Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ إذا كانَ المُسْتَثْنَوْنَ كُفّارًا؛ فالِاعْتِزالُ حَقِيقَةً لا يَتَهَيَّأُ إلّا في حالَةِ المُواجَهَةِ في الحَرْبِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا اعْتَزَلُوكم بِانْفِرادِهِمْ عَنْ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم فَلا تَقْتُلُوهم. وقِيلَ أرادَ بِالِاعْتِزالِ هُنا المُهادَنَةَ. وسُمِّيَتِ اعْتِزالًا؛ لِأنَّها سَبَبُ الِاعْتِزالِ عَنِ القِتالِ. والسَّلَمُ هُنا الِانْقِيادُ؛ قالَهُ الحَسَنُ، أوِ الصُّلْحُ؛ قالَهُ الرَّبِيعُ ومُقاتِلٌ، أوِ الإسْلامُ قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا. وأمّا عَلى مَن قالَ: إنَّ المُسْتَثْنَيْنَ مُؤْمِنُونَ، فالمَعْنى أنَّهم إذْ قَدِ اعْتَزَلُوكم، وأظْهَرُوا الإسْلامَ فاتْرُكُوهم؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ في الَّذِينَ أسْلَمُوا ولَمْ يَسْتَحْكِمْ إيمانُهم والمَعْنى: سَبِيلًا إلى قَتْلِهِمْ ومُقاتَلَتِهِمْ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: السَّلْمُ بِسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ.

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ المُحِقِّينَ في المُتارَكَةِ المُجِدِّينَ في إلْقاءِ السَّلَمِ نَبَّهَ عَلى طائِفَةٍ أُخْرى مُخادِعَةٍ يُرِيدُونَ الإقامَةَ في مَواضِعِهِمْ مَعَ أهْلِيهِمْ يَقُولُونَ لَهم: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكم، ويَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ إذا وجَدُوا. قِيلَ كانَتْأسَدٌ وغَطَفانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيِّ كانَ يَنْقُلُ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ الأخْبارَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ في قَوْمٍ يَجِيئُونَ مِن مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ رِياءً، ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ يَكْفُرُونَ؛ فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وأعْلَمَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى صِفَةِ مَن تَقَدَّمَ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ إنَّهم مِن أهْلِ تِهامَةَ؛ قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ إنَّهم مِنَ المُنافِقِينَ قالَهُ الحَسَنُ.

والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ أنَّهم قَوْمٌ غَيْرُ المُسْتَثْنَيْنَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ . وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى أنَّها بِمَنزِلَةِ الآيَةِ الأُولى والقَوْمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الأُولى. وجاءَتْ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الأُولى مُقَرِّرَةً لَها. والسِّينُ في ﴿سَتَجِدُونَ﴾ لَيْسَتْ لِلِاسْتِقْبالِ قالُوا: إنَّما هي دالَّةٌ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وما نَزَلَتْ إلّا بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] فَدَخَلَتِ السِّينُ إشْعارًا بِالِاسْتِمْرارِ، انْتَهى. ولا تَحْرِيرَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ السِّينَ لَيْسَتْ لِلِاسْتِقْبالِ، وإنَّما تُشْعِرُ بِالِاسْتِمْرارِ؛ بَلِ السِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ، لَكِنْ لَيْسَ في ابْتِداءِ الفِعْلِ؛ لَكِنْ في اسْتِمْرارِهِ أنْ يَأْمَنُوكم؛ أيْ يَأْمَنُوا أذاكم، ويَأْمَنُوا أذى قَوْمِهِمْ. والفِتْنَةُ هُنا: المِحْنَةُ في إظْهارِ الكُفْرِ. ومَعْنى أُرْكِسُوا فِيها رَجَعُوا أقْبَحَ رُجُوعٍ وأشْنَعَهُ، وكانُوا شَرًّا فِيها مِن كُلِّ عَدُوٍّ. وحُكِيَ أنَّهم كانُوا يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ، فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ: قُلْ رَبِّي الخُنْفُساءُ، ورَبِّي القِرَدَةُ، ورَبِّي العَقْرَبُ، ونَحْوَهُ فَيَقُولُها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: رِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، لَمّا أدْغَمَ نَقَلَ الكَسْرَةَ إلى الرّاءِ. …

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

﴿وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]؛ أيْ عَلى أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ حُجَّةً واضِحَةً؛ وذَلِكَ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ وانْكِشافِ حالِهِمْ في الكُفْرِ والغَدْرِ وإضْرارِهِمْ بِأهْلِ الإسْلامِ، أوْ حُجَّةً ظاهِرَةً حَيْثُ أذِنّا لَكم في قَتْلِهِمْ. قالَ عِكْرِمَةُ: حَيْثُما وقَعَ السُّلْطانُ في كِتابِ اللَّهِ فالمُرادُ بِهِ الحُجَّةُ.

