Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ بَقِيَ مِن أقْسامِ المُنافِقِينَ شَيْءٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ؛ ﴿سَتَجِدُونَ﴾؛ أيْ: عَنْ قُرْبٍ؛ بِوَعْدٍ لا شَكَّ فِيهِ؛ ﴿آخَرِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ؛ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾؛ أيْ: فَلا يَحْصُلَ لَكم مِنهم ضَرَرٌ؛ ﴿ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾؛ كَذَلِكَ؛ لِضَعْفِهِمْ عَنْ كُلٍّ مِنكُمْ؛ فَهم يُظْهِرُونَ لَكُمُ الإيمانَ إذا لَقُوكُمْ؛ ولَهُمُ الكُفْرَ إذا لَقُوهُمْ؛ وهو مَعْنى ﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾؛ أيْ: الِابْتِلاءِ بِالخَوْفِ عِنْدَ المُخالَطَةِ؛ ﴿أُرْكِسُوا﴾؛ أيْ: قُلِبُوا مَنكُوسِينَ؛ ﴿فِيها﴾

ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ أعْرَقَ في النِّفاقِ؛ وأرْدى؛ وأدْنى مِنَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ؛ وأعْدى؛ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ ما صَرَّحَ بِهِ في أُولَئِكَ؛ لِأنَّهُ أغْلَظُ؛ وهم أجْدَرُ مِنَ الأوَّلِينَ بِالإغْلاظِ؛ وطَوى ما صَرَّحَ بِهِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الِاعْتِزالُ خُضُوعًا؛ لا كِبْرًا؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ أيْ: الِانْقِيادَ؛ ولَمّا كانَ الإلْقاءُ لا بُدَّ لَهُ مِن قَرائِنَ يُعْرَفُ بِها؛ قالَ: ﴿ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾؛ أيْ: عَنْ قِتالِكُمْ؛ وأذاكُمْ؛ ﴿فَخُذُوهُمْ﴾؛ أيْ: اقْهَرُوهم بِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ القَهْرِ تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ ولَمّا كانَ نِفاقُهم - كَما تَقَدَّمَ - في غايَةِ الرَّداءَةِ؛ وأخْلاقُهم في نِهايَةِ الدَّناءَةِ؛ أشارَ إلى الوَعْدِ بِتَيْسِيرِ التَّمْكِينِ مِنهُمْ؛ فَقالَ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ فَإنَّ مَعْناهُ: صادَفْتُمُوهُمْ؛ وأدْرَكْتُمُوهُمْ؛ وأنْتُمْ ظافِرُونَ بِهِمْ؛ حاذِقُونَ في قِتالِهِمْ؛ فَطِنُونَ بِهِ؛ خَفِيفُونَ فِيهِ؛ فَإنَّ الثَّقِفَ: الحاذِقُ؛ الخَفِيفُ؛ الفَطِنُ؛ ولِذَلِكَ أشارَ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكُمْ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنْ مَنالِ الرَّحْمَةِ؛ مِنَ النَّصْرِ؛ والنَّجاةِ؛ وكُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾؛ أيْ: تَسَلُّطًا؛ ﴿مُبِينًا﴾؛ أيْ: ظاهِرًا قُوَّتُهُ وتَسَلُّطُهُ؛ وهَذِهِ الآياتُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ ”بَراءَةٌ“؛ فَإنَّها مُتَأخِّرَةُ النُّزُولِ؛ فَإنَّها بَعْدَ ”تَبُوكَ“.

