Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 176

11

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

Allah instructs you concerning your children: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate. And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [or sisters], for his mother is a sixth, after any bequest he [may have] made or debt. Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allah. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ؛ تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى بَيانِ مَقادِيرِ الِاسْتِحْقاقِ بِالإرْثِ لِكُلِّ واحِدٍ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اسْتِحْقاقِ الرِّجالِ؛ والنِّساءِ؛ مِن غَيْرِ تَقْيِيدِ يَتِيمٍ؛ فاقْتَضَتِ البَلاغَةُ بَيانَ أُصُولِ جَمِيعِ المَوارِيثِ؛ وشِفاءَ العَلِيلِ؛ بِإيضاحِ أمْرِها؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ؛ مُؤَكِّدًا لِما أمَرَ بِهِ مِنها؛ غايَةَ التَّأْكِيدِ؛ مُشِيرًا إلى عَظَمَةِ هَذا العِلْمِ؛ بِالتَّقَدُّمِ في الإيصاءِ في أوَّلِ آياتِهِ؛ والتَّحْذِيرِ مِنَ الضَّلالِ في آخِرِها؛ ورَغَّبَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهُ نِصْفُ العِلْمِ؛ وحَذَّرَ مِن إضاعَتِهِ بِأنَّهُ أوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنَ الأُمَّةِ -: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العَظْمَةِ الكامِلَةِ؛ والحِكْمَةِ البالِغَةِ؛ وبَدَأ بِالأوْلادِ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ الإنْسانِ بِهِمْ أشَدُّ؛ فَقالَ: ﴿فِي أوْلادِكُمْ﴾؛ أيْ: إذا ماتَ مُوَرِّثُهم.

ولَمّا كانَ هَذا مُجْمَلًا؛ كانَ بِحَيْثُ يُطْلَبُ تَفْسِيرُهُ؛ فَقالَ - جَوابًا لِذَلِكَ؛ بادِئًا بِالأشْرَفِ بَيانًا؛ لِفَضْلِهِ بِالتَّقْدِيمِ؛ وجَعْلِهِ أصْلًا - والتَّفْصِيلُ: ﴿لِلذَّكَرِ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ إذا كانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الإناثِ؛ ولَمْ يَمْنَعْهُ مانِعٌ مِن قَتْلٍ؛ ولا مُخالَفَةِ دِينٍ؛ ونَحْوِهِ؛ ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أيْ: نَصِيبٌ؛ مِن شَأْنِهِ أنْ يُغْنِيَ؛ ويُسْعِدَ؛ وهو الثُّلُثانِ؛ إذا انْفَرَدَتا؛ فَلِلْواحِدَةِ مَعَهُ الثُّلُثُ؛ فَأثْبَتَ - سُبْحانَهُ - لِلْإناثِ حَظًّا؛ تَغْلِيظًا لَهم في مَنعِهِنَّ مُطْلَقًا؛ ونَقْصَهُنَّ عَنْ نَصِيبِ الرِّجالِ؛ تَعْرِيضًا بِأنَّهم أصابُوا في نَفْسِ الحُكْمِ؛ بِإنْزالِهِنَّ عَنْ دَرَجَةِ الرِّجالِ.

ولَمّا بانَ سَهْمُ الذَّكَرِ؛ مَعَ الأُنْثى؛ بِعِبارَةِ النَّصِّ؛ وأشْعَرَ ذَلِكَ بِأنْ لَهُنَّ إرْثًا في الجُمْلَةِ؛ وعِنْدَ الِاجْتِماعِ مَعَ الذَّكَرِ؛ وفُهِمَ بِحَسَبِ إشارَةِ النَّصِّ - وهي ما ثَبَتَ بِنَظْمِهِ؛ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ؛ ولا سَبَقَ لَهُ النَّصُّ - حُكْمُ الأُنْثَيَيْنِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُما ذَكَرٌ؛ وهو أنَّ لَهُما الثُّلُثَيْنِ؛ وكانَ ذَلِكَ أيْضًا مُفْهِمًا لِأنَّ الواحِدَةَ إذا كانَ لَها مَعَ الأخِ الثُّلُثُ؛ كانَ لَها ذَلِكَ مَعَ الأُخْتِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ذَكَرٌ مِن بابِ الأوْلى؛ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُنَّ إذا كُنَّ ثَلاثًا؛ أوْ أكْثَرَ؛ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ؛ اسْتَغْرَقْنَ التَّرِكَةَ؛ وإنْ كانَتْ واحِدَةً؛ لَيْسَ مَعَها ذَكَرٌ؛ لَمْ تَزِدْ عَلى الثُّلُثِ؛ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ - كَما تَقَدَّمَ – بِقَوْلِهِ - مُبَيِّنًا إرْثَهُنَّ حالَ الِانْفِرادِ -: ﴿فَإنْ كُنَّ﴾؛ أيْ: الوارِثاتُ؛ ﴿نِساءً﴾؛ أيْ: إناثًا؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُحْمَلُ عَلى أقَلِّ الجَمْعِ؛ وهو اثْنَتانِ؛ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ حَقَّقَ؛ ونَفى هَذا الِاحْتِمالَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ أيْ: لا ذَكَرَ مَعَهُنَّ؛ ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾؛ أيْ: المَيِّتُ؛ لا أزْيَدَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ؛ ﴿وإنْ كانَتْ﴾؛ أيْ: الوارِثَةُ؛ ﴿واحِدَةً﴾؛ أيْ: مُنْفَرِدَةً؛ لَيْسَ مَعَها غَيْرُها؛ ﴿فَلَها النِّصْفُ﴾؛ أيْ: فَقَطْ؛ ولَمّا قَدَّمَ الإيصاءَ بِالأوْلادِ لِضَعْفِهِمْ؛ إذا كانُوا صِغارًا؛ وكانَ الوالِدُ أقْرَبَ النّاسِ إلى الوَلَدِ؛ وأحَقَّهم بِصِلَتِهِ؛ وأشَدَّهُمُ اتِّصالًا بِهِ أتْبَعَهُ حُكْمَهُ؛ فَقالَ: ﴿ولأبَوَيْهِ﴾؛ أيْ: المَيِّتِ؛ ثُمَّ فَصَّلَ بَعْدَ أنْ أجْمَلَ؛ لِيَكُونَ الكَلامُ آكَدَ؛ ويَكُونَ سامِعُهُ إلَيْهِ أشْوَقَ؛ بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا بِتَكْرِيرِ العامِلِ -: ﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما﴾؛ أيْ: …