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ رُوِيَ «أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ؛ أسْلَمَ وهاجَرَ خَوْفًا مِن قَوْمِهِ إلى المَدِينَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأقْسَمَتْ أُمُّهُ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ ولا يُؤْوِيها سَقْفٌ حَتّى يَرْجِعَ؛ فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ ومَعَهُ الحارِثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ؛ فَأتَياهُ وهو في أُطُمٍ؛ فَفَتَكَ مِنهُ أبُو جَهْلٍ في الزَّرُودِ والغارِبِ، وقالَ: ألَيْسَ مُحَمَّدٌ يَحُثُّكَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ ؟ انْصَرِفْ وبِرَّ أُمَّكَ، وأنْتَ عَلى دِينِكَ؛ حَتّى نَزَلَ وذَهَبَ مَعَهُما؛ فَلَمّا أبْعَدا عَنِ المَدِينَةِ كَتَّفاهُ وجَلَدَهُ كُلُّ واحِدٍ مِائَةَ جَلْدَةٍ؛ فَقالَ لِلْحارِثِ: هَذا أخِي فَمَن أنْتَ يا حارِثُ للَّهِ عَلَيَّ إنْ وجَدْتُكَ خالِيًا أنْ أقْتُلَكَ. وقَدِما بِهِ عَلى أُمِّهِ فَحَلَفَتْ لا تُحَلُّ كِتافُهُ أوْ يَرْتَدَّ؛ فَفَعَلَ. ثُمَّ هاجَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وأسْلَمَ الحارِثُ وهاجَرَ فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِظَهْرِ قُباءَ، ولَمْ يَشْعُرْ بِإسْلامِهِ، فَأنْحى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أُخْبِرَ بِإسْلامِهِ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَتَلْتُهُ ولَمْ أشْعُرْ بِإسْلامِهِ؛ فَنَزَلَتْ» . وقِيلَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ يَرْعى غَنَمًا؛ فَقَتَلَهُ في بَعْضِ السَّرايا أبُو الدَّرْداءِ وهو يَتَشَهَّدُ، وساقَ غَنَمَهُ، فَعَنَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ حِينَ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ خَطَأً. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، انْتَهى.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ في مُقاتَلَةِ الكُفّارِ؛ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمُحارَبَةِ، ومِنها أنْ يَظُنَّ رَجُلًا حَرْبِيًّا، وهو مُسْلِمٌ فَيَقْتُلَهُ. وهَذا التَّرْكِيبُ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وكانَ يُغْنِي الكَلامُ هُناكَ عَنِ الكَلامِ هُنا، ولَكِنْ رَأيْنا جَمْعَ ما قالَهُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ هُنا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما كانَ لِمُؤْمِنٍ: ما صَلُحَ لَهُ، ولا اسْتَقامَ ولا لاقَ بِحالِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ، أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا ابْتِداءً غَيْرَ قِصاصٍ إلّا خَطَأً عَلى وجْهِ الخَطَأِ. فَإنْ قُلْتَ: بِما انْتَصَبَ خَطَأٌ ؟ قُلْتُ: بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ ما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَأِ وحْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى: لا يَقْتُلُهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَأِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ؛ أيْ إلّا قَتْلًا خَطَأً.

والمَعْنى: أنَّ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ أنْ تَنْتَفِيَ عَنْهُ وُجُوهُ قَتْلِ المُؤْمِنِ ابْتِداءً البَتَّةَ؛ إلّا إذا وُجِدَ مِنهُ خَطَأٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِأنْ يَرْمِيَ كافِرًا فَيُصِيبَ مُسْلِمًا، أوْ يَرْمِيَ شَخْصًا عَلى أنَّهُ كافِرٌ فَإذا هو مُسْلِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ جُمْهُورُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: ما …