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

ولَمّا بَيَّنَ أقْسامَهُمْ؛ بَيانًا ظَهَرَ مِنهُ أنَّ أحْوالَهم مُلْبِسَةٌ؛ وأمَرَ بِقِتالِهِمْ؛ مَعَ الِاجْتِهادِ في تَعَرُّفِ أحْوالِهِمْ؛ وخَتَمَ بِالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ؛ وكانَ رُبَّما قُتِلَ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ بِسَبَبِ الإلْباسِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - المُرادِ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ مُخْرِجًا لَهُ في صُورَةِ النَّفْيِ المُؤَكِّدِ بِالكَوْنِ؛ لِتَغْلِيظِ الزَّجْرِ عَنْهُ؛ لِما لِلنُّفُوسِ عِنْدَ الحُظُوظِ مِنَ الدَّواعِي إلى القَتْلِ -: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾؛ أيْ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ ﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾؛ أيْ: في حالٍ مِنَ الحالاتِ؛ ﴿إلا خَطَأً﴾؛ أيْ: في حالَةِ الخَطَإ؛ بِألّا يَقْصِدَ القَتْلَ؛ أوْ لا يَقْصِدَ الشَّخْصَ؛ أوْ يَقْصِدَهُ بِما لا يُقْصَدُ بِهِ زَهُوقُ الرُّوحِ؛ أوْ لا يَقْصِدَ ما هو مَمْنُوعٌ مِنهُ؛ كَمَن يَرْمِي إلى صَفِّ الكُفّارِ وفِيهِمْ مُسْلِمٌ؛ أوْ بِأنْ يَكُونَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ؛ فَإنَّ القَتْلَ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِحَرامٍ؛ وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في أقْسامِ المُنافِقِينَ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي التَّثَبُّتُ؛ والتَّحَرِّي في جَمِيعِ أمْرِ القَتْلِ؛ مَتى احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ القاتِلُ مُؤْمِنًا؛ احْتِمالًا لا تَقْضِي العادَةُ بِقُرْبِهِ؛ فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ بَيانُ حُكْمِ الخَطَإ؛ ولامُ الِاخْتِصاصِ قَدْ تُطْلَقُ عَلى ما لا مانِعَ مِنهُ: «”فَإنَّما هي لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ“؛» وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِيُفِيدَ بِإيجابِ الكَفّارَةِ والدِّيَةِ غايَةَ الزَّجْرِ عَنْ قَتْلِ المُؤْمِنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هَذا جَزاءَ ما هو لَهُ؛ فَما الظَّنُّ بِما لَيْسَ لَهُ؟! فَقالَ (تَعالى): ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾؛ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا؛ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالوَصْفِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وإنْ أُلْزِمَ بِهِ في الظّاهِرِ؛ ﴿خَطَأً﴾؛ ولَمّا كانَ الخَطَأُ مَرْفُوعًا عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَكانَ لِذَلِكَ يُظَنُّ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلى المُخْطِئِ؛ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ في القَتْلِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ؛ لِأنَّ الأمْرَ فِيها خَطِرٌ جِدًّا؛ فَقالَ - مُغْلِظًا عَلَيْهِ؛ حَثًّا عَلى زِيادَةِ النَّظَرِ؛ والتَّحَرِّي عِنْدَ فِعْلِ ما قَدْ يَقْتُلُ -: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾؛ أيْ: فالواجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ ﴿رَقَبَةٍ﴾؛ أيْ: نَفْسٍ - عَبَّرَ بِها عَنْها لِأنَّها لا تَعِيشُ بِدُونِها - كامِلَةِ الرِّقِّ؛ ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾؛ ولَوْ بِبَيْعِ الدّارِ؛ أوِ البَساتِينِ؛ سَلِيمَةٍ عَمّا يُخِلُّ بِالعَمَلِ؛ وقَدَّمَ التَّحْرِيرَ هُنا حَثًّا عَلى رَتْقِ ما خُرِقَ مِن حِجابِ العَبْدِ؛ وإيجابُ ذَلِكَ في الخَطَإ إيجابٌ لَهُ في العَمْدِ؛ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ وكَأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ في العَمْدِ لِأنَّهُ تَخْفِيفٌ في الجُمْلَةِ؛ والسِّياقُ لِلتَّغْلِيظِ؛ ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أيْ: مُؤَدّاةٌ بِيُسْرٍ؛ وسُهُولَةٍ؛ ﴿إلى أهْلِهِ﴾؛ أيْ: ورَثَتِهِ؛ يَقْتَسِمُونَها كَما يُقَسَّمُ المِيراثُ؛ ﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾؛ أيْ: يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ في كُلِّ حالٍ؛ إلّا في حالِ تَصَدُّقِهِمْ بِالعَفْوِ عَنِ القاتِلِ؛ بِإبْرائِهِ مِنَ الدِّيَةِ؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ؛ وعَبَّرَ بِالصَّدَقَةِ تَرْغِيبًا؛ ﴿فَإنْ كانَ﴾؛ أيْ: المَقْتُولُ؛ ﴿مِن قَوْمٍ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ مَنعَةٌ؛ ﴿عَدُوٍّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مُحارِبِينَ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ﴾؛ أيْ: فالواجِبُ عَلى القاتِلِ تَحْرِيرُ ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى التَّحَرِّي في جَوْدَةِ إسْلامِها؛ …

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

ولَمّا ساقَ (تَعالى) الخَطَأ مَساقَ ما هو لِلْفاعِلِ؛ مُنَفِّرًا عَنْهُ هَذا التَّنْفِيرَ؛ ناسَبَ كُلَّ المُناسَبَةِ أنْ يَذْكُرَ ما لَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ؛ إذْ كانَ ضَبْطُ النَّفْسِ بَعْدَ إرْسالِها شَدِيدًا؛ فَرُبَّما سَهَّلَتْ قَتْلَ مَن تَحَقَّقَ إسْلامُهُ إحْنَةٌ؛ وجَرَّتْ إلَيْهِ ضَغِينَةٌ؛ وقَوَّتِ الشُّبَهَ فِيهِ شِدَّةُ شَكِيمَةٍ؛ ولَعَمْرِي إنَّ الحَمْلَ عَلى الكَفِّ بَعْدَ الإرْسالِ أصْعَبُ مِنَ الحَمْلِ عَلى الإقْدامِ؛ وإنَّما يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن جَرَّبَ النُّفُوسَ حالَ الإشْرافِ عَلى الظَّفَرِ؛ واللَّذاذَةِ بِالِانْتِقامِ مَعَ القُوى؛ والقُدْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾؛ ولَعَلَّهُ أشارَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ إلى دَوامِ العَزْمِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأجْلِ الإيمانِ؛ وهو لا يَكُونُ إلّا كُفْرًا؛ وتَرَكَ الكَلامَ مُحْتَمِلًا زِيادَةَ تَنْفِيرٍ مِن قَتْلِ المُسْلِمِ؛ ﴿مُتَعَمِّدًا﴾؛ أيْ: وأمّا الخَطَأُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ في المُؤْمِنِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿فَجَزاؤُهُ﴾؛ أيْ: عَلى ذَلِكَ؛ ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: تَتَلَقّاهُ بِحالَةٍ كَرِيهَةٍ جِدًّا؛ كَما تَجَهَّمَ المَقْتُولَ؛ ﴿خالِدًا فِيها﴾؛ أيْ: ماكِثًا إلى ما لا آخِرَ لَهُ؛ ﴿وغَضِبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ مَعَ ذَلِكَ؛ ﴿عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾؛ أيْ: وأبْعَدَهُ مِن رَحْمَتِهِ؛ ﴿وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: لا تَبْلُغُ مَعْرِفَتَهُ عُقُولُكُمْ؛ وإنْ عُمِّمَ القَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ الَّذِي خَصَّها ما قَبْلَها؛ وما بَعْدَها؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ لا آيَةُ ”الفُرْقانِ“؛ فَإنَّها مَكِّيَّةٌ؛ وهَذِهِ مَدَنِيَّةٌ.

