِمْ؛ وأنَّهم قَصَدُوا قَتْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ فَخابَ قَصْدُهُمْ؛ وأُصْلِدَ زَنْدُهُمْ؛ وقالَ رَأْيُهُمْ؛ ورُدَّ عَلَيْهِمْ بَغْيُهُمْ؛ وحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ أعْلى المَناصِبِ؛ وأوْلى المَراتِبِ؛ قالَ - مُحَقِّقًا لِما أثْبَتَهُ في الآيَةِ قَبْلَها مِنَ القَطْعِ بِكَذِبِهِمْ؛ مُثْبِتًا أنَّهم في مُبالَغَتِهِمْ في عَداوَتِهِ سَيَكُونُونَ مِن أتْباعِهِ المُصَدِّقِينَ بِجَمِيعِ أمْرِهِ؛ الَّذِي مِنهُ التَّصْدِيقُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ ومُؤَكِّدًا لَهُ أشَدَّ تَأْكِيدٍ؛ لِما عِنْدَهم مِنَ الإنْكارِ لَهُ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما؛ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾؛ أيْ: أحَدٌ يُدْرِكُ نُزُولَهُ في آخِرِ الزَّمانِ؛ ﴿إلا﴾؛ وعِزَّتِي؛ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ أيْ: بِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ أيْ: مَوْتِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ أيْ: إنَّهُ لا يَمُوتُ حَتّى يَنْزِلَ في آخِرِ الزَّمانِ؛ يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ دِينَ الإسْلامِ؛ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ جَمِيعُ أهْلِ المِلَلِ؛ إشارَةً إلى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنْ كانَ قَدْ أيَّدَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِأنْبِياءَ كانُوا يُجَدِّدُونَ دِينَهُ زَمانًا طَوِيلًا؛ فالنَّبِيُّ الَّذِي نَسَخَ شَرِيعَةَ مُوسى - وهو عِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - هو الَّذِي يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ هَذا النَّبِيَّ العَرَبِيَّ؛ في تَجْدِيدِ شَرِيعَتِهِ؛ وتَمْهِيدِ أمْرِهِ؛ والذَّبِّ عَنْ دِينِهِ؛ ويَكُونُ مِن أُمَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ؛ وأتْباعٍ مُسْتَكْثِرَةٍ؛ أمْرٌ قَضاهُ اللَّهُ في الأزَلِ؛ فَأمْضاهُ؛ فَأطِيلُوا أيُّها اليَهُودُ أوْ أقْصِرُوا؛ فَمَعْنى الآيَةِ إذَنْ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ ما مِن أحَدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ المُخْتَلِفِينَ في عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى شَكٍّ؛ إلّا وهو يُوقِنُ بِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَبْلَ مَوْتِهِ؛ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ؛ أنَّهُ ما قُتِلَ وما صُلِبَ؛ ويُؤْمِنُ بِهِ عِنْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ -؛ رَوى الشَّيْخانِ؛ وأحْمَدُ؛ وأبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ؛ وغَيْرُهُمْ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لِيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا؛ وإمامًا عادِلًا؛ فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ؛ ولَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ؛ ولَيَضَعَنَّ الجِزْيَةَ؛ حَتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الواحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيا وما فِيها“؛ وفي رِوايَةٍ: ”وتَكُونُ السَّجْدَةُ واحِدَةً لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“؛ وفي رِوايَةٍ: ”حَتّى يُهْلِكَ اللَّهُ المِلَلَ كُلَّها؛ غَيْرَ الإسْلامِ؛ فَيُهْلِكُ اللَّهُ في زَمانِهِ المِلَلَ كُلَّها إلّا الإسْلامَ“؛ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ الآيَةَ: مَوْتِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ثُمَّ يُعِيدُها أبُو هُرَيْرَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ - ولَتَذْهَبَنَّ الشَّحْناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ؛ ولَيُدْعَوَنَّ إلى المالِ فَلا يَقْبَلُهُ أحَدٌ؛ وفي رِوايَةٍ: ويَفِيضُ المالُ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ؛ ولِمُسْلِمٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”كَيْفَ بِكم إذا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ؛ وإمامُكم مِنكُمْ؟“؛ وفي رِوايَةٍ: ”فَأمَّكم مِنكُمْ“؛ قالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ - أحَدُ رُواةِ …

An-Nisaa 4:159Listen in Qur'an →
160

فَبِظُلْمٍۢ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا

For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allah many [people],

ولَمّا آذَنَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ في الشَّهادَةِ بِأنَّهُ لا خَيْرَ لَهم في واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ؛ وبِأنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَبِظُلْمِهِمْ“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ - دَلالَةً عَلى أنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً -: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ جِدًّا؛ راسِخٍ؛ ثابِتٍ؛ وهو جامِعٌ لِتَفْصِيلِ نَقْضِ المِيثاقِ؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ بَعْدَ أنْ حَرَّمَتْهُ التَّوْراةُ؛ وقالَ - مُشِيرًا إلى زِيادَةِ تَبْكِيتِهِمْ -: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: تَلَبَّسُوا بِاليَهُودِيَّةِ في الماضِي؛ ادِّعاءً أنَّهم مِن أهْلِ التَّوْراةِ؛ والرُّجُوعِ إلى الحَقِّ؛ ولَمْ يُضْمِرْ؛ تَعْيِينًا لَهُمْ؛ زِيادَةً في تَقْرِيعِهِمْ؛ ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ﴾؛ أيْ: كانَ وقَعَ إحْلالُها في التَّوْراةِ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ كالشُّحُومِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ (تَعالى) في الأنْعامِ.

ولَمّا ذَكَرَ ظُلْمَهم ذَكَرَ مَجامِعَ مِن جُزْئِيّاتِهِ؛ وبَدَأها بِإعْراضِهِمْ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ؛ فَقالَ - مُعِيدًا لِلْعامِلِ؛ تَأْكِيدًا لَهُ -: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أوْضَحَ مِنهُ؛ ولا أسْهَلَ؛ ولا أعْظَمَ؛ لِكَوْنِ الَّذِي نَهَجَهُ لَهُ مِنَ العَظْمَةِ؛ والحِكْمَةِ؛ ما لا يُدْرَكُ؛ و”صَدَّ“؛ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قاصِرًا؛ فَيَكُونَ ﴿كَثِيرًا﴾؛ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ وأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا؛ فَيَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ؛ أيْ: وصَدِّهِمْ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ؛ بِالإضْلالِ عَنِ الطَّرِيقِ؛ فَمُنِعُوا مُسْتَلَذّاتِ تِلْكَ المَآكِلِ؛ بِما مَنَعُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم مِن لَذاذَةِ الإيمانِ.

An-Nisaa 4:160Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.