Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 141–150 of 176

141

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا

Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allah, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allah will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allah give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].

ثُمَّ وصَفَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِما يُعَرِّفُ بِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾؛ أيْ: يَثْبُتُونَ عَلى حالِهِمُ؛ انْتِظارًا لِوُقُوعِ ما يَغِيظُكُمْ؛ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ﴾؛ أيْ: ظُهُورٌ؛ وعِزٌّ؛ وظَفَرٌ؛ وقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها - تَذْكِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يُدِيمُ اعْتِمادَهم عَلَيْهِ؛ وافْتِقارَهم إلَيْهِ -؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ آمَنُوا نِفاقًا لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾؛ أيْ: ظاهِرًا بِأبْدانِنا؛ بِما تَسْمَعُونَ مِن أقْوالِنا؛ فَأشْرِكُونا في فَتْحِكُمْ؛ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: المُجاهِرِينَ؛ وقالَ: ﴿نَصِيبٌ﴾؛ تَحْقِيرًا لِظَفَرِهِمْ؛ وأنَّهُ لا يَضُرُّ بِما حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَتْحِ؛ ﴿قالُوا﴾ لِلْكافِرِينَ؛ لِيُشْرِكُوهم في نَصِيبِهِمْ؛ ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: نَطْلُبْ حِياطَتَكم والمُحافَظَةَ عَلى مَوَدَّتِكُمْ؛ حَتّى غَلَبْنا عَلى جَمِيعِ أسْرارِكُمْ؛ واسْتَوْلَيْنا عَلَيْها؛ وخالَطْناكم مُخالَطَةَ الدَّمِ لِلْبَدَنِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”حاذَهُ“؛ أيْ: حاطَهُ؛ وحافَظَ عَلَيْهِ؛ ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مِن تَسَلُّطِهِمْ عَلَيْكم بِما كُنّا نُخادِعُهم بِهِ؛ ونُشِيعُ فِيهِمْ مِنَ الإرْجافاتِ؛ والأُمُورِ المُرَغِّباتِ الصّارِفَةِ لَهم عَنْ كَثِيرٍ مِنَ المَقاصِدِ؛ لِتَصْدِيقِهِمْ لَنا؛ لِإظْهارِنا الإيمانَ؛ ورِضانا مِن مُداهَنَةِ مَن نَكْرَهُ بِما لا يَرْضاهُ إنْسانٌ.

ولَمّا كانَ هَذا لِأهْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أمْرًا غائِظًا؛ مُقْلِقًا؛ مُوجِعًا؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن جَمِيعِ صِفاتِ العَظَمَةِ؛ ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ والكافِرُونَ؛ المُساتِرُونَ؛ والمُجاهِرُونَ.

ولَمّا كانَ الحُكْمُ في الدّارَيْنِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ في الدّارِ الَّتِي لا يَظْهَرُ فِيها لِأحَدٍ غَيْرِهِ أمْرٌ؛ ظاهِرًا ولا باطِنًا؛ وتَظْهَرُ فِيها جَمِيعُ المُخَبَّآتِ؛ فَقالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أيْأسَهم مِنَ الدُّنْيا؛ قالَ: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّأْكِيدِ؛ وبِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ لِاسْتِبْعادِ الغَلَبَةِ عَلى الكَفَرَةِ؛ لِما لَهم في ذَلِكَ الزَّمانِ مِنَ القُوَّةِ؛ والكَثْرَةِ؛ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: سَواءٌ كانُوا مُساتِرِينَ؛ أوْ مُجاهِرِينَ؛ ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ ﴿سَبِيلا﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ؛ في دُنْيا؛ ولا آخِرَةٍ؛ وهَذا تَسْفِيهٌ لِآرائِهِمْ؛ واسْتِخْفافٌ بِعُقُولِهِمْ؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ”يا أيُّها المُتَرَبِّصُونَ بِأحْبابِ اللَّهِ الدَّوائِرَ؛ المُتَمَنُّونَ لِأعْدائِهِ النَّصْرَ - وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى أنَّ العِزَّةَ جَمِيعًا لِلَّهِ - ما أضَلَّكم في ظَنِّكم أنَّهُ يَخْذُلُ أوْلِياءَهُ! وما أغْلَظَ أكْبادَكُمْ!“؛ ويَدْخُلُ في عُمُومِها أنَّهُ لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ؛ ولا يَمْلِكُ كافِرٌ مالَ مُسْلِمٍ قَهْرًا؛