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ نَزَلَتْ في مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ؛ حِينَ قَتَلَ أخاهُ هِشامَ بْنَ صُبابَةَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ؛ فَأخَذَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدِّيَةَ، ثُمَّ بَعَثَهُ مَعَ رَجُلٍ مِن فِهْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ في أمْرٍ ما؛ فَقَتَلَهُ مِقْيَسٌ، ورَجَعَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، وجَعَلَ يُنْشِدُ:

؎قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَرّاةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ

؎حَلَلْتُ بِهِ وتْرِي وأدْرَكْتُ ثَوْرَتِي ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ

فَقالَ: لا أُؤَمِّنُهُ في حِلٍّ ولا حَرَمٍ وأمَرَ بِقَتْلِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِالكَعْبَةِ؛ وهَذا السَّبَبُ يَخُصُّ عُمُومَ قَوْلِهِ: ومَن يَقْتُلُ؛ فَيَكُونُ خاصًّا بِالكافِرِ، أوْ يَكُونُ عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ قالَ: مَعْنى مُتَعَمِّدًا؛ أيْ مُسْتَحِلًّا؛ فَهَذا يَئُولُ أيْضًا إلى الكُفْرِ. وأمّا إذا كانَتْ عامَّةً؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ كَسائِرِ التَّوَعُّداتِ عَلى سائِرِ المَعاصِي؛ والمَعْنى: فَجَزاؤُهُ - إنْ جازاهُ - أيْ هو ذَلِكَ ومُسْتَحَقُّهُ؛ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ. هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ. ويَكُونُ الخُلُودُ عِبارَةً في حَقِّ المُؤْمِنِ العاصِي عَنِ المُكْثِ الطَّوِيلِ، لا المُقْتَرِنِ بِالتَّأْبِيدِ؛ إذْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا في حَقِّ الكُفّارِ.

وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها مُخَصَّصَةٌ بِعُمُومِها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، واعْتَمَدُوا عَلى ما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ الهَيِّنَةِ يُرِيدُ نَزَلَتْ: ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا بِعَدُوٍّ يَغْفِرْ ما دُونَ ذَلِكَ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ، ويَغْفِرُ ما دُونُ ذَلِكَ إلّا مَن قَتَلَ عَمْدًا. وقَدْ نازَعُوا في دَلالَةِ مَنِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ هو لَفْظٌ يَقَعُ كَثِيرًا لِلْخُصُوصِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولَيْسَ مَن حَكَمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِكافِرٍ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎ومَن لا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ يُهَدَّمْ ∗∗∗ ومَن لا يَظْلِمِ النّاسَ يُظْلَمِ

وإذا سُلِّمَ العُمُومُ فَقَدْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالإجْماعِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وأهْلِ السُّنَّةِ فِيمَن شَهِدَ عَلَيْهِ بِالقَتْلِ عَمْدًا أوْ أقَرَّ بِأنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا، وأتى السُّلْطانَ أوِ الأوْلِياءَ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ وقُتِلَ، فَهَذا غَيْرُ مُتَّبَعٍ في الآخِرَةِ. والوَعِيدُ غَيْرُ صائِرٍ إلَيْهِ إجْماعًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ: «أنَّهُ مَن عُوقِبَ في الدُّنْيا فَهو كَفّارَةٌ لَهُ» وهَذا تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ. وإذا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِالكافِرِ ويَشْهَدُ لَهُ سَبَبُ النُّزُولِ كَما قَدَّمْنا.

ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِتَوْبَةِ القاتِلِ، وتَكَلَّمَ فِيها المُفَسِّرُونَ هُنا. فَقالَتْ جَماعَةٌ: لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: الشِّرْكُ والقَتْلُ سَهْمانِ مَن ماتَ عَلَيْهِما خُلِّدَ، وكانَ يَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ نَسَخَتِ الَّتِي في الفُرْقانِ؛ لِأنَّها مَكِّيَّةٌ. وكانَ ابْنُ شِهابٍ إذا سَألَهُ مَن يَفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ قَتَلَ قالَ لَهُ: تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ، ومَن لَمْ يَقْتُلْ قالَ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ. ورُوِيَ عَنِ …

