Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 101–110 of 176

101

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلْكَٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّۭا مُّبِينًۭا

And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer, [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you. Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [النساء ١٠١].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، الخطاب في قوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ للناس جميعًا، ويدخل فيه بالأولى المؤمنون؛ لأنهم هم الذين يخاطَبون بالتكاليف الشرعية، وقوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الضرب في الأرض هو السفر فيها، وسُمِّي ضربًا؛ لأن الإنسان لا يخلو من أن يكون معه راحلة تحتاج إلى الضرب، ولهذا قال النبي ﷺ: «أمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦)، من حديث فاطمة بنت قيس.، وحمله بعض العلماء على أنه كثير الأسفار.

وقوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ لم يقيده الله عز وجل؛ لكون هذا الضرب مشروعًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا، وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، الجناح يعني الإثم، وقوله: ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ زعم بعضهم أن (من) هنا زائدة، وأن المعنى: أن تقصروا الصلاة، وعلَّل هذا القول بأن صلاة السفر فُرِضَت ركعتين، فلا يصح أن يقال: إنه قُصِر منها، بل يقال: إنها قُصِرَت، ولكن هذا القول ضعيف كما سنبين إن شاء الله ذلك في الفوائد.

وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا شرط للحكم الثابت بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، فالجملة إذن شرطية، وجواب الشرط الصحيح أنه لا حاجة إليه؛ لأنه معلوم من السياق، وقال بعضهم: إنه محذوف دل عليه ما سبق.

وقوله: ﴿أنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أي: أن يصدكم عن دينكم، وذلك بقتالهم إياكم أو بأسباب أخرى يصدونكم بها عن الدين، ثم علَّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، الجملة هنا موقعها مما قبلها أنها تعليل للحكم وهو قصر الصلاة، قلنا: إن الضرب في الأرض هو السفر فيها، ووجه تسمية السفر ضربًا أن المسافر يحمل العصا معه ليضرب راحلته، وقد جاءت الآية الكريمة، أعني الضرب في الأرض، في عدة آيات، منها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٧٣]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل ٢٠]، ففي هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى انتفاء الجناح عن قصر الصلاة إذا كان الإنسان ضاربًا في الأرض خائفًا أن يفتنه الكفار، ويبين عز وجل ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، وقد سبق لنا الكلام على مثل هذا التعبير في ﴿كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، وأن (كان) هنا يراد بها أيش؟ إثبات الحكم لا حدوث الحكم؛ لأنه لو أريد بها الحدوث لكان هذا يقتضي أن عداوتهم كانت سابقة، وليس الأمر هكذا.

* في هذه الآية من الفوائد، أولًا: بيان تيسير الله عز وجل على العباد حين يوجد السبب الذي يقتضي ذلك، وذلك بقصر الصلاة في السفر، فإن هذا لا شك تيسير على العباد، وسُهِّلت الصلاة في السفر من وجه آخر، وهو جواز الجمع بين الصلاتين المجموعتين، وسُهِّلت من وجه ثالث، وهو جواز التيمم إذا لم يجد الماء، فإن قال قائل: هذا حتى في الحضر؟ قلنا: لكنه في السفر أيسر منه في الحضر؛ لأن الحضر يجب على الإنسان أن يبحث بحثًا دقيقًا، أما في السفر فلا يلزمه أن يحمل الماء معه إلا إذا كان ذلك يسيرًا جدًّا، أما أن يتكلفه بنوع من الكلفة فلا (...).

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القصر ليس بواجب؛ لقوله: ﴿فَلَيْسَ …

An-Nisaa 4:101Listen in Qur'an →
102

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟ فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًۭى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓا۟ أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

And when you are among them and lead them in prayer, let a group of them stand [in prayer] with you and let them carry their arms. And when they have prostrated, let them be [in position] behind you and have the other group come forward which has not [yet] prayed and let them pray with you, taking precaution and carrying their arms. Those who disbelieve wish that you would neglect your weapons and your baggage so they could come down upon you in one [single] attack. But there is no blame upon you, if you are troubled by rain or are ill, for putting down your arms, but take precaution. Indeed, Allah has prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء ١٠٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بعد أن ذكر الله عز وجل أن الضارب في الأرض يقصر من الصلاة إن خاف أن يفتنه الذين كفروا، وبيّن أن الكفار أعداء لنا عداوة بيّنة ظاهرة ذَكَر حكم الصلاة إذا تقابل الصفّان؛ لأن الآية الأولى في الخوف، إذا خيف، أما الثانية وهي التي في درسنا الليلة فهو إذا تقابل الصفان، فكيف تكون الصلاة؟

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، والخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والضمير في قوله: ﴿فِيهِمْ﴾ يعود على الصحابة.

﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ أَقَمْتَها؛ يحتمل أن يكون المراد الإقامة التي هي الإعلام بالقيام للصلاة، ويحتمل أن المراد بالإقامة إقامة أركانها وواجباتها وشروطها وغير ذلك. وعلى الثاني يكون معنى قوله: ﴿فَأَقَمْتَ﴾ أي: أردت أن تقيم لهم الصلاة.

﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الفاء هنا رابطة للجواب، جواب شرط غير جازم، وعلى هذا فلا يكون للجملة التي بعدها محل من الإعراب؛ لأن جواب الشرط الذي لا يجزم ليس له محل من الإعراب، واللام في قوله: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ للأمر، وسُكِّنَت لوقوعها بعد الفاء، ولام الأمر تُسَكَّن إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو (ثم)؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، وفي هذه الآية: ﴿فَلْتَقُمْ﴾، وهي الحرف الثالث الذي إذا وقع قبل لام الأمر سُكِّنت لام الأمر.

أما لام (كي) وهي للتعليل فإنها مكسورة، ولو وقعت بعد هذه الحروف الثلاثة، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦]، لا بد من كسر اللام.

وقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾، (مِن) لبيان الجنس، والطائفة هي الفرقة من الناس، ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾، هذه نقول في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ مثل ما قلنا: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾.

﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ الضمير في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ يعود على الذين قاموا مع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس مع الطائفة الأخرى.

وقوله: ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾: السلاح ما يُقاتَل به دفاعًا أو طلبًا، وتعلمون أنه ينقسم إلى أقسام كثيرة: ثقيل، وخفيف، ومتوسّط، وسلاح يكون من بعيد، وسلاح يكون من قريب، والآية عامة، فيكون المراد أسلحتهم التي يحتاجون إليها في الدفاع عن أنفسهم، والتي لا تشغلهم عن الصلاة.

﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾، ﴿إِذَا سَجَدُوا﴾ الفاعل يعود على الطائفة باعتبار المعنى؛ لأن الطائفة مفرد لكن معناها أيش؟ الجمع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩]، ولم يقل: اقتتلتا؛ لأن الطائفة للجمع.

﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾، ﴿سَجَدُوا﴾ أي: أتموا صلاتهم، وخص السجود؛ لأنه أفضل أركان الصلاة؛ حيث إنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والمراد بذلك إذا أتموا صلاتهم ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي: من وراء المصلين.

وهنا قد يشكل قوله: ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ مع أنه لم يبقَ بعد إتمام صلاتهم إلا الرسول صلى الله عليه وعلى …

An-Nisaa 4:102Listen in Qur'an →
103

فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰبًۭا مَّوْقُوتًۭا

And when you have completed the prayer, remember Allah standing, sitting, or [lying] on your sides. But when you become secure, re-establish [regular] prayer. Indeed, prayer has been decreed upon the believers a decree of specified times.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٣].

﴿قَضَيْتُمُ﴾ القضاء يراد به الإتمام في اللغة العربية؛ أي: فإذا أتممتم، ويأتي القضاء بمعنى الإتمام في عدة مواضع من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت ١٢]؛ أي: أتمهن؛ أي: فإذا أتممتم الصلاة وأنهيتموها فاذكروا الله قيامًا وقعودًا، إلى آخره.

نأخذ الإعراب قبل، كما هو الذي نريد أن نتبعه إن شاء الله، ﴿إِذَا﴾ أداة الشرط، وفعل الشرط (قضى)، وجواب الشرط ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، وقُرِن بالفاء؛ لأنه طلب، والجملة الطلبية إذا وقعت جوابًا للشرط وجب اقترانها بأيش؟ بالفاء.

وقوله: ﴿قِيَامًا﴾ حال من الفاعل في ﴿اذْكُرُوا﴾ يعني: حال كونكم قيامًا وقعودًا، الواو هنا هل هي بمعنى (أو)، يعني: قيامًا أو قعودًا؟ أو هي لمطلق الجمع، أي: اذكروا الله في حال قيامكم وفي حال قعودكم؟

* طلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني أحسن.

﴿وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ معطوفة على الحال ﴿قِيَامًا﴾، وعلى هذا فيكون الجار والمجرور في موضع نصب على الحال.

﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، يقال في جملة: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ما قيل في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ موضع الجملة مما قبلها أنها تعليل.

وقوله: ﴿كِتَابًا﴾ خبر (كان)، و﴿مَوْقُوتًا﴾ خبر ثانٍ، ولا يصح أن تكون صفة.

يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: فرغتم منها، والصلاة هنا (أل) فيها للعهد وليست للجنس، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُشرع الذكر دُبُر كل صلاة، إنما يكون دبر الصلوات المكتوبة، وعلى هذا فـ(أل) للعهد الذهني، وإن شئت فقل: الذِّكْري؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.

وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا﴾ أمَر الله تعالى بذكره، وهذا مجمَل، لم يُبَيَّن كيف يذكر ولا في ماذا يذكر، ولكن السنة بَيَّنت ذلك، فهو كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ولم يبيّن، والسنة بيّنت ذلك.

وقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ هل المراد: اذكروه باللسان، أو بالقلب واللسان، أو بالقلب فقط؟

* طلبة: بالقلب واللسان.

* الشيخ: بالقلب واللسان، هذا هو المطلوب، لكن مَن ذكر بلسانه حصل المقصود إلا أنه ناقص؛ لأن الذكر ذِكر القلب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف ٢٨].

وقوله: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ بيان للحال التي يذكر الإنسان فيها ربه بعد الصلاة أنه على أي حال فليذكُر الله.

وقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ فِعل مِن الطمأنينة، والطمأنينة هي زوال القلق، والمراد بالطمأنينة هنا زوال الخوف والعدوّ.

وقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أدّوها تامة كما تؤدونها قبل الخوف.

ثم قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ﴾ إلى آخره؛ يعني من جملة إقامة الصلاة أن تؤدَّى في وقتها، بدليل الجملة التعليلية بعد ذلك؛ وهي قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.

* أفادت الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: الأمر بذكر الله بعد انتهاء الصلاة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.

فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين آية الجمعة، حيث قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة ١٠]؟

قلنا: الجواب هو أن لكل مقام مقالًا؛ ففي سورة الجمعة منعهم الله من البيع بعد نداء الجمعة حتى يصلّوا، فكأن الناس محبوسون عن البيع والشراء مدة الصلاة، فكان أهم ما يكون أو من أهم ما يكون عندهم أن يُطلَق حسبهم، ولهذا قال: ﴿فَانْتَشِرُوا …

An-Nisaa 4:103Listen in Qur'an →
104

وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allah that which they expect not. And Allah is ever Knowing and Wise.

طالب: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء ١٠٤].

* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ لما ذكر صلاة الخوف وما يترتّب عليها، ووجوب أخذ الحذر من أعدائنا، وأن أعداءنا لنا أعداء عداوتهم بيّنة، وذكر ما يتعلّق بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾.

﴿لَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا، و﴿لَا﴾ ناهية، وحُذفت النون من أجل النهي.

وقوله: ﴿فِي ابْتِغَاءِ﴾ أي: في طلب القوم، والقوم هم أعداء المسلمين، ثم بيّن سبحانه وتعالى أنه لا وجه للوهن والضعف في طلبهم فقال: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ يعني هم يطلبونكم ويريدون إيلامكم، وإذا تألمتم منهم فإنهم هم أيضًا يتألّمون منكم كما تتألمون منهم، وهذا فيه التسلية للمجاهدين المقاتلين، ولكن الفرق بيننا وبينهم فرق كبير أبعد مما بين السماء والأرض: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤]؛ أنتم ترجون من الله النصر الذي وُعِدْتُم به إذا اتقيتم الله عز وجل، وترجون ثواب الآخرة، هم لا يرجون ثواب الآخرة قطّ، والنصر قد يرجونه، وقد لا يرجونه، وإذا رجوه فإنما يريدون الانتصار عصبية لأوطانهم وقومهم، فصار فرق عظيم بين هؤلاء وهؤلاء، ولهذا «لما نادى أبو سفيان يوم أُحُد فقال: يوم بيوم بدر والحرب سجال. أجابه الصحابة فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار»أخرجه أحمد في مسنده (٤٤١٤) من حديث عبد الله بن مسعود..

فإذا كنا نساويهم في الألم؛ ألم الجراح، وألم القتل، وألم فقد المال وغير ذلك، إذا كنا نساويهم في هذا فإننا نمتاز عنهم بأننا نرجو من الله ما لا يرجون، فكيف يكونون هم أقوياء في طلبنا ونحن ضعفاء؟! هذا لا يليق.

وقوله: ﴿تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: تطمعون فيما عند الله من الثواب والنصر وهم لا يطمعون في ذلك؛ لأن قلوبهم خالية من الله عز وجل.

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٠٤]، مثل هذا يقع في القرآن كثيرًا: ﴿كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فهل هو كان وزال، أو كان ولا يزال؟ كان ولا يزال؛ ولهذا نقول: إن (كان) هنا مسلوبة الزمان؛ يعني لا تدل على المضيّ، وإنما تدل على تحقّق الأمر ووقوعه لا على أنه كان فزال.

وقوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ لا يخفى علينا جميعًا أن علم الله سبحانه وتعالى واسع، يشمل الماضي فلا يُنسى، والمستقبل فلا يُجهل، ويشمل الخفيّ والجليّ، ويشمل ما في حقه وحق عباده، فهو يعلم سبحانه وتعالى ماذا يجري علينا غدًا، وماذا سنعمل، ويعلم ما سيفعله سبحانه وتعالى هو بنفسه غدًا وما لا يفعله، فعلم الله واسع، ثم إن علم الله متعلّق بالواجب والجائز والمستحيل؛ ولذلك تعتبر هذه الصفة -أعني صفة العلم- من أوسع الصفات، متعلق بالواجب والجائز، يعني الممكن والمستحيل؛ تعلّقه بالواجب كعلمه جل وعلا بذاته وأسمائه وصفاته، تعلقه بالممكن هو تعلّقه بما يحدث في هذا الكون؛ لأن كل الكون من باب أيش؟

من باب الجائز والممكن، تعلقه بالمستحيل مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، فهنا حكم جل وعلا أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لفسدتا، ووجود ذلك أيش؟

مستحيل، ومع هذا علم الله بنتائجه مع أنه مستحيل، فالحاصل أن علم الله عز وجل من أوسع الصفات.