An-Nisaa 4:141Listen in Qur'an →
142

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allah, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allah except a little,

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ صُورَتَهم في ضَرْبِهِمُ الشُّقَّةَ بِالوَجْهَيْنِ صُورَةُ المُخادِعِ؛ وما أضَلَّهم حَيْثُ خادَعُوا مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الخِداعُ؛ لِعِلْمِهِ بِالخَفايا؛ فَقالَ - مُعَلِّلًا لِمَنعِهِمُ السَّبِيلَ -: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ﴾؛ لِإظْهارِهِمْ لِكُلِّ مَن غَلَبَ أنَّهم مِنهُ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ بِإظْهارِ ما يَسُرُّ؛ وإبْطانِ ما يَضُرُّ؛ فِعْلَ المُخادِعِ مَعَ مَن لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ؛ وهم يَخْدَعُونَ المُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ الإيمانِ؛ وإبْطانِ الكُفْرِ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَهُمْ؛ فَكَأنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَهُ؛ وهو ﴿خادِعُهُمْ﴾؛ بِاسْتِدْراجِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أخْذِهِمْ مِن مَأْمَنِهِمْ؛ وهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى خَدْعِهِ بِوَجْهٍ؛ ﴿وإذا﴾؛ أيْ: يُخادِعُونَهُ والحالُ أنَّهم قَدْ فَضَحُوا أنْفُسَهم بِما أظْهَرَ مَكْرَهم لِلْمُسْتَبْصِرِينَ؛ وهو أنَّهم إذا ﴿قامُوا إلى الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: المَكْتُوبَةِ؛ ﴿قامُوا كُسالى﴾ مُتَقاعِسِينَ؛ مُتَثاقِلِينَ عادَةً؛ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها؛ بِحَيْثُ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنهم كُلُّ مَن تَأمَّلَهُمْ؛ لِأنَّهم يَرَوْنَ أنَّها تَعَبٌ مِن غَيْرِ أرَبٍ؛ فالدّاعِي إلى تَرْكِها - وهو الرّاحَةُ - أقْوى مِنَ الدّاعِي إلى فِعْلِها؛ وهو خَوْفُ النّاسِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما لَهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ فَقالَ: ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَراهُمُ النّاسُ؛ لَيْسَ إلّا؛ لِيَظُنُّوهم مُؤْمِنِينَ؛ ويُرِيَهُمُ النّاسُ لِأجْلِ ذَلِكَ ما يَسُرُّهم مِن عَدِّهِمْ في عِدادِ المُؤْمِنِينَ؛ لِما يُرُونَ هُمُ المُؤْمِنِينَ حِينَ يُصَلُّونَ؛ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ في الصَّلاةِ وغَيْرِها؛ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ أيْ: حَيْثُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ طَرِيقًا لِمُخادَعَتِهِمْ؛ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ

An-Nisaa 4:142Listen in Qur'an →
143

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

Wavering between them, [belonging] neither to the believers nor to the disbelievers. And whoever Allah leaves astray - never will you find for him a way.

﴿مُذَبْذَبِينَ﴾؛ أيْ: مُضْطَرِبِينَ؛ كَما يَضْطَرِبُ الشَّيْءُ الخَفِيفُ المُعَلَّقُ في الهَواءِ؛ وحَقِيقَةً: الَّذِي يَذُبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ ذَبًّا عَظِيمًا.

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى إيمانِهِمْ تارَةً؛ وكُفْرِهِمْ أُخْرى؛ قالَ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الإيمانِ؛ والكُفْرِ؛ ولَمّا كانَ الإيمانُ يَدُلُّ عَلى أهْلِهِ؛ والكُفْرُ كَذَلِكَ؛ قالَ: ﴿لا إلى﴾؛ أيْ: لا يَجِدُونَ سَبِيلًا مَفَرًّا إلى ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: المُؤْمِنِينَ؛ ﴿ولا إلى هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الكافِرِينَ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهُمْ“؛ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ: الشّامِلُ القُدْرَةِ؛ الكامِلُ العِلْمِ؛ ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿لَهُ سَبِيلا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا إلى شَيْءٍ يُرِيدُهُ.

An-Nisaa 4:143Listen in Qur'an →
144

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًا

O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allah against yourselves a clear case?

ولَمّا انْقَضى ما أرادَ مِنَ الإنْكارِ عَلى مَنِ ادَّعى الإيمانَ في اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ؛ المُسْتَلْزِمِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ الِاتِّخاذِ؛ صَرَّحَ بِهِ مُخاطِبًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ؛ صِدْقًا أوْ كَذِبًا؛ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم غَيْرَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى السَّلِيمَةُ؛ فَتَأْخُذُوا ﴿الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ؛ الغَرِيقِينَ فِيهِ؛ ﴿أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: أقْرِباءَ؛ تَفْعَلُونَ مَعَهم مِنَ الوُدِّ والنُّصْرَةِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ.

ولَمّا كانَ الغَرِيقُ في الإيمانِ أعْلى النّاسِ؛ وكانَ تَحْتَ رُتْبَتِهِ رُتَبٌ مُتَكاثِرَةٌ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ؛ وعَلى دَناءَةِ مَقْصِدِهِمْ؛ بِالجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَصِحُّ لِمَن يُوالِيهِمْ دَعْوى الإيمانِ؛ ولِذَلِكَ قالَ مُنْكِرًا: ﴿أتُرِيدُونَ﴾؛ أيْ: بِمُوالاتِهِمْ؛ ﴿أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا تُطاقُ سَطْوَتُهُ؛ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: في النِّسْبَةِ إلى النِّفاقِ؛ ﴿سُلْطانًا﴾؛ أيْ: دَلِيلًا واضِحًا عَلى كُفْرِكُمْ؛ بِاتِّباعِكم غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿مُبِينًا﴾؛ واضِحًا؛ مُسَوِّغًا لِعِقابِكُمْ؛ وخِزْيِكُمْ؛ وجَعْلِكم في زُمْرَةِ المُنافِقِينَ.

An-Nisaa 4:144Listen in Qur'an →
145

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

ولَمّا نَهاهم عَنْ فِعْلِ المُنافِقِينَ اسْتَأْنَفَ بَيانَ جَزائِهِمْ عِنْدَهُ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ﴾؛ أيْ: البَطْنِ؛ والمَنزِلِ؛ ﴿الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ أخْفى ما في النّارِ؛ وأسْتَرُهُ؛ وأدْناهُ؛ وأوْضَعُهُ؛ كَما أنَّ كُفْرَهم أخْفى الكُفْرِ وأدْناهُ؛ وهو أيْضًا أخْبَثُ طَبَقاتِ النّارِ؛ كَما أنَّ كُفْرَهم أخْبَثُ أنْواعِ الكُفْرِ؛ وفِيهِ أنَّ مِنَ السُّلْطانِ وضْعُ فاعِلِ ذَلِكَ في دارِ المُنافِقِينَ؛ لِفِعْلِهِ مِثْلَ فِعْلِهِمْ؛ ومَن تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهو مِنهُمْ؛ وسُمِّيَتْ طَبَقاتُ النّارِ أدْراكًا لِأنَّها مُتَدارِكَةٌ؛ مُتَتابِعَةٌ إلى أسْفَلَ؛ كَما أنَّ الدَّرَجَ مُتَراقِيَةٌ إلى فَوْقَ.

ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم مِن هَذا المَحَلِّ الضَّنْكِ؛ أخْبَرَ بِدَوامِهِ لَهُمْ؛ عَلى وجْهٍ مُؤْلِمٍ جِدًّا؛ فَقالَ: ﴿ولَنْ تَجِدَ﴾؛ أيْ: أبَدًا؛ ﴿لَهم نَصِيرًا﴾؛ وأشارَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوالاتِهِمْ؛ وعَدَمِ نَصْرِهِمْ؛ إلى خِتامِ أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِنَ الكافِرِينَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]

An-Nisaa 4:145Listen in Qur'an →
146

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allah, and are sincere in their religion for Allah, for those will be with the believers. And Allah is going to give the believers a great reward.

ولَمّا كانَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الغُفْرانَ لِلْكافِرِ - أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُنافِقًا أوْ لا - مُتَعَذِّرٌ؛ وأتْبَعَهُ ما لاءَمَهُ؛ إلى أنْ خَتَمَ بِما دَلَّ عَلى أنَّ النِّفاقَ أغْلَظُ أنْواعِ الكُفْرِ؛ اسْتَثْنى مِنهُ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكَفَرَةِ في هَذا الِاسْتِثْناءِ أوْلى؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ المُبالَغَ فِيهِ إنَّما هو لِمَن ماتَ عَلى ذَلِكَ؛ ولَكِنَّهُ سِيقَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ تَهْوِيلًا لِما ذَكَرَهُ في حَيِّزِهِ؛ وتَنْفِيرًا مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ؛ بِالنَّدَمِ والإقْلاعِ؛ ﴿وأصْلَحُوا﴾؛ أيْ: أعْمالَهُمُ الظّاهِرَةَ؛ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي كانُوا يُراؤُونَ فِيها؛ وغَيْرِها؛ بِالإقْلاعِ عَنِ النِّفاقِ؛ ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: اجْتَهَدُوا في أنْ تَكُونَ عِصْمَتُهم - أيْ: ارْتِباطُهم - بِالمَلِكِ الأعْظَمِ؛ في عَدَمِ العَوْدِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ الإقْلاعُ عَنِ النِّفاقِ - الَّذِي مِن أنْواعِهِ الرِّياءُ - أصْلًا؛ ورَأْسًا - في غايَةِ العُسْرِ؛ قالَ - حَثًّا عَلى مُجاهَدَةِ النَّفْسِ فِيهِ -: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهُمْ﴾؛ أيْ: كُلَّهُ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلَمْ يُرِيدُوا بِشَيْءٍ مِن عِبادَتِهِمْ غَيْرَ وجْهِهِ؛ لا رِياءً ولا غَيْرَهُ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم وصْفًا راسِخًا في الجَنَّةِ؛ وإنْ عُذِّبُوا عَلى مَعاصِيهِمْ؛ فَفي الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنَ النّارِ؛ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ وإنْ أصابَهم قَبْلَ ذَلِكَ ما أصابَهُمْ؛ وإنْ طالَ عَذابُهُمْ؛ تَهْذِيبًا لَهم مِنَ المَعاصِي؛ بِما أشارَ إلَيْهِ لَفْظُ ”سَوْفَ“؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: بِالخُلُودِ في الجَنَّةِ؛ الَّتِي لا يَنْقَضِي نَعِيمُها؛ ولا يَتَكَدَّرُ يَوْمًا نَزِيلُها؛ فَيُشارِكُهم مَن كانَ مَعَهُمْ؛ لِأنَّهُمُ القَوْمُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهم.

An-Nisaa 4:146Listen in Qur'an →
147

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا

What would Allah do with your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allah Appreciative and Knowing.

ولَمّا كانَ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ لا يُعَذِّبُهُمْ؛ وأنَّهم يَجِدُونَ الشَّفِيعَ بِإذْنِهِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِنْتاجِ؛ مُنْكِرًا عَلى مَن ظَنَّ أنَّهُ لا يَقْبَلُهم بَعْدَ الإغْراقِ في المَهالِكِ -: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو المُتَّصِفُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي مِنها الغِنى المُطْلَقُ؛ ﴿بِعَذابِكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ؛ فَإنَّهُ لا يَجْلِبُ لَهُ نَفْعًا؛ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ضُرًّا؛ ولَمّا كانَ الخِطابُ مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ قالَ: ﴿إنْ شَكَرْتُمْ﴾؛ أيْ: نِعَمَهُ؛ الَّتِي مِن أعْظَمِها إنْزالُ الكِتابِ الهادِي إلى الرَّشادِ؛ المُنْقِذِ مِن كُلِّ ضَلالٍ؛ المُبَيِّنِ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ؛ فَأدّاكُمُ التَّفَكُّرُ في حالِها إلى مَعْرِفَةِ مُسْدِيها؛ فَأذْعَنْتُمْ لَهُ؛ وهُرِعْتُمْ إلى طاعَتِهِ؛ بِالإخْلاصِ في عِبادَتِهِ؛ وأُبْعِدْتُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

ولَمّا كانَ الشُّكْرُ هو الحامِلَ عَلى الإيمانِ؛ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ لا يُقْبَلُ إلّا بِهِ؛ قالَ: ﴿وآمَنتُمْ﴾؛ أيْ: بِهِ إيمانًا خالِصًا؛ مُوافِقًا فِيهِ القَلْبُ ما أظْهَرَهُ اللِّسانُ؛ ولَمّا كانَ مَعْنى الإنْكارِ أنَّهُ لا يُعَذِّبُكُمْ؛ بَلْ يَشْكُرُ ذَلِكَ؛ قالَ - عاطِفًا عَلَيْهِ -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿شاكِرًا﴾؛ لِمَن شَكَرَهُ؛ بِإثابَتِهِ عَلى طاعَتِهِ فَوْقَ ما يَسْتَحِقُّهُ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ بِمَن عَمِلَ لَهُ شَيْئًا؛ وإنْ دَقَّ؛ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ سَهْوٌ ولا غَلَطٌ؛ ولا اشْتِباهٌ.

An-Nisaa 4:147Listen in Qur'an →
148

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا

Allah does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allah Hearing and Knowing.

ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ما أرادَ؛ مِن تَقْبِيحِ حالِ المُجالِسِينَ الخائِضِينَ في آياتِهِ؛ بِما هي مُنَزَّهَةٌ عَنْهُ؛ ومِمّا يَتْبَعُهُ مِن وصْفِهِمْ؛ وبَيانِ قَصْدِهِمْ بِتِلْكَ المُجالَسَةِ؛ مِنَ النَّهْيِ عَنْ مِثْلِ حالِهِمْ؛ ومِن جَزاءِ مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ - إلى أنْ خَتَمَ بِأشَدِّ عَذابِ المُنافِقِينَ؛ وحَثَّ عَلى التَّوْبَةِ بِما خَتَمَهُ بِصِفَتَيِ الشُّكْرِ؛ والعِلْمِ؛ أخْبَرَ أنَّهُ يُبْغِضُ خَوْضَ الكافِرِينَ؛ الَّذِينَ قَبَّحَ مُجالَسَتَهم حالَ التَّلَبُّسِ بِهِ؛ وكَذا كُلَّ جَهْرٍ بِسُوءٍ؛ إلّا ما اسْتَثْناهُ؛ فَمَن أقْدَمَ عَلى ما لا يُحِبُّهُ؛ لَمْ يَقُمْ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ؛ فَقالَ - مُعَلِّلًا ما مَضى؛ قَبْلَ افْتِتاحِ أمْرِ المُنافِقِينَ؛ مِنَ الأمْرِ بِإحْسانِ التَّحِيَّةِ -: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿الجَهْرَ﴾؛ أيْ: ما يَظْهَرُ؛ فَيَصِيرُ في عِدادِ الجَهْرِ؛ ﴿بِالسُّوءِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَسُوءُ؛ ويُؤْذِي؛ ﴿مِنَ القَوْلِ﴾؛ أيْ: لِأحَدٍ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن شُكْرِ اللَّهِ (تَعالى) في الإحْسانِ إلى عِبادِهِ؛ وعِيالِهِ؛ ولا مِن شُكْرِ النّاسِ في شَيْءٍ؛ ولا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ؛ ﴿إلا مَن﴾؛ أيْ: جَهَرَ مَن؛ ﴿ظُلِمَ﴾؛ أيْ: كانَ مِن أحَدٍ مِنَ النّاسِ ظُلْمٌ إلَيْهِ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الجَهْرُ بِشَكْواهُ؛ والتَّظَلُّمُ مِنهُ؛ والدُّعاءُ عَلَيْهِ؛ وإنْ ساءَهُ ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ لا يَعْتَدِي.

