Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 131–140 of 176

131

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allah. But if you disbelieve - then to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah Free of need and Praiseworthy.

ولَمّا كانَ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّعاطُفِ؛ والتَّراحُمِ؛ والتَّواصُلِ؛ لَمْ يَذْكُرْ فِيها الطَّلاقَ إلّا عَلى وجْهِ الإيماءِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ عَلى وجْهِ البَيانِ لِرَأْفَتِهِ؛ وسَعَةِ رَحْمَتِهِ؛ وعُمُومِ تَرْبِيَتِهِ؛ وفي ذَلِكَ مَعْنى الوَصْلَةِ؛ والعَطْفِ؛ قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولِكَثْرَةِ ما يَعْرِضُ مِن رَعْيِ حُظُوظِ النُّفُوسِ عِنْدَ الزَّوْجِيَّةِ؛ ومَعَ القَرابَةِ - ويَدِقُّ ذَلِكَ ويَغْمُضُ -؛ لِذَلِكَ ما تَكَرَّرَ كَثِيرًا في هَذِهِ السُّورَةِ الأمْرُ بِالِاتِّقاءِ؛ وبِهِ افْتُتِحَتْ؛ ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١] ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾

ولَمّا ذَكَرَ (تَعالى) آيَةَ التَّفَرُّقِ؛ وخَتَمَها بِصِفَتَيِ السَّعَةِ والحِكْمَةِ؛ دَلَّ عَلى الأوَّلِ تَرْغِيبًا في سُؤالِهِ: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ في السِّياقِ بَيانُ ضَعْفِ النُّفُوسِ؛ وجَبْلُها عَلى النَّقائِصِ؛ فَكانَتْ مُحْتاجَةً إلى تَقْوِيَةِ الكَلامِ المُخْرِجِ لَها عَمّا ألِفَتْ مِنَ الباطِلِ؛ قالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ وعَلى الثّانِيَةِ بِالوَصِيَّةِ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّهُ كَرَّرَ الحَثَّ عَلى التَّقْوى في هَذِهِ الجُمَلِ؛ في سِياقِ الشَّرْطِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٨] ﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٩]؛ فَأخْبَرَ (تَعالى) بَعْدَ اللُّطْفِ؛ بِذَلِكَ السِّياقِ؛ أنَّ وصِيَّتَهُ بِها مُؤَكَّدَةٌ؛ لَمْ تَزَلْ قَدِيمًا وحَدِيثًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالمُشارَكَةِ في الأمْرِ يَكُونُ أدْعى لِلْقَبُولِ؛ وأهْوَنَ عَلى النَّفْسِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَ الِاشْتِراكُ في الأحْكامِ مُوجِبًا لِلرَّغْبَةِ فِيها؛ والتَّخْفِيفِ لِثِقْلِها؛ وكانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْعالَمِ أجْدَرَ بِالقَبُولِ؛ قالَ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيْ: التَّوْراةَ؛ والإنْجِيلَ؛ وغَيْرَهُما؛ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ القَصْدَ بَيانُ كَوْنِهِمْ أهْلَ عِلْمٍ؛ لِيُرَغِّبَ فِيما أُوصُوا بِهِ؛ ودَلالَةً عَلى أنَّ العِلْمَ في نَفْسِهِ مُهَيِّئٌ لِلْقَبُولِ؛ ولِإفادَةِ أنَّ وصِيَّتَهم أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في الكِتابِ؛ أوْ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ مِن غَيْرِ كِتابٍ؛ ولَمّا كانَ إيتاؤُهُمُ الكِتابَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلْماضِي؛ وكَذا الإيصاءُ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿وإيّاكُمْ﴾؛ أيْ: ووَصَّيْناكم مِثْلَما وصَّيْناهُمْ؛ ولَمّا كانَتِ التَّوْصِيَةُ بِمَعْنى القَوْلِ؛ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُطاقُ انْتِقامُهُ؛ لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ تَتَّقُوا فَهو حَظُّكُمْ؛ وسَعادَتُكم في الدّارَيْنِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ التَّقْوى؛ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِفَرْضِ الكُفْرِ؛ حَسُنَ التَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ مِنكُمْ؛ ومِن غَيْرِكُمْ؛ مِن حَيَوانٍ؛ وجَمادٍ؛ أجْسادًا؛ وأرْواحًا؛ وأحْوالًا.