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ: «أنَّ رَجُلًا مِن سُلَيْمٍ مَرَّ عَلى نَفَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ ومَعَهُ غَنَمٌ؛ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما سَلَّمَ إلّا لِيَتَعَوَّذَ فَقَتَلُوهُ، وأخَذُوا غَنَمَهُ، وأتَوْا بِها الرَّسُولَ فَنَزَلَتْ» . وقِيلَ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيها المِقْدادُ؛ فَتَفَرَّقَ القَوْمُ وبَقِيَ رَجُلٌ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَبْرَحْ فَتَشَهَّدَ؛ فَقَتَلَهُ المِقْدادُ؛ فَأخْبَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ فَقالَ: «أقَتَلْتَ رَجُلًا قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فَكَيْفَ لَكَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ غَدًا ؟» . وقِيلَ لَقِيَ الصَّحابَةُ المُشْرِكِينَ فَهَزَمُوهم؛ فَشَدَّ رَجُلٌ مِنهم عَلى رَجُلٍ؛ فَلَمّا غَشِيَهُ السِّنانُ قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ؛ فَقَتَلَهُ وأخَذَ مَتاعَهُ؛ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ فَقالَ: «قَتَلْتَهُ وقَدْ زَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ ؟ فَقالَ: قالَها مُتَعَوِّذًا قالَ: " هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ ؟» في قِصَّةٍ آخِرُها: إنَّ القاتِلَ ماتَ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا؛ فَطُرِحَ في بَعْضِ الشِّعابِ. وقِيلَ هي السَّرِيَّةُ الَّتِي قَتَلَ فِيها أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ مِن أهْلِ فَدَكَ، وهي مَشْهُورَةٌ. وقِيلَ «بَعَثَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبا حَدْرَدٍ الأسْلَمِيَّ وأبا قَتادَةَ، ومُحَلَّمَ بْنَ جَثّامَةَ في سِرِّيَّةٍ إلى أسْلَمَ؛ فَلَمّا بَلَغُوا إلى عامِرِ بْنِ الأضْبَطِ الأشْجَعِيِّ حَيّاهم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ؛ فَقَتَلَهُ مُحَلَّمٌ وسَلَبَهُ؛ فَلَمّا قَدِمُوا قالَ: أقَتَلْتَهُ بَعْدَما قالَ آمَنتُ ؟ فَنَزَلَتْ».

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ جَزاءَ مَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، وأنَّ لَهُ جَهَنَّمَ، وذَكَرَ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولَعْنَتَهُ، وإعْدادَ العَذابِ العَظِيمِ لَهُ؛ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّثَبُّتِ والتَّبَيُّنِ، وأنْ لا يُقْدِمَ الإنْسانُ عَلى قَتْلِ مَن أظْهَرَ الإيمانَ، وأنْ لا يَسْفِكُوا دَمًا حَرامًا بِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ، وكَرَّرَ ذَلِكَ آخِرَ الآيَةِ تَأْكِيدًا أنْ لا يُقَدَّمَ عِنْدَ الشُّبَهِ والإشْكالِ حَتّى يَتَّضِحَ لَهُ ما يُقْدِمُ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ خَفاءُ ذَلِكَ مَنُوطًا بِالأسْفارِ والغَمَزاتِ، قالَ: إذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ وإلّا فالتَّثَبُّتُ والتَّبَيُّنُ لازِمٌ في قَتْلِ مَن تَظاهَرَ بِالإسْلامِ في السَّفَرِ وفي الحَضَرِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الضَّرْبِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] .

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَتَثَبَّتُوا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ، والباقُونَ: فَتَبَيَّنُوا. وكِلاهُما تَفَعَّلَ بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ الَّتِي لِلطَّلَبِ؛ أيِ اطْلُبُوا إثْباتَ الأمْرِ وبَيانَهُ، ولا تَقَدَّمُوا مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وإيضاحٍ. وقالَ قَوْمٌ: (تَبَيَّنُوا) أبْلَغُ وأشَدُّ مِن (فَتَثَبَّتُوا)؛ لِأنَّ المُتَثَبِّتَ قَدْ لا يَتَبَيَّنُ. وقالَ الرّاغِبُ؛ لِأنَّهُ قَلَّما يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَثَبُّتٍ، وقَدْ يَكُونُ التَّثَبُّتُ ولا تَبَيُّنَ، وقَدْ قُوبِلَ بِالعَجَلَةِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «التَّبَيُّنُ مِنَ اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ» . وقالَ أبُو عُبَيْدٍ هُما: مُتَقارِبانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ ما قالَ أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ تَبَيُّنَ الرَّجُلِ لا يَقْتَضِي أنَّ الشَّيْءَ بانَ، بَلْ يَقْتَضِي …

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قِيلَ الدَّرَجاتُ بِاعْتِبارِ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ بَعْدَ إدْخالِ الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِاعْتِبارِ سَتْرِ الذَّنْبِ والرَّحْمَةُ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ الخاصَّ لِلْمُجاهِدِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ومَن تَفَرَّدَ بِأحَدِهِما لَيْسَ كَذَلِكَ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن جاهَدَ، ومَن أنْفَقَ مالَهُ في الجِهادِ، لَيْسَ كَمَن جاهَدَ بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.