12

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for the wives is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third, after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused]. [This is] an ordinance from Allah, and Allah is Knowing and Forbearing.

ولَمّا كانَ الإرْثُ بِالمُصاهَرَةِ أضْعَفَ مِنَ الإرْثِ بِالقَرابَةِ؛ ذَكَرَهُ بَعْدَهُ؛ وقَدَّمَهُ عَلى الإرْثِ بِقَرابَةِ الأُخُوَّةِ؛ تَعْرِيفًا بِالِاهْتِمامِ بِهِ؛ ولِأنَّهُ بِلا واسِطَةٍ؛ وقَدَّمَ مِنهُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّهُ أفْضَلُ؛ فَقالَ: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾؛ وبَيَّنَ شَرْطَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ أوْ مِن غَيْرِكُمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ الحُكْمَ عَلى التَّقْدِيرِ الآخَرِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾؛ أيْ: وارِثٌ؛ وإنْ سَفَلَ؛ سَواءٌ كانَ ابْنًا؛ أوْ بِنْتًا؛ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾؛ أيْ: تَرَكَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ؛ ويُغَسِّلُها الزَّوْجُ؛ لِأنَّ اللَّهَ أضافَها إلَيْهِ بِاسْمِ الزَّوْجِيَّةِ؛ والأصْلُ الحَقِيقَةُ؛ ولا يَضُرُّ حُرْمَةَ جِماعِها بَعْدَ المَوْتِ؛ وحِلُّ نِكاحِ أُخْتِها؛ وأرْبَعٍ سِواها؛ لِأنَّ ذَلِكَ لِفَقْدِ المُقْتَضِي؛ أوِ المانِعِ؛ وهو الحَياةُ؛ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ عَلَقَةَ النِّكاحِ المُبِيحِ لِلْغُسْلِ - كَما لَمْ يَمْنَعْها لِأجْلِ العِدَّةِ لَوْ كانَ الفِراقُ بِالطَّلاقِ -؛ ثُمَّ كَرَّرَ حُكْمَ الوَصِيَّةِ اهْتِمامًا بِشَأْنِها؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها﴾؛ أيْ: الأزْواجُ؛ أوْ بَعْضُهُنَّ؛ ولَعَلَّهُ جَمَعَ إشارَةً إلى أنَّ الوَصِيَّةَ أمْرٌ عَظِيمٌ؛ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضَرًا في الذِّهْنِ؛ غَيْرَ مَغْفُولٍ عَنْهُ؛ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ ﴿أوْ دَيْنٍ﴾

ولَمّا بَيَّنَ إرْثَ الرَّجُلِ؛ أتْبَعَهُ إرْثَها؛ فَقالَ - مُعْلِمًا أنَّهُ عَلى النِّصْفِ مِمّا لِلزَّوْجِ - كَما مَضى في الأوْلادِ -: ﴿ولَهُنَّ﴾؛ أيْ: عَدَدًا كُنَّ؛ أوْ لا؛ ﴿الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾؛ أيْ: يَشْتَرِكْنَ فِيهِ؛ عَلى السَّواءِ؛ إنْ كُنَّ عَدَدًا؛ وتَنْفَرِدُ بِهِ الواحِدَةُ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُها؛ ثُمَّ بَيَّنَ شَرْطَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ القِسْمِ الآخَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ﴾؛ أيْ: وارِثٌ؛ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾؛ كَما تَقَدَّمَ في الرُّبُعِ؛ ثُمَّ كَرَّرَ الخُرُوجَ عَنْ حَقِّ المُوَرِّثِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾

ولَمّا فَرَغَ مِن قِسْمَيْ ما اتَّصَلَ بِالمَيِّتِ بِلا واسِطَةٍ؛ أتْبَعَهُ الثّالِثَ؛ وهو ما اتَّصَلَ بِواسِطَةٍ؛ ولَمّا كانَ قِسْمَيْنِ - لِأنَّهُ تارَةً يَتَّصِلُ مِن جِهَةِ الأُمِّ فَقَطْ؛ وهُمُ الأخْيافُ؛ أُمُّهم واحِدَةٌ وآباؤُهم شَتّى؛ وتارَةً مِن جِهَةِ الأبِ فَقَطْ؛ وهُمُ العِلّاتُ؛ أبُوهم واحِدٌ وأُمَّهاتُهم شَتّى؛ وتارَةً مِن جِهَةِ الأبَوَيْنِ؛ وهُمُ الأعْيانُ - وكانَتْ قَرابَةُ الأُخُوَّةِ أضْعَفَ مِن قَرابَةِ البُنُوَّةِ؛ أكَّدَها بِما يَقْتَضِيهِ حالُها؛ فَجَعَلَها في قِصَّتَيْنِ؛ ذَكَرَ إحْداهُما هُنا؛ إدْخالًا لَها في حُكْمِ الوَصِيَّةِ المَفْرُوضَةِ؛ وخَتَمَ بِالأُخْرى السُّورَةَ؛ لِأنَّ الخِتامَ مِن مَظِنّاتِ الِاهْتِمامِ.

ولَمّا كانَتْ قَرابَةُ الأُمُّ أضْعَفَ مِن قَرابَةِ الأبِ؛ قَدَّمَها هُنا؛ دَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ بِشَأْنِها؛ وأنَّ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن حِرْمانِ الإناثِ خَطَأٌ؛ وجَوْرٌ عَنْ مِنهاجِ العَدْلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ﴾؛ أيْ: وُجِدَ؛ ﴿رَجُلٌ يُورَثُ﴾؛ أيْ: مَن وُرِثَ حالَ كَوْنِهِ؛ ﴿كَلالَةً﴾؛ أيْ: ذا حالَةٍ لا ولَدَ لَهُ فِيها؛ ولا والِدَ؛ أوْ يَكُونُ ”يُورَثُ“؛ مِن ”أُورِثَ“؛ بِمَعْنى أنَّ إرْثَ الوارِثِ بِواسِطَةِ مَن ماتَ كَذَلِكَ؛ لا هو ولَدٌ لِلْمَيِّتِ؛ ولا والِدٌ؛ ووارِثُهُ أيْضًا كَلالَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِوالِدٍ؛ ولا ولَدٍ؛ فالمُوَرِّثُ كَلالَةُ وارِثِهِ؛ والوارِثُ …

13

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

These are the limits [set by] Allah, and whoever obeys Allah and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

ولَمّا كانَ فَطْمُ أنْفُسِهِمْ عَنْ مَنعِ الأطْفالِ؛ والنِّساءِ؛ شَدِيدًا عَلَيْهِمْ؛ لِمُرُونِهِمْ عَلَيْهِ؛ بِمُرُورِ الدُّهُورِ الطَّوِيلَةِ عَلى إطْباقِهِمْ عَلى فِعْلِهِ؛ واسْتِحْسانِهِمْ لَهُ؛ أتْبَعَهُ - سُبْحانَهُ - التَّرْغِيبَ؛ والتَّرْهِيبَ؛ لِئَلّا يُغْتَرَّ بِوَصْفِ الحَلِيمِ؛ فَقالَ - مُعَظِّمًا لِلْأمْرِ بِأداةِ البُعْدِ؛ ومُشِيرًا إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المَوارِيثِ؛ والنِّساءِ؛ واليَتامى؛ وغَيْرِهِ -: ﴿تِلْكَ﴾؛ أيْ: هَذِهِ الحُدُودُ الجَلِيلَةُ النَّفْعِ؛ العَظِيمَةُ الجَدْوى؛ المَذْكُورَةُ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ بَلْ مِن أوَّلِ القُرْآنِ؛ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ فَمَن راعاها - ولَوْ لَمْ يَقْصِدْ طاعَتَهُ؛ بَلْ رَفْعًا لِنَفْسِهِ عَنْ دَناءَةِ الإخْلادِ إلى الفانِي؛ ومَعَرَّةِ الِاسْتِئْثارِ عَلى الضَّعِيفِ؛ المُنْبِئِ عَنِ البُخْلِ؛ وسُفُولِ الهِمَّةِ - نالَ خَيْرًا كَبِيرًا؛ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجُرَّهُ ذَلِكَ إلى أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُطِيعُ اللَّهَ؛ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾؛ الحائِزَ لِصِفَتَيِ الجَلالِ؛ والإكْرامِ؛ ﴿ورَسُولَهُ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ طاعاتِهِ؛ هَذِهِ وغَيْرِها؛ بِالإقْبالِ عَلَيْها؛ وتَرْكِ ما سِواها لِأجْلِهِ - سُبْحانَهُ -؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ”مَن“؛ عامٌّ؛ ووُقُوعُهُ عُقَيْبَ هَذِهِ التَّكالِيفِ الخاصَّةِ لا يُخَصِّصُهُ”.

