Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 131–140 of 176

131

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allah. But if you disbelieve - then to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah Free of need and Praiseworthy.

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى آخره.

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ هذه تقدم لنا مرارًا أمثالها، وفيه أن تقديم الخبر ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يفيد الحصر، وأنه خاص بالله عز وجل، وملك السماوات والأرض يشمل ما فيهما من الأعيان والمنافع وغير ذلك، كله ملك لله، لا يشاركه فيه أحد، ولهذا لا يمكن لأحد أن يتصرف في شيء من السماوات والأرض إلا بإذن الله عز وجل الإذن الكوني أو الإذن الشرعي.

يقول: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ لما ذكر ما يتعلق بالربوبية، وهو ملك الواسع العام، ذكر ما يتعلق بالألوهية والعبادة، وهي أيش؟ التقوى، فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿وَصَّيْنَا﴾ الوصية هي العهد بالشيء مع التأكيد، يعني ليس مجرد أن أقول: يا فلان افعل كذا وكذا، ليس هذا وصية، بل إذا قيل: وصى فمعناه أنه عهد إليه بالشيء مع التأكيد.

﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أوتوا الكتاب من قبلنا من هم؟ قيل: اليهود والنصارى، ولكن الصحيح أنها أعم وأن كل من أنزل الله إليه كتابًا فقد وصاه بالتقوى، ومن المعلوم أن كل رسول معه كتاب كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥].

إذن فـ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هنا لا تختص باليهود والنصارى، بل كل من آتاه الله الكتاب وصاهم الله تعالى بماذا؟ بالتقوى ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، (أن) هنا يسميها النحويون تفسيرية، وعلامتها أن تأتي بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه، إذا أتت (أن) بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه فأعربها على أنها تفسيرية، وإن شئت فقل: ما حل محلها (أي) فهي تفسيرية، هنا ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي اتقوا الله، فتكون ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ كأنها تفسير لما أوصى به الله سبحانه وتعالى من قبلنا وهذه الأمة.

﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، هنا لو قال قائل: قال: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أليس من الممكن أن يقال: ولقد وصيناكم والذين أوتوا الكتاب من قبلكم؛ حتى لا ينفصل الضمير؟

قلنا: بلى، لكن لما كان هؤلاء سابقين علينا كان مقتضى الترتيب الزمني أن يقَدَّموا، كما أن من سبق غيره في المرتبة فإنه يقدم عليه، ولو أمكن اتصال الضمير مثل قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة ١] كان لقائل يقول: لِمَ لم يكن الكلام: يخرجونكم والرسول؟ لأنه لا فصل مع إمكان الوصل، كما قال ابن مالك في الألفية:

وَفِي اخْتِيَارٍ لَا يَجِيءُ الْمُنْفَصِلْ ∗∗∗ إِذَا تَأَتَّى أَنْ يَجِيءَ الْمُتَّصِلْ

فنقول: نعم في الإمكان أن يكون هكذا، لكن يفوت الغاية، فهنا الذين أوتوا الكتاب ليسوا أفضل منا، ولكنهم أسبق منا زمنًا.

وفي ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ تقديم الرتبة، فذكر الرسول عليه الصلاة والسلام لئلا يكون تابعًا لغيره، فيقال: يخرجونكم والرسول.

يقول: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا ما أوصى به الله عز وجل الأولين والآخرين. وتقوى الله مرت علينا أيضًا كثيرًا مرارًا وتكرارًا على أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. التقوى أحيانًا تضاف إلى الله كما هنا، وأحيانًا تضاف إلى المخلوقات، مثل: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وأحيانًا تضاف إلى الزمن، مثل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وليست التقوى المضافة إلى غير الله …

An-Nisaa 4:131Listen in Qur'an →
132

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ الوكيل هو المراقب المتصرف، ولهذا يكون وكيل الإنسان متصرفًا فيما وكل فيه مراقبًا له.

ففي هذه الآية من عموم ملك الله ما في الأولى.

وفي هذه الآية: كمال مراقبة الله عز وجل لعباده؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.