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

ولَمّا تَبَيَّنَ بِهَذا المَنعِ الشَّدِيدِ مِن قَتْلِ العَمْدِ؛ وما في قَتْلِ الخَطَإ مِنَ المُؤاخَذَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّثَبُّتِ؛ وكانَ الأمْرُ قَدْ بَرَزَ بِالقِتالِ؛ والقَتْلِ في الجِهادِ؛ ومُؤَكَّدًا بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ؛ وكانَ رُبَّما التَبَسَ الحالُ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ التَّصْرِيحَ بِالأمْرِ بِالتَّثَبُّتِ؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا نَفْعَلُ بَيْنَ أمْرَيِ الإقْدامِ؛ والإحْجامِ؟ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ؛ والتَّعْبِيرِ بِالماضِي؛ الَّذِي هو لِأدْنى الأسْنانِ؛ إلى أنَّ الرّاسِخِينَ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى مَزِيدِ التَّأْكِيدِ في التَّأْدِيبِ؛ وما أحْسَنَ التِفاتَهُ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]؛ إشارَةً مِنهُ (تَعالى) إلى أنَّهم يَتَأثَّرُونَ مِن تَحْرِيضِهِ ﷺ؛ ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ؛ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ”إذا“؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذا ضَرَبْتُمْ﴾؛ أيْ: سافَرْتُمْ؛ وسِرْتُمْ في الأرْضِ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ لِأجْلِ وجْهِهِ خالِصًا؛ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أيْ: اطْلُبُوا بِالتَّأنِّي؛ والتَّثَبُّتِ؛ بَيانَ الأُمُورِ؛ والثَّباتَ في تَلَبُّسِها؛ والتَّوَقُّفَ الشَّدِيدِ عِنْدَ مَنالِها؛ وذَلِكَ بِتَمَيُّزِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ وانْكِشافِ لَبْسِها غايَةَ الِانْكِشافِ؛ ولا تُقْدِمُوا إلّا عَلى ما بانَ لَكُمْ؛ ﴿ولا تَقُولُوا﴾؛ قَوْلًا؛ فَضْلًا عَمّا هو أعْلى مِنهُ؛ ﴿لِمَن ألْقى﴾؛ أيْ: كائِنًا مَن كانَ؛ ﴿إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾؛ أيْ: بادَرَ بِأنْ حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ؛ مُلْقِيًا قِيادَهُ؛ ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ أيْ: بَلْ مُتَعَوِّذٌ؛ لِتَقْتُلُوهُ.

ولَمّا كانَ اتِّباعُ الشَّهَواتِ عِنْدَ العَرَبِ في غايَةِ الذَّمِّ؛ قالَ - مُوَبِّخًا؛ مُنَفِّرًا عَنْ مِثْلِ هَذا؛ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ”تَقُولُوا“ - ﴿تَبْتَغُونَ﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِكم تَطْلُبُونَ طَلَبًا حَثِيثًا؛ بِقَتْلِهِ؛ ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: بِأخْذِ ما مَعَهُ مِنَ الحُطامِ الفانِي؛ والعَرَضِ الزّائِلِ؛ أوْ بِإدْراكِ ثَأْرٍ كانَ لَكم قِبَلَهُ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في آخِرِ كِتابِهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -: ”﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ قالَ: كانَ رَجُلٌ في غَنِيمَةٍ لَهُ؛ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ؛ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ؛ فَقَتَلُوهُ؛ وأخَذُوا غَنِيمَتَهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في ذَلِكَ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾“؛ ورَواهُ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وزادَ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾؛ تُخْفُونَ إيمانَكُمْ؛ وأنْتُمْ مَعَ المُشْرِكِينَ؛ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ وأظْهَرَ الإسْلامَ؛ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ ﴿مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾؛ أيْ: يُغْنِيكم بِها عَمّا تَطْلُبُونَ مِنَ العَرَضِ؛ مَعَ طِيبِها؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ مِن أصْلِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلُ هَذا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ؛ بِجَعْلِكم إيّاهُ بَعِيدًا عَنِ الإسْلامِ؛ ﴿كُنْتُمْ﴾؛ وبَعَّضَ زَمانَ القَتْلِ - كَما هو الواقِعُ - بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: قَبْلَما نَطَقْتُمْ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ؛ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْ ألْقى في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ قَبُولَ ما أظْهَرْتُمُ؛ امْتِثالًا لِأمْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِذَلِكَ؛ فَقَوّى أمْرَ الإيمانِ في قُلُوبِكم …

