Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 121–130 of 176

121

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء ١٢١] ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه الذين أطاعوا الشيطان واتبعوه.

﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: مرجعهم، و﴿جَهَنَّمُ﴾ اسم من أسماء النار، وسُمِّيت بذلك لأنها -والعياذ بالله- قعيرة وسوداء مظلمة، فهي كلها جهمة، ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾، أي: لا يجدون عنها ملاذًا ومفرًّا، بل هم خالدون فيها، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨] كما في آية أخرى.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن مرجع الطائعين للشيطان جهنم، وأنه لا يمكن أن يخرجوا منها، ويُحمل ذلك على من أطاعوه طاعة مطلقة، أما من أطاعوه في بعض المعاصي فإن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يُخَلَّدون في النار، وإنما يعذَّبون بقدر أعمالهم ثم يخرجون من النار.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات جهنم، وهي النار؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.

* ومن فوائدها: أن أهل جهنم لا يمكن أن ينجوا منها، والمراد بأهلها: الكفار الذي خرجوا من الإسلام إلى الكفر.

An-Nisaa 4:121Listen in Qur'an →
122

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّۭا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allah, [which is] truth, and who is more truthful than Allah in statement.

ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢].

مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن القرآن الكريم كان مثاني تُثَنَّى فيه المعاني، فإذا جاء الوعيد جاء الوعد، وإذا جاء ذكر النار جاء ذكر الجنة، وإذا جاء ذكر المؤمنين جاء ذكر الكافرين، وهلم جرَّا، وذلك من أجل أن لا يكون الإنسان خائفًا دائمًا فيستولي عليه اليأس، ولا راجيًا دائمًا فيستولي عليه الأمن من مكر الله، بل يكون بين هذا وهذا.

وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لا يكفي الإيمان، لا بد من إيمان وعمل، فبماذا آمنوا؟ آمنوا بكل ما يجب به الإيمان من أمور الغيب، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصول ذلك في حديث جبريل؛ حيث قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب. .

وأما قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالمراد بالصالحات: الأعمال؛ ولهذا قال النحويون: إن (الصالحات) صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، وحذف الموصوف كثير في اللغة وفي القرآن أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] أي: دروعًا سابغات.

فما هي الأعمال الصالحات؟ الأعمال الصالحات ما كان خالصًا صوابًا، فالخالص هو الخالص لله الذي ليس فيه شرك لأحد، والصواب هو الذي كان على شريعة الله، وبهذا ينتفي الإشراك، وتنتفي البدعة، الإشراك بماذا ينتفي؟

* طالب: (...).

* الشيخ: بالإخلاص، والبدعة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: بالمتابعة، ولا يمكن أن تتحقق المتابعة إلا إذا وافقت الشرع في أمور ستة، وهي: السبب، والجنس، والقدْر، والهيئة، والزمان، والمكان، إذا وافق العملُ الشرعَ في هذه الأمور الستة تحققت فيه المتابعة، وإن اختل واحد منها فلا متابعة.

أولًا: السبب، فلو أن الإنسان تعبَّد لله تعالى عبادة مقرونة بسبب لم يجعله الله سببًا فلا متابعة، ومن ذلك ما يحدث في مولد النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة عليه والأذكار وغير ذلك، حتى وإن كانت مباحة، فإنها ليست موافقة للشرع، لماذا؟ لأن مرور الوقت الذي وُلِدَ فيه ليس سببًا لإحداث هذه العبادة.

كذلك أيضًا يوجد بعض الناس إذا تجشَّأ، إذا تجشَّأ قال: الحمد لله، أتعرفون التجشي؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: واضح، قال: الحمد لله، هذا لا يصح؛ لأن التجشي ليس سببًا للحمد، وإلا لكان خروج الريح من الدبر سببًا للحمد، ولا قائل به حتى العوام، إذن نقول: هذا يعتبر غير مُتَّبَع فيه الرسول عليه الصلاة والسلام.

بعض الناس إذا أعطيته البخور قال: اللهم صلِّ على محمد، فجعل تبخره سببًا للصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنقول: هذا ليس فيه اتباع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتطيب، ولم يُنقل عنه أنه كلما تطيب صلى على النبي.

