Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 121–130 of 176

121

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

ولَمّا أثْبَتَ لَهم ذَلِكَ؛ أنْتَجَ بِلا شَكٍّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: تَتَجَهَّمُهُمْ؛ وتَتَّقِدُ عَلَيْهِمْ بِما اتَّخَذُوا مَن خُلِقَ مِنها ولِيًّا؛ ﴿ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾؛ أيْ: مَوْضِعًا؛ ما يَمِيلُونَ إلَيْهِ شَيْئًا مِنَ المَيْلِ.

An-Nisaa 4:121Listen in Qur'an →
122

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّۭا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allah, [which is] truth, and who is more truthful than Allah in statement.

ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْكافِرِينَ؛ تَرْهِيبًا؛ أتْبَعَهُ ما لِغَيْرِهِمْ؛ تَرْغِيبًا؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ وقَرَّبَ وبَعَّضَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: لِرَيِّ أرْضِها؛ فَحَيْثُما أُجْرِيَ مِنها نَهْرٌ جَرى.

ولَمّا كانَ الِانْزِعاجُ عَنْ مُطْلَقِ الوَطَنِ - ولَوْ لِحاجَةٍ تَعْرِضُ - شَدِيدًا؛ فَكَيْفَ بِهَذا؟! قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ ولَمّا كانَ الخُلُودُ يُطْلَقُ عَلى مُجَرَّدِ المُكْثِ الطَّوِيلِ؛ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا إلى آخِرَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ الواقِعَ يُطابِقُهُ؛ وهو يُطابِقُ الواقِعَ؛ فَقالَ: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾؛ أيْ: يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ؛ وقَدْ بَرَزَ وعْدُهُ بِذَلِكَ؛ ومَن أحَقُّ مِنَ اللَّهِ وعْدًا؛ وأخْبَرَ بِهِ خَبَرًا صادِقًا؛ يُطابِقُ الواقِعَ؛ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُخْتَصِّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿قِيلا﴾؛ وأكْثَرَ مِنَ التَّأْكِيدِ هُنا؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ وعْدِ الشَّيْطانِ؛ ووَعْدُ الشَّيْطانِ مُوافِقٌ لِلْهَوى الَّذِي طُبِعَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ؛ فَلا تَنْصَرِفُ عَنْهُ إلّا بِعُسْرٍ شَدِيدٍ.

An-Nisaa 4:122Listen in Qur'an →
123

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

Paradise is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allah a protector or a helper.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَمّا أعَدَّ لَهُمْ؛ ولِمَن أضَلَّهُمْ؛ مِنَ العِقابِ؛ وعَمّا أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ؛ وكانُوا يُمَنُّونَ أنْفُسَهُمُ الأمانِيَّ الفارِغَةَ؛ مِن أنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ في التَّلاعُبِ بِالدِّينِ؛ لا في الدُّنْيا؛ ولا في الآخِرَةِ؛ ويُشَجِّعُهم عَلى ذَلِكَ أهْلُ الكِتابِ؛ ويَدَّعُونَ أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ؛ لا يُؤاخِذُهم بِشَيْءٍ؛ ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى؛ أوْ مَن شُفِّعُوا فِيهِ؛ ونَحْوَ هَذِهِ التَّكاذِيبِ؛ مِمّا يُطْمِعُونَ بِهِ مَن والاهم بِأنَّهم يُنْجُونَهُ؛ وكانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]؛ ونَحْوَ ذَلِكَ - كَما قالَ العاصِي بْنُ وائِلٍ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ - وقَدْ تَقاضاهُ دَيْنًا كانَ لَهُ عَلَيْهِ -: دَعْنِي إلى تِلْكَ الدّارِ فَأقْضِيَكَ مِمّا لِي فِيها؛ فَواللَّهِ لا تَكُونُ أنْتَ وصاحِبُكَ فِيها آثَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنِّي؛ ولا أعْظَمَ حَظًّا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ [مريم: ٧٧]؛ الآياتِ مِن آخِرِ ”مَرْيَمَ“؛ ويَقُولُ لَهم أهْلُ الكِتابِ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ قالَ (تَعالى) - رادًّا عَلى الفَرِيقَيْنِ -: ﴿لَيْسَ﴾؛ أيْ: ما وعَدَهُ اللَّهُ؛ وأوْعَدَهُ؛ ﴿بِأمانِيِّكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها العَرَبُ؛ ﴿ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الَّتِي يُمَنِّيكم جَمِيعًا بِها الشَّيْطانُ.