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

ولَمّا ناسَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما قَبْلَها مِن آيَةِ القَتْلِ العَمْدِ؛ والتَفَتَتْ إلى: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]؛ وإلى آيَةِ التَّحِيَّةِ؛ فاشْتَدَّ اعْتِناقُها لَهُما؛ وعُلِمَ بِها أنَّ في الضَّرْبِ في سَبِيلِ اللَّهِ هَذا الخَطَرَ؛ فَكانَ رُبَّما فُتِّرَ عَنْهُ؛ بَيَّنَ فَضْلَهُ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ”فَحِينَئِذٍ نَقْعُدُ عَنِ الجِهادِ لِنَسْلَمَ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ الجِهادِ؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ لِيُفِيدَ التَّصْرِيحَ بِتَفْضِيلِ المُؤْمِنِ المُجاهِدِ عَلى المُؤْمِنِ القاعِدِ؛ لِئَلّا يَخُصَّهُ أحَدٌ بِالكافِرِ الجاحِدِ.

ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ مَن عَذَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِرَحْمَتِهِ؛ اسْتَثْناهُمْ؛ فَقالَ - واصِفًا لِلْقاعِدِينَ؛ أوْ مُسْتَثْنِيًا مِنهم -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ أيْ: المانِعِ؛ أوِ العائِقِ عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ مِن عِوَجٍ؛ أوْ مَرَضٍ؛ أوْ عَمًى؛ ونَحْوِهِ؛ وبِهَذا بانَ أنَّ الكَلامَ في المُهاجِرِينَ؛ وفي البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمْلى عَلَيْهِ: ”لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ“؛ فَجاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ وهو يُمِلُّها عَلَيَّ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ واللَّهِ لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ - وكانَ أعْمى -؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى رَسُولِهِ؛ وفَخِذُهُ عَلى فَخِذِي؛ فَثَقُلَتْ عَلَيَّ؛ حَتّى خِفْتُ أنْ تُرَضَّ فَخِذِي؛ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾» وأخْرَجَهُ في فَضائِلِ القُرْآنِ؛ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ الآيَةُ؛ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ادْعُ لِي زَيْدًا؛ ولْيَجِئْ بِاللَّوْحِ؛ والدَّواةِ؛ والكَتِفِ“؛ ثُمَّ قالَ: ”اكْتُبْ“؛» فَذَكَرَهُ؛ وحَدِيثُ زَيْدٍ أخْرَجَهُ أيْضًا أبُو داوُدَ؛ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ؛ وفي رِوايَةِ أبِي داوُدَ: قالَ: «كُنْتُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ؛ فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى فَخِذِي؛ فَما وجَدْتُ شَيْئًا أثْقَلَ مِن فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ؛ فَقالَ لِي: ”اكْتُبْ“؛ فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ إلى آخِرِها؛ فَقامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - وكانَ رَجُلًا أعْمى - لَمّا سَمِعَ فَضِيلَةَ المُجاهِدِينَ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَكَيْفَ بِمَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؟ فَلَمّا قَضى كَلامَهُ غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّكِينَةُ؛ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي؛ ووَجَدْتُ مِن ثِقْلِها في المَرَّةِ الثّانِيَةِ كَما وجَدْتُ في المَرَّةِ الأُولى؛ فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”اقْرَأْ يا زَيْدُ“؛ فَقَرَأْتُ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ فَقالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ الآيَةَ كُلَّها؛ قالَ زَيْدٌ: أنْزَلَها اللَّهُ وحْدَها؛ فَألْحَقْتُها؛ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِكَأنِي أنْظُرُ إلى مُلْحَقِها عِنْدَ صَدْعٍ في كَتِفٍ؛» ورَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ؛ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ؛ وفِيهِ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ دامَ بَصَرَهُ؛ مَفْتُوحَةً عَيْناهُ؛ وفَرَّغَ سَمْعَهُ وقَلْبَهُ؛ لِما يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ».