ولَمّا كانَ المَعْنى: ”لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مِلْكِهِ؛ ولا إرادَتِهِ؛ ولا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِكُفْرِكُمْ؛ ولَمْ تَضُرُّوا إنْ فَعَلْتُمْ إلّا أنْفُسَكُمْ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْكُمْ؛ لا يَزْدادُ جَلالُهُ بِالطّاعاتِ؛ ولا يَنْقُصُ بِالمَعاصِي والسَّيِّئاتِ“؛ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ - دالًّا عَلى غِناهُ؛ واسْتِحْقاقِهِ لِلْمَحامِدِ -: ﴿وكانَ …

An-Nisaa 4:131Listen in Qur'an →
132

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

ولَمّا كانَ المَلِكُ قَدْ لا يَمْنَعُ الِاعْتِراضَ عَلى المالِكِ؛ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو في المُلْكِ النّاقِصِ؛ وأنَّهُ مُلْكُهُ تامٌّ: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العِلْمُ الكامِلُ؛ والقُدْرَةُ الشّامِلَةُ؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ وأكَّدَ لِمِثْلِ ما مَضى؛ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ: هو قائِمٌ بِمَصالِحِ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ يَسْتَقِلُّ بِجَمِيعِ أمْرِهِ؛ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ؛ بَلْ هُما وكُلُّ مَن فِيهِما مُظْهِرٌ العَجْزَ عَنْ أمْرِهِ؛ مُعَلِّقٌ مَقالِيدَ نَفْسِهِ وأحْوالِهِ إلَيْهِ؛ طَوْعًا أوْ كَرْهًا؛ فَهو وكِيلٌ عَلى كُلِّ ذَلِكَ؛ فاعِلٌ بِهِ ما يَفْعَلُ الوَكِيلُ مِنَ الأخْذِ؛ والقَبْضِ؛ والبَسْطِ؛ ولِمِثْلِ ذَلِكَ كَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ فَقالَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿وكِيلا﴾؛ أيْ: قائِمًا بِالمَصالِحِ؛ قاهِرًا؛ مُتَفَرِّدًا بِجَمِيعِ الأُمُورِ؛ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُورِ؛ وقَدْ بانَ - كَما تَرى - أنَّ جُمْلَةَ ”لِلَّهِ“؛ المُكَرَّرَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ ذَكَرَتْ كُلَّ مَرَّةٍ دَلِيلًا عَلى شَيْءٍ غَيْرِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ وكُرِّرَتْ لِأنَّ الدَّلِيلَ الواحِدَ إذا كانَ دالًّا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ؛ يَحْسُنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ وإعادَتُهُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ أوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِهِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّ عِنْدَ إعادَتِهِ يَحْضُرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ؛ فَيَكُونُ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى؛ وأجَلَّ؛ وفي خَتْمِ كُلِّ جُمْلَةٍ بِصِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ الحُسْنى تَنْبِيهُ الذِّهْنِ بِها إلى أنَّ هَذا الدَّلِيلَ دالٌّ عَلى أسْرارٍ شَرِيفَةٍ؛ ومَطالِبَ جَلِيلَةٍ؛ لا تَنْحَصِرُ؛ فَيَجْتَهِدُ السّامِعُ في التَّفَكُّرِ لِإظْهارِ الأسْرارِ؛ والِاسْتِدْلالِ عَلى صِفاتِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ الكُلِّيَّ مِن هَذا الكِتابِ صَرْفُ العُقُولِ والأفْهامِ عَنْ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وهَذا التَّكْرِيرُ مِمّا يُفِيدُ حُصُولَ هَذا المَطْلُوبِ ويُؤَكِّدُهُ؛ فَكانَ في غايَةِ الحُسْنِ؛ والكَمالِ.