ومن ذلك أيضًا إذا تثاءب، فإن بعض الناس إذا تثاءب يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا ليس له أصل وليس من الشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دلَّنا على ما نفعله فيما إذا حصل التثاؤب: بأن يكظم الإنسان ما استطاع، فإن لم يستطع فإنه يضع يده على فيهمتفق عليه؛ البخاري (٦٢٢٦) ومسلم (٢٩٩٤ / ٥٦) من حديث أبي هريرة. ، هذا واحد.

ثانيًا: أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها، فلو تعبد لله تعالى بشيء لم يتعبد الله عبادَه بجنسه، فإنه لا يُقبل ولا يكون من الشرع، مثاله أن يضحِّي بفرس، الفرس حلال، فلو ضحَّى به لم تُقبل أضحيته، لأيش؟ لأنه مخالف للشرع في جنسه؛ إذ إن الأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام.

الثالث: في قدرها، فلو أنه صلَّى خمسًا في رباعية، أو …

An-Nisaa 4:122Listen in Qur'an →
123

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

Paradise is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allah a protector or a helper.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء ١٢٣ - ١٢٦].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.

الخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ لهذه الأمة.

﴿وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني بذلك: اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: نحن أهل الكتاب، ونحن أسبق منكم، ونحن أولياء الله وأحِبَّاؤه، وما إلى ذلك، يريدون أن يُفضِّلوا أنفسهم على هذه الأمة، هذه الأمة تقول: إن رسولنا خاتم النبيين، وأن هذه الأمة فُضِّلت على الناس، وتريد أن تكون أفضل من أهل الكتاب، ففصل الله بينهم وحكم بينهم بحكم عدل، فقال: الأمر ليس بأمانيِّكم أيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهل الكتاب، وليس الأمر يعطَى على حسب أمنية الشخص، إذا تمنى حصل له ما تمنى، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم ٢٤، ٢٥].

وقوله: ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني: اليهود والنصارى، والكتاب يراد به التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى.

ثم جاء الحكم فقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾ (من) هذه شرطية، و﴿يَعْمَلْ﴾ فعل الشرط، و﴿يُجْزَ﴾ جواب الشرط، ﴿بِهِ﴾ أي: بسوئه، سواء منكم يا هذه الأمة أو من أهل الكتاب، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.

وإذا نظرنا في هذا الحكم وجدنا أنه ينطبق على أهل الكتاب أكثر مما ينطبق على هذه الأمة؛ لأن أهل الكتاب عملوا سوءًا، وذلك بتكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيُجْزَوْن به.

﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ﴾ معطوفة على جواب الشرط، ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، (من دونه) أي: من سواه، ﴿وَلِيًّا﴾ يتولاه بتحسين المصالح، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدافع عنه المساوئ والمفاسد.

* في هذه الآية دليل على فوائد، منها: أن التمني لا يُجدي شيئًا؛ لقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهذا يشهد لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس..

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العدل بين المتخاصمين، حتى وإن كان أحدهما على حق والثاني على باطل، فالواجب العدل، وأن يحكم لكل واحد ما يستحق، وجه ذلك؟ نفي كون الشيء بالأمانيِّ بالنسبة للمسلمين ولليهود والنصارى، ثم إثبات أن من عمل سوءًا جُوزِي به، وهذا غاية العدل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨].

* ومن فوائد الآية الكريمة: التهديد لمن عمل سوءًا؛ لقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فإن عمله لن يضيع وسوف يُجْزَى به، والآية مطلَقة، فهل يُجْزَى في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما؟

نقول: أما إذا …

An-Nisaa 4:123Listen in Qur'an →
124

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًۭا

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿يَعْمَلْ﴾، وجواب الشرط قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، وقُرِنَت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية.

وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾، قلنا: هي شرطية، والشرط يفيد العموم، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.

وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ ادعى بعضهم أن (من) زائدة، وقال: إن التقدير: ومن يعمل الصالحات، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأن (من) لا تُزَاد إلا في نفي أو شِبهه، كما قال ابن مالك رحمه الله:

وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ (مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ)

ولأن وجودها أكمل من عدمها؛ لأن (من) لبيان جنس العمل المبهم في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾، فـ(من) هنا بيانية.

وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: من الأعمال الصالحات، وأنتم تجدون هذا الأسلوب كثيرًا في القرآن؛ أن يُحذف الموصوف وتبقى الصفة، وعكسه قليل، يعني: حذف الصفة قليل، وحذف الموصوف كثير؛ وذلك لأن الصفة تدل على الموصوف ولا عكس.

