Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 141–150 of 176

141

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا

Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allah, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allah will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allah give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].

﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ المَعْنى الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ بِكم ما يَتَجَدَّدُ مِنَ الأحْوالِ مَن ظَفَرٍ لَكم أوْ بِكم؛ فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ مُظاهِرِينَ. والمَعْنى: فَأسْهِمُوا لَنا بِحُكْمِ أنَّنا مُؤْمِنُونَ، وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ أيِ اليَهُودِ نَصِيبٌ؛ أيْ نَيْلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالُوا: ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ ألَمْ نَغْلِبْكم، ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم، وأبْقَيْنا عَلَيْكم، ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ ثَبَّطْناهم عَنْكم، فَأسْهِمُوا لَنا بِحُكْمِ أنَّنا نُوالِيكم فَلا نُؤْذِيكم ولا نَتْرُكُ أحَدًا يُؤْذِيكم. قِيلَ المَعْنى أنَّ الكُفّارَ واليَهُودَ هَمُّوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَحَذَّرَهُمُ المُنافِقُونَ عَنْ ذَلِكَ، وبالَغُوا في تَنْفِيرِهِمْ سَيَضْعُفُ أمْرُ الرَّسُولِ، فَمَنُّوا عَلَيْهِمْ عِنْدَ حُصُولِ نَصِيبٍ لَهم بِأنَّهم قَدْ أرْشَدُوهم لِهَذِهِ المَصالِحِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ونَمْنَعْكم مِنَ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ والدُّخُولِ في دِينِهِمْ؛ فَأسْهِمُوا لَنا. وقِيلَ المَعْنى ألَمْ نُخْبِرْكم بِأمْرِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، ونُطْلِعْكم عَلى سِرِّهِمْ ؟ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ألَمْ نَحُطَّ مِن ورائِكم ؟ والَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ، أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ رَفْعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ مَحْذُوفٌ. وسَمّى تَعالى ظَفَرَ المُؤْمِنِينَ فَتْحًا عَظِيمًا لَهم، وجَعَلَ مَنَّهُ تَعالى فَقالَ: فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ، وظَفَرَ الكافِرِينَ نَصِيبًا، ولَمْ يَنْسُبْهُ إلَيْهِ تَعالى تَحْقِيرًا لَهم، وتَخْسِيسًا لِما نالُوهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ظَفَرَ المُؤْمِنِينَ أمْرٌ عَظِيمٌ تُفْتَحُ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ، كَما قالَ أبُو تَمّامٍ في فَتْحِ المُعْتَصِمِ عَمُّورِيَّةَ بِلادَ الرُّومِ:

؎فَتْحٌ تُفَتَّحُ أبْوابُ السَّماءِ لَهُ وتَبْرُزُ الأرْضُ في أثْوابِها القُشُبِ

وأمّا ظَفَرُ الكافِرِينَ فَهو حَظٌّ دُنْيَوِيٌّ يُصِيبُونَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ونَمْنَعَكم بِنَصْبِ العَيْنِ بِإضْمارٍ بَعْدَ واوِ الجَمْعِ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْمَعْ بَيْنَ الِاسْتِحْواذِ عَلَيْكم، ومَنعِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:

؎ألَمْ أكُ جارَكم ويَكُونَ بَيْنِي ∗∗∗ وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَمْنَعَكم بِفَتْحِ العَيْنِ عَلى الصَّرْفِ، انْتَهى. يَعْنِي الصَّرْفَ عَنِ التَّشْرِيكِ لِما بَعْدَها في إعْرابِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها، ولَيْسَ النَّصْبُ عَلى الصَّرْفِ مِنَ اصْطِلاحِ البَصْرِيِّينَ. وقَرَأ أُبَيٌّ: ومَنَعْناكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى التَّقْدِيرِ: لِأنَّ المَعْنى أما اسْتَحْوَذْنا عَلَيْكم ومَنَعْناكم كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ﴿ووَضَعْنا﴾ [الشرح: ٢] . إذِ المَعْنى: أما شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا.

﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ وبَيْنَهم ويُنْصِفُكم مِن جَمِيعِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ لا عَطْفَ، ومَعْنى بَيْنَكم أيْ: بَيْنَ الجَمْعِ مِنكم ومِنهم، وغَلَبَ الخِطابُ. وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وأُنْسٌ بِما وعَدَهم بِهِ.

﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ؛ قالَهُ: عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْ سُبَيْعٍ الحَضْرَمِيِّ قالَ: كُنْتُ …

An-Nisaa 4:141Listen in Qur'an →
142

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allah, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allah except a little,

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ . الكَسَلُ: التَّثاقُلُ والتَّثَبُّطُ والفُتُورُ عَنِ الشَّيْءِ. ويُقالُ: أكْسَلَ الرَّجُلُ إذا جامَعَ فَأدْرَكَهُ الفُتُورُ ولَمْ يُنْزِلْ. الذَّبْذَبَةُ: الِاضْطِرابُ بِحَيْثُ لا يَبْقى عَلى حالٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والتَّرَدُّدُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. وقالَ النّابِغَةُ:

؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مُلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ

وقالَ آخَرُ:

؎خَيالٌ لِأُمِّ السَّلْسَبِيلِ ودُونَها ∗∗∗ مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذَبِ

بِكَسْرِ الثّانِيَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ؛ أيِ القَلَقُ الَّذِي لا يَثْبُتُ. قِيلَ وأصْلُهُ الذَّبُّ، وهو ثُلاثِيُّ الأصْلِ ضُعِّفَ فَقِيلَ ذَبَبَ، ثُمَّ أُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضَعَّفَيْنِ، وهي الباءُ الثّانِيَةُ ذالًا؛ فَقِيلَ ذَبْذَبَ، وهَذا عَلى أصْلِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا البَصْرِيُّونَ فَهو عِنْدَهم رُباعِيٌّ كَدَحْرَجَ.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرٌ يُخادِعُونَ اللَّهَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. ومَعْنى، وهو خادِعُهم؛ أيْ مُنْزِلٌ الخِداعَ بِهِمْ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ عُقُوبَةٍ سَمّاها بِاسْمِ الذَّنْبَ. فَعُقُوبَتُهم في الدُّنْيا ذُلُّهم، وخَوْفُهم، وفي الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا الخِداعُ هو أنَّهُ تَعالى يُعْطِي هَذِهِ الأُمَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا لِكُلِّ إنْسانٍ مُؤْمِنٍ أوْ مُنافِقٍ؛ فَيَفْرَحُ المُنافِقُونَ، ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا، فَإذا جاءُوا إلى الصِّراطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ، ونَهَضَ المُؤْمِنُونَ. وذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم، وذَلِكَ هو الخِداعُ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُنافِقِينَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو خادِعُهم، وهو فاعِلٌ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ؛ حَيْثُ تَرَكَهم مَعْصُومِينَ الدِّماءَ والأمْوالَ في الدُّنْيا، وأعَدَّ لَهُمُ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ، ولَمْ يُخْلِهِمْ في العاجِلِ مِن فَضِيحَةٍ وإحْلالِ بَأْسٍ ونِقْمَةٍ ورُعْبٍ دائِمٍ. والخادِعُ مِن خَدَعْتُهُ إذا غَلَبْتَهُ، وكُنْتَ أخْدَعَ مِنهُ، انْتَهى. وبَعْضُهُ مُسْتَرَقٌ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا أمَرَ بِقَبُولِ ما أظْهَرُوا كانَ خادِعًا لَهم بِذَلِكَ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ: خادِعْهم بِإسْكانِ العَيْنِ عَلى التَّخْفِيفِ، واسْتِثْقالِ الخُرُوجِ مِن كَسْرٍ إلى ضَمٍّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) . وقالَ أبُو البَقاءِ: هو في مَوْضِعِ الحالِ.

﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ أيْ مُتَوانِينَ لا نَشاطَ لَهم فِيها؛ لِأنَّهم إنَّما يُصَلُّونَ تَسَتُّرًا وتَكَلُّفًا، ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَحَرَّزَ مِن هَذِهِ الخَصْلَةِ الَّتِي ذَمَّ المُنافِقُونَ، وأنْ يُقْبِلَ إلى صَلاتِهِ بِنَشاطٍ وفَرَغِ قَلْبٍ، وتَمَهُّلٍ في فِعْلِها، ولا يَتَقاعَسُ عَنْها فِعْلَ المُنافِقِ الَّذِي يُصَلِّي عَلى كُرْهٍ، لا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ورَغْبَةٍ. وما زالَ في كُلِّ عَصْرٍ مُنافِقُونَ يَتَسَتَّرُونَ بِالإسْلامِ، ويَحْضُرُونَ الصَّلَواتِ كالمُتَفَلْسِفِينَ المَوْجُودِينَ في عَصْرِنا هَذا، وقَدْ أشارَ بَعْضُ عُلَمائِنا إلَيْهِمْ في شِعْرٍ قالَهُ، وضَمَّنَ فِيهِ بَعْضَ …

An-Nisaa 4:142Listen in Qur'an →
143

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

Wavering between them, [belonging] neither to the believers nor to the disbelievers. And whoever Allah leaves astray - never will you find for him a way.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ . الكَسَلُ: التَّثاقُلُ والتَّثَبُّطُ والفُتُورُ عَنِ الشَّيْءِ. ويُقالُ: أكْسَلَ الرَّجُلُ إذا جامَعَ فَأدْرَكَهُ الفُتُورُ ولَمْ يُنْزِلْ. الذَّبْذَبَةُ: الِاضْطِرابُ بِحَيْثُ لا يَبْقى عَلى حالٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والتَّرَدُّدُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. وقالَ النّابِغَةُ:

؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مُلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ

وقالَ آخَرُ:

؎خَيالٌ لِأُمِّ السَّلْسَبِيلِ ودُونَها ∗∗∗ مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذَبِ

بِكَسْرِ الثّانِيَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ؛ أيِ القَلَقُ الَّذِي لا يَثْبُتُ. قِيلَ وأصْلُهُ الذَّبُّ، وهو ثُلاثِيُّ الأصْلِ ضُعِّفَ فَقِيلَ ذَبَبَ، ثُمَّ أُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضَعَّفَيْنِ، وهي الباءُ الثّانِيَةُ ذالًا؛ فَقِيلَ ذَبْذَبَ، وهَذا عَلى أصْلِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا البَصْرِيُّونَ فَهو عِنْدَهم رُباعِيٌّ كَدَحْرَجَ.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرٌ يُخادِعُونَ اللَّهَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. ومَعْنى، وهو خادِعُهم؛ أيْ مُنْزِلٌ الخِداعَ بِهِمْ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ عُقُوبَةٍ سَمّاها بِاسْمِ الذَّنْبَ. فَعُقُوبَتُهم في الدُّنْيا ذُلُّهم، وخَوْفُهم، وفي الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا الخِداعُ هو أنَّهُ تَعالى يُعْطِي هَذِهِ الأُمَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا لِكُلِّ إنْسانٍ مُؤْمِنٍ أوْ مُنافِقٍ؛ فَيَفْرَحُ المُنافِقُونَ، ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا، فَإذا جاءُوا إلى الصِّراطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ، ونَهَضَ المُؤْمِنُونَ. وذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم، وذَلِكَ هو الخِداعُ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُنافِقِينَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو خادِعُهم، وهو فاعِلٌ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ؛ حَيْثُ تَرَكَهم مَعْصُومِينَ الدِّماءَ والأمْوالَ في الدُّنْيا، وأعَدَّ لَهُمُ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ، ولَمْ يُخْلِهِمْ في العاجِلِ مِن فَضِيحَةٍ وإحْلالِ بَأْسٍ ونِقْمَةٍ ورُعْبٍ دائِمٍ. والخادِعُ مِن خَدَعْتُهُ إذا غَلَبْتَهُ، وكُنْتَ أخْدَعَ مِنهُ، انْتَهى. وبَعْضُهُ مُسْتَرَقٌ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا أمَرَ بِقَبُولِ ما أظْهَرُوا كانَ خادِعًا لَهم بِذَلِكَ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ: خادِعْهم بِإسْكانِ العَيْنِ عَلى التَّخْفِيفِ، واسْتِثْقالِ الخُرُوجِ مِن كَسْرٍ إلى ضَمٍّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) . وقالَ أبُو البَقاءِ: هو في مَوْضِعِ الحالِ.

﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ أيْ مُتَوانِينَ لا نَشاطَ لَهم فِيها؛ لِأنَّهم إنَّما يُصَلُّونَ تَسَتُّرًا وتَكَلُّفًا، ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَحَرَّزَ مِن هَذِهِ الخَصْلَةِ الَّتِي ذَمَّ المُنافِقُونَ، وأنْ يُقْبِلَ إلى صَلاتِهِ بِنَشاطٍ وفَرَغِ قَلْبٍ، وتَمَهُّلٍ في فِعْلِها، ولا يَتَقاعَسُ عَنْها فِعْلَ المُنافِقِ الَّذِي يُصَلِّي عَلى كُرْهٍ، لا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ورَغْبَةٍ. وما زالَ في كُلِّ عَصْرٍ مُنافِقُونَ يَتَسَتَّرُونَ بِالإسْلامِ، ويَحْضُرُونَ الصَّلَواتِ كالمُتَفَلْسِفِينَ المَوْجُودِينَ في عَصْرِنا هَذا، وقَدْ أشارَ بَعْضُ عُلَمائِنا إلَيْهِمْ في شِعْرٍ قالَهُ، وضَمَّنَ فِيهِ بَعْضَ …

An-Nisaa 4:143Listen in Qur'an →
144

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًا

O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allah against yourselves a clear case?

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ …

An-Nisaa 4:144Listen in Qur'an →
145

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ …

An-Nisaa 4:145Listen in Qur'an →
146

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allah, and are sincere in their religion for Allah, for those will be with the believers. And Allah is going to give the believers a great reward.

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ …

An-Nisaa 4:146Listen in Qur'an →
147

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا

What would Allah do with your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allah Appreciative and Knowing.

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ …

An-Nisaa 4:147Listen in Qur'an →
148

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا

Allah does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allah Hearing and Knowing.

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ …

An-Nisaa 4:148Listen in Qur'an →
149

إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّۭا قَدِيرًا

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allah is ever Pardoning and Competent.

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ …

An-Nisaa 4:149Listen in Qur'an →
150

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا

Indeed, those who disbelieve in Allah and His messengers and wish to discriminate between Allah and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى.

﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ.

﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا.

﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ.

(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

(أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا …

An-Nisaa 4:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.