An-Nisaa 4:132Listen in Qur'an →
133

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًۭا

If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allah competent to do that.

ولَمّا تَقَرَّرَ بِهَذا شُمُولُ عِلْمِ مَن هَذا مِن شَأْنِهِ؛ وتَمامُ قُدْرَتِهِ؛ أنْتَجَ قَوْلَهُ - مُهَدِّدًا؛ مُخَوِّفًا؛ مُرَهِّبًا -: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾؛ وصَرَّحَ بِالعُمُومِ؛ إشارَةً إلى عُمُومِ الإرْسالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: المُتَفَرِّعُونَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ الواحِدَةِ كافَّةً؛ لِغِناهُ عَنْكُمْ؛ وقُدْرَتِهِ عَلى ما يُرِيدُ مِنكُمْ؛ ﴿ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِكُمْ؛ يُوالُونَهُ؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الواحِدُ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿عَلى ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِنَ الإيجادِ؛ والإعْدامِ؛ ﴿قَدِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ القُدْرَةِ؛ وهَذا غايَةُ البَيانِ؛ لِغِناهُ؛ وكَوْنِهِ حَمِيدًا؛ وقاهِرًا؛ وشَدِيدًا؛ وإذا تَأمَّلْتَ خِتامَ قَوْلِهِ (تَعالى)؛ في قِصَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]؛ زادَ ذَلِكَ هَذا السِّرَّ - وهو كَوْنُهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ - وُضُوحًا.

An-Nisaa 4:133Listen in Qur'an →
134

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Whoever desires the reward of this world - then with Allah is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allah Hearing and Seeing.

ولَمّا كانَ في هَذا تَهْدِيدٌ بَلِيغٌ؛ وتَعْرِيفٌ بِسَعَةِ المُلْكِ؛ وكَمالِ التَّصَرُّفِ؛ وكانَ مَدارُ أحْوالِ المُتَشاحِحِينَ في الإرْثِ؛ وحُقُوقِ الأزْواجِ؛ وغَيْرِها الأمْرَ الدُّنْيَوِيَّ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ بَيَّنَ فِيما مَضى أنَّ مَبْنى أحْوالِ المُنافِقِينَ عَلى طَلَبِ العَرَضِ الفانِي خُصُوصًا؛ قِصَّةُ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ الرّاضِي لِنَفْسِهِ بِالفَضِيحَةِ في نَيْلِ شَيْءٍ تافِهٍ؛ قالَ (تَعالى) - تَفْيِيلًا لِآرائِهِمْ؛ وتَخْسِيسًا لِهِمَمِهِمْ؛ حَيْثُ نَزَلُوا إلى الأدْنى؛ مَعَ القُوَّةِ عَلى طَلَبِ الأعْلى؛ مَعَ طَلَبِ الأدْنى أيْضًا مِنهُ (تَعالى)؛ فَلا يَفُوتُهم شَيْءٌ مِن مُعَوِّلِهِمْ؛ مَعَ إحْرازِ الأنْفُسِ -: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾؛ لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَلى المَحْسُوسِ الحاضِرِ؛ مَعَ خِسَّتِهِ؛ كالبَهائِمِ؛ ﴿فَعِنْدَ﴾؛ أيْ: فَلْيُقْبِلْ إلى اللَّهِ؛ فَإنَّهُ عِنْدَ ﴿اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ؛ ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾؛ الخَسِيسَةِ الفانِيَةِ؛ ﴿والآخِرَةِ﴾؛ أيْ: النَّفِيسَةِ الباقِيَةِ؛ فَلْيَطْلُبْها مِنهُ؛ فَإنَّهُ يُعْطِي مَن أرادَ ما شاءَ؛ ومَن عَلَتْ هِمَّتُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَأقْبَلَ بِقَلْبِهِ إلَيْهِ؛ وقَصَرَ هَمَّهُ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَطْلُبْ إلّا الباقِيَ؛ جَمَعَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لَهُ بَيْنَهُما؛ كَمَن يُجاهِدُ لِلَّهِ خالِصًا؛ فَإنَّهُ يَجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الأجْرِ؛ والمَغْنَمِ؛ وما أشَدَّ التِئامَها مَعَ ذَلِكَ بِما قَبْلَها! لِأنَّ مَن كانَ تامَّ القُدْرَةِ؛ واسِعَ المُلْكِ كانَ كَذَلِكَ. ولَمّا كانَ النّاشِئُ عَنِ الإرادَةِ إمّا قَوْلًا أوْ فِعْلًا؛ وكانَ الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ قَلْبِيًّا قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿سَمِيعًا﴾؛ أيْ: بالِغَ السَّمْعِ لِكُلِّ قَوْلٍ؛ وإنْ خَفِيَ؛ نَفْسِيًّا كانَ أوْ لِسانِيًّا؛ ﴿بَصِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ البَصَرِ لِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُبْصَرَ مِنَ الأفْعالِ؛ والعِلْمِ بِكُلِّ ما يُبْصَرُ؛ وما لا يُبْصَرُ؛ مِنها ومِن غَيْرِها؛ فَيَكُونُ مِنَ البَصَرِ؛ ومِنَ البَصِيرَةِ؛ فَلْيُراقِبْهُ العَبْدُ قَوْلًا وفِعْلًا.