يقول: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾، أي: من الأعمال الصالحات، فما هي الصالحات؟ الصالحات ما جمع شرطين؛ الشرط الأول: الإخلاص، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان لشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إن كان من هذه الأمة، أو لشريعة من شريعته باقية من الرسل السابقين.

وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (مِن) هذه بيان لـ(مَن) في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، وهذا من باب التفصيل بعد الإجمال، وإلا فمن المعلوم أن (مَن) للعموم الشامل للذكر والأنثى.

وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الجملة حالية، حال من فاعل ﴿يَعْمَلْ﴾، يعني: والحال أنه مؤمن، وهذا شرط لا بد منه؛ إذ إن العمل الصالح لا ينفع مع عدم الإيمان، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد قوة في العمل الصالح.

﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُدْخَلُونَ﴾ ، فعلى القراءة التي معنا في المصحف تكون ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعولًا به، وعلى القراءة الأخرى: ﴿يُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ﴾ ، تكون مفعولًا ثانيًا لـ ﴿يُدْخَلُونَ﴾ ، ونائب الفاعل في محل المفعول الأول.

وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، هل يقال: إن هذا إظهار في موضع الإضمار، وأنه لو قيل: فإنهم يدخلون الجنة؟ الجواب: نعم؛ لأن اسم الإشارة من باب الأسماء الظاهرة أو المضمرة؟ الظاهرة.

فإن قال قائل: ما هي النكتة في هذا الإظهار؟ قلنا: بيان علُوّ مرتبتهم؛ حيث أشار إليهم بإشارة البعيد ﴿فَأُولَئِكَ﴾.

وقوله: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»متفق عليه؛ البخاري (٤٧٨٠)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها، آمين.

وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾، يعني معناه: أن كل إنسان يكون في مكانه الذي يستحقه بدون نقص، والنقير: هو النُّقرة التي تكون في ظهر النواة.

وفي النواة ثلاثة أشياء كلها مَضْرَب للمثل في القلة: الفتيل، والنقير، والقِطمير؛ أما الفتيل فهو الحبل الذي في مجرى النواة من بطنها، وأما النقير فهي النقرة التي في ظهرها، وأما القطمير فهو أيش؟ الغشاء الذي يكون عليها، وكلها يراد بها ضرب المثل.

وإنما قال الله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾؛ لئلا يظن الظانّ أن الإنسان إذا كان في منزلة فربما ينزل من منزلته لسبب من الأسباب، وليس الأمر كذلك.

ونضرب لهذا مثلًا، وهو أن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا …

An-Nisaa 4:124Listen in Qur'an →
125

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا

And who is better in religion than one who submits himself to Allah while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allah took Abraham as an intimate friend.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ﴾..

* الشيخ: الوقف أولى هنا ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.

* الطالب: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء ١٢٥ - ١٢٧].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، (مَن) هنا اسم استفهام، والمراد به النفي، وقد قلنا عدة مرات: إن النفي إذا جاء بصيغة الاستفهام كان أبلغ مما لو أتى بصيغة النفي الصريحة؛ وذلك لأنه إذا أتى بصيغة الاستفهام صار مُشْرَبًا معنى التحدي، أي كأن المتكلم يقول: ائتني بأحسن من كذا، ائتني بأظلم ممن افترى على الله كذبًا، وما أشبه ذلك.

وقوله: ﴿دِينًا﴾ هنا منصوبة على التمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل.

فإذا قال قائل: هي تمييز لأي شيء؟ قلنا: لكلمة ﴿أَحْسَنُ﴾؛ لأن ﴿أَحْسَنُ﴾ مبهمة لا ندري إلى شيء تضاف، فإذا جاءت بعدها كلمة منصوبة فهي مميِّزة لها مبيِّنة لها، والدين هنا بمعنى العمل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الدين يُطلَق بمعنى الجزاء، مثل قول الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، وبمعنى العمل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، وكما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣].

إذن ﴿دِينًا﴾ أي: عملًا، فالعمل الذي يبتغي عاملُه بذلك مقابلةً يسمى دينًا.

﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، ﴿أَسْلَمَ﴾ الإسلام بمعنى الإخلاص، أي: فوَّض أمره إلى الله عز وجل، وهذا يعني الإخلاص في القصد.

﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ جملة حالية من (مَن) في قوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾، والإحسان هنا: الموافقة للشريعة، فيكون في الآية هنا دليل على شَرْطَي العبادة، وهما: الإخلاص، والمتابعة، فالإخلاص في قوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، والمتابعة في قوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾؛ لأن إحسان العمل هو موافقته الشريعة.

﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، هذه جملة معطوفة على ما سبق للتوكيد المعنوي؛ لأن مِلَّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي الإخلاص والقيام بالشريعة، فتكون هذه الجملة كأنها مؤكِّدة لما سبق ومتضمِّنة له.

وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، وفيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ و﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، أي: إبدال الياء ألفًا، وإذا أبدلت الياء ألفًا لزم فتح الهاء.

وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ يحتمل أن يكون حالًا من فاعل ﴿اتَّبَعَ﴾، وأن يكون حالًا من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، أفهمتم؟ وأيهما أرجح؟ الأرجح الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣]، ومن المعلوم أنه إذا كان إبراهيم حنيفًا وأُمِرْنَا باتباع مِلَّته فإننا سوف نكون حنفاء.

﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، الواو هنا استئنافية وليست عاطفة، فكأنه عز وجل …

An-Nisaa 4:125Listen in Qur'an →
126

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah, of all things, encompassing.

ثم قال عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾، سبحانه وتعالى.

﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الجملة هذه خبرية مكوَّنة من مبتدأ وخبر، قُدِّم فيها الخبر لفائدة الحصر ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، لا يشاقُّه أحد في ذلك، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢، ٢٣]، فلله ما في السماوات وما في الأرض.

وهنا قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ولم يقل: من في السماوات، قال بعضهم: تغليبًا لغير العقلاء؛ لأن (مَن) في اللغة العربية يؤتى بها للعقلاء، أي: لذوي العقول، و(ما) لغير العقلاء، وغير العقلاء من المخلوقات أكثر من العقلاء، ويحتمل أنه أتى بـ (ما) ليعم ذلك الأشخاصَ والأوصاف؛ لأن تعيين (من) للعقلاء و(ما) لغير العقلاء إنما هو في الأعيان، لكن (ما) للأعيان والأوصاف، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، حيث قال: ﴿مَا﴾، ومعلوم أن النساء من ذوي العقول، لكن لما كانت المنكوحة لا تُنْكَح لعينها إنما تنكح لما قام بها من أوصاف، والأوصاف معاني وليست عقلًا، قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وهذا القول أرجح من القول الأول، أعني: أن ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إنما أتى بـ (ما) دون (من) ليعم أيش؟ الأشخاص والأوصاف.

﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ في بعض الآيات يقول: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ﴾ [الحديد ١] والظاهر -والله أعلم- أن هذا من باب تنوع السياق والأساليب؛ لأن المعنى لا يختلف؛ إذ إن المعطوف له حكم المعطوف عليه فإذا قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو كما لو قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، والتنوع في السياق جاء في القرآن كثيرًا، كما يظهر للإنسان عندما يتلو القصص التي وردت في القرآن لعدة رسل يجد اختلاف التعبير كثيرًا.

﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ كان الله محيطًا بكل شيء، (كان) هنا منزوعة الدلالة على الزمان؛ لأنها لو بقيت دالَّة على الزمان لكانت إحاطة الله تعالى بكل شيء إحاطة سابقة ماضية، مع أنه لم يزل ولا يزال محيطًا بكل شيء، ولكنها تأتي هنا في مثل هذا السياق لبيان ثبوت الحكم، فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٥٢] ليس المعنى: أن الله تجدد له المغفرة والرحمة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٩٢] ليس العلم والحكمة يتجدد له، وليس ماضيًا فُقِد، بل هذا لأيش؟ لتوكيد اتصافه بهذا الوصف.

وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أيّ إحاطة؟ كل شيء، محيطًا به علمًا وقدرة، وسمعًا، وبصرًا، وتدبيرًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته عز وجل.

وفي هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله، تؤخذ؟

* طالب: تقدير الفعل.

* الشيخ: لا، من (ما) الموصولة؛ لأن جميع أسماء الموصول تفيد العموم.

* ومنها: اختصاص ملك ما في السماوات والأرض بالله عز وجل، يؤخذ من تقديم الخبر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير أيش؟ يفيد الحصر.

* ومن فوائد هذه الآية: أن السماوات ذوات عدد، يُستفاد منين؟ من أين يؤخذ؟

* طالب: السماوات جمع.

