Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 11–20 of 176

11

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

Allah instructs you concerning your children: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate. And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [or sisters], for his mother is a sixth, after any bequest he [may have] made or debt. Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allah. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ المَوارِيثِ المُجْمَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ وأقْسامُ الوَرَثَةِ ثَلاثَةٌ؛ قِسْمٌ لا يَسْقُطُ بِحالٍ وهُمُ الآباءُ والأوْلادُ والأزْواجُ فَهَؤُلاءِ قِسْمانِ، والثّالِثُ: الكَلالَةُ، أيْ: يَأْمُرُكم ويَعْهَدُ إلَيْكم.

﴿فِي أوْلادِكُمْ﴾ أوْلادِ كُلِّ واحِدٍ مِنكُمْ، أيْ: في شَأْنِ مِيراثِهِمْ بُدِئَ بِهِمْ لِأنَّهم أقْرَبُ الوَرَثَةِ إلى المَيِّتِ وأكْثَرُهم بَقاءً بَعْدَ المُوَرِّثِ.

﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ جِيءَ بِها لِتَبْيِينِ الوَصِيَّةِ وتَفْسِيرِها، وقِيلَ: مَحَلُّها النَّصْبُ بِـ"يُوصِيكُمْ" عَلى أنَّ المَعْنى يَفْرِضُ عَلَيْكم ويَشْرَعُ لَكم هَذا الحُكْمَ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا رَآهُ الفَرّاءُ فَإنَّهُ يُجْرِي ما كانَ بِمَعْنى القَوْلِ مِنَ الأفْعالِ مَجْراهُ في حِكايَةِ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوُا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ الآيَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى الأوْلادِ مَحْذُوفٍ ثِقَةً بِظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: لِلذَّكَرِ مِنهم. وقِيلَ: الألِفُ واللّامُ قائِمٌ مَقامَهُ، والأصْلُ: لِذَكَرِهِمْ، و"مِثْلُ" صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِلذَّكَرِ مِنهم حَظٌّ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ والبَداءَةُ بِبَيانِ حُكْمِ الذَّكَرِ لِإظْهارِ مَزِيَّتِهِ عَلى الأُنْثى كَما أنَّها المَناطُ في تَضْعِيفِ حَظِّهِ، وإيثارُ اسْمَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًَا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِواءِ الكِبارِ والصِّغارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاسْتِحْقاقِ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِلْبُلُوغِ والكِبَرِ في ذَلِكَ أصْلًَا كَما هو زَعْمُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الأطْفالَ كالنِّساءِ.

﴿فَإنْ كُنَّ﴾ أيِ: الأوْلادُ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساءً﴾ أيْ: خُلْصًَا لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ.

﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ صِفَةٌ لِ "نِساءً"، أيْ: نِساءً زائِداتٍ عَلى اثْنَتَيْنِ.

﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ أيِ: المُتَوَفّى المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

﴿وَإنْ كانَتْ﴾ أيِ: المَوْلُودَةُ.

﴿واحِدَةً﴾ أيِ: امْرَأةً واحِدَةً لَيْسَ مَعَها أخٌ ولا أُخْتٌ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمَوْصُوفِ لِظُهُورِهِ مِمّا سَبَقَ.

﴿فَلَها النِّصْفُ﴾ مِمّا تَرَكَ، وقُرِئَ "واحِدَةٌ" عَلى كانَ التّامَّةِ، واخْتُلِفَ في الثِّنْتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حُكْمُهُما حُكْمُ الواحِدَةِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الثُّلُثَيْنِ لِما فَوْقَهُما. وقالَ الجُمْهُورُ: حُكْمُهُما حُكْمُ ما فَوْقَهُما لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ حَظَّ الذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ إذا كانَ مَعَهُ أُنْثى وهو الثُّلُثانِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنَّ فَرْضَهُما الثُّلُثانِ ثُمَّ لَمّا أوْهَمَ ذَلِكَ أنْ يُزادَ النَّصِيبُ بِزِيادَةِ العَدَدِ رَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ البِنْتَ الواحِدَةَ لَمّا اسْتَحَقَّتِ الثُّلُثَ مَعَ أخِيها الأقْوى مِنها في الِاسْتِحْقاقِ فَلَأنْ تَسْتَحِقَّهُ مَعَ مِثْلِها أوْلى وأحْرى وأنَّ البِنْتَيْنِ أمَسُّ رَحِمًَا مِنَ الأُخْتَيْنِ، وقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَهُما الثُّلُثَيْنِ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ .

﴿وَلأبَوَيْهِ﴾ أيْ: لِأبَوَيِ المَيِّتِ، غُيِّرَ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ حُكْمِهِ بِما قَبْلَهُ مِنَ …

12

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for the wives is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third, after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused]. [This is] an ordinance from Allah, and Allah is Knowing and Forbearing.

﴿وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ مِنَ المالِ، شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ القِسْمِ الثّانِي مِنَ الوَرَثَةِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ حُكْمِ مِيراثِ الرِّجالِ مِمّا لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ.

﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ أيْ: ولَدٌ وارِثٌ مِن بَطْنِها أوْ مِن صُلْبِ بَنِيها أوْ بَنِي بَنِيها وإنْ سَفَلَ ذَكَرًَا كانَ أوْ أُنْثى واحِدًَا كانَ أوْ مُتَعَدِّدًَا لِأنَّ لَفْظَ الوَلَدِ يَنْتَظِمُ الجَمِيعَ مِنكم أوْ مِن غَيْرِكم والباقِي لِوَرَثَتِهِنَّ مِن ذَوِي الفُرُوضِ والعَصَباتِ أوْ غَيْرِهِمْ، ولِبَيْتِ المالِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وارِثٌ آخَرُ أصْلًَا.

﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ عَلى نَحْوِ ما فُصِّلَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ذِكْرَ تَقْدِيرِ عَدَمِ الوَلَدِ وبَيانَ حُكْمِهِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَقْدِيرِ وُجُودِهِ وبَيانِ حُكْمِهِ.

﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ مِنَ المالِ والباقِي لِباقِي الوَرَثَةِ.

﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِكِلْتا الصُّورَتَيْنِ لا بِما يَلِيهِ وحْدَهُ.

﴿يُوصِينَ بِها﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"وَصِيَّةٍ" وفائِدَتُها ما مَرَّ مِن تَرْغِيبِ المَيِّتِ في الوَصِيَّةِ وحَثِّ الوَرَثَةِ عَلى تَنْفِيذِها.

﴿أوْ دَيْنٍ﴾ عَطْفٌ عَلى وصِيَّةٍ سَواءً كانَ ثُبُوتُهُ بِالبَيِّنَةِ أوْ بِالإقْرارِ وإيثارُ "أوْ" عَلى الواوِ لِما ذُكِرَ مِن إبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَنْفِيذِها.

﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾ عَلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ آنِفًَا والباقِي لِبَقِيَّةِ ورَثَتِكم مِن أصْحابِ الفُرُوضِ والعَصَباتِ أوْ ذَوِي الأرْحامِ أوْ لِبَيْتِ المالِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم وارِثٌ آخَرُ أصْلًَا.

﴿فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ﴾ عَلى النَّحْوِ الَّذِي فُصِّلَ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ مِنَ المالِ لِلْباقِينَ.

﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما فُصِّلَ في نَظِيرَيْهِ فَرَضَ لِلرَّجُلِ بِحَقِّ الزَّواجِ ضِعْفَ ما فَرَضَ لِلْمَرْأةِ كَما في النَّسَبِ لِمَزِيَّتِهِ عَلَيْها وشَرَفِهِ الظّاهِرِ ولِذَلِكَ اخْتُصَّ بِتَشْرِيفِ الخِطابِ، وهَكَذا قِياسُ كُلِّ رَجُلٍ وامْرَأةٍ اشْتَرَكا في الجِهَةِ و القُرْبِ ولا يُسْتَثْنى مِنهُ إلّا أوْلادُ الأُمِّ والمُعْتَقُ والمُعْتَقَةُ وتَسْتَوِي الواحِدَةُ والعَدَدُ مِنهُنَّ في الرُّبُعِ والثُّمُنِ.