An-Nisaa 4:134Listen in Qur'an →
135

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allah, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allah is more worthy of both. So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن أحْسَنِ المَواعِظِ لِقَوْمِ طُعْمَةَ الَّذِينَ اعْتَصَبُوا لَهُ؛ التَفَتَ إلَيْهِمْ؛ مُسْتَعْطِفًا؛ بِصِيغَةِ الإيمانِ؛ جائِيًا بِصِيغَةِ الأمْرِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ؛ قائِلًا ما هو كالنَّتِيجَةِ لِما مَضى مِنَ الأمْرِ بِالقِسْطِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ؛ إلى هُنا؛ عَلى وجْهٍ أكَّدَهُ؛ وحَثَّ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ؛ ﴿كُونُوا قَوّامِينَ﴾؛ أيْ: قائِمِينَ قِيامًا بَلِيغًا؛ مُواظَبًا عَلَيْهِ؛ مُجْتَهَدًا فِيهِ.

ولَمّا كانَ أعْظَمُ مَبانِي هَذِهِ السُّورَةِ العَدْلَ؛ قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿بِالقِسْطِ﴾؛ بِخِلافِ ما يَأْتِي في ”المائِدَةِ“؛ فَإنَّ النَّظَرَ فِيها إلى الوَفاءِ؛ الَّذِي إنَّما يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلى المُوَفّى لَهُ؛ ﴿شُهَداءَ﴾؛ أيْ: حاضِرِينَ؛ مُتَيَقِّظِينَ؛ حُضُورَ المُحاسِبِ لِكُلِّ شَيْءٍ أرَدْتُمُ الدُّخُولَ فِيهِ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: لِوَجْهِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ بِيَدِهِ؛ لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ؛ ﴿ولَوْ﴾؛ كانَ ذَلِكَ القِسْطُ؛ ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: فَإنِّي لا أزِيدُكم بِذَلِكَ إلّا عِزًّا؛ وإلّا تَفْعَلُوا ذَلِكَ قَهَرْتُكم عَلى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِكم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ؛ فَفُضِحْتُمْ في يَوْمٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ؛ مِن جَمِيعِ العِبادِ.