ولَمّا ذَكَرَ القاعِدَ أتْبَعَهُ قَسِيمَهُ؛ المُجاهِدَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: …

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿دَرَجاتٍ﴾؛ وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾؛ وهي دَرَجَةُ الهِجْرَةِ؛ ودَرَجَةُ التَّمَكُّنِ مِنَ الجِهادِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ ودَرَجَةُ مُباشَرَةِ الجِهادِ بِالفِعْلِ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَخْلُو عَنْ زَلَلٍ؛ وإنِ اجْتَهَدَ في العَمَلِ؛ قالَ: ﴿ومَغْفِرَةً﴾؛ أيْ: مَحْوًا لِذُنُوبِهِمْ؛ بِحَيْثُ إنَّها لا تُذْكَرُ؛ ولا يُجازى عَلَيْها؛ ﴿ورَحْمَةً﴾؛ أيْ: كَرامَةً؛ ورِفْعَةً؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِالأسْماءِ الحُسْنى؛ والصِّفاتِ العُلا؛ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ ما لَمْ يَكُنْ؛

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأبْلَغِ حَثٍّ عَلى الهِجْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: تَقْبِضُ أرْواحَهم كامِلَةً؛ عَلى ما عِنْدَهم مِن نَقْصِ بَعْضِ المَعانِي؛ بِما تَرَكُوا مِن رُكْنِ الهِجْرَةِ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ؛ وفي الحَذْفِ إرْشادٌ إلى أنَّهُ إذا تَرَكَ مَن يَسْعى في جَبْرِهِ بِصَدَقَةٍ؛ أوْ حَجٍّ؛ ونَحْوِهِ مِن أفْعالِ البِرِّ؛ جُبِرَ؛ لِأنَّ الأساسَ الَّذِي تُبْنى عَلَيْهِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ مَوْجُودٌ؛ وهو الإيمانُ؛ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: بِالقُعُودِ عَنِ الجِهادِ؛ بِتَرْكِ الهِجْرَةِ؛ والإقامَةِ في بِلادِ الحَرْبِ؛ حَيْثُ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن إقامَةِ شَعائِرِ الدِّينِ كُلِّها؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: المَلائِكَةُ؛ مُوَبِّخِينَ لَهُمْ؛ ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ والأحْوالِ كانَتْ إقامَتُكم في بِلادِ الحَرْبِ؟

ولَمّا كانَ المُرادُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّوْبِيخَ؛ لِأجْلِ تَرْكِ الهِجْرَةِ ﴿قالُوا﴾؛ مُعْتَذِرِينَ؛ ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: أرْضِ الكُفّارِ؛ لا نَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ الدِّينِ؛ وكَأنَّهم أطْلَقُوها إشارَةً إلى أنَّها عِنْدَهم لِاتِّساعِها؛ لِكَثْرَةِ الكُفّارِ؛ هي الأرْضُ كُلُّها؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ قُنِعَ مِنهم بِذَلِكَ؟ فَقِيلَ: لا؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ضُعَفاءَ عَنِ الهِجْرَةِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: فَما قِيلَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: المَلائِكَةُ - بَيانًا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ضُعَفاءَ عَنِ الهِجْرَةِ إلى مَوْضِعٍ يَأْمَنُونَ فِيهِ عَلى دِينِهِمْ -: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ﴿واسِعَةً فَتُهاجِرُوا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ اتِّساعِها؛ كُلَّ مَن يُعادِيكم في الدِّينِ؛ ضارِبِينَ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: إلى حَيْثُ يَزُولُ عَنْكُمُ المانِعُ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الجِهادِ أوَّلًا فِي: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥]؛ دَلِيلٌ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا؛ بَعْدَ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ وذِكْرُ الهِجْرَةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِها أوَّلًا؛ بِالقُعُودِ عَنْها؛ ولِذَلِكَ خَصَّ الطّائِفَةَ الأُولى بِوَعْدِ الحُسْنى.

ولَمّا وُبِّخُوا عَلى تَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ؛ سُبِّبَ عَنْهُ جَزاؤُهُمْ؛ فَقِيلَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِنَ اجْتِهادِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ؛ ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: لِتَرْكِهِمُ الواجِبَ؛ وتَكْثِيرِهِمْ سَوادَ الكُفّارِ؛ وانْبِساطِهِمْ في وُجُوهِ أهْلِ النّاسِ؛ ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ والفِتَنِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ؛ يُكَثِّرُونَ سَوادَ المُشْرِكِينَ؛ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم فَيَقْتُلُهُ؛ أوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ﴾

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

ولَمّا تَوَعَّدَ عَلى تَرْكِ الهِجْرَةِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما زادَ القاعِدَ عَنْها تَخْوِيفًا؛ بِذِكْرِ مَن لَمْ يَدْخُلْ في المَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالقُدْرَةِ؛ عَلى صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِالتَّسْوِيَةِ في الحُكْمِ؛ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ - بَيانًا لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهم كاذِبُونَ في ادِّعائِهِمْ الِاسْتِضْعافَ -: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ وُجِدَ ضَعْفُهم في نَفْسِ الأمْرِ؛ وعُدُّوا ضُعَفاءَ؛ وتَقَوّى عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ؛ ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ ضَعْفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾؛ أيْ: في إيقاعِ الهِجْرَةِ؛ ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾؛ أيْ: إلى ذَلِكَ.

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ شَدِيدَةً؛ وكانَ رُبَّما تَرَكَها بَعْضُ الأقْوِياءِ واعْتَلَّ بِالضَّعْفِ؛ ورُبَّما ظَنَّ القادِرُ مَعَ المَشَقَّةِ أنَّهُ لَيْسَ بِقادِرٍ؛ نَفَّرَ مِن ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ ولَمّا كانَ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ بَلْ لَهُ أنْ يُعَذِّبَ الطّائِعَ؛ ويُنَعِّمَ العاصِي؛ ويَفْعَلَ ويَقُولَ ما يَشاءُ؛ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]؛ أحَلَّ هَؤُلاءِ المَعْذُورِينَ مَحَلَّ الرَّجاءِ؛ إيذانًا بِأنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ في غايَةِ الخَطَرِ؛ فَقالَ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَرْجُوُّ؛ والخَلِيقُ؛ والجَدِيرُ مِنَ المُلْكِ؛ المُحِيطُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: ولَوْ آخَذَهم لَكانَ لَهُ ذَلِكَ؛ وكُلُّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن نَحْوِ هَذا فَهو لِلْإشارَةِ إلى هَذا المَعْنى؛ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -: ”إنَّ“عَسى”؛ مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ“؛ مَعْناهُ أنَّهُ مَعَ أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ لا يَفْعَلُ إلّا ما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ عَلى ما يَسْتَصْوِبُهُ مِنهاجُ العَقْلِ السَّلِيمِ؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ ﴿عَفُوًّا﴾؛ أيْ: يَمْحُو الذَّنْبَ؛ إذا أرادَ؛ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْهِ؛ وقَدْ يُعاتِبُ عَلَيْهِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: يُزِيلُ أثَرَهُ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ بِحَيْثُ لا يُعاقِبُ عَلَيْهِ؛ ولا يُعاتِبُ؛ ولا يَكُونُ بِحَيْثُ يُذْكَرُ أصْلًا؛ ولَعَلَّ العَفْوَ راجِعٌ إلى الرِّجالِ؛ والغُفْرانَ إلى النِّساءِ والوِلْدانِ.