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ بِكُلِّيَّتِهِ إلى الخَبَرِ؛ التَفَتَ إلَيْهِ؛ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ - عَلى قِراءَةِ نافِعٍ؛ وابْنِ عامِرٍ بِالنُّونِ - فَقالَ:“نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ"؛ أيْ: بَساتِينَ؛ وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالياءِ عَظِيمَةٌ أيْضًا؛ لِبِنائِها عَلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ وإنْ كانَتْ هَذِهِ أشَدَّ تَنْشِيطًا بِلَذَّةِ الِالتِفاتِ؛ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: لِأنَّ أرْضَها مَعْدِنُ المِياهِ؛ فَفي أيِّ مَوْضِعٍ أرَدْتَ جَرى نَهْرٌ؛ فَهي لا تَزالُ يانِعَةً غَضَّةً؛ وجَمَعَ الفائِزِينَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ تَبْشِيرًا بِكَثْرَةِ الواقِفِ عِنْدَ هَذِهِ الحُدُودِ؛ ولِأنَّ مُنادَمَةَ الإخْوانِ مِن أعْلى نَعِيمِ الجِنانِ. ولَمّا كانَ اخْتِصاصُهم بِالإرْثِ عَنِ النِّساءِ؛ والأطْفالِ؛ مِنَ الفَوْزِ عِنْدَهُمْ؛ بَلْ لَمْ يَكُنِ الفَوْزُ العَظِيمُ عِنْدَهم إلّا الِاحْتِواءَ عَلى الأمْوالِ؛ وبُلُوغَ ما في البالِ مِنها مِنَ الآمالِ؛ قالَ (تَعالى) - مُعَظِّمًا بِأداةِ البُعْدِ -: ﴿وذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العالِي المَرْتَبَةِ؛ مِنَ الطّاعَةِ المَندُوبِ إلَيْها؛ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُ مِنَ الِاحْتِواءِ عَلى ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؛ وهَذا أنْسَبُ شَيْءٍ لِتَقْدِيمِ التَّرْغِيبِ؛ لِتَسْمَحَ نُفُوسُهم بِتَرْكِ ما كانُوا فِيهِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّلَطُّفِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ والتَّبْشِيرِ لَهُ ﷺ بِأنَّها مُطِيعَةٌ راشِدَةٌ.

14

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And whoever disobeys Allah and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

ولَمّا أُشْرِبَتِ القُلُوبُ الصّافِيَةُ؛ ذَواتُ الهِمَمِ العالِيَةِ؛ حُبَّ نَيْلِ هَذا الفَوْزِ أتْبَعَهُ التَّرْهِيبَ؛ فَطْمًا لَها عَنْ تِلْكَ الفَوائِدِ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿ورَسُولَهُ﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾؛ أيْ: الَّتِي حَدَّها في هَذِهِ الأحْكامِ؛ وغَيْرِها؛ وأفْرَدَ العاصِي في النِّيرانِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾؛ لِأنَّ الِانْفِرادَ المُقْتَضِيَ لِلْوَحْشَةِ مِنَ العَذابِ والهَوانِ؛ ولَمّا كانَ مَنعُهم لِلنِّساءِ؛ والأطْفالِ؛ مِنَ الإرْثِ اسْتِهانَةً بِهِمْ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾

15

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا

Those who commit unlawful sexual intercourse of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify, confine the guilty women to houses until death takes them or Allah ordains for them [another] way.

ولَمّا تَقَدَّمَ - سُبْحانَهُ - في الإيصاءِ بِالنِّساءِ؛ وكانَ الإحْسانُ في الدُّنْيا تارَةً يَكُونُ بِالثَّوابِ؛ وتارَةً يَكُونُ بِالزَّجْرِ والعِتابِ؛ لِأنَّ مَدارَ الشَّرائِعِ عَلى العَدْلِ والإنْصافِ؛ والِاحْتِرازِ في كُلِّ بابٍ عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ؛ وخَتَمَ - سُبْحانَهُ - بِإهانَةِ العاصِي؛ إحْسانًا إلَيْهِ؛ بِكَفِّهِ عَنِ الفَسادِ؛ لِئَلّا يُلْقِيَهُ ذَلِكَ إلى الهَلاكِ أبَدَ الآبادِ؛ وكانَ مِن أفْحَشِ العِصْيانِ الزِّنا؛ وكانَ الفَسادُ في النِّساءِ أكْثَرَ؛ والفِتْنَةُ بِهِنَّ أكْبَرَ؛ والضَّرَرُ مِنهُنَّ أخْطَرَ؛ وقَدْ يُدْخِلْنَ عَلى الرِّجالِ مَن يَرِثُ مِنهم مِن غَيْرِ أوْلادِهِمْ؛ قَدَّمَهُنَّ فِيهِ؛ اهْتِمامًا بِزَجْرِهِنَّ؛ فَقالَ: ﴿واللاتِي﴾؛ وهو جَمْعُ ”الَّتِي“؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ فِيهِنَّ بِالجَمْعِ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِنَّ - كَما أشارَ إلى ذَلِكَ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣]؛ وإلى كَثْرَةِ الفَسادِ مِنهُنَّ؛ ﴿يَأْتِينَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلْنَ - مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ؛ والتَّعْبِيرُ بِهِ أبْلَغُ - ﴿الفاحِشَةَ﴾؛ أيْ: الفِعْلَةَ الشَّدِيدَةَ الشَّناعَةِ؛ وفي الآيَةِ - لِأنَّ مِن أعْظَمِ المُراداتِ بِنَظْمِها؛ عَقِبَ آياتِ الإرْثِ؛ وما تَقَدَّمَها؛ الِاحْتِياطَ لِلنَّسَبِ - إشارَةٌ - بِذِكْرِ عُقُوبَةِ الزّانِيَةِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإرْثِ الوَلَدِ الآتِي مِنها - إلى أنَّ الوَلَدَ لِلْفِراشِ؛ وأنَّهُ لا يُنْفى بِالمَظِنَّةِ؛ بَلْ بَعْدَ التَّحَقُّقِ؛ عَلى ما في سُورَةِ ”النُّورِ“؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الزِّنا نَفْيُهُ؛ وكَوْنُهُ مِنَ الزِّنا؛ قالَ أبُو حَيّانَ؛ في ”النَّهْرُ“: ”والفاحِشَةُ هُنا الزِّنا؛ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ؛ إلّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ؛ وتَبِعَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ؛ مِن أنَّها المُساحَقَةُ؛ ومِنَ الرِّجالِ اللِّواطُ“؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَوْصُولَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾؛ أيْ: الحَرائِرِ؛ ﴿فاسْتَشْهِدُوا﴾؛ أيْ: فاطْلُبُوا أنْ تُشْهِدُوا؛ ﴿عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً﴾؛ مِنَ الرِّجالِ.