ولَمّا كانَ ذَكَرَ أعَزَّ ما عِنْدَ الإنْسانِ أتْبَعَهُ ما يَلِيهِ؛ وبَدَأ مِنهُ بِمَن جَمَعَ إلى ذَلِكَ الهَيْبَةَ؛ فَقالَ: ﴿أوِ﴾؛ أيْ: أوْ كانَ ذَلِكَ القِسْطُ عَلى ﴿الوالِدَيْنِ﴾؛ وأتْبَعَهُ ما يَعُمُّهُما وغَيْرَهُما؛ فَقالَ: ﴿والأقْرَبِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الأوْلادِ وغَيْرِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ﴾؛ أيْ: المَشْهُودُ لَهُ؛ أوْ عَلَيْهِ؛ ﴿غَنِيًّا﴾؛ أيْ: تَرَوْنَ الشَّهادَةَ لَهُ بِشَيْءٍ باطِلٍ دافِعَةً ضُرًّا مِنهُ لِلْغَيْرِ؛ مِنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ أوْ غَيْرِهِ؛ أوْ مانِعَةً فَسادًا أكْبَرَ مِنها؛ أوْ عَلَيْهِ بِما لَمْ يَكُنْ صَلاحًا؛ طَمَعًا في نَفْعِ الفَقِيرِ بِما لا يَضُرُّهُ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ﴿أوْ فَقِيرًا﴾؛ فَيُخَيَّلُ إلَيْكم أنَّ الشَّهادَةَ لَهُ بِما لَيْسَ لَهُ نَفْعُهُ رَحْمَةٌ لَهُ؛ أوْ بِما لَيْسَ عَلَيْهِ لِمَن هو أقْوى مِنهُ تُسْكِنُ فِتْنَةً؛ ﴿فاللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ: بِنَوْعَيِ الغَنِيِّ؛ والفَقِيرِ؛ المُنْدَرِجِ فِيهِما هَذانِ المَشْهُودُ بِسَبَبِهِما مِنكُمْ؛ فَهو المَرْجُوُّ لِجَلْبِ النَّفْعِ؛ ودَفْعِ الضُّرِّ؛ بِغَيْرِ ما ظَنَنْتُمُوهُ؛ فالضَّمِيرُ مِنَ الِاسْتِخْدامِ؛ ولَوْ عادَ لِلْمَذْكُورِ لَوُحِّدَ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ واحِدٌ مُبْهَمٌ.

An-Nisaa 4:135Listen in Qur'an →
136

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

O you who have believed, believe in Allah and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allah, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.

ولَمّا كانَ هَذا؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: تَتَكَلَّفُوا تَبَعَ ﴿الهَوى﴾ [النساء: ١٣٥]؛ وتَنْهَمِكُوا فِيهِ انْهِماكَ المُجْتَهِدِ في المُحِبِّ لَهُ؛ ﴿أنْ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: إرادَةَ أنْ ﴿تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ فَقَدْ بانَ لَكم أنَّهُ لا عَدْلَ في ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ تَتَّبِعُوهُ لِذَلِكَ؛ أوْ لِغَيْرِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم قَدِيرًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: ألْسِنَتَكم لِتُحَرِّفُوا الشَّهادَةَ نَوْعًا مِنَ التَّحْرِيفِ؛ أوْ تُدِيرُوا ألْسِنَتَكُمْ؛ أيْ: تَنْطِقُوا بِالشَّهادَةِ باطِلًا؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ؛ وحَمْزَةُ؛ بِضَمِّ اللّامِ؛ مِن ”الوِلايَةُ“؛ أيْ: تُؤَدُّوا الشَّهادَةَ عَلى وجْهٍ مِنَ العَدْلِ؛ أوْ ”اللَّيُّ“؛ ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: عَنْها؛ وهي حَقٌّ؛ فَلا تُؤَدُّوها لِأمْرٍ ما؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: المُحِيطَ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿كانَ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: لَمْ يَزَلْ؛ ولا يَزالُ؛ ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: بالِغَ العِلْمِ؛ باطِنًا وظاهِرًا؛ فَهو يُجازِيكم عَلى ذَلِكَ بِما تَسْتَحِقُّونَهُ؛ فاحْذَرُوهُ إنْ خُنْتُمْ؛ وارْجُوهُ إنْ وفَّيْتُمْ؛ وذَلِكَ بَعْدَ ما مَضى مِن تَأْدِيبِهِمْ؛ عَلى وجْهِ الإشارَةِ والإيماءِ مِن غَيْرِ أمْرٍ؛ وما أنْسَبَها لِخِتامِ الَّتِي قَبْلَها؛ وأشَدَّ التِئامَ الخِتامَيْنِ؛ خِتامِ هَذِهِ بِصِفَةِ الخَبَرِ؛ وتِلْكَ بِصِفَتَيِ السَّمْعِ؛ والبَصَرِ. ولَمّا أمَرَ بِالعَدْلِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ أمَرَ بِالحامِلِ عَلى ذَلِكَ؛ وهو الإيمانُ بِالشّارِعِ؛ والمُبَلِّغِ؛ والكِتابِ النّاهِجِ لِشَرائِعِهِ؛ المُبَيِّنِ لِسَرائِرِهِ؛ الَّذِي افْتَتَحَ القِصَّةَ بِحَقِّيَتِهِ؛ وبَيانِ فائِدَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ولَمّا ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ؛ أمَرَهم بِما لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ؛ فَقالَ - مُفَصِّلًا لَهُ -: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ لِذاتِهِ؛ المُسْتَجْمِعُ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ كُلِّها.