ولَمّا كانَتْ أمانِيُّهم أنَّهم لا يُجازَوْنَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ؛ لا مَحالَةَ؛ قَوْلَهُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالمَصائِبِ؛ مِنَ الأمْراضِ وغَيْرِها؛ عاجِلًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ؛ وآجِلًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرُّ؛ وما أحْسَنَ إيلاؤُها لِتَمْنِيَةِ الشَّيْطانِ؛ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ”يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ“! فَيَكُونَ الكَلامُ وافِيًا بِكَشْفِ عَوارِ شَياطِينِ الجِنِّ؛ ثُمَّ الإنْسِ؛ في غُرُورِهِمْ لِمَن خَفَّ مَعَهُمْ؛ مُؤْيِسًا لِمَن قَبِلَ مِنهُمْ؛ وما أبْدَعَ خِتامَها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَجِدْ لَهُ﴾ ! ولَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ قاصِرًا عَنْ مَوْلاهُ؛ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي حازَ جَمِيعَ العَظَمَةِ؛ ﴿ولِيًّا﴾؛ أيْ: قَرِيبًا؛ يَفْعَلُ مَعَهُ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ؛ ﴿ولا نَصِيرًا﴾؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في وقْتٍ ما؛ وما أشَدَّ التِئامَها بِخِتامِ أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِنهُمْ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] ! إشارَةً إلى أنَّ مَقْصُودَ المُنافِقِينَ مِن مُشايَعَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ ومُتابَعَتِهِمْ؛ إنَّما هو الوِلايَةُ والنُّصْرَةُ؛ وأنَّهم قَدْ ضَيَّعُوا مُنْيَتَهُمْ؛ فاسْتَنْصَرُوا بِمَن لا نُصْرَةَ لَهُ؛ وتَرَكُوا مَن لَيْسَتِ النُّصْرَةُ إلّا لَهُ.

An-Nisaa 4:123Listen in Qur'an →
124

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًۭا

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

ولَمّا أبْدى جَزاءَ المُسِيءِ؛ تَحْذِيرًا؛ أوْلاهُ أجْرَ المُحْسِنِ؛ تَبْشِيرًا؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ﴾؛ وخَفَّفَ (تَعالى) عَنْ عِبادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحاتِ﴾؛ ولَمّا عَمَّمَ بِذِكْرِ مَن صَرَّحَ بِما اقْتَضَتْهُ؛ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾؛ وقَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿مُؤْمِنٌ﴾؛ لِيَكُونَ بِناؤُهُ الأعْمالَ عَلى أساسِ الإيمانِ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ وبَنى فِعْلَ الدُّخُولِ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو؛ وأبِي جَعْفَرٍ؛ وأبِي بَكْرٍ؛ عَنْ عاصِمٍ؛ ورَوْحٌ؛ عَنْ يَعْقُوبَ؛ ولِلْفاعِلِ في قِراءَةِ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْسُ الفِعْلِ؛ لا كَوْنُهُ مِن فاعِلٍ مُعَيَّنٍ؛ وإنْ كانَتْ قِراءَةُ الأوَّلِينَ أكْثَرَ فائِدَةً: ”يُدْخَلُونَ“؛ أيْ: يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ؛ ﴿الجَنَّةَ﴾؛ أيْ: المَوْصُوفَةَ؛ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾؛ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الخَلاصُ مِنهُ؛ لا بِقَيْدِ فاعِلٍ مُعَيَّنٍ؛ ﴿نَقِيرًا﴾؛ أيْ: لا يَظْلِمُ اللَّهُ المُطِيعَ مِنهم بِنَقْصِ شَيْءٍ ما؛ ولا العاصِيَ بِزِيادَةِ شَيْءٍ ما؛ و”النَّقِيرُ“: ما في ظَهْرِ النَّواةِ مِن تِلْكَ الوَقْبَةِ الصَّغِيرَةِ جِدًّا؛ كُنِّيَ بِها عَنِ العَدَمِ؛ وهَذا عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ؛ وإلّا فاللَّهُ (تَعالى) لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ فَإنَّ مِلْكَهُ ومُلْكَهُ عامٌّ؛ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ ظُلْمٌ؛ كَيْفَما فَعَلَ.