فإذا قال قائل: ما هو العلم؟

قلنا: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، ولا نحتاج أن نقول: مطابقًا؛ لأننا قلنا: إدراك الشيء على ما هو عليه، فيغني عن كلمة (مطابقًا)، هذا هو العلم، فعدم الإدراك بالكلية أيش؟ جهل، وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه …

An-Nisaa 4:104Listen in Qur'an →
105

إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًۭا

Indeed, We have revealed to you, [O Muhammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allah has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.

﴿إِنَّا﴾ الضمير يعود على الرب عز وجل، ولم يقل: إني، تعظيمًا لشأنه جل وعلا، وتعظيمًا للمتحدَّث عنه وهو إنزال الكتاب؛ فالتعظيم هنا لعظمة المنزِّل ولعظمة المنزَل. وكذلك

﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ (نا) هنا للتعظيم.

وقوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إليه مباشرة، وإلى الناس بواسطة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، فهو منزَّل إلى الرسول مباشرة، وإلينا بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام.

وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وسمي بذلك لوجوه ثلاثة:

الوجه الأول: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ.

والثاني: أنه مكتوب بأيدي الملائكة البررة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس ١٢-١٦].

والوجه الثالث: أنه مكتوب بأيدي البشر؛ يكتبه الناس، وقد سهّل الله لهم ذلك، فكان يُكتب من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى يومنا هذا.

وأصل الكَتْب من الجمع؛ لاجتماع الكلمات والحروف، ومنه: الكتيبة للطائفة المجتمعة في قتال الأعداء، و(كتاب) هنا بمعنى مكتوب؛ فهو (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول).

﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا إما أن تكون للمصاحبة، وإما أن تكون للتعدية، وكلاهما صحيح، فهو نازل بحق ليس مكذوبًا، بل هو نزل من عند الله حقًّا، وهذا الإثبات نُزُلُه من عند الله، كذلك أيضًا هو نازل بالحق، فكل ما نزل به القرآن فهو حق إن كان خبرًا فهو صدق، وإن كان حُكمًا فهو عدل، فالحق وصف للقرآن في حد ذاته، وأنه صدق ومن عند الله، وفيما جاء به، فأخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل، ثم مع ذلك إذا تدبّره -القرآن- جاعلًا إياه دليلًا على الحق فإنه لا بد أن يهتدي للحق، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وتيسيره شامل لتيسير لفظه ومعناه والعمل به، لكن يحتاج إلى تذكُّر، إذن ﴿بِالْحَقِّ﴾ له معنيان؛ المعنى الأول؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني أن ما جاء به فهو حق، إن كان خبرًا؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: وإن كان حُكمًا؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: طيب هذه واحدة، الثاني؟

* طالب: من عند الله عز وجل.

* الشيخ: يعني أنه نزل من عند الله حقًّا، مثل ما أقول لك مثلًا: حصل كذا بالتأكيد؛ يعني مؤكدًا، فيكون الحق هنا له معنيان:

المعنى الأول: أن نزوله من الله حق.

والمعنى الثاني: أن ما جاء به القرآن فهو حق.

قال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام.

﴿لِتَحْكُمَ﴾ بأي دليل يحكم؟ بالقرآن؛ فالرسول ﷺ يستدل بالقرآن كما أننا نحن نستدل بالقرآن.

﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ تحكم بينهم في فصل الخصومات أو في بيان أحكام أعمالهم، أو هذا وهذا؟ هذا وهذا، فهو يحكم فيفصل بين الخصوم عليه الصلاة والسلام بما أراه الله، وكذلك يحكم بين الناس في أحكام أعمالهم، يقول: هذا حق، هذا باطل، هذا واجب، هذا محرّم، وما أشبه ذلك.

وقوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ متعلّق بـ﴿تَحْكُمَ﴾ أي: تحكم بالذي أراك الله، و﴿أَرَاكَ اللَّهُ﴾ من الرأي أو من الرؤية، أو كلاهما؟

الظاهر كلاهما، يشمل هذا وهذا؛ فيشمل ما استنبطه النبي عليه الصلاة والسلام من القرآن، وإن لم تكن دلالته صريحة باللفظ، وهذا من الرأي، أو بما أراه الله بما تبيّن له من ألفاظ القرآن. ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ويحتمل أن تكون الإراءة هنا بمعنى العلم؛ أي: بما أعلمك، فتشمل المعنيين.

﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لما ذكر أن الله أنزله، أنزل عليك الكتاب بالحق، …

An-Nisaa 4:105Listen in Qur'an →
106

وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And seek forgiveness of Allah. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

ثم قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿اسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: اطلب مغفرته، والمغفرة هي ستر الذنب، والتجاوز عنه، يعني إسقاط العقوبة عنه.

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، الجملة صلتها بما قبلها التعليل، ﴿اسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ لأنه جل وعلا يغفر ويرحم كل من استغفره وطلب رحمته.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنَّ هَمَّ النبي ﷺ وميله إلى هؤلاء فيه شيء من التقصير، ولهذا قال الله له: ﴿اسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، فيؤخذ منها أنه يجب على الحاكم أن يتأنَّى في الحكم، وأن لا يتعجل، بل يتريث، لا سيما مع وجود قرائن.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمكن أن يقع منه الذنب، وهذا هو الحق، إلا ذنبًا ينافي مقتضى الرسالة، مثل الخيانة، والكذب، وما أشبه ذلك.

وقال بعض أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يذنب، وأن المراد بذنوبه ذنوب أمته، أو أن المراد بذلك تعليمه؛ لتتعلم الأمة، ولكن هذا ليس بصحيح، أما الأول فإن الله تعالى قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩]، والقرآن مُنَزَّه عن التكرار؛ لأننا لو قلنا: ﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أي: ذنوب أمتك، لكان قوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تكرارًا لا فائدة منه.

وأما كونه نبيًّا فلا يمكن أن يذنب، فنقول: إن الذنب إذا تلته التوبة فقد يكون الإنسان بعدها خيرًا منه قبلها، فهذا آدم عليه الصلاة والسلام كان من الأنبياء فأذنب، فصارت منزلته وحاله بعد الذنب أكمل منها قبل الذنب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢]، نعم، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يُقَرَّ على ذنب، بخلاف غيره، بمعنى أنه إذا أذنب فلا بد أن يستغفر بتنبيه الله له، أو بتنبهه هو، أما غيره فليست له هذه الميزة، وهذا يظهر به الفرق بين الأنبياء وغيرهم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، فبـ (الغفور) زوال المكروه، أي: زوال آثام الذنوب، وبالرحمة حصول المطلوب؛ أن الله ييسر الإنسان لما تكون به رحمة الله.

* ومن فوائد هذه الآية: ما استنبطه بعض العلماء من أنه ينبغي لمن استُفْتِيَ أن يقدِّم بين يدي فتواه الاستغفار؛ لأن الله قال: ﴿لِتَحْكُمَ﴾، ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، ولأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين معرفة الصواب، كما قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤]، فهم لم يقولوا: إن القرآن أساطير الأولين، إلا لأنه حيل بينهم وبين معرفة حقيقته بسبب ذنوبهم التي رانت على قلوبهم، وهذا القول وجيه؛ أن الإنسان إذا أراد أن يُفْتِيَ أن يقدم بين يدي فتواه الاستغفار، لا سيما إذا التبست عليه المسألة، واشتبه عليه الحكم، فهو يدعو بذلك، وكذلك يدعو بقوله: اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

An-Nisaa 4:106Listen in Qur'an →
107

وَلَا تُجَٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًۭا

And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allah loves not one who is a habitually sinful deceiver.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء ١٠٧]، قوله: ﴿لَا تُجَادِلْ﴾ (لا) ناهية، والمجادلة هي مماراة الخصم من أجل الظهور عليه، سميت بذلك إما من الجدل وهو فتل الحبل وإحكامه؛ لأن المجادِل يُحكم حجته، وإما من الْجَدالة وهي الأرض، وكأن المجادل يطرح خصمه على الأرض حتى لا يكون به الحراك، وعلى كل حال فهي المماراة والمدافعة من أجل الظهور، ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.

والنهي عن المجادلة هل يستلزم وقوعها؟

الجواب: لا، قد يُنهى الإنسان عن الشيء وإن لم يقع لكنه قد يقع، يُنهى عن شيء متوقع غير واقع، فلا يلزم من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ أن يكون النبي ﷺ جادل عنهم، ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: يطلبون لها الخيانة فيوقعونها فيها، وهم هؤلاء الذين قالوا: إن صاحبنا لم يسرق، وإن السارق هو اليهودي.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾، وإذا كان الله تعالى لا يحب مَن كان خوّانًا أثيمًا فإنه لا يجوز الجدال عنه، أي: عن هذا الخوَّان الأثيم؛ لأن المجادلة عنه مضادة لله عز وجل؛ لأنها تأييد له، مع أن الله لا يحبه.

وقوله: ﴿خَوَّانًا﴾ هذه صيغة مبالغة، فيحتمل أن تكون على بابها، وأن الله لا يحب كثير الخيانة، ويحتمل أن تكون للنسبة، فلا يلزم منها الكثرة، ويكون المعنى: إن الله لا يحب من كان ذا خيانة، و(فَعَّال) تأتي للنسبة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، أي: لذي ظلم، وليس المعنى بكثير الظلم؛ لأن الظلم منتفٍ عن الله تعالى؛ قليله وكثيره، إذن أيهما أرجح؟ أنها للنسبة، أي: لا يحب من كان ذا خيانة.

﴿أَثِيمًا﴾ أي: مكتسبًا للإثم، والخيانة والإثم تنطبق تمامًا على هؤلاء الذين خانوا هذا اليهودي وأثموا بالسرقة، فهم جمعوا بين أمرين: بين الإثم بالسرقة، وبين الخيانة بإلصاق هذا العمل في غيره.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: النهي عن معاونة الآثم، وهذا مطابق لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة ٢]، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.

ومن فوائدها: أن اهتداء النبي صلوات الله وسلامه عليه بتوجيه الله تعالى وإرشاده؛ لقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾، فإن هذا توجيه من الله عز وجل لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام ألا يجادل عن هؤلاء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخائن لغيره خائن في الحقيقة لنفسه؛ حيث أوقعها في المآثم والخيانة، فلا يظن الخائن الذي يكتسب بخيانته ما يكتسب لا يظن أنه رابح، بل هو خائنٌ من؟ خائن نفسَه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا»أخرجه مسلم (١٠٢)، والترمذي (١٣١٥) ، واللفظ له من حديث أبي هريرة. .

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات محبة الله، من أين تؤخذ؟

* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾.

* الشيخ: هذا نفي للمحبة، كيف يكون دليلًا على إثباتها؟ لأنه لما نفاها عن الخونة دلّ على ثبوتها للأمناء، وهذا كاستدلال الشافعي رحمه الله بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥] على ثبوت رؤية الله تعالى من المؤمنين، قال: لما حجب هؤلاء في حال الغضب ثبتت الرؤية للآخرين في حال الرضا.

والمحبة عند أهل السنة والجماعة والسلف الصالح وأئمة الهدى هي ما نعرفه من أنفسنا، ولكن محبة الله ليست كمحبتنا نحن، بل هي محبة كسائر صفاته، الله أعلم بكيفيتها، لكن نعلم نحن معنى المحبة، وإذا كانت المحابُّ بيننا تختلف باعتبار إضافتها وباعتبار قوتها وضعفها، فالاختلاف بين المخلوقات، يكون الخلاف بين …

An-Nisaa 4:107Listen in Qur'an →
108

يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا

They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allah, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allah, of what they do, encompassing.

ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]، ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ من هم؟ هؤلاء الذين سرقوا، ولكنهم وضعوا السرقة في بيت آخر خوفًا من العار الذي يلحقهم بالسرقة، فهم يستخفون من الناس أن يوصَفُوا بالسُّرَّاق، لكنهم لا يستخفون من الله، وأيهما أحق أن يُسْتَخْفَى منه؟ الله عز وجل هو الأحق أن يُسْتَحْيَا منه، وأن يُخاف منه عز وجل، أما الناس فإنهم لا يضرونك ما دام الذي بينك وبين ربك سليمًا.

وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ الجملة هنا حال، حال من أين؟ من (الواو) في ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ ولّا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؟ من لفظ الجلالة أقرب، يعني: ولا يستخفون من الله والحال أنه معهم.

وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ المعيَّة يعني المصاحبة، لكن معية كل شيء بحسبه، والأصل في معنى هذه الكلمة هي المصاحبة، لكنها تختلف ويختلف مقتضاها بحسب ما تضاف إليه، فيقال مثلًا: المرأة مع زوجها، ويقال: القائد مع جنوده، ويقال: المتاع مع حامله، ويقال: القمر معنا، ويقال أشياء كثيرة تختلف فيها المعية من موضع إلى آخر، لكن يجمع هذه المعاني كلها المصاحبة، مطلق المصاحبة، وتختلف مقتضياتها بحسب ما تضاف إليه؛ فالله تعالى مع هؤلاء الذين بيَّتوا ما لا يرضى من القول، و﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨] والمعيَّتان تختلفان بحسب مقتضاهما ولوازمهما، والله تعالى مع محمد عليه الصلاة والسلام في الغار، ومع موسى وهارون في الرسالة، وتختلف هذه المعية عن معيته مع المؤمنين والمتقين وما أشبه ذلك بحسب ما تضاف إليه.

فما الذي تستلزمه هذه المعية في هذه الآية؟ التهديد، تستلزم التهديد بالإضافة إلى الإحاطة؛ لأن المعاني الخاصة بالإضافة إلى المعنى العام وهو الإحاطة التامة بالخلق، ثم هل هذه المعية حقيقة أو المراد بذلك لازمها؟

الصواب أن المراد بها المعية الحقيقية، وأنه سبحانه وتعالى معنا لكنه في السماء، ولا منافاة بين المعنيين، لا منافاة لثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن الله تعالى جمع بين هذين المعنيين في القرآن، بل في آية واحدة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، مع أنه ذكر أنه مستوٍ على العرش، ولا يمكن أن يجمع الله لنفسه بين وصفين متناقضين أبدًا.