﴿وَإنْ كانَ رَجُلٌ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ القِسْمِ الثّالِثِ مِنَ الوَرَثَةِ المُحْتَمِلِ لِلسُّقُوطِ، ووَجْهُ تَأْخِيرِهِ عَنِ الأوَّلَيْنِ بَيِّنٌ والمُرادُ بِالرَّجُلِ المَيِّتُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُورَثُ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن ورِثَ لا مِن أوْرَثَ خَبَرُ كانَ، أيْ: يُورَثُ مِنهُ.

﴿كَلالَةً﴾ الكَلالَةُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكَلالِ، وهو ذَهابُ القُوَّةِ مِنَ الإعْياءِ اسْتُعِيرَتْ لِلْقَرابَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوالِدِ والوَلَدِ لِضَعْفِها بِالإضافَةِ إلى قَرابَتِهِما، وتُطْلَقُ عَلى مَن لَمْ يُخَلِّفْ ولَدًَا ولا والِدًَا وعَلى مَن لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ مِنَ المُخَلَّفِينَ بِمَعْنى ذِي كَلالَةٍ كَما تُطْلَقُ القَرابَةُ عَلى ذَوِي القَرابَةِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُها صِفَةً كالهَجاجَةِ والفَقاقَةِ لِلْأحْمَقِ فَنَصْبُها إمّا عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: يُورَثُ مِنهُ لِأجْلِ القَرابَةِ المَذْكُورَةِ أوْ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ يُورَثُ، أيْ: حالَ كَوْنِهِ ذا كَلالَةٍ أوْ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِ كانَ و"يُورَثُ" صِفَةٌ لِـ"رَجُلٌ" أيْ: إنْ كانَ رَجُلٌ مَوْرُوثٌ ذا كَلالَةٍ لَيْسَ لَهُ والِدٌ ولا ولَدٌ، وقُرِئَ "يُوَرِّثُ" عَلى البِناءِ …

13

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

These are the limits [set by] Allah, and whoever obeys Allah and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في شُئُونِ اليَتامى والمَوارِيثِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ: شَرائِعُهُ المَحْدُودَةُ الَّتِي تَجُوزُ مُجاوَزَتُها.

﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في جَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ هَهُنا، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما ذُكِرَ آنِفًَا.

﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ وعَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ.

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةٌ لِـ"جَنّاتٍ" مَنصُوبَةٌ حَسَبَ انْتِصابِها.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وصِيغَةُ الجَمْعِ بِالنَّظَرِ إلى جَمْعِيَّةِ "مَن" بِحَسَبِ المَعْنى، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ بِالنَّظَرِ إلى إفْرادِهِ لَفْظًَا.

﴿وَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِن دُخُولِ الجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ عَلى وجْهِ الخُلُودِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ.

﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ، وُصِفَ الفَوْزُ وهو الظَّفَرُ بِالخَيْرِ بِالعِظَمِ إمّا بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ أوْ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ، فَإنَّ الفَوْزَ بِالعَظِيمِ عَظِيمٌ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.

14

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And whoever disobeys Allah and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ولَوْ في بَعْضِ الأوامِرِ والنَّواهِي، قالَ مُجاهِدُ: فِيما اقْتَصَّ مِنَ المَوارِيثِ. وقالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن لَمْ يَرْضَ بِقَسْمِ اللَّهِ تَعالى ويَتَعَدَّ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي: ومَن يَكْفُرْ بِقِسْمَةِ اللَّهِ المَوارِيثَ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ اسْتِحْلالًَا. والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ بِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ شَرائِعَهُ المَحْدُودَةَ في جَمِيعِ الأحْكامِ فَيَدْخُلُ فِيها ما نَحْنُ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.

﴿يُدْخِلْهُ﴾ وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ في المَوْضِعَيْنِ.

﴿نارًا﴾ أيْ: عَظِيمَةً هائِلَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها.

﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ كَما سَبَقَ، ولَعَلَّ إيثارَ الإفْرادِ هَهُنا نَظَرًَا إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ واخْتِيارُ الجَمْعِ هُناكَ نَظَرًَا إلى المَعْنى لِلْإيذانِ بِأنَّ الخُلُودَ في دارِ الثَّوابِ بِصِفَةِ الِاجْتِماعِ أجْلَبُ لِلْأُنْسِ كَما أنَّ الخُلُودَ في دارِ العَذابِ بِصِفَةِ الِانْفِرادِ أشَدُّ في اسْتِجْلابِ الوَحْشَةِ.

﴿وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ: ولَهُ مَعَ عَذابِ الحَرِيقِ الجِسْمانِيِّ عَذابٌ آخَرُ مُبْهَمٌ يُعْرَفُ كُنْهُهُ وهو العَذابُ الرُّوحانِيُّ كَما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُهُ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

15

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا

Those who commit unlawful sexual intercourse of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify, confine the guilty women to houses until death takes them or Allah ordains for them [another] way.

﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ، واللّاتِي جَمْعُ الَّتِي بِحَسَبِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ. وقِيلَ: جَمْعٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، والفاحِشَةُ: الفَعْلَةُ القَبِيحَةُ أُرِيدَ بِها الزِّنا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ، والإتْيانُ: الفِعْلُ والمُباشَرَةُ، يُقالُ: أتى الفاحِشَةَ، أيْ: فَعَلَها وباشَرَها وكَذا جاءَها ورَهَقَها وغَشِيَها، وقُرِئَ "بِالفاحِشَةِ". فالإتْيانُ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ ﴿يَأْتِينَ﴾ أيِ: اللّاتِي يَفْعَلْنَ الزِّنا كائِناتٍ مِن نِسائِكُمْ، أيْ: مِن أزْواجِكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْحُكْمِ، أيْ: فاطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِنَّ بِإتْيانِها أرْبَعَةٌ مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ وأحْرارِهِمْ.

﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ.

﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ أيْ: فاحْبِسُوهُنَّ فِيها واجْعَلُوها سِجْنًَا عَلَيْهِنَّ.

﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ﴾ أيْ: إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ أرْواحَهُنَّ.

﴿المَوْتُ﴾ وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْمَوْتِ وإبْرازٌ لَهُ في صُورَةِ مَن يَتَوَلّى قَبْضَ الأرْواحِ وَتَوَفِّيها أوْ يَتَوَفّاهُنَّ مَلائِكَةُ المَوْتِ.

﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ أيْ: يَشْرَعَ لَهُنَّ حُكْمًَا خاصًَّا بِهِنَّ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالسَّبِيلِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ طَرِيقًَا مَسْلُوكًَا فَلَيْسَ فِيهِ دِلالَةٌ عَلى كَوْنِهِ أخَفَّ مِنَ الحَبْسِ كَما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ.

16

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا

And the two who commit it among you, dishonor them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allah is ever Accepting of repentance and Merciful.

﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ هُما الزّانِي والزّانِيَةُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، قالَ السَّنَدِيُّ: أُرِيدَ بِهِما البِكْرانِ مِنهُما كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَوْنُ عُقُوبَتِها أخَفَّ مِنَ الحَبْسِ المُخَلَّدِ وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ خَلا أنَّهُ يَبْقى حُكْمُ الزّانِي المُحْصَنِ مُبْهَمًَا لِاخْتِصاصِ العُقُوبَةِ الأُولى بِالمُحْصَناتِ، وعَدَمُ ظُهُورِ إلْحاقِهِ بِأحَدِ الحُكْمَيْنِ دِلالَةٌ لِخَفاءِ الشَّرِكَةِ في المَناطِ.

﴿فَآذُوهُما﴾ أيْ: بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقِيلَ: بِالضَّرْبِ بِالنِّعالِ أيْضًَا، وظاهِرٌ أنَّ إجْراءَ هَذا الحُكْمِ أيْضًَا إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الثُّبُوتِ لَكِنْ تَرَكَ ذِكْرَهُ تَعْوِيلًَا عَلى ما ذُكِرَ آنِفًَا.