An-Nisaa 4:124Listen in Qur'an →
125

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا

And who is better in religion than one who submits himself to Allah while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allah took Abraham as an intimate friend.

ولَمّا كَشَفَ - سُبْحانَهُ - زُورَهُمْ؛ وبَيَّنَ فُجُورَهُمْ؛ أنْكَرُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أحْسَنَ دِينًا مِمَّنِ اتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ؛ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ؛ زَعْمًا تَقَدَّمَ كَشْفَ عَوارِهِ؛ وهَتْكُ أسْتارِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن أحْسَنُ دائِنًا؛ ومُجازِيًا؛ وحاكِمًا مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى؟!“ -: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾؛ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّهم أحْسَنُوا في دِينِهِمْ؛ ومَن أحْسَنُ دِينًا مِنهُمْ؟!“؛ لَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ؛ وتَعْلِيمًا لِما يَفْعَلُ المُؤْمِنُ؛ وحَثًّا عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿مِمَّنْ أسْلَمَ﴾؛ أيْ: أعْطى؛ ولَمّا كانَ المُرادُ الإخْلاصَ الَّذِي هو أشْرَفُ الأشْياءِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِالوَجْهِ الَّذِي هو أشْرَفُ الأعْضاءِ؛ فَقالَ: ﴿وجْهَهُ﴾؛ أيْ: قِيادَهُ؛ أيْ: الجِهَةَ الَّتِي يَتَوَجَّهُ إلَيْها بِوَجْهِهِ - أيْ: قَصْدِهِ كُلِّهِ؛ المُلازِمِ لِلْإسْلامِ نَفْسِهِ - كُلَّها؛ ﴿لِلَّهِ﴾ فَلا حَرَكَةَ لَهُ ولا سَكْنَةَ إلّا فِيما يَرْضاهُ؛ لِكَوْنِهِ الواحِدَ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ فَهو حَصْرٌ بِغَيْرِ صِيغَةِ الحَصْرِ؛ فَأفادَ فَسادَ طَرِيقِ مَن لَفَتَ وجْهَهُ نَحْوَ سِواهُ؛ بِاسْتِعانَةٍ أوْ غَيْرِها؛ ولا سِيَّما المُعْتَزِلَةَ؛ الَّذِينَ يَرَوْنَ الطّاعَةَ مِن أنْفُسِهِمْ؛ ويَرَوْنَ أنَّها مُوجِبَةٌ لِثَوابِهِمْ؛ والمَعْصِيَةَ كَذَلِكَ؛ وأنَّها مُوجِبَةٌ لِعِقابِهِمْ؛ فَهم في الحَقِيقَةِ لا يَرْجُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ ولا يَخافُونَ غَيْرَها؛ وأهْلُ السُّنَّةِ فَوَّضُوا التَّدْبِيرَ والتَّكْوِينَ والخَلْقَ إلى الحَقِّ؛ فَهُمُ المُسْلِمُونَ.

