ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿يَعْمَلْ﴾، وجواب الشرط قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، وقُرِنَت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية.
وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾، قلنا: هي شرطية، والشرط يفيد العموم، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ ادعى بعضهم أن (من) زائدة، وقال: إن التقدير: ومن يعمل الصالحات، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأن (من) لا تُزَاد إلا في نفي أو شِبهه، كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ (مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ)
ولأن وجودها أكمل من عدمها؛ لأن (من) لبيان جنس العمل المبهم في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾، فـ(من) هنا بيانية.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: من الأعمال الصالحات، وأنتم تجدون هذا الأسلوب كثيرًا في القرآن؛ أن يُحذف الموصوف وتبقى الصفة، وعكسه قليل، يعني: حذف الصفة قليل، وحذف الموصوف كثير؛ وذلك لأن الصفة تدل على الموصوف ولا عكس.
يقول: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾، أي: من الأعمال الصالحات، فما هي الصالحات؟ الصالحات ما جمع شرطين؛ الشرط الأول: الإخلاص، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان لشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إن كان من هذه الأمة، أو لشريعة من شريعته باقية من الرسل السابقين.
وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (مِن) هذه بيان لـ(مَن) في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، وهذا من باب التفصيل بعد الإجمال، وإلا فمن المعلوم أن (مَن) للعموم الشامل للذكر والأنثى.
وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الجملة حالية، حال من فاعل ﴿يَعْمَلْ﴾، يعني: والحال أنه مؤمن، وهذا شرط لا بد منه؛ إذ إن العمل الصالح لا ينفع مع عدم الإيمان، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد قوة في العمل الصالح.
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُدْخَلُونَ﴾ ، فعلى القراءة التي معنا في المصحف تكون ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعولًا به، وعلى القراءة الأخرى: ﴿يُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ﴾ ، تكون مفعولًا ثانيًا لـ ﴿يُدْخَلُونَ﴾ ، ونائب الفاعل في محل المفعول الأول.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، هل يقال: إن هذا إظهار في موضع الإضمار، وأنه لو قيل: فإنهم يدخلون الجنة؟ الجواب: نعم؛ لأن اسم الإشارة من باب الأسماء الظاهرة أو المضمرة؟ الظاهرة.
فإن قال قائل: ما هي النكتة في هذا الإظهار؟ قلنا: بيان علُوّ مرتبتهم؛ حيث أشار إليهم بإشارة البعيد ﴿فَأُولَئِكَ﴾.
وقوله: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»متفق عليه؛ البخاري (٤٧٨٠)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها، آمين.
وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾، يعني معناه: أن كل إنسان يكون في مكانه الذي يستحقه بدون نقص، والنقير: هو النُّقرة التي تكون في ظهر النواة.
وفي النواة ثلاثة أشياء كلها مَضْرَب للمثل في القلة: الفتيل، والنقير، والقِطمير؛ أما الفتيل فهو الحبل الذي في مجرى النواة من بطنها، وأما النقير فهي النقرة التي في ظهرها، وأما القطمير فهو أيش؟ الغشاء الذي يكون عليها، وكلها يراد بها ضرب المثل.
وإنما قال الله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾؛ لئلا يظن الظانّ أن الإنسان إذا كان في منزلة فربما ينزل من منزلته لسبب من الأسباب، وليس الأمر كذلك.
ونضرب لهذا مثلًا، وهو أن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا …