Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 131–140 of 176

131

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allah. But if you disbelieve - then to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah Free of need and Praiseworthy.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ المَوْجُوداتِ كائِنًَا ما كانَ مِنَ الخَلائِقِ وأرْزاقِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى كَمالِ سِعَتِهِ وعِظَمِ قدرته.

﴿وَلَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: أمَرْناهم في كِتابِهِمْ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ومَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، واللّامُ في "الكِتابَ" لِلْجِنْسِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"وَصَّيْنا" أوْ بِـ"أُوتُوا".

﴿وَإيّاكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ.

﴿أنِ اتَّقُوُا اللَّهَ﴾ أيْ: وصَّيْنا كُلًَّا مِنكم ومِنهم بِأنِ اتَّقُوُا اللَّهَ عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِأنَّ التَّوْصِيَةَ في مَعْنى القَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ حِينَئِذٍ مِن تَتِمَّةِ القَوْلِ المَحْكِيِّ أيْ: ولَقَدْ قُلْنا لَهم ولَكُمُ اتَّقُوُا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا إلى آخِرِ الآيَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "أنْ" مَصْدَرِيَّةً مَبْنى الكَلامِ إرادَةُ القَوْلِ أيْ: أمَرْناهم وإيّاكم بِالتَّقْوى وقُلْنا لَهم ولَكم ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ الآيَةَ. وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ خُوطِبَ بِها هَذِهِ الأُمَّةُ، وأيًَّا ما كانَ فالمُتَرَتِّبُ عَلى كُفْرِهِمْ لَيْسَ مَضْمُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّهِ﴾ الآيَةِ بَلْ هو الأمْرُ بِعِلْمِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَكْفُرُوا فاعْلَمُوا أنَّ لِلَّهِ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ مِنَ الخَلائِقِ قاطِبَةً مُفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في الوُجُودِ وسائِرِ النِّعَمِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ لا يَسْتَغْنُونَ عَنْ فَيْضِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَحَقُّهُ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى ويُتَّقى عِقابُهُ ويُرْجى ثَوابُهُ، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ أيْ: عَنِ الخَلْقِ وعِبادَتِهِمْ.

﴿حَمِيدًا﴾ مَحْمُودًَا في ذاتِهِ حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ فَلا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ كَما لا يَنْتَفِعُ بِشُكْرِهِمْ وتَقْواهم وإنَّما وصّاهم بِالتَّقْوى لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَتِهِ.

An-Nisaa 4:131Listen in Qur'an →
132

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِلْمُخاطَبِينَ تَوْطِئَةً لِما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المَحْكِيِّ، أيْ: لَهُ سُبْحانَهُ ما فِيهِما مِنَ الخَلائِقِ خَلْقًَا ومِلْكًَا يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَما يَشاءُ إيجادًَا وإعْدامًَا وإحْياءً وإماتَةً.

﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ في تَدْبِيرِ أُمُورِ الكُلِّ وكُلِّ الأُمُورِ فَلا بُدَّ مِن أنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ لا عَلى أحَدٍ سِواهُ.

An-Nisaa 4:132Listen in Qur'an →
133

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًۭا

If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allah competent to do that.

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ﴾ أيْ: يُفْنِكم ويَسْتَأْصِلْكم بِالمَرَّةِ.

﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أيْ: ويُوجِدُ دَفْعَةً مَكانَكم قَوْمًَا آخَرِينَ مِنَ البَشَرِ أوْ خَلْقًَا آخَرِينَ مَكانَ الإنْسِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ مَضْمُونَ الجَزاءِ، أيْ: إنْ يَشَأْ إفْناءَكم وإيجادَ آخَرِينَ يُذْهِبْكم إلَخْ يَعْنِي: أنَّ إبْقاءَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِصْيانِ إنَّما هو لِكَمالِ غِناهُ عَنْ طاعَتِكم ولِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ بِإفْنائِكم لا لِعَجْزِهِ سُبْحانَهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًَّا كَبِيرًَا.

﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ: عَلى إفْنائِكم بِالمَرَّةِ وإيجادِ آخَرِينَ دَفْعَةً مَكانَكم.

﴿قَدِيرًا﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ وفِيهِ لا سِيَّما في تَوْسِيطِ الخِطابِ بَيْنَ الجَزاءِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن تَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِمَن عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ أيْ: إنْ يَشَأْ يُمِتْكم ويَأْتِ بِأُناسٍ آخَرِينَ يُوالُونَهُ فَمَعْناهُ: هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ ويُرْوى أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ وقالَ: "إنَّهم قَوْمُ هَذا يُرِيدُ أبْناءَ فارِسَ".

An-Nisaa 4:133Listen in Qur'an →
134

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Whoever desires the reward of this world - then with Allah is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allah Hearing and Seeing.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ كالمُجاهِدِ يُرِيدُ بِجِهادِهِ الغَنِيمَةَ.

﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: فَعِنْدَهُ تَعالى ثَوابُهُما لَهُ إنْ أرادَهُ فَمالَهُ يَطْلُبُ أخَسَّهُما فَلْيَطْلُبْهُما كَمَن يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً أوْ لِيَطْلُبْ أشْرَفَهُما فَإنَّ مَن جاهَدَ خالِصًَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لَمْ تُخْطِئْهُ الغَنِيمَةُ ولَهُ في الآخِرَةِ ما هي في جَنْبِهِ كَلا شَيْءٍ، أيْ: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ فَيُعْطِي كُلًَّا ما يُرِيدُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الآيَةِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ عالِمًَا بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ فَيَنْدَرِجُ فِيها ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ المُتَعَلِّقَةِ بِمُراداتِهِمُ انْدِراجًَا أوَّلِيًَّا.

An-Nisaa 4:134Listen in Qur'an →
135

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allah, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allah is more worthy of both. So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ مُبالِغِينَ في العَدْلِ وإقامَةِ القِسْطِ في جَمِيعِ الأُمُورِ مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ حَقَّ الِاجْتِهادِ.

﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ بِالحَقِّ تُقِيمُونَ شَهاداتِكم لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وهو خَبَرٌ ثانٍ وقِيلَ حالٌ.

﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أىْ ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم بِأنْ تُقِرُّوا عَلَيْها عَلى أنَّ الشَّهادَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإخْبارِ بِحَقِّ الغَيْرِ سَواءً كانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أوْ عَلى ثالِثٍ بِأنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُسْتَتْبِعَةً مِن جِهَةِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ.

﴿أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ أيْ: ولَوْ كانَ عَلى والِدَيْكم وأقارِبِكم.

﴿إنْ يَكُنْ﴾ أيِ: المَشْهُودُ عَلَيْهِ.

﴿غَنِيًّا﴾ يَنْبَغِي في العادَةِ رِضاهُ ويُتَّقى سَخَطُهُ.

﴿أوْ فَقِيرًا﴾ يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ غالِبًَا وقُرِئَ "إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ" عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ وجَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ عَلَيْهِ أىْ: فَلا تَمْتَنِعُوا عَنْها طَلَبًَا لِرِضا الغَنِيِّ أوْ تَرَحُّمًَا عَلى الفَقِيرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِما ذَكَرَ ولَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مُصْلِحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها، وقُرِئَ "أوْلى بِهِمْ".

﴿فَلا تَتَّبِعُوُا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ أيْ: مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ فَإنَّ اتِّباعَ الهَوى مِن مَظانِّ الجَوْرِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُخافَ ويُحْذَرَ. وقِيلَ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النّاسِ أوْ إرادَةَ أنْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ.

﴿وَإنْ تَلْوُوا﴾ أيْ: ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ بِأنْ تَأْتُوا بِها لا عَلى وجْهِها، وقُرِئَ "وَإنْ تَلُوا" مِنَ الوِلايَةِ والتَّصَدِّي أيْ: وإنْ ولِيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ.

﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ أيْ: عَنْ إقامَتِها رَأْسًَا.

﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن لَيِّ الألْسِنَةِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَ.

﴿خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم لا مَحالَةَ عَلى ذَلِكَ فَهو عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وعِيدٌ مَحْضٌ وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ.

An-Nisaa 4:135Listen in Qur'an →
136

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

O you who have believed, believe in Allah and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allah, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِكافَّةِ المُسْلِمِينَ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ اثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِذَلِكَ وداوِمُوا عَلَيْهِ وازْدادُوا فِيهِ طُمَأْنِينَةً ويَقِينًَا أوْ آمِنُوا بِما ذُكِرَ مُفَصَّلًَا بِناءً عَلى أنَّ إيمانَ بَعْضِهِمْ إجْمالِيٌّ والمُرادُ بِالكِتابِ الثّانِي: الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ وبِالإيمانِ بِهِ الإيمانُ بِأنَّ كُلَّ كِتابٍ مِن تِلْكَ الكُتُبِ مُنَزَّلٌ مِنهُ تَعالى عَلى رَسُولٍ مُعَيَّنٍ لِإرْشادِ أُمَّتِهِ إلى ما شَرَعَ لَهم مِنَ الدِّينِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ الإيمانِ بِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الكُتُبِ خُصُوصِيَّةُ ذَلِكَ الكِتابِ ولا عَلى أنَّ أحْكامَ تِلْكَ الكُتُبِ وشَرائِعَها باقِيَةٌ بِالكُلِّيَّةِ ولا عَلى أنَّ الباقِيَ مِنها مُعْتَبَرٌ بِالإضافَةِ إلَيْها بَلْ عَلى أنَّ الإيمان بالكُلِّ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإيمان بالكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى رَسُولِهِ وأنَّ أحْكامَ كُلٍّ مِنها كانَتْ حَقَّةً ثابِتَةً إلى وُرُودِ ما نَسَخَها وأنَّ ما لَمْ يُنْسَخْ مِنها إلى الآنَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ ثابِتَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها مِن أحْكامِ هَذا الكِتابِ الجَلِيلِ المَصُونِ عَنِ النَّسْخِ والتَّبْدِيلِ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ خاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وقُرِئَ "نُزِّلَ" و"أُنْزِلَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ لِما أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وابْنَ أُخْتِهِ سَلامَةَ وابْنَ أخِيهِ سَلَمَةَ وأسَدًَا وأُسَيْدًَا ابْنىْ كَعْبٍ وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ ويامِينَ بْنَ يامِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ وبِمُوسى والتَّوْراةِ وعُزَيْرٍ ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ فَقالَ ﷺ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وكِتابِهِ القرآن وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ فَقالُوا: لا نَفْعَلُ فَنَزَلَتْ فَآمَنُوا كُلُّهم فَأمَرَهم بِالإيمان بالكِتابِ المُتَناوِلِ لِلتَّوْراةِ مَعَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِها مِن قَبْلُ لَيْسَ لِكَوْنِ المُرادِ بِالإيمانِ ما يَعُمُّ إنْشاءَهُ والثَّباتَ عَلَيْهِ ولا لِأنَّ مُتَعَلَّقَ الأمْرِ حَقِيقَةً هو الإيمانُ بِما عَداها كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا بِالكُلِّ ولا تَخُصُّوهُ بِالبَعْضِ بَلْ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو الإيمانُ بِها في ضِمْنِ الإيمان بالقرآن عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًَا لا إيمانُهُمُ السّابِقُ ولِأنَّ فِيهِ حَمْلًَا لَهم عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ سائِرِ الكُتُبِ في التَّصْدِيقِ لِاشْتِراكِ الكُلِّ فِيما يُوجِبُهُ وهو النُّزُولُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ فالمَعْنى: آمِنُوا بِالكُلِّ لا بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وأمَرَ كُلَّ طائِفَةٍ بِالإيمانِ بِكِتابِهِ في ضِمْنِ الأمْرِ بِالإيمانِ بِجِنْسِ الكِتابِ لِما ذَكَرَ. وقِيلَ: هو لِلْمُنافِقِينَ فالمَعْنى: آمِنُوا بِقُلُوبِكم لا بِألْسِنَتِكم فَقَطْ.

﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أىْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَنِ المَقْصِدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَعُودُ إلى طَرِيقِهِ وزِيادَةُ المَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ في جانِبِ الكُفْرِ لِما أنَّ بِالكُفْرِ بِأحَدِهِما لا يَتَحَقَّقُ الإيمانُ أصْلًَا، وجَمْعُ الكُتُبِ والرُّسُلِ لِما أنَّ الكُفْرَ بِكِتابٍ أوْ بِرَسُولٍ كُفْرٌ بِالكُلِّ …

An-Nisaa 4:136Listen in Qur'an →
137

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا

Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed, then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allah forgive them, nor will He guide them to a way.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ قَتادَةُ: هُمُ اليَهُودُ آمَنُوا بِمُوسى.

﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ.

﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ عِنْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ.

﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بِعِيسى والإنْجِيلِ.

﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ وازْدادُوا تَمادِيًَا في الغَيِّ.

﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ لِما أنَّهُ يُسْتَبْعَدُ مِنهم أنْ يَتُوبُوا عَنِ الكُفْرِ ويَثْبُتُوا عَلى الإيمانِ فَإنَّ قُلُوبَهم قَدْ ضُرِبَتْ بِالكُفْرِ وتَمَرَّنَتْ عَلى الرِّدَّةِ وكانَ الإيمانُ عِنْدَهم أهْوَنَ شَيْءٍ وأدْوَنَهُ لا أنَّهم لَوْ أخْلَصُوُا الإيمانَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهم ولَمْ يُغْفَرْ لَهُمْ، وخَبَرُ كانَ مَحْذُوفٌ، أيْ: مُرِيدًَا لِيَغْفِرَ لَهم.

An-Nisaa 4:137Listen in Qur'an →
138

بَشِّرِ ٱلْمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَذْكُورِينَ الَّذِينَ آمَنُوا في الظّاهِرِ نِفاقًَا وكَفَرُوا في السِّرِّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًَا ونِفاقًَا، ووَضَعَ بَشِّرْ مَوْضِعَ أنْذِرْ تَهَكُّمًَا بِهِمْ.

An-Nisaa 4:138Listen in Qur'an →
139

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا

Those who take disbelievers as allies instead of the believers. Do they seek with them honor [through power]? But indeed, honor belongs to Allah entirely.

﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ بِمَعْنى أُرِيدَ بِهِمُ الَّذِينَ أوْ هُمُ الَّذِينَ. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَتَّخِذُونَ" أيْ: يَتَّخِذُونَ الكَفَرَةَ أنْصارًَا مُتَجاوِزِينَ وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ وكانُوا يُوالُونَهم ويَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا يَتِمُّ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَوَلُّوُا اليَهُودَ.

﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ إنْكارٌ لِرَأْيِهِمْ وإبْطالٌ لَهُ وبَيانٌ لِخَيْبَةِ رَجائِهِمْ وقَطْعٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، أيْ: أيَطْلُبُونَ بِمُوالاةِ الكَفَرَةِ القُوَّةَ والغَلَبَةَ. قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ العِزَّةِ: الشِّدَّةُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْأرْضِ الشَّدِيدَةِ الصُّلْبَةِ عَزازٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مِن بُطْلانِ رَأْيِهِمْ وخَيْبَةِ رَجائِهِمْ فَإنَّ انْحِصارَ جَمِيعِ أفْرادِ العِزَّةِ في جَنابِهِ عَزَّ وعَلا بِحَيْثُ لا يَنالُها إلّا أوْلِياؤُهُ الَّذِينَ كَتَبَ لَهُمُ العِزَّةَ والغَلَبَةَ. قالَ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَقْضِي بِبُطْلانِ التَّعَزُّزِ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى واسْتِحالَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ. وقِيلَ: هو جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ يَبْتَغُوا عِنْدَهم عِزَّةً فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ و"جَمِيعًَا" حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ.