ولَمّا عَبَّرَ (تَعالى) عَنْ كَمالِ الِاعْتِقادِ بِالماضِي؛ شَرَطَ فِيهِ الدَّوامَ؛ والأعْمالَ الظّاهِرَةَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿مُحْسِنٌ﴾؛ أيْ: مُؤْمِنٌ؛ مُراقِبٌ؛ لا غَفْلَةَ عِنْدَهُ أصْلًا؛ بَلِ الإحْسانُ صِفَةٌ لَهُ راسِخَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ؛ فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ العَشْرُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ؛ أصْلًا وفَرْعًا؛ مَعَ التَّرْغِيبِ بِالمَدْحِ الكامِلِ لِمُتَّبِعِهِ؛ وإفْهامِ الذَّمِّ الكامِلِ لِغَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ هَذا يَنْتَظِمُ مَنَ كانَ عَلى دِينِ أيِّ نَبِيٍّ كانَ؛ قَبْلَ نَسْخِهِ؛ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ﴾؛ أيْ: بِجُهْدٍ مِنهُ؛ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ الَّذِي اشْتُهِرَ عِنْدَ جَمِيعِ الطَّوائِفِ أنَّهُ ما دَعا إلّا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وحْدَهُ؛ وتَبَرَّأ مِمّا سِواهُ؛ مِن فَلَكٍ؛ وكَوْكَبٍ؛ وصَنَمٍ؛ وطَبِيعَةٍ؛ وغَيْرِها؛ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ المُتَّبِعِ ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: لَيِّنًا؛ سَهْلًا؛ مَيّالًا مَعَ الدَّلِيلِ؛ و”المِلَّةُ“: ما دَعَتْ إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى؛ بِمُساعَدَةِ العَقْلِ السَّلِيمِ؛ مِن كَمالِ الإسْلامِ بِالتَّوْحِيدِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - تَرْغِيبًا في هَذا الِاتِّباعِ -: ”فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِلَّةَ إبْراهِيمَ أحْسَنَ المِلَلِ؛ وخَلَقَهُ يَوْمَ خَلَقَهُ حَنِيفًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ أخْذَ مَن هو مُعِينٌ بِذَلِكَ؛ مُجْتَهِدٌ فِيهِ؛ ﴿إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾؛ لِكَوْنِهِ كانَ حَنِيفًا؛ وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ اخْتِصاصِهِ بِكَرامَةٍ تَشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ؛ مِن تَرْدِيدِ الرُّسُلِ بِالوَحْيِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ؛ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ؛ وإظْهارِ الخَوارِقِ عَلَيْهِ؛ وعَلى آلِهِ؛ والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الألْطافِ؛ وأظْهَرَ اسْمَهُ في مَوْضِعِ …

An-Nisaa 4:125Listen in Qur'an →
126

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah, of all things, encompassing.

ولَمّا أخْبَرَ بِمَن يُحِبُّهُ؛ ومَن يُبْغِضُهُ؛ وبِما يُرْضِيهِ؛ وما يُغْضِبُهُ؛ وكانَ رُبَّما تُوُهِّمَ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى أخْذِهِ لِغَيْرِ ما أُخِذَ؛ وجَعْلِهِ لِغَيْرِ ما جُعِلَ؛ أوْ تَعَنَّتَ بِذَلِكَ مُتَعَنِّتٌ؛ فَظَنَّ أنَّ في الكَلامِ دَخَلًا بِنَوْعِ احْتِياجٍ إلى المَحالَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ قالَ: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: والحالُ أنْ لِلْمُخْتَصِّ بِالوَحْدانِيَّةِ - فَلا كُفُؤَ لَهُ - ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمُنافِقِينَ؛ والمُشْرِكِينَ؛ أكَّدَ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ومِن غَيْرِهِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ التّامُّ المُلْكِ؛ العَظِيمُ المِلْكِ؛ فَلا يُعْطِي إلّا مَن تابَعَ أوْلِياءَهُ؛ وجانَبَ أعْداءَهُ؛ ولا يَخْتارُ إلّا مَن عَلِمَهُ خِيارًا؛ وهُوَ مَعَ ذَلِكَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ؛ مِن إقْرارٍ وتَبْدِيلٍ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنهُما؛ ومِن غَيْرِهِما؛ ﴿مُحِيطًا﴾؛ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ فَمَهْما زادَ؛ كانَ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ لِلْمُطِيعِ والعاصِي؛ لا يَخْفى عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهُمْ؛ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