ولَمّا كانَ الإيمانُ بِاللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بِالإيمانِ بِالوَسائِطِ؛ وكانَ أقْرَبُ الوَسائِطِ إلى الإنْسانِ الرَّسُولَ؛ قالَ: ﴿ورَسُولِهِ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ المُبَلِّغُ عَنْهُ؛ سَواءٌ كانَ مِنَ المَلَكِ؛ أوِ البَشَرِ؛ ﴿والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ﴾؛ أيْ: مُفَرَّقًا بِحَسَبِ المَصالِحِ تَدْرِيجًا؛ تَثْبِيتًا وتَفْهِيمًا؛ ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ المُفَصِّلُ لِشَرِيعَتِكُمُ؛ المُتَكَفِّلُ بِما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ؛ والمَواعِظِ؛ وجَمِيعِ ما يُصْلِحُكُمْ؛ وهو القُرْآنُ الواصِلُ إلَيْكم بِواسِطَةِ أشْرَفِ الخَلْقِ؛ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ﴾؛ أيْ: أُوجِدَ إنْزالُهُ ومَضى؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ إنْزالُهُ مُسْتَغْرِقًا لِلزَّمانِ الماضِي؛ بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ مِنَ الإنْجِيلِ؛ والزَّبُورِ؛ والتَّوْراةِ؛ وغَيْرِها لِأنَّ رَسُولَكم بَلَّغَكم ذَلِكَ؛ فَلا يَحْصُلُ الإيمانُ إلّا بِتَصْدِيقِهِ في كُلِّ ما يَقُولُهُ.

ولَمّا كانَ المُؤْمِنُ الَّذِي الخِطابُ مَعَهُ عالِمًا بِأنَّ التَّنْزِيلَ؛ والإنْزالَ؛ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ؛ بُنِيا لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ؛ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ؛ وصَرَّحَتْ قِراءَةُ الباقِينَ بِهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَمَن آمَنَ بِذَلِكَ فَقَدِ اهْتَدى؛ وآمَنَ قَطْعًا بِالمَلائِكَةِ؛ واليَوْمِ الآخِرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِن كُلِّ ما دَعا إلَيْهِ الكِتابُ والرَّسُولُ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: …

An-Nisaa 4:136Listen in Qur'an →
137

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا

Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed, then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allah forgive them, nor will He guide them to a way.

ولَمّا كانَ المُتَمادِي بَعْدَ نُزُولِ هَذا الهَدْيِ مُوجِدًا لِلْكُفْرِ؛ مُجَدِّدًا لَهُ؛ نَبَّهَ عَلى إغْراقِهِ في البُعْدِ بِغَضَبِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِتَمادِيهِ؛ مُعْلِمًا أنَّ الثَّباتَ عَلى الكُفْرِ عَظِيمٌ جِدًّا؛ وصَوَّرَهُ بِأقْبَحِ صُورَةٍ؛ وفي ذَلِكَ ألْطَفُ اسْتِعْطافٍ إلى النُّزُوعِ عَنِ الخِلافِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِما كانُوا مُهَيَّئِينَ لَهُ مِنَ الإيمانِ بِالفِطْرَةِ الأُولى؛ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الكُفْرَ؛ فَعَوَّجُوا ما أقامَهُ اللَّهُ مِن فِطَرِهِمْ؛ ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾؛ أيْ: حَقِيقَةً؛ أوْ بِالقُوَّةِ؛ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ؛ بِما هَيَّأهم لَهُ بِإظْهارِ الأدِلَّةِ؛ وإقامَةِ الحُجَجِ؛ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ الرَّسُولِ؛ أوْ بِرَسُولٍ آخَرَ؛ بِتَجْدِيدِ الكُفْرِ؛ أوِ التَّمادِي فِيهِ؛ ﴿ثُمَّ ازْدادُوا﴾؛ أيْ: بِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ إلى المَوْتِ؛ ﴿كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: ما دامُوا عَلى هَذا الحالِ؛ لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ؛ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾؛ أيْ: مِنَ السُّبُلِ المُوَصِّلَةِ إلى المَقْصُودِ.

An-Nisaa 4:137Listen in Qur'an →
138

بَشِّرِ ٱلْمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -

ولَمّا كانَتْ جَمِيعُ صُوَرِ الآيَةِ مُنْطَبِقَةً عَلى النِّفاقِ؛ بَعْضُها حَقِيقَةً؛ وبَعْضُها مَجازًا؛ قالَ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ جَزائِهِمْ؛ مُتَهَكِّمًا بِهِمْ -: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾؛ فَأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ ﴿بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾؛

An-Nisaa 4:138Listen in Qur'an →
139

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا

Those who take disbelievers as allies instead of the believers. Do they seek with them honor [through power]? But indeed, honor belongs to Allah entirely.

ثُمَّ وصَفَهم بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ المُساتِرُونَ بِالكُفْرِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ؛ ﴿أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: يَتَعَزَّزُونَ بِهِمْ؛ تَنْفِيرًا مِن مُقارَبَةِ صِفَتِهِمْ؛ لِيَتَمَيَّزَ المُخَلِّصُ مِنَ المُنافِقِ؛ وبَيانًا لِأنَّ مُرادَهم بِوِلايَتِهِمْ إنَّما هو التَّعَزُّزُ بِهِمْ؛ فَإنَّ مَحَطَّ أمْرِهِمْ عَلى العَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ؛ ونَبَّهَ عَلى دَناءَةِ أمْرِهِمْ؛ وعَلى أنَّ الغَرِيقَ في الإيمانِ أعْلى النّاسِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَبْتَغُونَ﴾؛ أيْ: المُنافِقُونَ؛ يَتَطَلَّبُونَ تَطَلُّبًا عَظِيمًا؛ ﴿عِنْدَهُمُ﴾؛ أيْ: الكافِرِينَ؛ ﴿العِزَّةَ﴾؛ فَكَأنَّهُ قالَ: طَلَبُهُمُ العِزَّةَ بِهِمْ سَفَهٌ مِنَ الرَّأْيِ؛ وبُعْدٌ مِنَ الصَّوابِ؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ العِزَّةِ عِنْدَهم.

ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا الِابْتِغاءَ؛ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿جَمِيعًا﴾؛ أيْ: وهم أعْداءُ اللَّهِ؛ فَإنَّما يُتَرَقَّبُ لَهم ضَرْبُ الذِّلَّةِ؛ والمَسْكَنَةِ؛ وما أحْسَنَ التِفاتَ هَذِهِ الآيَةِ إلى أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤]؛ المُخْتَتَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] !

An-Nisaa 4:139Listen in Qur'an →
140

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًۭا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا

And it has already come down to you in the Book that when you hear the verses of Allah [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them. Indeed Allah will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -

﴿وقَدْ﴾؛ ؛ أيْ: يَتَّخِذُونَهم والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: أيَّتُها الأُمَّةُ؛ الصّادِقِينَ مِنكُمْ؛ والمُنافِقِينَ؛ ﴿فِي الكِتابِ﴾؛ أيْ: في سُورَةِ ”الأنْعامِ“؛ النّازِلَةِ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةِ؛ النَّهْيَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ؛ فَضْلًا عَنْ وِلايَتِهِمْ؛ أفَلا تَخافُونَ عِزَّةَ مَن نَهاكم عَنْ ذَلِكَ أنْ يَضْرِبَكم بَذُلٍّ لا تَخْلُصُونَ مِنهُ أبَدًا؟ لِأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنِ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ لا تُباحُ وِلايَتُهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ إلّا عِنْدَ الإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ؛ وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ﴾؛ أيْ: أنَّهُ ﴿إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ ولَمّا كانَ السَّماعُ مُجْمَلًا؛ بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُكْفَرُ بِها﴾؛ أيْ: يُسْتَرُ ما أظْهَرَتْ مِنَ الأدِلَّةِ؛ مِن أيِّ كافِرٍ كانَ؛ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿ويُسْتَهْزَأُ بِها﴾؛ أيْ: يُطْلَبُ طَلَبًا شَدِيدًا أنْ تَكُونَ مِمّا يُهْزَأُ بِهِ؛ ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِها؛ ﴿حَتّى يَخُوضُوا﴾؛ وعَبَّرَ عَنِ الشُّرُوعِ بِالخَوْضِ؛ إيماءً إلى أنَّ كَلامَهم لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ رَمْزًا إلى عَدَمِ مُجالَسَتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ؛ ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾؛ فَهَذا نَهْيٌ مِن مُجَرَّدِ مُجالَسَتِهِمْ؛ فَكَيْفَ بِوِلايَتِهِمْ؟!

ولَمّا كانَتْ آيَةُ ”الأنْعامِ“؛ مَكِّيَّةً؛ اقْتُصِرَ فِيها عَلى مُجَرَّدِ الإعْراضِ؛ وقَطْعِ المُجالَسَةِ؛ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنَ الإنْكارِ بِغَيْرِ القَلْبِ؛ وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَدَنِيَّةٌ؛ فالتَّغْيِيرُ عِنْدَ إنْزالِها بِاللِّسانِ؛ واليَدِ؛ مُمْكِنٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ؛ فالمُجالِسُ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ راضٍ؛ فَلِهَذا عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا﴾؛ أيْ: إذا قَعَدْتُمْ مَعَهُمْ؛ وهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ ﴿مِثْلُهُمْ﴾؛ أيْ: في الكُفْرِ؛ لِأنَّ مُجالَسَةَ المُظْهِرِ لِلْإيمانِ؛ المُصَرِّحِ بِالكُفْرانِ؛ دالَّةٌ عَلى أنَّ إظْهارَهُ لِما أظْهَرَ نِفاقٌ؛ وأنَّهُ راضٍ بِما يُصَرِّحُ بِهِ هَذا الكافِرُ؛ والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ؛ فاشْتَدَّ حُسْنُ خَتْمِ الآيَةِ بِجَمْعِ الفَرِيقَيْنِ في جَهَنَّمَ؛ بِقَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا لِجَوابِ السُّؤالِ عَمّا تَكُونُ بِهِ المُماثَلَةُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ؛ فَتَمَّتْ قُدْرَتُهُ؛ ﴿جامِعُ﴾؛ ولَمّا كانَ حالُ الأخْفى أهَمَّ؛ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿المُنافِقِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ؛ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ؛ فَيَقْعُدُونَ مَعَ مَن يَسْمَعُونَهُ يَكْفُرُ؛ ﴿والكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يُجاهِرُونَ بِكُفْرِهِمْ؛ لِرُسُوخِهِمْ فِيهِ؛ ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾؛ الَّتِي هي سِجْنُ المَلِكِ؛ ﴿جَمِيعًا﴾؛ كَما جَمَعَهم مَعَهم مَجْلِسُ الكُفْرِ؛ الَّذِي هو طَعْنٌ في مَلِكِ المُلْكِ؛ والتَّسْوِيَةُ بَيْنَهم في الكُفْرِ؛ بِالقُعُودِ مَعَهُمْ؛ دالَّةٌ عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ العاصِي ومُجالِسِهِ بِالخُلْطَةِ؛ مِن غَيْرِ إنْكارٍ؛

An-Nisaa 4:140Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.