ولَمّا كانَ القَوْلُ مِمّا يُسْمَعُ؛ وكانَ مِنَ الظُّلْمِ ما قَدْ يَخْفى؛ قالَ -مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿سَمِيعًا﴾؛ أيْ: لِكُلِّ ما يُمْكِنُ سَماعُهُ؛ مِن جَهْرٍ وغَيْرِهِ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ؛ فاحْذَرُوهُ؛ لِئَلّا يَفْعَلُ بِكم فِعْلَ السّاخِطِ؛ وجَهْرُ مَن ظُلِمَ - وإنْ كانَ داخِلًا فِيما يُحِبُّهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا - لَكِنَّ جَعْلَهُ مِن جُمْلَةِ السُّوءِ؛ وإنْ كانَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ؛ فَإنَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ؛ وهي نَهْيُ الفَطِنِ عَنْ تَعاطِيهِ؛ وحَثُّهُ عَلى العَفْوِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ فِعْلَهُ بِحَيْثُ يَنْطَلِقُ اسْمُ السُّوءِ - عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ إطْلاقُهُ - كَفَّ عَنْهُ؛ إنْ كانَ مُوَفَّقًا.

An-Nisaa 4:148Listen in Qur'an →
149

إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّۭا قَدِيرًا

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allah is ever Pardoning and Competent.

ولَمّا كانَتْ مَعاقِدُ الخَيْراتِ عَلى كَثْرَتِها؛ مُنْحَصِرَةً في قِسْمَيْنِ: إيصالِ النَّفْعِ؛ إبْداءً وإخْفاءً؛ ودَفْعِ الضَّرَرِ؛ فَكانَ قَدْ أشارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى العَفْوِ؛ وخَتَمَ بِصِفَتَيِ السَّمْعِ؛ والعِلْمِ؛ قالَ - مُصَرِّحًا بِالنَّدْبِ إلى العَفْوِ؛ والإحْسانِ؛ فَكانَ نادِبًا إلَيْهِ مَرَّتَيْنِ: الأُولى بِطَرِيقِ الإشارَةِ لِأُولِي البِصارَةِ؛ والثّانِيَةُ بِطَرِيقِ العِبارَةِ؛ لِلرّاغِبِينَ في التِّجارَةِ؛ حَثًّا عَلى الأحَبِّ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - والأفْضَلِ عِنْدَهُ؛ والأدْخَلِ في بابِ الكَرَمِ -: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾؛ أيْ: مِن قَوْلٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾؛ أيْ: تَفْعَلُوهُ خُفْيَةً ابْتِداءً؛ أوْ في مُقابَلَةِ سُوءِ فِعْلٍ إلَيْكُمْ؛ ولَمّا ذَكَرَ فِعْلَ الخَيْرِ؛ أتْبَعَهُ نَوْعًا مِنهُ؛ هو أفْضَلُهُ؛ فَقالَ: ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾؛ أيْ: فِعْلٍ بِكُمْ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”يَعْلَمْهُ؛ بِما لَهُ مِن صِفَتَيِ السَّمْعِ؛ والعِلْمِ؛ فَيُجازِيَ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أفْضَلَ مِنهُ؛ وعَفْوٍ أعْظَمَ مِن عَفْوِكُمْ“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ﴾ ؛ أيْ: فَأنْتُمْ جَدِيرُونَ بِالعَفْوِ؛ بِسَبَبِ عِلْمِكم بِأنَّ ﴿اللَّهَ كانَ﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿عَفُوًّا﴾؛ ولَمّا كانَ تَرْكُ العِقابِ لا يُسَمّى عَفْوًا؛ إلّا إذا كانَ مِن قادِرٍ؛ وكانَ الكَفُّ - عِنْدَ القُدْرَةِ عَنْ الِانْتِقامِ؛ مِمَّنْ أثَّرَ في القُلُوبِ الآثارَ العِظامَ - بَعِيدًا؛ شاقًّا عَلى النَّفْسِ؛ شَدِيدًا؛ قالَ (تَعالى) - مُذَكِّرًا لِلْعِبادِ بِذُنُوبِهِمْ إلَيْهِ؛ وقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ -: ﴿قَدِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ العَفْوِ عَنْ كُلِّ ما يُرِيدُ العَفْوَ عَنْهُ مِن أفْعالِ الجانِينَ؛ والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ؛ ومَن يُرِيدُ؛ فالَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْ ذَنْبٍ؛ وعَجْزٍ؛ أوْلى بِالعَفْوِ؛ طَمَعًا في عَفْوِ القادِرِ عَنْهُ؛ وخَوْفًا مِنَ انْتِقامِهِ مِنهُ؛ وتَخَلُّقًا بِخُلُقِهِ العَظِيمِ؛ واقْتِداءً بِسُنَّتِهِ.