An-Nisaa 4:126Listen in Qur'an →
127

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ فِى يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا

And they request from you, [O Muhammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allah gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allah is ever Knowing of it.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ رَتَّبَ هَذا الكِتابَ عَلى أنَّهُ يَذْكُرُ أحْكامًا مِنَ الأُصُولِ؛ والفُرُوعِ؛ ثُمَّ يُفَصِّلُها بِوَعْدٍ ووَعِيدٍ؛ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ؛ ويَنْظِمُها بِدَلائِلِ كِبْرِيائِهِ؛ وجَلالِهِ؛ وعَظِيمِ بِرِّهِ؛ وكَمالِهِ؛ ثُمَّ يَعُودُ إلى بَيانِ الأحْكامِ عَلى أبْدَعِ نِظامٍ؛ لِأنَّ إلْقاءَ المُرادِ في ذَلِكَ القالَبِ أقْرَبُ إلى القَبُولِ؛ والنَّظْمَ كَذَلِكَ أجْدَرُ بِالتَّأْثِيرِ في القُلُوبِ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ لا تَنْقادُ لَهُ النُّفُوسُ؛ إلّا إذا كانَ مَقْرُونًا بِبِشارَةٍ ونِذارَةٍ؛ وذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ إلّا عِنْدَ القَطْعِ بِغايَةِ الكَمالِ لِمَن صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ المَقالُ؛ ولا يَنْتَقِلُ مَعَ ذَلِكَ مِن أُسْلُوبٍ إلى آخَرَ إلّا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المُناسَبَةِ بَيْنَ آخِرِ كُلِّ نَوْعٍ؛ وأوَّلِ ما بَعْدَهُ؛ بِكَمالِ التَّعَلُّقِ؛ لَفْظًا ومَعْنًى؛ وفَعَلَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في هَذِهِ السُّورَةِ؛ في أحْكامِ العَدْلِ؛ الَّذِي بَدَأ السُّورَةَ بِهِ؛ في المُواصَلَةِ الَّتِي مَبْناها النِّكاحُ؛ والإرْثُ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا اتَّصَلَ بِهِ - كَما بَيَّنَ -؛ إلى أنْ خَتَمَ هُنا بِالإسْلامِ؛ المُثْمِرِ لِقَبُولِ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وعَظْمَةِ المَلِكِ المُوجِبَةِ لِتَمامِ الإسْلامِ؛ وقامَتِ البَراهِينُ؛ وسَطَعَتِ الحُجَجُ؛ وكانَ مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ السُّورَةِ العَدْلُ في الضُّعَفاءِ مِنَ الأيْتامِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ في المِيراثِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكانَ تَوْرِيثُ النِّساءِ والأطْفالِ - ذُكُورًا كانُوا أوْ إناثًا -؛ مِمّا أبَتْهُ نُفُوسُهُمْ؛ وأُشْرِبَتْ بُغْضَهُ قُلُوبُهُمْ؛ وكانَ التَّفْرِيقُ في إثْباتِ ما هَذا سَبِيلُهُ أنْجَعَ؛ وإلْقاؤُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا في قَوالِبِ البَلاغَةِ أنْفَعُ؛ وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ الَّذِي قَبْلَها؛ أيْ: لَهُ ما ذُكِرَ؛ فَلا مَساغَ لِلِاعْتِراضِ عَلَيْهِ؛ والحالَ أنَّهم يَسْألُونَكَ؛ طَلَبًا لِأنْ تَتَفَتّى عَلَيْهِمْ بِالجَوابِ في بَعْضِ ما أعْطى مِن مِلْكِهِ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ؛ ﴿فِي النِّساءِ﴾؛ طَمَعًا في الِاسْتِئْثارِ عَلَيْهِنَّ بِالمالِ؛ وغَيْرِهِ؛ مُحْتَجِّينَ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المالُ إلّا لِمَن يَحْمِي الذِّمارَ؛ والحالُ أنَّهم قَدْ عَبَدُوا مِن دُونِهِ إناثًا؛ وجَعَلُوا لَها مِمّا خَوَّلَهم فِيهِ مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي مَلَّكَهم لَهُ بِضَعْفٍ؛ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا؛ فَلا تَعْجَبْ مِن حالِ مَن كَرَّرَ الِاسْتِفْتاءَ - الَّذِي لا يَكُونُ في العُرْفِ غالِبًا إلّا فِيما فِيهِ اعْتِراضٌ - في إناثٍ أحْياءٍ؛ وأطْفالٍ ذُكُورٍ؛ وأعْطاهُمُ المَلِكُ التّامُّ المُلْكِ؛ العَظِيمُ المِلْكِ بَعْضَ ما يُرِيدُ؛ ولَمْ يَعْتَرِضْ عَلى نَفْسِهِ؛ حَيْثُ أعْطى إناثًا لا حَياةَ لَها؛ ولا مَنفَعَةَ؛ مِمّا في يَدِهِ؛ ومِلْكُهُ في الحَقِيقَةِ لِغَيْرِهِ؛ ولَمْ يَأْذَنْ فِيهِ المالِكُ ما لا يَنْتَفِعُ بِهِ المُعْطِي.