فإن قال قائل: الوكيل عادةً أدنى رتبة من الموكل، فكيف نقول: إن الله وكيل؟

قلنا: الوكيل الذي هو عادةً أدنى رتبة من الموكل هو الذي يتصرف للغير بأمر غيره، ولَّا لا؟ وكيلك أدنى منك مرتبة؛ لأنه يتصرف لك بأيش؟ بأمرك، فهو دونك، أما الوكيل الذي بمعنى المراقب فإن مرتبته تكون أعلى من المراقب؛ لأنه سبحانه وتعالى يراقب جميع العباد ويحصي عليهم أعمالهم.

ففي الآية أيضا: كمال مراقبة الله عز وجل، وأنها فيها الكفاية عن كل مراقبة.

An-Nisaa 4:132Listen in Qur'an →
133

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًۭا

If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allah competent to do that.

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُم﴾ الجملة لا تخفى علينا جميعًا، أنها جملة شرطية، وفعل الشرط وجوابه كلاهما فعل مضارع، ولهذا جاءا مجزومين ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ بمعنى يعدمكم حتى لا تكونوا في الوجود.

وقوله: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذه منادى صدر الله هذه الجملة بالنداء للتنبيه، والناس هنا يشمل الكافر والمؤمن.

﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ بآخرين يتقون الله عز وجل ويقومون بأمره، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨] وهذا تهديد من الله عز وجل أن يخالف أوامره أحد.

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾، ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ أي على إذهابكم والإتيان بآخرين ﴿قَدِيرًا﴾، والقدرة وصف يتمكن به القادر من الفعل بلا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا.

* الطلبة: بلا عجز.

* الشيخ: بلا عجز، القدرة وصف يتمكن به الفاعل من الفعل بلا عجز، والقوة وصف يتمكن به من الفعل بلا ضعف.

الدليل على هذا أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] ولم يقل: عليمًا قويًّا؛ لأن الذي يقابل العجز هو القدرة.

﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾، ﴿يَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ إذا أردنا أن نعرب (آخرين) فكيف نعربها؟

* طالب: آخرين مجرور بالباء (...) الياء لأنها جمع مذكر سالم.

* الشيخ: لأنها؟

* الطالب: جمع مذكر سالم.

* الشيخ: هل حذف من هذا شيء، من هذه الكلمة: ﴿بِآخَرِينَ﴾.

* الطالب: ﴿بِآخَرِينَ﴾.

* الشيخ: إي نعم.

* الطالب: ما حذف شيء.

* الشيخ: ما حذف شيء.

* الطالب: حذف.

* الشيخ: حذف شيء؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: اجزمْ، ويش التقدير؟

* الطالب: بقوم آخرين.

* الشيخ: بقوم آخرين، إذن الذي حذف هنا الموصوف أو الوصف؟

* الطلبة: الموصوف.

* الشيخ: الموصوف، طيب.

* طالب: ما المقصود من الكلمة هذه؟

* الشيخ: ما نعلم عن القصد، ما يعلم القصود إلا رب العباد، هذا عليه قول ابن مالك رحمه الله:

وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِيالنَّــــــــــــــــــــــــــــعْتِ يَقِلْ

المنعوت يحذف كثيرا ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] ومثل هذه وغيرها، والنعت قليل.

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ وعلى غيره؟ وعلى غيره أيضًا، والتقديم هنا لا يدل على الحصر، ولكن تقديمه لتأكيد قدرته عليه، وهو محل الخصومة بين المنكرين للقدرة وبين المثبتين للقدرة، فلذلك قدم المعمول للأهمية، ومر علينا قريبًا مثله.

* في الآية فوائد، منها: إثبات المشيئة لله، تؤخذ من: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾.

وهل المشيئة الثابتة لله هل هي مشيئة مطلقة مجردة عن الحكمة، أو هي مشيئة مقرونة بالحكمة؟

الثاني، كل شيء علقه الله بالمشيئة فالمراد المشيئة التي تقتضيها الحكمة؛ الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فدل ذلك على أن مشيئة الله مقرونة بالعلم والحكمة.

* ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل أنه قادر على أن يذهب الناس جميعًا ويأتي بآخرين، وتعلمون أن نوحًا عليه الصلاة والسلام أن نوحًا هو الأب الثاني للبشرية؛ لأن الله تعالى أهلك قومه إلا من كانوا معه، وقد قال المؤرخون: إن الذين …

An-Nisaa 4:133Listen in Qur'an →
134

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Whoever desires the reward of this world - then with Allah is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allah Hearing and Seeing.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٣٤ - ١٣٧].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الإعراب ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ هذه جملة شرطية، ففي الشرط فيها (كان)، وجواب الشرط قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، واقترن الجواب بالفاء لأنه لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، وكل جواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط فإنه يتعين أن يقترن بالفاء؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:

وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ

هذا هو الضابط، وقد قُصَّ ما يشمله هذا الضابط بسبع جمل مذكورة في قوله:

اسْمِيَّةٌطَلَبِيَّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ جملة خبرية قدم فيها الخبر لإفادة الحصر؛ لأن من قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يقتضي الحصر. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ واضح إعرابها.

يقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي جزاءها ومتعها وزهرتها فقد فاته الخير الكثير؛ لأنه حُرم ما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة، ولهذا لم يقل: من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها، كما جاء ذلك في آية أخرى ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠] بل جاء الجواب على خلاف ما يتوقع السامع، يعني فكأنه لم ينل شيئًا.

وهذه الآية لها شواهد كثيرة؛ أن من أراد الدنيا فإن الدنيا والآخرة تفوته. ثم هل ينال ما أراد من الدنيا؟

الجواب: لا؛ لقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء ١٨، ١٩] ثم من أراد الآخرة هل تفوته الدنيا؟ لا، ولهذا قال عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠].

فمن أراد الآخرة لم تفته الدنيا، ومن أراد الدنيا قد تفوته الدنيا والآخرة، وإن أتته الدنيا فإنه لا يؤتى إلا منها، لا كل ما يريد. هذا هو الحاصل في الإرادات، ومن أراد الدنيا والآخرة معًا فهل نقول: إنه بين درجتين؟ أو نقول: إنه ينال ثواب الدرجة الثانية، وهي إرادة الآخرة؟ نقول هنا: أيهما أغلب …

An-Nisaa 4:134Listen in Qur'an →
135

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allah, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allah is more worthy of both. So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

ثم قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخطاب لمن؟ لكل المؤمنين، ونحن إن شاء الله تعالى منهم، فالخطاب إذن موجه إلينا وإلى غيرنا من كل مؤمن، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واعلم أن تصدير الله تعالى الخطاب بالنداء يدل على أهميته؛ لأن النداء يلفت سمع السامع ويتجه إلى المنادي: ماذا تريد؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

ثم اعلم أن تخصيص النداء بالمؤمنين يفيد أنهم هم الأهل، لتوجيههم مثل هذا الخطاب؛ لأنهم مؤمنون ينفذون أمر الله إن كان أمرًا، ويتركون نهيه إن كان نهيًا، ويتأدبون بخلقه إن كان خلقًا، فكانوا أهلًا لأن يوجه الخطاب إليهم، وكفى شرفًا بالإيمان أن يوجه الله الخطاب إلى المتصفين به ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، شرف عظيم أن يوجه رب العالمين إليك خطابًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

ويدل أيضًا -تخصيصه بالمؤمنين- على أن ما ذكر من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته تنقص الإيمان.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، ﴿قَوَّامِينَ﴾ فعالين، يعني هي صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون على سبيل النسبة، أي من ذوي القوامة ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾، والقسط هو العدل كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١] فالقسط هو العدل، والإقساط؟

* طالب: (...).

* الشيخ: الجور ولّا الظلم؟

* طالب: (...).

* الشيخ: الجور، ما دليلك؟

* طالب: (...).

* الشيخ: الإقساط؟ القسط معناه العدل أليس كذلك؟ وأما أقسط فبمعنى؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار، ولهذا جاءت الأولى جاء اسم الفاعل منها على وزن مُفْعِل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة ٤٢] وجاء اسم الفاعل من الثاني على وزن فاعل ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، ﴿بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ﴾ حال من فاعل ﴿قَوَّامِينَ﴾، ويحتمل أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: ﴿كُونُوا﴾ لكن كونها حالا أولى.

﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ أي تشهدون بالقسط لله عز وجل، لا يحملكم على هذا رياء ولا سمعة ولا دنيا ولا غير ذلك، شهداء لله فقط كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق ٢].

﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الشهادة على النفس ممكن؟ إي نعم، اشهد على نفسك قبل أن تشهد نفسك عليك، والشهادة على النفس هي الإقرار؛ بأن يقول: فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا، هذه الشهادة على النفس هي الإقرار، ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ يعني الأم والأب، حتى على الأم والأب اشهد، لكن تزعل الأم؟ ولو زعلت؟ لأن رضى الله مقدم على رضى الوالدين. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ مثل الإخوان والأبناء والأجداد والأعمام والأخوال والخالات والقرابة الذين ليسوا بأقربين من باب أولى، لكن الله نص على ذلك لأن النفس قد تميل فيهم فلا تشهد بالعدل، ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.

ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أمر مهم يحمل على الشهادة للمشهود له أو عليه فقال: ﴿إِنْ يَكُنْ﴾ من؟ المشهود عليه أو المشهود له ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ لأن من الناس من يشهد للغني لغناه أو للفقير لفقره، أو يشهد على الغني لغناه أو على الفقير لسبب من الأسباب، فالله أمر بأن نشهد على هؤلاء ولو كان الإنسان غنيا أو فقيرا؛ لأن أمرهما إلى خالقهما عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾، لا يهمك، لا تقل: أشهد للفقير لأنه فقير محتاج وصاحب عائلة، نقول: ولاية الله لهم خير من شهادتك.

ثم قال: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ لا تتبعوا الهوى، أي هوى النفس، وهو ميل الإنسان إلى ما يخالف الشرع، هذا هو الهوى المذموم؛ بأن يميل الإنسان إلى ما يخالف الشرع، يقول: ﴿لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾.

وقوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ …

An-Nisaa 4:135Listen in Qur'an →
136

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

O you who have believed, believe in Allah and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allah, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء ١٣٦] كلما رأيت الخطاب مصدرًا بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فانتبه له، كما يُذكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرْعها سمعك؛ فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه »الزهد لابن المبارك (١ / ١٢) وحلية الأولياء (١ / ١٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود..

وقد ذكرنا فوائد تصدير الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فلا حاجة إلى تكراره؛ لأنه معلوم.

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قد يقول قائل: كيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم يقول: ﴿آمِنُوا﴾ والأمر بالحاصل لغو؟ وخطابهم بالإيمان، ثم أمرهم به هذا أمر بشيء حاصل؟

فيقال: لا، هذا الفهم خطأ، والمراد بقوله: ﴿آمِنُوا﴾ أي: حقِّقوا إيمانكم، واثبتوا عليه؛ فيكون الأمر بالإيمان في قوله: ﴿آمِنُوا﴾ أمرًا بأمرين:

الأول: تحقيق الإيمان؛ أي: الحرص على تكميله من كل وجه.

والثاني: الثبات عليه؛ لأنه كم من مؤمن يزِلّ، ويُقصّر.

وقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ المراد بالرسول هنا: محمد عليه الصلاة والسلام؛ بدليل ما يأتي بعد.

فما هو الإيمان بالله؟

الإيمان بالله ذكرنا فيما سبق، ولا حرج أن نعيده الآن؛ أن الإيمان بالله يتضمّن أمورًا أربعة: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيّته، والإيمان بأسمائه وصفاته؛ هذا الإيمان بالله من أنكر واحدًا منها فإنه لم يؤمن بالله.

الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام يتضمّن الإيمان بأنه رسول الله حقًّا، وأنه جاء بالحق فيصدقه فيما أخبر، ويمتثل أمره فيما أمر، وينزجر عما عنه نهى وزجر.

﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾. والمراد به هنا: القرآن ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ وعبّر عنه بقوله: ﴿نَزَّلَ﴾ عبر عن تنزيله بـ﴿نَزَّلَ﴾؛ لأنه ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦].

﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (الكتاب) هنا اسم جنس، فـ(أل) هنا للاستغراق؛ أي: وكل كتاب أنزل من قبل، وعبر عن الكتب السابقة بـ﴿أَنْزَلَ﴾؛ لأنها تنزل جملة واحدة.

الإيمان بكتاب الله: هو أن تُؤمن بأنه من عند الله حقًّا، وأن ما جاء فيه من أخبار فهو صدق، وما جاء فيه من أحكام فهو عدْل، وأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها.

والإيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل: أن تؤمن بأن كل رسول قد أنزل الله عليه كتاب، وتؤمن بما جاء من الكتب بالتعيين مثل: التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأن تؤمن بأنها من عند الله عز وجل، وأن تؤمن بكل ما صح فيها من خبر.

وقيّدنا: بكل ما صح فيه من خبر؛ لأنه دخلها التحريف، والتبديل، والتغيير. وأما الأحكام فلستَ مأمورًا باتباعها إلا حيث أمرك شرعك.

وقد اختلف العلماء رحمهم الله في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا، أو ليس بشرع؟

والتحقيق: أنه شرع لنا؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠] إلا إذا ورد شرعنا بخلافه، فإنه يكون منسوخًا على أن العمل بالأحكام التي في الكتب الموجودة الآن بأيدي أهل الكتاب ليس مأمونًا؛ لأنهم حرّفوا، وبدّلوا، وغيّروا.

ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ كم هذه من أركان الإيمان؟

خمسة؛ باقي الإيمان بالقدر مذكور في آيات أخرى، من يكفر بالله؛ فينكره، أو ينكر ما ثبت له من حقوق، أو من أسماء، وصفات؛ فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وكذلك من يكفر بالملائكة.

والملائكة: هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل؛ ليقوموا بطاعته، ورتّب لهم وظائف، كل على …

An-Nisaa 4:136Listen in Qur'an →
137

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا

Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed, then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allah forgive them, nor will He guide them to a way.

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء ١٣٧].

كم حصل منهم من إيمان؟

* طلبة: مرتين.

* الشيخ: مرتين، والكفر؟

* الطلبة: ثلاثة.

* الشيخ: ثلاثة؛ هؤلاء آمنوا، دخلوا في الإيمان، لكن الإيمان لم يستقرّ في قلوبهم فارتدوا والعياذ بالله، ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾؛ لأن الإيمان لم يستقر في القلب، ولو استقر الإيمان في قلوبهم ما كفروا، لكن لم يستقر والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]، ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ شوف التذبذب، بعد أن كفروا أول مرة بعد الإيمان آمنوا، وبعد ذلك كفروا وازدادوا كفرًا -نسأل الله العافية- لتلاعبهم بالدين، صار الكفر الأخير أشد مما قبله؛ لأنهم متلاعبون متذبذبون، فهم لا يستقرّون على قرار، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ هذا خبر (إن) إن الذين كفروا ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾.

و﴿لَمْ يَكُنِ﴾ هنا فعل مضارع منفي، واللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ تسمى لام النفي أو لام الجحود؛ وهي زائدة على قول بعض النحويين، وغير زائدة على قول آخرين، فالذين قالوا: إنها زائدة قالوا: التقدير: لم يكن الله يغفر لهم، والذين قالوا: غير زائدة، قالوا: إن ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ على تقدير الإرادة؛ يعني لم يرد لغفرانهم؛ وأيًّا كان ففي قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ تيئيس لهم من المغفرة والعياذ بالله، وأنهم سيبقون على كفرهم إلى يوم يلقونه.

﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ يعني طريقًا، إلى الخير أو إلى الشر؟ إلى الخير، لا يمكن أن يهديهم الله سبيلًا إلى الخير، وفي الآية التي في آخر السورة: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] قال ذلك في الذين كفروا وظلموا.

فهؤلاء الذين حصل لهم ذلك قد سدّ الله عنهم باب المغفرة وباب الرحمة؛ باب المغفرة في قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، وباب الرحمة في قوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.