ولَمّا كانَ (تَعالى) قَدْ جَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ وسَطًا؛ يُقْبِلُونَ عَلى غَيْرِهِمْ؛ ولا يُقْبِلُ غَيْرُهم عَلَيْهِمْ؛ قالَ: ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن عُدُولِ المُسْلِمِينَ؛ بِأنَّهُنَّ فَعَلْنَها؛ ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ؛ ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾؛ أيْ: فاحْبِسُوهُنَّ؛ ﴿فِي البُيُوتِ﴾؛ أيْ: وامْنَعُوهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أصْوَنُ لَهُنَّ؛ ولْيَسْتَمِرَّ هَذا المَنعُ؛ ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾؛ أيْ: يَأْتِيَهُنَّ وهُنَّ وافِياتِ الأعْراضِ؛ ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾؛ المُحِيطُ عِلْمُهُ وحِكْمَتُهُ؛ ﴿لَهُنَّ سَبِيلا﴾؛ أيْ: لِلْخُرُوجِ قَبْلَ المَوْتِ؛ بِتَبَيُّنِ الحَدِّ؛ أوْ بِالنِّكاحِ؛ وإنْ لَمْ يَشْهَدِ الأرْبَعَةُ لَمْ يُفْعَلْ بِهِنَّ ذَلِكَ؛ وإنْ تَحَقَّقَ الفِعْلُ.

16

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا

And the two who commit it among you, dishonor them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allah is ever Accepting of repentance and Merciful.

ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ النِّساءِ؛ أتْبَعَهُ حُكْمَ الرِّجالِ؛ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ النِّساءَ أيْضًا؛ فَقالَ: ﴿واللَّذانِ﴾؛ وهو تَثْنِيَةُ ”الَّذِي“؛ وشَدَّدَ نُونَهُ ابْنُ كَثِيرٍ؛ تَقْوِيَةً لَهُ؛ لِيَقْرُبَ مِنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ؛ ﴿يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن بِكْرٍ؛ أوْ ثَيِّبٍ؛ أوْ رَجُلٍ؛ أوِ امْرَأةٍ؛ ويَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهادَةِ الأرْبَعَةِ - كَما تَقَدَّمَ؛ ﴿فَآذُوهُما﴾؛ وقَدْ بَيَّنَ مُجْمَلَ الأذى الصّادِقِ بِاللِّسانِ؛ وغَيْرِهِ؛ آيَةُ الجَلْدِ؛ وسُنَّةُ الرَّجْمِ؛ ﴿فَإنْ تابا﴾؛ أيْ: بِالنَّدَمِ؛ والإقْلاعِ؛ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ؛ ﴿وأصْلَحا﴾ ؛ أيْ: بِالِاسْتِمْرارِ عَلى ما عَزَما عَلَيْهِ؛ ومَضَتْ مُدَّةٌ عُلِمَ فِيها الصِّدْقُ في ذَلِكَ؛ ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾؛ أيْ: عَنْ أذاهُما؛ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الأذى بِاللِّسانِ يَسْتَمِرُّ حَتّى يَحْصُلَ الِاسْتِبْراءُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿كانَ تَوّابًا﴾؛ أيْ: رَجّاعًا بِمَن رَجَعَ عَنْ عِصْيانِهِ إلى ما كانَ فِيهِ مِنَ المَنزِلَةِ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَرْضاهُ لَهُ؛ فَتَخَلَّقُوا بِفِعْلِهِ - سُبْحانَهُ - وارْحَمُوا المُذْنِبِينَ إذا تابُوا؛ ولا يَكُنْ أذاكم لَهم إلّا لِلَّهِ؛ لِيَرْجِعُوا؛ ولْيَكُنْ أكْثَرُ كَلامِكم لَهُمُ الوَعْظَ بِما يُقْبِلُ بِقُلُوبِهِمْ إلى ما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ؛ ويُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ بِهَذا البِكْرُ والثَّيِّبُ؛ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ؛ فِيما رَواهُ مُسْلِمٌ؛ والأرْبَعَةُ؛ والدّارِمِيُّ؛ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «”قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ؛ وتَغْرِيبُ عامٍ؛ والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ؛ والرَّجْمُ“؛» فالحَدِيثُ مُبَيِّنٌ لِما أُجْمِلَ في الآيَةِ؛ مِن ذِكْرِ السَّبِيلِ.

17

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

The repentance accepted by Allah is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon after. It is those to whom Allah will turn in forgiveness, and Allah is ever Knowing and Wise.

ولَمّا خَتَمَ ذَلِكَ بِذِكْرِ تَوْبَةِ الزُّناةِ؛ وكانَ الحامِلُ عَلى الزِّنا - عَلى ما يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ - شِدَّةَ الشَّبَقِ؛ وقِلَّةَ النَّظَرِ في العَواقِبِ؛ وكانَ ذَلِكَ إنَّما هو في الشَّبابِ؛ وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى) - مُعَرِّفًا بِوَقْتِ التَّوْبَةِ؛ وشَرْطِها؛ مُرَغِّبًا في تَعْجِيلِها؛ مُرَهِّبًا مِن تَأْخِيرِها -: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ﴾؛ وهي رُجُوعُ العَبْدِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ اعْتِذارًا إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ والمُرادُ هُنا قَبُولُها؛ سَمّاهُ بِاسْمِها لِأنَّها بِدُونِ القَبُولِ لا نَفْعَ لَها؛ فَكَأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَها.

ولَمّا شَبَّهَ قَبُولَهُ لَها بِالواجِبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ بِها؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ عَبَّرَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ المُؤْذِنِ بِالوُجُوبِ؛ حَثًّا عَلَيْها؛ وتَرْغِيبًا فِيها؛ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾؛ أيَّ سُوءٍ كانَ؛ مِن فِسْقٍ أوْ كُفْرٍ؛ وقالَ: ﴿بِجَهالَةٍ﴾؛ إشارَةً إلى شِدَّةِ قُبْحِ العِصْيانِ؛ لا سِيَّما الزِّنا؛ مِنَ المَشايِخِ؛ لِإشْعارِ السِّياقِ تَرْهِيبًا بِأنَّ الأمْرَ فِيهِمْ لَيْسَ كَذَلِكَ - كَما صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ البَزّارُ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ؛ عَنْ سَلْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «”ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: الشَّيْخُ الزّانِي؛ والإمامُ الكَذّابُ؛ والعائِلُ المَزْهُوُّ“؛» وهو في مُسْلِمٍ؛ وغَيْرِهِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «”ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ؛ ولا يُزَكِّيهِمْ؛ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ: شَيْخٌ زانٍ؛ ومَلِكٌ كَذّابٌ؛ وعائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ“؛» وهو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ حُضُورَ المَوْتِ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ؛ مِنَ الفِعْلِ؛ وإضْعافِ القُوى المُوهِنَةِ لِداعِيَةِ الشَّهْوَةِ؛ قَرِيبٌ مِن حُضُورِهِ بِالفِعْلِ؛ وذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُذْهِبًا لِداعِيَةِ الجَهْلِ؛ ماحِقًا لِعِرامَةِ الشَّبابِ؛ سَواءٌ قُلْنا: إنَّ المُرادَ بِالجَهالَةِ ضِدُّ الحِلْمِ؛ أوْ ضِدُّ العِلْمِ؛ قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ؛ في كِتابِهِ ”الواعِي“: قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي القَزّازَ -: والجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ: اسْمٌ وقَعَ عَلى أهْلِ الشِّرْكِ؛ يَكُونُ مَأْخُوذًا مِنَ الجَهْلِ؛ الَّذِي هو ضِدُّ العِلْمِ؛ والَّذِي هو ضِدُّ الحِلْمِ؛ قالَ: وأصْلُ الجَهْلِ مِن قَوْلِهِمْ: ”اسْتَجْهَلَتِ الرِّيحُ الغُصْنَ“؛ إذا حَرَّكَتْهُ؛ فَكَأنَّ الجَهْلَ إنَّما هو حَرَكَةٌ تَخْرُجُ عَنِ الحَقِّ؛ والعِلْمِ؛ انْتَهى؛ فالمَعْنى حِينَئِذٍ: يَعْمَلُونَ السُّوءَ مُلْتَبِسِينَ بِسَفَهٍ؛ أوْ بِحَرَكَةٍ؛ وخِفَّةٍ أخْرَجَتْهم عَنِ الحَقِّ والعِلْمِ؛ فَكانُوا كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِعَمَلِهِمْ عَمَلَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؛ وزادَ في التَّنْفِيرِ مِن مُواقَعَةِ السُّوءِ؛ والتَّحْذِيرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ التَّوْبَةَ.

ولَمّا كانَ المُرادُ التَّرْغِيبَ فِيها؛ ولَوْ قَصُرَ زَمَنُها بِمُعاوَدَةِ الذَّنْبِ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن﴾؛ أيْ: مِن بَعْضِ زَمانٍ؛ ﴿قَرِيبٍ﴾؛ أيْ: مِن زَمَنِ المَعْصِيَةِ؛ وهم في فُسْحَةٍ مِنَ الأجَلِ؛ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإصْرارِ إلى المَوْتِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِـ ”ثُمَّ“؛ إشارَةً إلى بُعْدِ التَّوْبَةِ؛ ولا سِيَّما مَعَ القُرْبِ مِمَّنْ واقَعَ المَعْصِيَةَ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ الإنْسانَ إذا ارْتَبَكَ في حَبائِلِها لا يَخْلُصُ إلّا بَعْدَ عُسْرٍ؛ ولِذَلِكَ أشارَ إلى تَعْظِيمِهِمْ …