An-Nisaa 4:139Listen in Qur'an →
140

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًۭا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا

And it has already come down to you in the Book that when you hear the verses of Allah [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them. Indeed Allah will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -

﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مُفِيدٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ تَعْدادُ جِناياتِهِمْ، وقُرِئَ مَبْنِيًَّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّنْزِيلِ والإنْزالِ، ونَزَلَ أيْضًَا مُخَفَّفًَا والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "يَتَّخِذُونَ" أيْضًَا مُفِيدَةٌ لِكَمالِ قَباحَةِ حالِهِمْ ونِهايَةِ اسْتِعْصائِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِبَيانِ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن مُوالاةِ الكَفَرَةِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ وهو وُرُودُ النَّهْيِ الصَّرِيحِ عَنْ مُجالَسَتِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِلنَّهْيِ عَنْ مُوالاتِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ إثْرَ بَيانِ انْتِفاءِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ والحالُ أنَّهُ تَعالى قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم قَبْلَ هَذا بِمَكَّةَ.

﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ: القرآن الكَرِيمِ.

﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةُ وهَذا يَقْتَضِي الِانْزِجارَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ القَبِيحَةِ فَكَيْفَ بِمُوالاتِهِمْ والِاعْتِزازِ بِهِمْ و"أنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُكْفَرُ بِها﴾ حالٌ مِن "آياتِ اللَّهِ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِها﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِ الحالِيَّةِ وإضافَةُ الآياتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَشْرِيفِها وإبانَةِ خَطَرِها وتَهْوِيلِ أمْرِ الكُفْرِ بِها، أيْ: نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ مَكْفُورًَا بِها ومُسْتَهْزَأً بِها، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ المُنْزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْ خُوطِبَ بِهِ خاصَّةً مُنْزَلٌ عَلى الأُمَّةِ وأنَّ مَدارَ الإعْراضِ عَنْهم هو العِلْمُ بِخَوْضِهِمْ في الآياتِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ تارَةً بِالرُّؤْيَةِ وَأُخْرى بِالسَّماعِ، وأنَّ المُرادَ بِالإعْراضِ: إظْهارُ المُخالَفَةِ بِالقِيامِ عَنْ مَجالِسِهِمْ لا الإعْراضُ بِالقَلْبِ أوْ بِالوَجْهِ فَقَطْ والضَّمِيرُ في "مَعَهُمْ" لِلْكَفَرَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها﴾ .

﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ التَّنْزِيلِ و "إذَنْ" مُلْغاةٌ عَنِ العَمَلِ لِوُقُوعِها بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ، أيْ: لا تَقْعُدُوا مَعَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنَّكم إنْ فَعَلْتُمُوهُ كُنْتُمْ مِثْلَهم في الكُفْرِ واسْتِتْباعِ العَذابِ، وإفْرادُ المِثْلِ لِأنَّهُ كالمَصْدَرِ أوْ لِلِاسْتِغْناءِ بِالإضافَةِ إلى الجَمْعِ وقُرِئَ شاذًَّا "مِثْلَهُمْ" بِالفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: في مِثْلِ حالِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهم في الكُفْرِ بِبَيانِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن شِرْكَتِهِمْ لَهم في العَذابِ والمُرادُ بِالمُنافِقِينَ: إمّا المُخاطَبُونَ وقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمُ المُظْهَرِ تَسْجِيلًَا بِنِفاقِهِمْ وتَعْلِيلًَا لِلْحُكْمِ بِمَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ، وإمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ تَحْتَهُ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، وتَقْدِيمُ المُنافِقِينَ عَلى الكافِرِينَ …

An-Nisaa 4:140Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.