* طالب: هل يؤخذ من هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ فائدة أخرى هي الإيمان يزيد وينقص؟

* الشيخ: ربما يؤخذ منه أن الإيمان يزيد وينقص، قلنا: ﴿آمَنُوا﴾ أي: اثبتوا على الإيمان، وحقّقوا الإيمان.

* الطالب: يعني يزيد في الإيمان؟

* الشيخ: نعم.

* طالب: الضلال البعيد يعود على كل من كفر بهذه الأربع، أو بواحد منها؟

* الشيخ: الضلال البعيد يعود على كل من كفر بالأربع أو بواحد منها؛ لأن الذي يؤمن ببعض ويكفر ببعض كالذي كفر بالكل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١].

* طالب: شيخ، قال بعضهم: إن المسلم إذا ارتدّ يستتاب، فإن تاب ثم ارتد..

* الشيخ: ما وصلنا إلى الأحكام.

* طالب: شيخ، الله جل وعلا أطلق اسم الكفر على من كفر به، وقلنا: يا شيخ، إن من كفر بالله يتضمن الكفر بصفاته جل وعلا، وكثير يا شيخ من الناس من يكفر بصفات الله جل وعلا، فهل يصح إطلاق اسم الكفر..؟

* الشيخ: الكفر بصفات الله نوعان: كفر تكذيب، وكفر تأويل.

يعني: بمعنى أدق إنكار صفات الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: إنكار تأويل، وإنكار تكذيب؛ أما إنكار التكذيب فإنه كفر؛ لأنه تكذيب للخبر مثل: أن يقول في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] قال: إن الله لم يستوِ على …

An-Nisaa 4:137Listen in Qur'an →
138

بَشِّرِ ٱلْمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -

قال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.

﴿بَشِّرِ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ويمكن أن نجعله عامًّا لكل من يتوجّه الخطاب إليه سواء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أم غيره؛ والبشارة في الأصل هي الإخبار بما يسُرّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٥] فالتبشير الإخبار بما يسُرّ؛ فكيف قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهل العذاب الأليم يسُرّ؟

لا، أجاب بعض العلماء بأن هذا من باب التهكُّم بهم، وهذا يقع كثيرًا في كلام الناس، إذا رأى إنسانًا متمردًا قال: أبشِر بالخيبة، أبشِر بالعقوبة، وما أشبه ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩].

فإن بعض العلماء قال المراد بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ التهكّم.

وبعضهم قال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ في الدنيا، وهذا جزاؤك في الآخرة.

أما الجواب الثاني فقالوا: إن البشارة هي الإخبار بما يتغيّر به الوجه من خير، أو شر، وسُميت بذلك؛ لأن البشرة تتغير، لكن إذا أُخبر الإنسان بما يسرّه استنار وجهه، وإذا أُخبر بما يسوؤه أظلم وجهه واكفهر.

وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال هل قيل هذا على سبيل التهكم، أو على سبيل الحقيقة؟

بل يكون قيل على سبيل الحقيقة.

وقوله: ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ يعني: الذين نافقوا بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر؛ مأخوذ من (نافقاء اليربوع) أي: جحره؛ لأن اليربوع له جحر له باب مفتوح يحفر في الأرض خندقًا، ثم يجعل في آخر الجحر قشرة رقيقة؛ حتى إذا أُتي من باب الجحر سهل عليه أن يرفع هذه القشرة الرقيقة برأسه، ويخرج.

هذا أصل النفاق، من نافقاء اليربوع.

والنفاق لم يكن معروفًا قبل الإسلام، ولا في أول الإسلام؛ لأن أول الإسلام ليس هناك قوة للمسلمين يخافها الناس، لكن لما صار للمسلمين شوكة وقوي المسلمون، وذلك بعد انتصارهم في غزوة بدر في السنة الثانية بدأ النفاق يظهر.

وقال المنافقون: إن أمره قد اشتد، وظهر فلا بد أن نداهنه، ولا بد أن نُظهر أننا معه حتى لا ينالنا بسوء؛ وحصل لهم ما أرادوا، فإن الرسول ﷺ لم ينلهم بسوء حتى إنه استؤذن في قتلهم فقال: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله..

لكن هذا لا ينفعهم؛ إذن أول ما ظهر النفاق متى؟ حين قوي المسلمون بعد غزوة بدر.

﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ﴿بِأَنَّ﴾ متعلق بـ﴿بَشِّرِ﴾، و﴿عَذَابًا﴾ اسم (أن)، و﴿لَهُمْ﴾ خبرها مقدم.

﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: مؤلما؛ فما هذا العذاب الأليم؟

سيأتي في آخر الآيات قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء ١٤٥].

* في هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا أن نصارح المنافقين بأن نبشّرهم سواء بلفظ: أبشروا، أو بلفظ: اعلموا بأن لهم عذابًا أليمًا حتى يرتدعوا عن نفاقهم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين مستحقّون للعذاب الأليم؛ لقوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ﴾، و(اللام) هذه للاستحقاق.

* ومن فوائد هذه الآية أيضًا: أن عذابهم مؤلم موجع.

An-Nisaa 4:138Listen in Qur'an →
139

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا

Those who take disbelievers as allies instead of the believers. Do they seek with them honor [through power]? But indeed, honor belongs to Allah entirely.

ثم بيّن من صفاتهم ما ذكره بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه من علامات النفاق، أن الإنسان يتولّى الكفار دون المؤمنين؛ لأنه يجد المؤمنين ضعفاء ليس لهم شوكة، والكفار أقوياء لهم الشوكة، والسلطة فيتخذهم أولياء؛ يُواليهم، يُناصرهم، يُداهنهم، ولو على حساب الدين كما يُوجد الآن من بعض الناس بالنسبة لموالاة الكفّار من دون المؤمنين، بل تجده سيفًا مسلولًا على المسلمين، وتجده على الكفار ماءً باردًا؛ يواليهم، ويناصرهم، هذا من صفات المنافقين.

﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أولياء في أي شيء؟

في التولّي في جميع الأمور؛ أولياء في المحبة، أولياء في النصرة والمساعدة، ولو بالقول، أولياء في تقويم اقتصادهم، أولياء في مداهنتهم، وعدم التعرّض لهم وما هم عليه؛ المهم أن طرق الولاية كثيرة.

وقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أتت (مِن) الدالة على بُعد الصلة بينه وبين المؤمنين كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] فهو أبلغ من قوله: وبيننا وبينك حجاب؛ هذه أيضًا ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تدل على بُعد الصلة بين المؤمنين والمنافقين.

قال تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ أي: أيطلبون عند الكافرين العزة؛ يعني الغلبة، والقوة، والقهر.

وهذا هو الذي يحصل من بعض من يتولّى الكفار، يطلبون منهم العزة؛ أن يعتزوا بهم؛ فأبطل الله هذا الابتغاء بقوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ما هي العزة عند الكفار، وهذا كقوله تعالى عن المنافقين أنفسهم: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]. وهذا حق لكن من الأعز؟

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهنا لم يقل: والله الأعز، ورسوله، والمؤمنون؛ لأنه لو قال: والله أعز، لأثبت لهم عزة؛ ولكنه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ بصيغة تقتضي الحصر بتقديم الخبر؛ لأجل أن يتبين أن المنافقين لا عزة لهم، وكيف يكون لهم عزة؛ وهم يتقون، ويداهنون، ويخادعون؟

﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ كلمة ﴿جَمِيعًا﴾ حال من العزة، وهي تدل على أن هناك أنواعًا من العزة؛ وهكذا قال العلماء: إن العزة ثلاثة أنواع:

عِزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ فالله تعالى وحده هو القاهر لكل شيء، الغالب لكل شيء، والله وحدَه هو ذو القدر العظيم الذي لا يماثله شيء، والله وحده هو الذي يمتنع عليه كل نقص وكل عيب؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.

* في هذه الآية من الفوائد: بيان صفة قبيحة من صفات المنافقين وهي؟

* طالب: أنهم يوالون الكافرين من دون المؤمنين.

* الشيخ: صحيح؛ موالاة الكافرين من دون المؤمنين، إذن كل من والى الكافرين من دون المؤمنين؛ ففيه نفاق.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ابتغى العِزة من دون الله، فهو ذليل؛ لقوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ فإن هذا استفهام إنكار.