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

ولَمّا رَهَّبَ مِن تَرْكِ الهِجْرَةِ؛ رَغَّبَ فِيها بِما يُسَلِّي عَمّا قَدْ يُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطانُ؛ مِن أنَّهُ لَوْ فارَقَ - رَفاهِيَةً - الوَطَنَ؛ وقَعَ في شِدَّةِ الغُرْبَةِ؛ وأنَّهُ رُبَّما تَجَشَّمَ المَشَقَّةَ؛ فاخْتَرَمَ قَبْلَ بُلُوغِ القَصْدِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ومَن يُهاجِرْ﴾؛ أيْ: يُوقِعِ الهِجْرَةَ لِكُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ورَسُولُهُ ﷺ بِهِجْرَتِهِ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِن مُلْكِهِ؛ ولا أوْضَحَ مِن سَبِيلِهِ؛ ولا أوْسَعَ؛ ﴿يَجِدْ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: في ذاتِ الطُّولِ والعَرْضِ؛ ﴿مُراغَمًا﴾؛ أيْ: مَهْرَبًا؛ ومَذْهَبًا؛ ومُضْطَرَبًا؛ يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْمُراغَمَةِ؛ يُغْضِبُ الأعْداءُ بِهِ؛ ويُرْغِمُ أُنُوفَهم بِسَبَبِ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الرِّفْقِ؛ وحُسْنِ الحالِ؛ فَيَخْجَلُ مِمّا جَرُّوهُ مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لَهُ؛ مِن ”الرَّغْمُ“؛ وهو الذُّلُّ؛ والهَوانُ؛ وأصْلُهُ: لُصُوقُ الأنْفِ بِالرَّغامِ؛ وهو التُّرابُ؛ تَقُولُ: ”راغَمْتُ فُلانًا“؛ أيْ: هَجَرْتَهُ؛ وهو يَكْرَهُ مُفارَقَتَكَ؛ لِذِلَّةٍ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ المَوْضِعُ؛ وإنْ كانَ واحِدًا؛ فَإنَّهُ لِكِبَرِهِ ذُو أجْزاءٍ عَدِيدَةٍ؛ وُصِفَ بِما يَقْتَضِي العَدَدَ؛ فَقالَ ﴿كَثِيرًا﴾؛ ولَمّا كانَتِ المُراغَمَةُ لَذَّةَ الرُّوحِ؛ فَكانَتْ أعَزَّ مِن لَذَّةِ البَدَنِ؛ فَقَدَّمَها؛ أتْبَعَها قَوْلَهُ: ﴿وسَعَةً﴾؛ أيْ: في الرِّزْقِ؛ كَما قالَ ﷺ: «”صُومُوا تَصِحُّوا؛ وسافِرُوا تَغْنَمُوا“؛» أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –ولَفْظُهُ: «”واغْزُوا؛ وهاجِرُوا تُفْلِحُوا“».

ولَمّا كانَ رُبَّما ماتَ المُهاجِرُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَظُنَّ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الهِجْرَةَ؛ مَعَ تَجَشُّمِهِ لِفِراقِ بَلَدِهِ؛ قالَ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾؛ أيْ: فَضْلًا عَنْ بَلَدِهِ؛ ﴿مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: رِضى المَلِكِ؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿ورَسُولِهِ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ عِنْدَهُ؛ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن بَيْتِهِ؛ ولَوْ قَبْلَ الفُصُولِ مِن بَلَدِهِ؛ ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ﴾؛ أيْ: في هِجْرَتِهِ - بِحَسَبِ الوَعْدِ فَضْلًا؛ لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ عَدْلًا -: ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ تَمامُ الإحاطَةِ؛ فَلا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ؛ وكَذا كُلُّ مَن نَوى خَيْرًا؛ ولَمْ يُدْرِكْهُ: ”لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ“؛ فَهو مُوَفِّيهِ إيّاهُ تَوْفِيَةَ ما يَلْتَزِمُهُ الكَرِيمُ مِنكم.

ولَمّا كانَ بَعْضُهم رُبَّما قَصَّرَ بِهِ عَنِ البُلُوغِ تَوانِيهِ في سَيْرِهِ؛ أوْ عَنْ خُرُوجِهِ مِن بَلَدِهِ؛ فَظَنَّ أنَّ هِجْرَتَهُ هَذِهِ لَمْ تَجْبُرْ تَقْصِيرَهُ؛ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: لِتَقْصِيرٍ؛ إنْ كانَ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ يُكْرِمُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ بِأنْواعِ الكَراماتِ؛

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.