* الشيخ: من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ التي هي جمع، فما هذا العدد؟ هذا بُيِّنَ في القرآن والسنة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، وكذلك جاءت السنة، وأجمع الناس على ذلك.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الأرض واحدة؛ لقوله: ﴿وَمَا …

An-Nisaa 4:126Listen in Qur'an →
127

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ فِى يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا

And they request from you, [O Muhammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allah gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allah is ever Knowing of it.

ثم قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾: يسألونك الإفتاء، والإفتاء هو الإخبار عن حكم شرعي، هذا الإفتاء، وهو تبيين للحكم وليس إلزامًا به، وبهذا يفرَّق بين القضاء وبين الإفتاء، القضاء: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به؛ لأن القاضي يقول للخصمين: الحق معك يا فلان، وهذا تبيين للحق، فاقضِه لخصمك، هذا أيش؟ هذا الإلزام، المفتي لا يستطيع أن يُلْزِم حتى لو أفتى، لكن هل يجب أن يُلتَزَم بما يفتِي به؟ فيه تفصيل؛ قال العلماء رحمهم الله: إذا سأل المستفتي عالِمًا مطمئنًّا لقوله..

وبهذا يفرق بين القضاء وبين الإفتاء، القضاء تبيين الحكم الشرعي والإلزام به؛ لأن القاضي يقول للخصمين: الحق معك يا فلان -وهذا تبيين للحق- فاقضه لخصمك، هذا أيش؟ هذا الإلزام، المفتي لا يستطيع أن يلزم حتى لو أفتى، لكن هل يجب أن يُلْتَزَمَ بما يفتي به؟ لا، فيه التفصيل.

قال العلماء رحمهم الله: إذا سأل المستفتي عالمًا مطمئنًا لقوله، معتقدًا أن قوله الحق فإنه يلزمه العمل به ولا يستفتي غيره؛ لأن الله قال: ﴿اسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، والفائدة من سؤالهم الأخذ بما يقولون، وإلَّا لكان ذلك عبثًا، نعم، لو أنك -هذه الحقيقة من الفوائد لكن كيف فاتت علينا- نعم لو أنك استفتيت عالمًا في قرية ليس عندك أحد في نظرك أعلم منه، وفي نيتك أنك إذا وصلت إلى المدينة التي يكثر فيها العلماء سألت، في هذه الحالة أنت ملتزم بفتوى هذا العالم التزاما مقيدًا أو موقتًا، فلك أن تسأل إذا وصلت إلى الموارد العذبة.

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء ١٢٧]، الله أكبر، المستفتَى رسول الله والمفتِي هو الله؛ لأن ما يفتي به رسول الله هو ما يفتي به الله عز وجل، ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، ولم يبين الله عز وجل الاستفتاء على أي شيء يقع، هل المراد ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ في تزويجهن في التزوج منهن، في تمكينهن من البيع، الشراء، في أي شيء، لكن الآية نزلت لسبب معلوم، وهو أنه يشكل عليه أن يكون عند الرجل أمرأة يتيمة، من عمه أو ما أشبه ذلك، فيظلمها، ويحجزها لنفسه، أو يحجزها لابنه أو ما أشبه ذلك، فيظلمها، فأشكل عليهم هذا الأمر فسألوا الرسول ﷺ، ماذا نعمل، فأفتاهم الله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ يعني يفتيكم فيهن، يعني القرآن يفتي لأنه كلام من؟ كلام الله عز وجل، والواو هنا عاطفة لكنها ليست عطف مغايرة، وذلك لأن الكتاب هو الطريق الذي نتوصل به إلى معرفة فتوى الله سبحانه وتعالى، إذ إن الله ليس يتكلم ويفتي لكنه يتكلم بالقرآن فتكمن به الفتوى، فالعطف هنا ليس مغايرة تامة؛ لأن ما في الكتاب هو الوثيقة التي تدلنا على فتوى الله عز وجل.

﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ المراد بـ﴿الْكِتَابِ﴾ هنا القرآن، و(أل) فيه للعهد الذهني، ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء ١٢٧]، اليتيمة عنده لا يؤتيها ما كُتِب لها، لا يعطيها ما كُتِب لها، يأتي الخاطب الكفء أي الذي يجب أن يُعطى، ولكنه يملك فلا يؤتيهن ما كتب لهن، يمنع محابة لنفسه؛ لأنه يرغب أن ينكحها، وهنا قال: ﴿تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، فأي الحرفين نقدر أَ(في) أم (عن)؟

* طلبة: (في).