* ومن فوائدها: أن العزة لله وحده؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فهو العزيز؛ الذي يُعز من يشاء، ويذل من يشاء.

* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يقطع العلائق عن الخلائق، وأن يُعلّق قلبه بمن؟

بالله عز وجل، يبتغي منه العزة، يبتغي منه النصر، يبتغي منه دفع البلاء، يبتغي منه تسهيل الأمور، وهكذا علِّق قلبك بربك.

ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا﴾ [النساء ١٤٠].

* طالب: شيخ، فهمت هذا ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (من) صلة هذا يدل على بعد (...)؟

* الشيخ: نعم، إذا قلت: ﴿مِنْ دُونِ﴾ صار هناك مسافة أوجدتها كلمة ﴿مِنْ﴾ يعني: كأن هناك مسافة بينهم وبين المؤمنين؛ لو قال: ﴿دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان فيه احتمال إنه يكون قريبًا من …

An-Nisaa 4:139Listen in Qur'an →
140

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًۭا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا

And it has already come down to you in the Book that when you hear the verses of Allah [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them. Indeed Allah will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤٠ - ١٤٣].

* الشيخ: أحسنت. يقول الله عز وجل: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾.

قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ الفاعل هو الله عز وجل، و(نزّل)، و(أنزل) معناهما واحد.

وقيل: أنزل فيما كان جملة واحدة، ونزّل فيما كان متفرقًا. ولكن آيات الكتاب العزيز تدل على أنه لا فرق، ولكن الذي يتدبر القرآن يدل على أنه لا فرق؛ فإن الله تعالى يعبر عن إنزال القرآن تارة بالإنزال وتارة بالتنزيل، نعم، إذا فصّل في هذا مثل قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ [الفرقان ٣٢] أي: نزلناه ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ فعلى حسب ما حصل.

﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ أي: الله عز وجل ﴿عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: في القرآن.

وإذا فسّرنا ﴿الْكِتَابِ﴾ بالقرآن؛ فهذا تفسير بالمراد.

وإذا فسرنا ﴿الْكِتَابِ﴾ بالمكتوب؛ فهذا تفسير باللفظ.

فالتفسير باللفظ: هو الذي يفسّر اللفظ بما يوافق اشتقاقه.

والتفسير بالمراد: هو الذي يُفسّر اللفظ فيه بما أُريد به، بقطع النظر عن الاشتقاق.

فإذا قلت: ﴿الْكِتَابِ﴾ بمعنى: المكتوب فهذا تفسير لفظي باللفظ.

وإذا قلت المراد به: القرآن؛ فهذا تفسير بالمراد.

وهذا يقع كثيرًا في القرآن الكريم تارة تُفسّر الكلمة بمرادها، وتارة تُفسّر بما يوافق اشتقاقها.

على كل ﴿الْكِتَابِ﴾ هنا فِعال بمعنى: (مفعول)؛ أي: مكتوب، وسمي مكتوبًا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ولأنه مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، ولأنه مكتوب بأيدي السفرة الكرام البررة.

يقول: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ هذه ﴿أَنْ﴾ مصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية؛ لأن التنزيل يتضمن معنى القول دون حروفه.

والتفسيرية: هي التي تأتي مفسرة لما تضمن معنى القول دون حروفه..

معنى المكتوب، فهذا تفسير لفظي باللفظ، وإذا قلت: المراد به القرآن، فهذا تفسير بالمراد، وهذا يقع كثيرًا في القرآن الكريم، تارة تفسَّر الكلمة بمرادها، وتارة تفسَّر بما يوافق اشتقاقها، على كلٍّ ﴿الْكِتَابِ﴾ [النساء ١٤٠] هنا (فِعَال) بمعنى (مفعول) أي: مكتوب، وسُمِّي مكتوبًا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ولأنه مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، ولأنه مكتوب بأيدي السفرة الكرام البررة.

يقول: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، هذه (أن) مصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية؛ لأن التنزيل يتضمن معنى القول دون حروفه، والتفسيرية هي التي تأتي مفسِّرة لما تضمن معنى القول دون حروفه، المنزَّل الآن ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ …

An-Nisaa 4:140Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.