ولَمّا كانَ المَقامُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِفْتاءِ مُحْتاجًا إلى زِيادَةِ الِاعْتِناءِ؛ قالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ آمِرًا؛ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ مُنَبِّهًا عَلى اسْتِحْضارِ ما ذُكِرَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ ﴿يُفْتِيكُمْ﴾؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَهُ؛ ﴿فِيهِنَّ﴾؛ أيْ: الآنَ لِأنْ تَقُومُوا لَهُنَّ بِالقِسْطِ؛ ﴿وما﴾؛ أيْ: مَعَ ما ﴿يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: تُجَدَّدُ فِيكم تِلاوَتُهُ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؛ سَيْفًا قاطِعًا؛ وحُكْمًا ماضِيًا جامِعًا؛ ﴿فِي الكِتابِ﴾؛ أيْ: فِيما سَبَقَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى …

An-Nisaa 4:127Listen in Qur'an →
128

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess. But if you do good and fear Allah - then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

ولَمّا صارُوا يُعْطُونَ اليَتامى أمْوالَهُمْ؛ وصارُوا يَتَزَوَّجُونَ ذَواتِ الأمْوالِ مِنهُنَّ؛ ويُضاجِرُونَ بَعْضَهُنَّ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ (تَعالى) بِالإفْتاءِ في أحْوالِ المُشاقَقَةِ بَيْنَ الأزْواجِ؛ فَقالَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ﴾؛ أيْ: واحِدَةٌ؛ أوْ عَلى ضَرائِرَ؛ ولَمّا كانَ ظَنُّ المَكْرُوهِ مَخُوفًا؛ قالَ: ﴿خافَتْ﴾؛ أيْ: تَوَقَّعَتْ؛ وظَنَّتْ بِما يَظْهَرُ لَها مِنَ القَرائِنِ؛ ﴿مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾؛ أيْ: تَرَفُّعًا؛ بِما تَرى مِنَ اسْتِهانَتِهِ لَها بِمَنعِ حُقُوقِها؛ أوْ إساءَةِ صُحْبَتِها؛ ﴿أوْ إعْراضًا﴾؛ عَنْها بِقَلْبِهِ؛ بِألّا تَرى مِن مُحادَثَتِهِ؛ ومُؤانَسَتِهِ؛ ومُجامَعَتِهِ؛ ما كانَتْ تَرى قَبْلَ ذَلِكَ؛ تَخْشى أنْ يَجُرَّ إلى الفِراقِ؛ وإنْ كانَ مُتَكَلِّفًا لِمُلاطَفَتِها؛ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ؛ ﴿فَلا جُناحَ﴾؛ أيْ: حَرَجَ؛ ومَيْلَ؛ ”عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا“؛ أيْ: يُوقِعَ الزَّوْجانِ؛ ﴿بَيْنَهُما﴾؛ تَصالُحًا؛ ومُصالَحَةً؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وعَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِضَمِّ الياءِ؛ وإسْكانِ الصّادِ؛ وكَسْرِ اللّامِ؛ التَّقْدِيرُ: ”إصْلاحًا“؛ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ المَأْمُورُ بِهِ يَحْصُلُ بِأقَلِّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصُّلْحِ بَنى المَصْدَرَ عَلى غَيْرِ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ؛ فَقالَ - مُجَرِّدًا لَهُ -: ﴿صُلْحًا﴾؛ بِأنْ تَلِينَ هي بِتَرْكِ بَعْضِ المَهْرِ؛ أوْ بَعْضِ القَسْمِ؛ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ وأنْ يَلِينَ لَها هو بِإحْسانِ العِشْرَةِ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ولا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَفارَقا عَلى وجْهِ العَدْلِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والصُّلْحُ﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ كُلٍّ مِنهُما حَقَّهُ؛ أوْ بَعْضَ حَقِّهِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ أيْ: مِنَ المُفارَقَةِ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الجُمْلَةُ المَطْوِيَّةُ؛ لِأنَّ الصُّلْحَ مَبْناهُ الإحْسانُ الكامِلُ بِالرِّضا مِنَ الجانِبَيْنِ؛ والمُفارَقَةَ مَبْناها العَدْلُ الَّذِي يَلْزَمُهُ في الأغْلَبِ غَيْظُ أحَدِهِما؛ وإنْ كانَتْ مُشارِكَةً لِلصُّلْحِ في الخَيْرِ؛ لَكِنَّها مَفْضُولَةٌ؛ وتَخْصِيصُ المُفارَقَةِ بِالطَّيِّ لِأنَّ مَبْنى السُّورَةِ عَلى المُواصَلَةِ. ولَمّا كانَ مَنشَأُ التَّشاجُرِ المانِعِ مِنَ الصُّلْحِ شَكاسَةً في الطِّباعِ؛ صَوَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ؛ تَنْفِيرًا عَنْهُ؛ فَقالَ - اعْتِراضًا بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ؛ لِلْحَثِّ عَلى الجُودِ؛ بانِيًا الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا المُحْضَرَ لا يَرْضى أحَدٌ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ -: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ﴾؛ أيْ: النّاظِرَةُ إلى نَفاسَتِها عُجْبًا؛ ﴿الشُّحَّ﴾؛ أيْ: الحِرْصَ؛ وسُوءَ الخُلُقِ؛ وقِلَّةَ الخَيْرِ؛ والنَّكَدَ؛ والبُخْلَ بِالمَوْجُودِ؛ وكُلُّهُ يَرْجِعُ إلى سُوءِ الخُلُقِ؛ والطَّبْعِ الرَّدِيءِ؛ واعْوِجاجِ الفِطْرَةِ الأُولى؛ الَّذِي كَنّى عَنْهُ بِالإحْضارِ المُلازِمِ؛ الَّذِي لا انْفِكاكَ لَهُ؛ إلّا بِجِهادٍ كَبِيرٍ؛ يَنالُهُ بِهِ الأجْرُ الكَثِيرُ.

ولَمّا كانَ هَذا خُلُقًا رَدِيئًا لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَهُ؛ والمَعْنى: أحْضَرَها إيّاهُ مُحَضِرٌ؛ فَصارَ مُلازِمًا لَها؛ لا تَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ في قَهْرِها عَلَيْهِ؛ بِتَذْكِيرِ ما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن حُسْنِ الجَزاءِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ شَحَحْتُمْ فَإنَّهُ أعْلَمُ بِما في الشُّحِّ مِن مُوجِباتِ الذَّمِّ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُحْسِنُوا﴾؛ أيْ: تُوقِعُوا الإحْسانَ بِالإقامَةِ عَلى نِكاحِكُمْ؛ وما نُدِبْتُمْ إلَيْهِ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ؛ وإنْ كُنْتُمْ كارِهِينَ؛ ﴿وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: تُوقِعُوا التَّقْوى؛ بِمُجانَبَةِ كُلِّ ما …

An-Nisaa 4:128Listen in Qur'an →
129

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging. And if you amend [your affairs] and fear Allah - then indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ الوُقُوفَ عَلى الحَقِّ - فَضْلًا عَنِ الإحْسانِ - وإنْ كانَتِ المَرْأةُ واحِدَةً - مُتَعَسِّرٌ؛ أتْبَعَهُ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الجَمْعِ أعْسَرُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّأْكِيدِ -: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾؛ أيْ: تُوجِدُوا مِن أنْفُسِكم طَواعِيَةً بالِغَةً دائِمَةً؛ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ حَيْفٍ أصْلًا؛ ﴿بَيْنَ النِّساءِ﴾؛ في جَمِيعِ ما يَجِبُ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ عَلَيْكم مِنَ الحُقُوقِ؛ ﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾؛ أيْ: عَلى فِعْلِ ذَلِكَ؛ وهَذا مَعَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ [النساء: ٣]؛ كالمُخْتِمِ لِلِاخْتِصارِ عَلى واحِدَةٍ.

ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِألّا يَخْلُوَ نِكاحُ العَدَدِ عَنْ مَيْلٍ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلا﴾؛ أيْ: فَإنْ كانَ لا بُدَّ لَكم مِنَ العَدَدِ؛ أوْ فَإنْ وقَعَ المَيْلُ والزَّوْجَةُ واحِدَةٌ؛ فَلا ﴿تَمِيلُوا﴾؛ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ المَيْلِ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلى تَرْكِهِ؛ فَلَمْ يُكَلَّفْ بِهِ؛ بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ المَيْلِ﴾؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَتَذَرُوها﴾؛ أيْ: المَرْأةَ؛ ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾؛ أيْ: بَيْنَ النِّكاحِ والعُزُوبَةِ؛ والزَّواجِ والِانْفِرادِ.

ولَمّا كانَ المَيْلُ الكَثِيرُ مَقْدُورًا عَلى تَرْكِهِ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ مِلْتُمْ كُلَّ المَيْلِ؛ مَعَ إبْقاءِ العِصْمَةِ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ مُنْتَقِمًا حَسِيبًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: بِأنْ تُوجِدُوا الإصْلاحَ بِالعَدْلِ في القَسْمِ؛ والتَّقْوى في تَرْكِ الجَوْرِ؛ عَلى تَجَدُّدِ الأوْقاتِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أيْ: مَحّاءً لِلذُّنُوبِ؛ بَلِيغَ الإكْرامِ؛ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَغْفِرَ لَكم مُطْلَقَ المَيْلِ؛ ويُسْبِغَ عَلَيْكم مَلابِسَ الإنْعامِ.

An-Nisaa 4:129Listen in Qur'an →
130

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا

But if they separate [by divorce], Allah will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allah Encompassing and Wise.

ولَمّا كانَ مِنَ الإصْلاحِ المُعاشَرَةُ بِالمَعْرُوفِ؛ ذَكَرَ قَسِيمَهُ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾؛ أيْ: يَفْتَرِقْ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِن صاحِبِهِ؛ ﴿يُغْنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿كُلا﴾؛ أيْ: مِنهُما؛ أيْ: يَجْعَلْهُ غَنِيًّا؛ هَذِهِ بِرَجُلٍ؛ وهَذا بِامْرَأةٍ؛ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن لُطْفِهِ؛ وبَيَّنَ مَنشَأ هَذا الغِنى؛ فَقالَ: ﴿مِن سَعَتِهِ﴾؛ أيْ: مِن شُمُولِ قُدْرَتِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ صِفَةِ كَمالٍ؛ ولِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي في النُّفُوسِ؛ لِإحْضارِها الشُّحَّ؛ كَرَّرَ اسْمَهُ الأعْظَمَ الجامِعَ؛ فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿واسِعًا﴾؛ أيْ: مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يَضَعُ الأشْياءَ في أقْوَمِ مَحالِّها.

An-Nisaa 4:130Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.