وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلْكَٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّۭا مُّبِينًۭا
And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer, [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you. Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.
﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرض﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ عِنْدَ الضَّرُوراتِ مِنَ السَّفَرِ ولِقاءِ العَدُوِّ والمَرَضِ والمَطَرِ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِعَزِيمَةِ المُهاجِرِ عَلى المُهاجَرَةِ وتَرْغِيبٌ لَهُ فِيها لِما فِيهِ مِن تَخْفِيفِ المُؤْنَةِ أيْ: إذا سافَرْتُمْ أيَّ مُسافَرَةٍ كانَتْ ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِما قُيِّدَ بِهِ المُهاجَرَةُ.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أىْ حَرَجٌ أوْ إثْمٌ.
﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ أيْ: في أنْ تَقْصُرُوا، والقَصْرُ خِلافُ المَدِّ يُقالُ: قَصَرْتُ الشَّيْءَ، أيْ: جَعَلْتُهُ قَصِيرًَا بِحَذْفِ بَعْضِ أجْزائِهِ أوْ أوْصافِهِ فَمُتَعَلَّقُ القَصْرِ حَقِيقَةً إنَّما هو ذَلِكَ الشَّيْءُ لا بَعْضُهُ فَإنَّهُ مُتَعَلَّقُ الحَذْفِ دُونَ القَصْرِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الصَّلاةِ﴾ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَفْعُولًَا لِـ"تَقْصُرُوا" عَلى زِيادَةِ مِن حَسْبَما رَآهُ الأخْفَشُ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً ويَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًَا كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ أيْ: شَيْئًَا مِنَ الصَّلاةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُصارَ إلى وصْفِ الجُزْءِ بِصِفَةِ الكُلِّ أوْ يُرادَ بِالقَصْرِ مَعْنى الحَبْسِ يُقالُ: قَصَرْتُ الشَّيْءَ إذا حَبَسْتُهُ أوْ يُرادَ بِالصَّلاةِ الجِنْسُ لِيَكُونَ المَقْصُورُ بَعْضًَا مِنها وهي الرُّباعِيّاتُ أيْ: فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في أنْ تَقْصُرُوا بَعْضَ الصَّلاةِ بِتَنْصِيفِها، وقُرِئَ "تُقْصِرُوا" مِنَ الإقْصارِ و"تُقَصِّرُوا" مِنَ التَّقْصِيرِ والكُلُّ بِمَعْنىً، وأدْنى مُدَّةِ السَّفَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ القَصْرُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ولَيالِيها بِسَيْرِ الإبِلِ ومَشْيِ الأقْدامِ بِالِاقْتِصادِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ التَّخْيِيرُ وأفْضَلِيَّةُ الإتْمامِ وبِهِ تَعَلَّقَ الشّافِعِيُّ، وبِما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أتَمَّ في السَّفَرِ،» وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها أتَمَّتْ تارَةً وقَصَرَتْ أُخْرى، وعَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُتِمُّ ويَقْصُرُ وعِنْدَنا يَجِبُ القَصْرُ لا مَحالَةَ خَلا أنَّ بَعْضَ مَشايِخِنا سَمّاهُ عَزِيمَةً وبَعْضَهم رُخْصَةَ إسْقاطٍ بِحَيْثُ لا مَساغَ لِلْإتْمامِ لا رُخْصَةَ تَرْفِيهٍ إذْ لا مَعْنى لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الأخَفِّ والأثْقَلِ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وجابِرٍ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وقَتادَةُ وهو قَوْلُ مالِكَ، وقَدْ رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ،» «وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ فَكانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتّى رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ،» وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ما رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي في السَّفَرِ إلّا رَكْعَتَيْنِ وصَلّى بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قالَ: "أتِمُّوا فَإنّا قَوْمٌ سَفْرٌ"،» «وَحِينَ سَمِعَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلّى بِمِنىً أرْبَعَ رَكَعاتٍ اسْتَرْجَعَ ثُمَّ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ وصَلَّيْتُ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ وصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِن أرْبَعِ رَكَعاتٍ رَكْعَتانِ مُتَقَبَّلَتانِ،» وقَدِ اعْتَذَرَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ إتْمامِهِ بِأنَّهُ …