الوجه الثاني: أنه لا منافاة بين العلوّ والمعية، فإن هذا ثابت في المخلوق فيما تقوله العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا، مع أن القمر من أصغر الأجرام السماوية، ومع ذلك هو مع المسافر وغير المسافر، وهو في السماء، فإذا جاز اجتماعهما -أعني اجتماع حقيقة المعية والعلوّ- في حق المخلوق، فالاجتماع في حق الخالق من باب أولى.

والوجه الثالث: أنه لو فُرِض امتناع اجتماعهما في حق المخلوق فإنه لا يقتضي انتفاء اجتماعهما في حق الخالق؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع في يده جل وعلا كخردلة في يد أحدنا، فهل يمكن أن يُقاس بالخلق؟ لا يمكن.

إذن فنحن نؤمن بأن الله تعالى معنا حقيقة، وهو في السماء يعلم ما في قلوبنا، ويسمع ما نقول، ويرى ما نفعل، وله السلطة التامة علينا والقدرة التامة، وهذه كلها من مقتضيات المعية، وقد فسرها السلف أو كثير منهم بهذه المقتضيات، فقالوا: معنا بعلمه، وهذا لا ينافي أن يكون المراد به الحقيقة؛ لأنهم يفسرونها أحيانًا باللازم، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة التفسير؛ أن التفاسير الواردة عن …

An-Nisaa 4:108Listen in Qur'an →
109

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًۭا

Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allah for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?

ثم قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء ١٠٩]، (ها) للتنبيه، و(أن) مبتدأ، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ إما منادى محذوف الأداة، والتقدير: يا هؤلاء، وعليه فيكون قوله: ﴿جَادَلْتُمْ﴾ هو خبر المبتدأ، وإما أن تكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ هي الخبر ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾، وتكون الجملة ﴿جَادَلْتُمْ﴾ في محل نصب على الحال، أي: ها أنتم مجادلين عنهم في الحياة الدنيا، والإشارة في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ الإشارة إلى قوم الرجل الذي سرق درعًا واتهم به رجلًا من اليهود كما ذكرناه في تفسير الآيات.

﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ وهم قد جادلوا عن رجل واحد، لكن هذا الجدال عن الرجل الواحد هو حقيقة جدال عن الجميع؛ لأن وصم السرقة لرجل من القبيلة هو وصم لجميع القبيلة؛ إذ يُعَيَّرُون بذلك، فيقال: منكم السُّرَّاق كفلان مثلًا، ولهذا قال: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾، والمجادلة إنما كانت عن شخص واحد، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقد يكون الجدل فيه الغلبة ولو بالباطل في الحياة الدنيا؛ لأنه قد يجادل الإنسان بالباطل ويأتي بكلام فصيح بيِّن يلبِّس به الحق بالباطل وينجح.

لكن ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، و(مَن) هنا استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد يجادل الله عنهم يوم القيامة، والاستفهام إذا جاء في موضع النفي فإنه يكون أبلغ من النفي المجرد، وذلك لأنه يكون نفيًا مُشْرَبًا بالتحدي، كأن القائل يقول: إذا كان هذا الأمر ممكنًا فأتني به، فلهذا مجيء الاستفهام في موضع النفي يكون أشد في النفي؛ لأنه مُشْرَب معنى التحدي، ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؟

والجواب: لا أحد، ولا يستطيع أحد أن يجادل عنهم، وذلك لأنه لو فرضنا أن أحدًا جادل شهدت عليه جوارحه، ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤]، ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾، أي: ذا وكالة وولاية يدافع ويمنع وينصر؟ والجواب: لا أحد.

* في هذه الآية الكريمة فوائد:

* منها: أن المجادلة والمخاصمة في الباطل إن نفعت في الدنيا فلن تنفع في الآخرة، تؤخذ؟

* طالب: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾..

* الشيخ: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس قد يتناصرون بالباطل؛ لأن هؤلاء القوم جادلوا بالباطل وهم يعلمون أن صاحبهم سرق؛ لقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

* ومن فوائدها: تحريم المحاماة إذا علم المحامي أن صاحبه مُبْطِل، وجه ذلك أن الله أنكر على هؤلاء أن يجادلوا عن صاحبهم، أما إذا كان المحامي يريد أن يدافع عن الحق لإثباته فهذا جائز، بل قد يكون واجبًا، كما لو وكلك شخص لا يعرف ولا يكاد يُبِين أن تدافع عنه فهذا لا بأس به.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر وهو يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجادلة يوم القيامة بالباطل لا تنفع، وصاحبها مخصوم، ومن ثم يجب الحذر مما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي أن الله قال: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»أخرجه البخاري (٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة.، فإننا نعلم أن من كان الله خصمه فهو مخصوم بكل حال.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، وأن من حاول أن يخفي عن الله شيئًا فإنه قد ظن بربه ظن السوء، ومع ذلك لن ينفعه هذا الظن؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ …

An-Nisaa 4:109Listen in Qur'an →
110

وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allah will find Allah Forgiving and Merciful.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، الحمد لله.

﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أي: بغيره، أي: ما يسوء غيره، كما يدل على هذا أن الآيات كلها في سياق قصة معينة، فيكون المراد بالسوء ما يسوء الغير؛ كاتهام هؤلاء اليهوديَّ بالسرقة.

﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ يعني بالمعاصي؛ لأن المعاصي ظلم للنفس؛ إذ إن النفس عندك أمانة يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها، فإذا عصيت الله فقد ظلمتها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب ٧٢]، لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، إذن يظلم نفسه بالمعاصي التي بينه وبين ربه، يعمل سوءًا يسيء به إلى غيره.

﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، وهنا إشكال نحوي، ﴿يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، لماذا كُسِرَ وهو فعل، والمعروف أن الكسرة من علامات الأسماء؟

* طالب: لعل لالتقاء الساكن.

* الشيخ: لعله، طيب، والمرجوح؟ لأن (لعل) تفيد أن هذا راجح، والمرجوح؟ ما تدري.

* طالب: هو كذلك.

* الشيخ: يعني متوقَّع.

* الطالب: لا، هو..

* الشيخ: هو، أنت قلت: هو كذلك، والـ(كذا) تقتضي المساواة ما قلت لما قال.

* طالب: قلت تعيين.

* الشيخ: نعم، يقينًا، طيب، يرد علينا إشكال آخر، كيف عُطِفت على ﴿يَعْمَلْ﴾، و ﴿يَعْمَلْ﴾ مجزومة، و﴿يَسْتَغْفِرِ﴾ مكسورة؟

* طالب: ما هي يا شيخ بمكسورة لكن حُرِّكت لالتقاء الساكنين، هي مجزومة.

* الشيخ: هي مجزومة، والحركة هنا عارضة.

﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: يطلب مغفرة الله عز وجل بحاله ومقاله؛ أما المقال فظاهر، يقول: اللهم اغفر لي، أو: أستغفر الله، وأما الحال فأن يكون آتيًا بشروط التوبة الخمسة، وهي، ابدأ بها أولًا فأول؟

* طالب: أن يعزم ألا يعود عليه.

* الشيخ: قبلها شيء، أولًا هات الشرط الذي ينبني عليه العمل؟

* الطالب: الإخلاص.

* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، الإخلاص، يعني بأن لا يحمله على التوبة مراعاة أحد من الناس، ثانيًا؟

* الطالب: أن يقلع عن الذنب.

* الشيخ: لا، قبله.

* طالب: ترك العمل.

* الشيخ: يقلع عن الذنب ويترك العمل جزاك الله خير!

* طالب: أن يندم.

* الشيخ: أن يندم، ويقع في نفسه حسرة على فعل الذنب، الثالث؟

* الطالب: أن يقلع عن الذنب.

* الشيخ: أن يقلع عن الذنب، الرابع؟

* طالب: العزم على أن لا يعود.

* الشيخ: العزم على أن لا يعود، والخامس؟

* طالب: أن يكون في وقت التوبة.

* الشيخ: أن يكون في وقت التوبة، أي: في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة.

إذن ﴿يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: يطلب المغفرة، بأيش؟ بحاله ومقاله، فيقول: اللهم اغفر لي، فما هي المغفرة؟

المغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه، وليست الستر فقط؛ لأن الاشتقاق يدل على أنه لا بد من ستر ووقاية؛ إذ إنها مأخوذة من الْمِغْفَر، والْمِغْفَر ما يغطَّى به الرأس من الفولاذ ونحوه لاتقاء السهام، فيحصل به ستر ووقاية.

وأقول لكم: إنها مشتق من الْمِغْفَر؛ لأن الأصل أن المعاني مأخوذة من الأشياء المحسوسة، فلهذا تجد علماء اللغة يعيدون المعاني إلى الأصول المحسوسة، يقول: مشتق من كذا، وأصل ذلك -على ما قيل- أن الإنسان إنما صار يتكلم تقليدًا لما يسمع حوله من صرير الرياح، وحفيف الأشجار، وما أشبه ذلك، هكذا قيل، مع ما علَّم الله عز وجل آدم من أسماء.

إذن المغفرة هي ستر الذنب، والتجاوز عنه.

﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ يقول: اللهم اغفر لي، أو: أستغفر الله.

﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿يَجِدِ﴾ هذه جواب الشرط، جواب (من)، ولذلك صارت مجزومة، حُرِّكت بالكسر لالتقاء الساكنين، المعنى ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا …

An-Nisaa 4:110Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.