An-Nisaa 4:149Listen in Qur'an →
150

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا

Indeed, those who disbelieve in Allah and His messengers and wish to discriminate between Allah and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

ولَمّا انْقَضى ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ؛ وأحْسَنِ سِياقٍ ونَحْوٍ؛ وخَتَمَ بِصِفَتَيِ العَفْوِ؛ والقُدْرَةِ؛ شَرَعَ في بَيانِ أحْوالِ مَن لا يُعْفى عَنْهُ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وبَيانِ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا المُنافِقِينَ؛ بِما يُلْقُونَ إلَيْهِمْ مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي وسَّعَ عُقُولَهم لَها ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِنَ العِلْمِ؛ فَأبْدَوُا الشَّرَّ؛ وكَتَمُوا الخَيْرَ؛ فَوَضَعُوا نِعْمَتَهُ حَيْثُ يَكْرَهُ؛ ثُمَّ كَشَفَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَعْضَ شُبَهِهِمْ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِما افْتَتَحَ بِهِ قَصَصَهُمْ؛ مِن أنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى؛ ويُرِيدُونَ ضَلالَ غَيْرِهِمْ؛ بَعْدَ أنْ كانَ خَتَمَ هُناكَ ما قَبْلَ قَصَصِهِمْ بِقَوْلِهِ: ”عَفُوًّا قَدِيرًا“ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: يَسْتُرُونَ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الِاخْتِصاصُ بِالجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ ولَمّا ذَكَرَ آخِرَ أمْرِهِمْ؛ ذَكَرَ السَّبَبَ المُوقِعَ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ: فَيُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ؛ ويُكَذِّبُونَ بِبَعْضِ الرُّسُلِ؛ فَيَنْفُونَ رِسالاتِهِمُ؛ المُسْتَلْزِمَ لِنِسْبَتِهِمْ إلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ؛ المُقْتَضِيَ لِكَوْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَرِيئًا مِنهم.

ولَمّا ذَكَرَ الإرادَةَ؛ ذَكَرَ ما نَشَأ عَنْها؛ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾؛ أيْ: مِنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ؛ كاليَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وغَيْرِهِ؛ إلّا عِيسى؛ ومُحَمَّدًا ﷺ؛ فَكَفَرُوا بِهِما؛ ﴿ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾؛ أيْ: مِن ذَلِكَ؛ وهُمُ الرُّسُلُ؛ كَمُحَمَّدٍ ﷺ؛ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفُوا أنْ يَأْخُذُوا؛ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الإيمانِ؛ والكُفْرِ؛ ﴿سَبِيلا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا يَكْفُرُونَ بِهِ؛ وعَطْفُ الجُمَلِ بِالواوِ - وإنْ كانَ بَعْضُها سَبَبًا لِبَعْضٍ - إشارَةٌ إلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِالوَصْفِ بِكُلٍّ مِنها عَلى انْفِرادِهِ؛ وأنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ كافِيَةٌ في نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ؛ وقَدَّمَ نَتِيجَتَها؛ وخَتَمَ بِالحُكْمِ بِها؛ عَلى وجْهٍ أضْخَمَ؛ تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ؛ وأصْلُ الكَلامِ: ”أرادُوا سَبِيلًا بَيْنَ سَبِيلَيْنِ؛ فَقالُوا: نَكْفُرُ بِبَعْضٍ؛ فَأرادُوا التَّفْرِقَةَ؛ فَكَفَرُوا كُفْرًا هو في غايَةِ الشَّناعَةِ عَلى عِلْمٍ مِنهُمْ“؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ:

An-Nisaa 4:150Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.