* الشيخ: ترغبون في نكاحهن أو عن نكاحهن؟

* طلبة: (في).

* الشيخ: نقول: الآية محتملة وهذا من بلاغة القرآن وإيجاز القرآن؛ لأنه قد يكون راغبا عنها فلا يريدها، لكنه لا يريد أن تكون لغيره، وقد يكون راغبا فيها فلا يريد أن تكون لغيره، فتكون الآية شاملة للأمرين جميعا.

﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [النساء ١٢٧]، يعني: ويفتيكم الله، …

An-Nisaa 4:127Listen in Qur'an →
128

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess. But if you do good and fear Allah - then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء ١٢٨] ﴿إِنِ امْرَأَةٌ﴾ كيف نعرب امرأة؟

* طالب: مبتدأ.

* الشيخ: مبتدأ، (إِنْ) ما تدخل على الجملة الاسمية؟

* طالب: أحيانا تكون مخففة وأحيانا لا تكون.

* الشيخ: (إنْ) مخففة من الثقيلة، والتقدير: وإنَّ امرأة، المخففة هي التي يحل محلها إنَّ.

* طالب: (امرأة) فاعل لفعل محذوف.

* الشيخ: والتقدير؟

* الطالب: إن خافت امرأة.

* الشيخ: وإن خافت امرأة، أنت أظنك بصريًّا؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: بصري المذهب، مذهب النحو؟

* الطالب: ما بعرفه.

* الشيخ: إي، طيب، فيه قول آخر؟

* الطالب: فاعل (يخاف).

* الشيخ: أيش؟ فاعل؟

* الطالب: خاف، فاعل لفعل محذوف.

* الشيخ: فاعل؟! هذا اللي قاله، فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، يعني: وإن خافت امرأة من بعلها نشوزًا.

* طالب: أقول: سؤال يا شيخ. قول الكوفيين: (وإن امرأة) مبتدأ، وما بعدها خبر؟

* الشيخ: وما بعدها خبر؛ لأنهم يجوزون دخول الشرط على الجملة الاسمية.

الثالث: أن (امرأة) فاعل مقدم، وهذا أيضا للكوفيين، وعلى هذا يقول: ﴿امْرَأَةٌ﴾ فاعل ﴿خَافَتْ﴾ مقدمًا، ولا مانع، وكما أسلفنا من قبل أقول: إنه إذا اختلف النحويون فإننا نتبع الأسهل من أقوالهم؛ لأنه أسهل، والله سبحانه وتعالى يحب السهولة، إذن ﴿امْرَأَةٌ﴾ إن شئنا قلنا: فاعل مقدم، وإن شئنا قلنا: مبتدأ، ولا مانع من أن تكون الجملة اسمية بعد أداة الشرط.

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ امرأة هذه نكرة في سياق الشرط، فتكون عامة، والمراد المرأة المتزوجة، ﴿خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ أي: من زوجها، كما قال الله تعالى: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾، يقول عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود ٧٢]، إذن البعل الزوج، ﴿نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾؛ ﴿نُشُوزًا﴾ يعني: ترفعًا عليها، ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ عنها، وأيهما أشد؟ الإعراض أشد ؛ لأن النشوز مثلًا يخاطبها ويتكلم معها، لكن كلام مستعل عليها مترفع يحتقرها، أما الإعراض فهو معرض عنها لا يكلمها ولا يعاشرها معاشرة بالمعروف، إذا خافت هذا أو هذا، ويمكن أن نقول: إن الإعراض عما يجب، والنشوز فيما يمتنع، يعني يعلو عليها فيعتدي عليها، أو يعرض عنها فلا يقوم بالواجب.

﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ﴿لَا جُنَاحَ﴾ أي: لا إثم، ﴿عَلَيْهِمَا﴾ أي: على المرأة وبعلها، ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، وإنما نفى الجناح دفعًا لتوهم المن، فإن المرأة إذا سألت زوجها الطلاق من غير بأس «فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ»أخرجه أبو داود (٢٢٢٦)، والترمذي (١١٨٧)، وابن ماجه (٢٠٥٥) من حديث ثوبان.، فنفى الله الجناح في المصالحة من أجل أن يصطلحا على ما يشاءان، ولكن إذا لم يصطلحا بأنفسهما وطلبا طرفا ثالثا فهل عليهما جناح؟ الجواب: لا، ليس عليهما جناح، وتأمل الفرق بين هذا، بين نشوز الزوج عن الزوجة ونشوز الزوجة عن الزوج ليتبين لك الحكم إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.

﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ هذه جملة عامة في كل شيء، في الحقوق الزوجية وحقوق الرحم وحقوق المصاهرة وحقوق الجوار وحقوق المعاملة، كل شيء، الصلح خير، وهنا لم يقل: الصلح بينهما لإفادة العموم، يعني أن الصلح في كل شيء خير من عدمه، ومن المعلوم أن الصلح قد يتصور الإنسان أن فيه غضاضة عليه، فلهذا قال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، يعني أنه عند النزاع وطلب المصالحة تكون الأنفس شحيحة، كل نفس تريد أن يكون الصلح في جانبها وفي مصلحتها، وكأن الله يقول: دعوا هذا الشح الذي أحضرته الأنفس واطلبوا الخير في المصالحة، ولهذا نجد أنه إذا تعقدت الأمور بين شخصين وأردنا أن نصلح نجد أن كل واحد منهما يركب رأسه ويأبى أن يتنازل إلا بعد …

An-Nisaa 4:128Listen in Qur'an →
129

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging. And if you amend [your affairs] and fear Allah - then indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٢٩، ١٣٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، هذه انتهينا منها بفوائدها.

يقول: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.

﴿لَنْ﴾ هذه للنفي، فهي نافية، وللنصب تنصب الفعل المضارع، وللاستقبال يعني تجعل الفعل المضارع لمحض الاستقبال، ويقابلها (لم) فإنها تجعل الفعل المضارع للمضي، فإذا قلت: لم يقم زيد، فهذا فيما مضى، وتشترك مع (لن) في النفي، وتختلف عنها في العمل وفي نقل الفعل من الحاضر والمستقبل إلى الماضي.

﴿لَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ أي: لن يكون في طاقتكم، ﴿أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾، ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ هنا فعل المضارع دخلت عليه أن المصدرية، ويؤول ما بعد (أن) بمصدر ليكون في هذه الآية مفعولا لقوله: ﴿لَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾، أي لن تستطيعوا عدلا بين النساء ولو حرصتم، والعدل ضد الميل.

﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾؛ لما جاء قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ انتفى الإشكال الوارد في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء ٣]، فيفسر ما في الآية الماضية على أن لا تعدلوا العدل الممكن ؛ لأن العدل غير الممكن لا يمكن أن يكلف به الإنسان.

وقوله: ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، (لو) هذه شرطية وفعل الشرط ﴿حَرَصْتُمْ﴾، فأين جواب الشرط؟ قيل: إن جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: ولو حرصتم فلن تستطيعوا، وقيل: والصواب (لو) و(إن) وما شابهها من أدوات الشرط في مثل هذا السياق لا تحتاج إلى جواب، بل هي كالقيد لما سبق فقط، فلا تحتاج إلى جواب، وهذا القول هو الذي رجّحه ابن القيم فيما أظن، وهو الصحيح، أنه في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب، فإذا قلت: أكرم زيدا إن أكرمك، فلا تقل: إن جواب الشرط في (إن أكرمك) محذوف دل عليه ما قبلها، بل قل: لا يحتاج إلى جواب، بل هذا قيد فيما سبق فقط.

﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾؛ أي: بذلتم الجهد للعدل، فلن تستطيعوا، ولكن ﴿لَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، ولم يقل: فلا تميلوا الميل، قال: ﴿كُلَّ الْمَيْلِ﴾، أي: فلا تميلوا الميل كله، وأما بعض الميل فلا حرج؛ لأنه داخل في نفي الاستطاعة.

﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (تذروها) الضمير يعود على من؟ على التي مال إليها أو التي مال عنها؟

* طلبة: عنها.

* الشيخ: التي مال عنها لا شك ؛ لأن التي مال إليها قد أقبل إليها وأكرمها، لكن التي مال عنها هي التي إذا أعرض الإعراض الكلي صارت كالمعلقة بين السماء والأرض، وهذا إشارة إلى أنها لم تستقر، فإن المعلق بين السماء والأرض لا يستقر، لا هو في السماء فيستقر ولا في الأرض فيستقر، هذه المرأة التي مِيلَ عنها كل الميل ستبقى معلقة؛ ليست أَيِّمة ولا متزوجة، يعني ليس هو الذي طلقها واستراحت ورزقها الله غيره ولا هي المزوجة التي تسعد بالزواج كغيرها، وإنما شبهها الله بذلك تنفيرا عن الميل الكلي الذي يجعل هذه المرأة كالمعلقة.

﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، هنا قال: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾، وفي الآية التي قبلها قال: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾، والفرق أن هذا له زوجتان …

An-Nisaa 4:129Listen in Qur'an →
130

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا

But if they separate [by divorce], Allah will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allah Encompassing and Wise.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء ١٣٠] ﴿إِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ الضمير يعود على من؟ على الزوجين، على الزوجة التي خافت من بعلها نشوزًا وإعراضًا، وعلى الزوجة التي تركها زوجها كالمعلقة. ومن المعلوم أنه لن يعرض عنها إلا لكراهته لها، ولم يجعلها كالمعلقة إلا لكراهته لها، وحينئذ يحصل التفرق، إذا تفرقا فإن الله سبحانه وتعالى ييسر لكل واحد منهما ما يحصل به الغنى من سعة الله ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ بماذا؟

قال بعضهم: يغني الزوج بزوجة صالحة يسعد بها، ويغني الزوجة بزوج صالح تسعد به، يعني أن الزوج يجد امرأة والزوجة تجد زوجًا.

وقال بعضهم: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ سواء بإبدال الزوج الأول أو بالسلوان والنسيان، وأن يكون الأمر كأن لم يكن، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن السلوان وعدم ذكر أحدهما الآخر ليست إغناء، الإغناء أن يوجد ما يستغني به الإنسان، وهذا لا يكون إلا بأيش؟ إلا بزوج؛ بزوج للزوجة وزوجة للزوج، وهذا وعد من الله عز وجل، وعد من القادر الذي يقدر على أن يبعث للمرأة زوجًا تسعد به، أو للرجل زوجة يسعد بها، وهو وعد حق وصدق؛ لأن الواعد به من هو؟

* الطلبة: الله.

* الشيخ: الله الذي لا يخلف الميعاد على كل شيء قدير، لكن أحيانًا يتخلف هذا لشك الإنسان وعدم ثقته وإيمانه، فيحصل هذا المانع، ولا يتحقق الموعود.

﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾: ﴿وَاسِعًا﴾ أي: ذا سعة عظيمة في جميع الصفات، واسع في علمه ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر ٧]، واسع في قدرته ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٠]، واسع في حكمته، ولهذا قرن الحكمة به، واسع في سمعه وبصره، في كل صفاته عز وجل، وواسع في إحاطته، محيط بكل شيء ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥]، المهم أنه جل وعلا واسع بمعنى الكلمة، على أوسع ما يكون، ﴿حَكِيمًا﴾ أي: ذا حكمة، وأيش؟ وحكم، فهو الذي له الحكم الكوني والشرعي، وهو الذي له الحكمة الصورية أو الغائية، أفهمتم هذا؟

أولًا: الحكم لله عز وجل ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧]، حكم الله عز وجل كوني وشرعي، فما قضاه في خلقه فهو كوني، وما شرعه لخلقه فهو شرعي، هذا الضابط، الحكم الكوني ما قضاه الله في خلقه، والحكم الشرعي ما شرعه الله لخلقه عز وجل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣] هذا حكم شرعي، كذا ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام ١]، هذا حكم كوني، أما المثال لنفس الحكم بهذه المادة فقول الله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، وهذا حكم شرعي، وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠] وهذا حكم؟

* الطلبة: شرعي.

* الشيخ: هذا شرعي ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقول أخي يوسف ﴿لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]؟

* الطلبة: كوني.

* الشيخ: هذا كوني. طيب ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]؟

* الطلبة: كوني شرعي.

* الشيخ: كوني شرعي بارك الله فيكم. الحكمة قد تكون الشيء حكمة في صورته التي خلقها الله عليها، وقد تكون حكمة في الغاية منه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] هذه حكمة لبيان الغاية الحميدة في خلق الإنس والجن، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤] هذه حكمة صورية، بمعنى ما هو صورية ليس لها معنى، صورية يعني يكوّنه على هذه الصورة المعينة، هذه من …

An-Nisaa 4:130Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.