18

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - المَقْبُولَ؛ أتْبَعَهُ المَطْرُودُ؛ فَقالَ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾؛ أيْ: قَبُولُها؛ ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾؛ أيْ: واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى؛ مُصِرِّينَ عَلَيْها؛ فَسَقَةً كانُوا أوْ كَفَرَةً؛ غَيْرَ راجِعِينَ مِن قَرِيبٍ؛ بَلْ يُمْهِلُونَ؛ ﴿حَتّى إذا حَضَرَ﴾؛ ولَمّا كانَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ - عَلى وجْهٍ يُجَوِّزُ كُلَّ سامِعٍ وُقُوعَهُ عَلَيْهِ - أهْوَلَ؛ لِكَوْنِهِ يَصِيرُ مُرْتَقَبًا حالُ فاعِلِهِ؛ خائِفًا مِن عاقِبَتِهِ؛ قالَ: ﴿أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: بِأنْ وصَلَ إلى حَدِّ الغَرْغَرَةِ؛ وهي حالَةُ المُعايَنَةِ؛ ﴿قالَ﴾؛ أيْ: بِلِسانِهِ – كَفِرْعَوْنَ - أوْ قَلْبِهِ؛ ﴿إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾؛ فَبَيَّنَ أنَّ ما قَبْلَ الِاحْتِضارِ قَرِيبٌ مَعَ التَّرْغِيبِ في المُسارَعَةِ جِدًّا؛ بِالتَّعْبِيرِ بِـ ”قَرِيبٍ“؛ ﴿ولا الَّذِينَ﴾؛ أيْ: ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينِ؛ ﴿يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾؛ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ مِن غَيْرِ أنْ يَتُوبُوا؛ ولا عِنْدَ الغَرْغَرَةِ؛ فَسَوّى بَيْنَ الفِسْقِ؛ والكُفْرِ؛ تَنْفِيرًا مِنَ الفِسْقِ؛ لِصُعُوبَةِ النَّزْعِ عَنْهُ بَعْدَ مُواقَعَتِهِ؛ ولِذَلِكَ جَمَعَهُما في العَذابِ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما جَزاءُ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ؟ -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا إلّا حالَ الغَرْغَرَةِ؛ والَّذِينَ ماتُوا مُصِرِّينَ؛ ﴿أعْتَدْنا﴾؛ أيْ: هَيَّأْنا؛ وأحْضَرْنا؛ ﴿لَهم عَذابًا﴾؛ ولَمّا كانَ تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ لَذَّةً نَفْسانِيَّةً؛ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألِيمًا﴾؛ أيْ: نُعَذِّبُ بِهِ الكافِرِينَ؛ ومَن شِئْنا مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ تَوْبَتَهم في تِلْكَ الحالَةِ عَدَمٌ؛ والمَيِّتُ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ في المَشِيئَةِ.

19

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion. And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them unless they commit a clear immorality. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allah makes therein much good.

ولَمّا انْقَضى ما تَخَلَّلَ ذِكْرَ النِّساءِ الوالِداتِ لِلْوُرّاثِ؛ وخَتَمَهُ بِهَذا التَّهْدِيدِ الهائِلِ لِمَن فَعَلَ ما لا يَحِلُّ لَهُ؛ وصَلَ الكَلامَ فِيهِنَّ بِأمْرٍ مَن فَعَلَهُ فَهو زانٍ؛ مُصِرٌّ عَلى الزِّنا إلى المَوْتِ؛ إنِ اعْتَقَدَ حُرْمَتَهُ؛ أوْ كافِرٌ إنِ اعْتَقَدَ حِلَّهُ؛ فَقالَ - مُشِيرًا بِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ عَقِبَ -: ﴿ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]؛ إلى أنَّهُ لا يَرِثُ كافِرٌ مِن مُسْلِمٍ؛ وإلّا لَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ“ - مَثَلًا -؛ مُنَفِّرًا مِن ذَلِكَ بِالتَّقْيِيدِ بِما هو لِأدْنى الإيمانِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: فَوَقَفَ بِهِمُ الإيمانُ عِنْدَ زَواجِرِنا؛ ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ﴾؛ أيْ: مالَهُنَّ؛ ﴿كَرْهًا﴾؛ أيْ: كارِهِينَ لَهُنَّ؛ لا حامِلَ لَكم عَلى نِكاحِهِنَّ إلّا رَجاءُ الإرْثِ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَنْكِحُونَ اليَتامى لِمالِهِنَّ؛ ولَيْسَ لَهم فِيهِنَّ رَغْبَةً؛ إلّا تَرَبُّصُ المَوْتِ؛ لِأخْذِ مالِهِنَّ مِيراثًا - كَما سَيَأْتِي في تَفْسِيرِ ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] -؛ أوْ يَكُونُ الفِعْلُ واقِعًا عَلى نَفْسِ النِّساءِ؛ ويَكُونُ ”كَرْهًا“؛ عَلى هَذا؛ حالًا مُؤَكِّدَةً؛ أيْ: كارِهاتٍ؛ أوْ ذَواتِ كُرْهٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا ماتَ ولَهُ امْرَأةٌ جاءَ ابْنُهُ؛ مِن غَيْرِها؛ أوْ قَرِيبُهُ مِن عَصَبَتِهِ؛ فَيُلْقِي ثَوْبَهُ عَلَيْها؛ فَيَصِيرُ أحَقَّ بِها مِن نَفْسِها؛ ومِن غَيْرِها؛ فَإنْ شاءَ تَزَوُّجَها بِغَيْرِ صَداقٍ إلّا الصَّداقَ الأوَّلَ؛ الَّذِي أصْدَقَها المَيِّتُ؛ وإنْ شاءَ زَوَّجَها غَيْرَهُ؛ وأخَذَ صَداقَها؛ وإنْ شاءَ عَضَلَها؛ ومَنَعَها مِنَ الأزْواجِ؛ يُضارُّها؛ لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِما ورِثَتْ مِنَ المَيِّتِ؛ أوْ تَمُوتَ هي فَيَرِثَها؛ وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ عَلى هَذا؛ حَتّى تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ؛ فَفَعَلَ ابْنُهُ حِصْنٌ هَذا مَعَ زَوْجَةٍ لَهُ؛ فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ؛ ”كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ؛ إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوُّجَها؛ وإنْ شاؤُوا زَوَّجُوها؛ وإنْ شاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوها؛ وهم أحَقَّ بِها مِن أهْلِها؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ؛ ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾“؛ ولِهَذا أتْبَعَهُ - سُبْحانَهُ - قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾؛ أيْ: تَمْنَعُوهُنَّ مِنَ التَّزَوُّجِ بَعْدَ طَلاقِكم لَهُنَّ؛ أوْ بَعْدَ مَوْتِ أزْواجِهِنَّ؛ أوْ تُشَدِّدُوا عَلَيْهِنَّ بِالمُضارَّةِ؛ وهُنَّ في حَبائِلِكُمْ؛ قالَ البَيْضاوِيُّ: وأصْلُ العَضْلِ: التَّضْيِيقُ؛ يُقالُ: ”عَضَلَتِ الدَّجاجَةُ بَيْضَها“؛ انْتَهى؛ والظّاهِرُ أنَّ مَدارَ مادَّتِهِ إنَّما هو عَلى الِاشْتِدادِ؛ مِن عَضَلَةِ السّاقِ؛ وهي اللُّحْمَةُ الَّتِي في باطِنِهِ؛ ونَقَلَ عَبْدُ الحَقِّ أنَّها كُلُّ لَحْمٍ اجْتَمَعَ؛ قالَ: وقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ لَحْمَةٍ اشْتَمَلَتْ عَلى عَصَبَةٍ؛ انْتَهى؛ وتارَةً يَكُونُ الِاشْتِدادُ ناظِرًا إلى المَنعِ؛ وتارَةً إلى الغَلَبَةِ والضِّيقِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ إنْ كُنَّ أزْواجًا لَكُمْ؛ أوْ مُوَرِّثُوكم إنْ كُنَّ أزْواجًا لَهُمْ؛ وعَضَلْتُمُوهُنَّ بَعْدَهُمْ؛ لِيَذْهَبَ ذَلِكَ؛ بِسَبَبِ إنْفاقِهِنَّ لَهُ عَلى أنْفُسِهِنَّ في زَمَنِ العَضْلِ؛ أوْ بِسَبَبِ افْتِدائِهِنَّ لِأنْفُسِهِنَّ بِهِ مِنكُمْ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِن تَحْرِيمِ العَضْلِ في جَمِيعِ …

20

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

ولَمّا نَهى عَنِ العَضْلِ تَسَبُّبًا إلى إذْهابِ بَعْضِ ما أُعْطِيَتْهُ المَرْأةُ؛ أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنْ أخْذِ شَيْءٍ مِنهُ في غَيْرِ الحالَةِ الَّتِي أذِنَ فِيها في المُضارَةِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ تَعَضُلُوا المَرْأةَ؛ بَلْ ﴿أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾؛ أيْ: تَنْكِحُونَها؛ ﴿مَكانَ زَوْجٍ﴾؛ أيْ: فارَقْتُمُوها؛ أوْ لا؛ ولَمْ يَكُنْ مِن قِبَلِنا ما يُبِيحُ الضِّرارَ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِـ ”زَوْجٍ“؛ الجِنْسَ؛ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ﴾؛ أيْ: إحْدى النِّساءِ اللّاتِي وقَعَ الإذْنُ لَكم في جَمْعِهِنَّ في النِّكاحِ؛ سَواءٌ كانَتْ بَدَلًا؛ أوْ مُسْتَبْدَلًا بِها؛ ﴿قِنْطارًا﴾؛ أيْ: مالًا جَمًّا؛ ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾؛ أيْ: بِالمُضارَّةِ؛ عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنها؛ ولا سَبَبٍ مُباحٍ؛ ثُمَّ عَظَّمَ أخْذَهُ بِاسْتِفْهامِ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ؛ فَقالَ: ﴿أتَأْخُذُونَهُ﴾؛ أيْ: عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ؛ ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ مِن صُوَرِ الغَصْبِ عَلى الِافْتِداءِ حالَ الإتْيانِ بِالفاحِشَةِ شُبَهُ الأخْذِ في هَذِهِ الحالَةِ؛ الَّتِي لا سَبَبَ لَها بِالأخْذِ في تِلْكَ الحالَةِ؛ فَجُعِلَ الأخْذُ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ قائِمًا مَقامَ القَذْفِ؛ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: كَذَوِي بُهْتانٍ في أخْذِهِ؛ وإثْمٍ مُبِينٍ - لِكَوْنِهِ لا سَبَبَ لَهُ - يُورِثُ شُبْهَةً فِيهِ؛

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.