﴿فَإنْ تابا﴾ عَمّا فَعَلا مِنَ الفاحِشَةِ بِسَبَبِ ما لَقِيا مِن زَواجِرِ الأذِيَّةِ وقَوارِعِ التَّوْبِيخِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿وَأصْلَحا﴾ أيْ: أعْمالَهُما، ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ بِقَطْعِ الأذِيَّةِ والتَّوْبِيخِ فَإنَّ التَّوْبَةَ والصَّلاحَ مِمّا يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ والعِقابِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلشُّهُودِ الواقِفِينَ عَلى هَناتِهِما، ويُرادَ بِالإيذاءِ ذَمُّهُما وتَعْنِيفُهُما وتَهْدِيدُهُما بِالرَّفْعِ إلى الوُلاةِ، وبِالإعْراضِ عَنْهُما تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُما بِالرَّفْعِ إلَيْهِمْ، قِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةُ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في أوائِلِ الإسْلامِ عَلى ما مَرَّ مِنَ التَّفْصِيلِ ثُمَّ نُسِخَ بِالحَدِّ لِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًَا الثَّيِّبُ تُرْجَمُ والبِكْرُ تُجْلَدُ".» وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ سابِقَةٌ عَلى الأُولى نُزُولًَا، وكانَتْ عُقُوبَةُ الزُّناةِ مُطْلَقًَا الأذى ثُمَّ الحَبْسَ ثُمَّ الجَلْدَ ثُمَّ الرَّجْمَ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالحَبْسِ غَيْرَ مَنسُوخٍ بِأنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ الحَدِّ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًَا بِالكِتابِ والسُّنَّةِ ويُوصى بِإمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ بَعْدَ إقامَةِ الحَدِّ صِيانَةً لَهُنَّ عَنْ مِثْلِ ما جَرى عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ الخُرُوجِ مِنَ البُيُوتِ والتَّعَرُّضِ لِلرِّجالِ ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: - وقَدْ عَزاهُ إلى مُجاهِدٍ - إنَّ الأُولى في السَّحّاقاتِ وهَذِهِ في اللَّوّاطِينَ، وما في سُورَةِ النُّورِ في الزُّناةِ والزَّوانِي مُتَمَسِّكًَا بِأنَّ المَذْكُورَ في الأُولى صِيغَةُ الإناثِ خاصَّةً، وفي الثّانِيَةِ صِيغَةُ الذُّكُورِ، ولا ضَرُورَةَ إلى المَصِيرِ إلى التَّغْلِيبِ عَلى أنَّهُ لا إمْكانَ لَهُ في الأُولى ويَأْباهُ الأمْرُ بِاسْتِشْهادِ الأرْبَعَةِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ في الشَّرْعِ فِيما عَدا الزِّنا.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا﴾ مُبالِغًَا في قَبُولِ التَّوْبَةِ.

﴿رَحِيمًا﴾ واسِعَ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ.

17

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

The repentance accepted by Allah is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon after. It is those to whom Allah will turn in forgiveness, and Allah is ever Knowing and Wise.

﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ تَوّابًَا رَحِيمًَا بَلْ هو مُقَيَّدٌ بِما سَيَنْطِقُ بِهِ النَّصُّ الكَرِيمُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿التَّوْبَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الاسْتِقْرارِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ المَعْنَوِيِّ مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ وكَذا الظَّرْفُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَإ المُسْتَكِنِّ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى عامِلِها المَعْنَوِيِّ عِنْدَ كَوْنِها ظَرْفًَا أوْ حَرْفَ جَرٍّ كَما سَبَقَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ وأيًَّا ما كانَ؛ فَمَعْنى كَوْنِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ صُدُورُ القَبُولِ عَنْهُ تَعالى، وكَلِمَةُ ﴿عَلى﴾ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ البَتَّةَ بِحُكْمِ جَرْيِ العادَةِ وسَبْقِ الوَعْدِ حَتّى كَأنَّهُ مِنَ الواجِباتِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وهَذا مُرادُ مَن قالَ:كَلِمَةُ "عَلى" بِمَعْنى مِن، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عِنْدَ، وعَنِ الحَسَنِ يَعْنِي: التَّوْبَةَ الَّتِي يَقْبَلُها اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: هي التَّوْبَةُ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَفْسِهِ بِفَضْلِهِ قَبُولَها، وهَذا يُشِيرُ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلتَّوْبَةِ بِتَقْدِيرِ مُتَعَلَّقِهِ مَعْرِفَةً عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، أيْ: إنَّما التَّوْبَةُ الكائِنَةُ عَلى اللَّهِ، والمُرادُ بِـالسُّوءِ: المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً، وقِيلَ: الخَبَرُ ﴿ "عَلى اللَّهِ".﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في مُتَعَلَّقِ الخَبَرِ، ولَيْسَ فِيهِ ما في الوَجْهِ الأوَّلِ مِن تَقْدِيمِ الحالِ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ إلّا أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ هو الأوَّلُ لِما أنَّ ما قَبْلَهُ مِن وصْفِهِ تَعالى بِكَوْنِهِ تَوّابًَا رَحِيمًَا إنَّما يَقْتَضِي بَيانَ اخْتِصاصِ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهُ تَعالى بِالمَذْكُورِينَ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِجَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ﴾ إلَخْ خَبَرًَا، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ ناطِقٌ بِما قُلْنا كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما التَّوْبَةُ لِهَؤُلاءِ لا لِهَؤُلاءِ.

﴿بِجَهالَةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ "يَعْمَلُونَ" أيْ: يَعْمَلُونَ السُّوءَ مُلْتَبِسِينَ بِها، أيْ: جاهِلِينَ سُفَهاءَ أوْ بِـ"يَعْمَلُونَ" عَلى أنَّ الباءَ سَبَبِيَّةٌ، أيْ: يَعْمَلُونَهُ بِسَبَبِ الجَهالَةِ لِأنَّ ارْتِكابَ الذَّنْبِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ الجَهْلُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ عَدَمَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ سُوءًَا بَلْ عَدَمَ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ كَما يَفْعَلُهُ الجاهِلُ. قالَ قَتادَةُ: اجْتَمَعَ أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ فَرَأوْا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَصى بِهِ رَبَّهُ فَهو جَهالَةٌ عَمْدًَا كانَ أوْ خَطَأً. وعَنْ مُجاهِدٍ "مَن عَصى اللَّهَ تَعالى فَهو جاهِلٌ حَتّى يَنْزِعَ عَنْ جَهالَتِهِ"، وقالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ بِجَهالَةٍ: اخْتِيارَهُمُ اللَّذَّةَ الفانِيَةَ عَلى اللَّذَّةِ الباقِيَةِ.

﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن …

18

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ تَصْرِيحٌ بِما فُهِمَ مِن قَصْرِ القَبُولِ عَلى تَوْبَةِ مَن تابَ مِن قَرِيبٍ، وزِيادَةُ تَعْيِينٍ لَهُ بِبَيانِ أنَّ تَوْبَةَ مَن عَداهم بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، وجَمْعُ السَّيِّئاتِ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِ وُقُوعِها في الزَّمانِ المَدِيدِ لا لِأنَّ المُرادَ جَمِيعُ أنْواعِها وبِما مَرَّ مِنَ السُّوءِ نَوْعٌ مِنها.

﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ "حَتّى" حَرْفُ ابْتِداءٍ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَها غايَةٌ لِما قَبْلَها، أيْ: لَيْسَ قَبُولُ التَّوْبَةِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ إلى حُضُورِ مَوْتِهِمْ، وقَوْلِهِمْ حِينَئِذٍ إنِّي تُبْتُ الآنَ وذِكْرُ ﴿الآنَ﴾ لِمَزِيدِ تَعْيِينِ الوَقْتِ، وإيثارُ قالَ عَلى تابَ لِإسْقاطِ ذَلِكَ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ والتَّحاشِي عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَوْبَةً.

﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ، أيْ: لَيْسَ قَبُولُ التَّوْبَةِ لِهَؤُلاءِ ولا لِهَؤُلاءِ، وإنَّما ذُكِرَ هَؤُلاءِ مَعَ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهم رَأْسًَا مُبالَغَةً في بَيانِ عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ المُسَوِّفِينَ وإيذانًَا بِأنَّ وُجُودَها كَعَدَمِها، بَلْ في تَكْرِيرِ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ إشْعارٌ خَفِيٌّ بِكَوْنِ حالِ المُسَوِّفِينَ في عَدَمِ اسْتِتْباعِ الجَدْوى أقْوى مِن حالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ: إمّا الكُفّارُ خاصَّةً وإمّا الفُسّاقُ وحْدَهُمْ، وتَسْمِيَتُهم في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ "كُفّارًَا" لِلتَّغْلِيظِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾، وأمّا ما يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًَا فالتَّسْمِيَةُ حِينَئِذٍ لِلتَّغْلِيبِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأوَّلِ الفَسَقَةُ وبِالثّانِي الكَفَرَةُ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ أُخْرى.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقَيْنِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِتَرامِي حالِهِمْ في الفَظاعَةِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في السُّوءِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أعْتَدْنا لَهُمْ﴾ أيْ: هَيَّأْنا لَهم.

﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ تَكْرِيرُ الإسْنادِ لِما مَرَّ مِن تَقْوِيَةِ الحُكْمِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِكَوْنِ العَذابِ مُعَدًَّا لَهم وتَنْكِيرُ العَذابِ ووَصْفُهُ لِلتَّفْخِيمِ الذّاتِيِّ والوَصْفِيِّ.

19

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion. And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them unless they commit a clear immorality. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allah makes therein much good.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوُا النِّساءَ كَرْهًا﴾ كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ قَرِيبُهُ يُلْقِي ثَوْبَهُ عَلى امْرَأتِهِ أوْ عَلى خِبائِها ويَقُولُ: أرِثُ امْرَأتَهُ كَما أرِثُ مالَهُ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ أحَقَّ بِها مِن كُلِّ أحَدٍ ثُمَّ إنْ شاءَ تَزَوَّجَها بِلا صَداقٍ غَيْرِ الصَّداقِ الأوَّلِ وإنْ شاءَ زَوَّجَها غَيْرَهُ وأخَذَ صَداقَها ولَمْ يُعْطِها مِنهُ شَيْئًَا وإنْ شاءَ عَضَلَها لِتَفْتَدِيَ بِما ورِثَتْ مِن زَوْجِها، وإنْ ذَهَبَتِ المَرْأةُ إلى أهْلِها قَبْلَ إلْقاءِ الثَّوْبِ فَهي أحَقُّ بِنَفْسِها فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ لَهُمْ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا بِطَرِيقِ الإرْثِ عَلى زَعْمِكم كَما تُحازُ المَوارِيثُ وهُنَّ كارِهاتٌ لِذَلِكَ أوْ مُكْرَهاتٌ عَلَيْهِ. وقُرِئَ "تَحِلُّ" بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى أنَّ "أنْ تَرِثُوا" بِمَعْنى الوِراثَةِ، وقُرِئَ "كُرْهًَا" بِضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ كالضَّعْفِ والضُّعْفِ وكانَ الرَّجُلُ إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً ولَمْ تَكُنْ مِن حاجَتِهِ حَبَسَها مَعَ سُوءِ العِشْرَةِ والقَهْرِ وضَيَّقَ عَلَيْها لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِمالِها وتَخْتَلِعَ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ عَطْفًَا عَلى "تَرِثُوا" و"لا" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والخِطابُ لِلْأزْواجِ، والعَضْلُ: الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ، ومِنهُ عَضَلَتِ المَرْأةُ بِوَلَدِها إذا اخْتَنَقَتْ رَحِمُها فَخَرَجَ بَعْضُهُ وبَقِيَ بَعْضُهُ، أيْ: ولا أنْ تُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ.

﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أيْ: مِنَ الصَّداقِ بِأنْ يَدْفَعْنَ إلَيْكم بَعْضَهُ اضْطِرارًَا فَتَأْخُذُوهُ مِنهُنَّ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِفِعْلِهِنَّ إيذانًَا بِكَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ لِصُدُورِهِ عَنْهُنَّ اضْطِرارًَا وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالذَّهابِ بِهِ لا بِالأخْذِ ولا بِالإذْهابِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِهِ بِبَيانِ تَضَمُّنِهِ لِأمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما مَحْظُورٌ: شَنِيعُ الأخْذِ والإذْهابُ مِنهُنَّ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الذَّهابِ مُسْتَصْحَبًَا بِهِ.

﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن "بَيَّنَ" بِمَعْنى: تَبَيَّنَ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ وعَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن أبانَ بِمَعْنى تَبَيُّنْ، أيْ: بَيِّنَةِ القُبْحِ مِنَ النُّشُوزِ وشَكاسَةِ الخُلُقِ وإيذاءِ الزَّوْجِ وأهْلِهِ بِالبَذاءِ والسَّلاطَةِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ "إلّا أنْ يُفْحِشْنَ عَلَيْكُمْ". وقِيلَ: الفاحِشَةُ: الزِّنا، وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوْ أعَمِّ الأوْقاتِ أوْ أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: ولا يَحِلُّ لَكم عَضْلُهُنَّ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا في حالِ إتْيانِهِنَّ بِفاحِشَةٍ أوْ إلّا في وقْتِ إتْيانِهِنَّ أوْ إلّا لِإتْيانِهِنَّ بِها، فَإنَّ السَّبَبَ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِن جِهَتِهِنَّ وأنْتُمْ مَعْذُورُونَ في طَلَبِ الخُلْعِ.

﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ خِطابٌ لِلَّذِينَ يُسِيئُونَ العِشْرَةَ مَعَهُنَّ والمَعْرُوفُ ما لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ، و المُرادُ هَهُنا: النَّصَفَةُ في المَبِيتِ والنَّفَقَةُ والإجْمالُ في المَقالِ ونَحْوُ ذَلِكَ.

﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ وسَئِمْتُمْ صُحْبَتَهُنَّ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِنَّ ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ فَلا تُفارِقُوهُنَّ بِمُجَرَّدِ كَراهَةِ النَّفْسِ واصْبِرُوا عَلى مُعاشَرَتِهِنَّ.

﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ لِلْإيذانِ …

20

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ أيْ: تَزَوُّجَ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ فِيها.

﴿مَكانَ زَوْجٍ﴾ تَرْغَبُونَ عَنْها بِأنْ تُطَلِّقُوها.

﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ﴾ أيْ: إحْدى الزَّوْجاتِ فَإنَّ المُرادَ بِالزَّوْجِ هو الجِنْسُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ بِإضْمارِ قَدْ لا مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِ، أيْ: وقَدْ آتَيْتُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تُطَلِّقُوها.

﴿قِنْطارًا﴾ أيْ: مالًَا كَثِيرًَا.

﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ القِنْطارِ.

﴿شَيْئًا﴾ يَسِيرًَا فَضْلًَا عَنِ الكَثِيرِ.

﴿أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أتَأْخُذُونَهُ باهِتِينَ وآثِمِينَ أوْ لِلْبُهْتانِ والإثْمِ فَإنَّ أحَدَهم كانَ إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً بَهَتَ الَّتِي تَحْتَهُ بِفاحِشَةٍ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها لِيَصْرِفَهُ إلى تَزَوُّجِ الجَدِيدَةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والبُهْتانُ: الكَذِبُ الَّذِي يَبْهَتُ المَكْذُوبَ عَلَيْهِ ويُدْهِشُهُ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الفِعْلِ الباطِلِ ولِذَلِكَ فُسِّرَ هَهُنا بِالظُّلْمِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.