وفِي انْتِصابِ دَرَجَةً، ودَرَجاتٍ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصْدرِ لِوُقُوعِ دَرَجَةٍ مَوْقِعَ المَرَّةِ في التَّفْضِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَضَّلَهم تَفْضِيلَهُ. كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ووُقُوعُ دَرَجاتٍ مَوْقِعَ تَفْضِيلاتٍ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا تَعْنِي: ضَرَباتٍ. والثّانِي: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ الحالِ؛ أيْ ذَوِي دَرَجَةٍ وذَوِي دَرَجاتٍ. والثّالِثُ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِدَرَجَةٍ وبِدَرَجاتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُما انْتَصَبا عَلى مَعْنى الظَّرْفِ؛ إذْ وقَعا مَوْقِعَهُ؛ أيْ في دَرَجَةٍ وفي دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن أجْرًا قِيلَ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلِهِما؛ أيْ غَفَرَ ذَنْبَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. وأمّا انْتِصابُ أجْرًا عَظِيمًا فَقِيلَ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى فَضَّلَ مَعْنى أجْرٍ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى لا مِنَ اللَّفْظِ. وقِيلَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأجْرٍ. وقِيلَ مَفْعُولُ بِفَضْلِهِمْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (أعْطاهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي دَرَجاتٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها، انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ؛ لِأنَّ أجْرًا عَظِيمًا مُفْرَدٌ، ولا يَكُونُ نَعْتًا لِدَرَجاتٍ لِأنَّها جَمْعٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصَبَ دَرَجاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ (عَلى) أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما نَقُولُ لَكَ: عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا انْتَهى. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم، أوْ يُضْرَبُ فَيَقْتُلُ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا؛ فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ؛ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ فَنَزَلَتْ» . قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ: قَيْسُ بْنُ النّائِحَةِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ أسَدٍ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وقالَ النَّقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ …

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قِيلَ الدَّرَجاتُ بِاعْتِبارِ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ بَعْدَ إدْخالِ الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِاعْتِبارِ سَتْرِ الذَّنْبِ والرَّحْمَةُ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ الخاصَّ لِلْمُجاهِدِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ومَن تَفَرَّدَ بِأحَدِهِما لَيْسَ كَذَلِكَ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن جاهَدَ، ومَن أنْفَقَ مالَهُ في الجِهادِ، لَيْسَ كَمَن جاهَدَ بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.

وفِي انْتِصابِ دَرَجَةً، ودَرَجاتٍ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصْدرِ لِوُقُوعِ دَرَجَةٍ مَوْقِعَ المَرَّةِ في التَّفْضِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَضَّلَهم تَفْضِيلَهُ. كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ووُقُوعُ دَرَجاتٍ مَوْقِعَ تَفْضِيلاتٍ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا تَعْنِي: ضَرَباتٍ. والثّانِي: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ الحالِ؛ أيْ ذَوِي دَرَجَةٍ وذَوِي دَرَجاتٍ. والثّالِثُ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِدَرَجَةٍ وبِدَرَجاتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُما انْتَصَبا عَلى مَعْنى الظَّرْفِ؛ إذْ وقَعا مَوْقِعَهُ؛ أيْ في دَرَجَةٍ وفي دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن أجْرًا قِيلَ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلِهِما؛ أيْ غَفَرَ ذَنْبَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. وأمّا انْتِصابُ أجْرًا عَظِيمًا فَقِيلَ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى فَضَّلَ مَعْنى أجْرٍ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى لا مِنَ اللَّفْظِ. وقِيلَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأجْرٍ. وقِيلَ مَفْعُولُ بِفَضْلِهِمْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (أعْطاهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي دَرَجاتٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها، انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ؛ لِأنَّ أجْرًا عَظِيمًا مُفْرَدٌ، ولا يَكُونُ نَعْتًا لِدَرَجاتٍ لِأنَّها جَمْعٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصَبَ دَرَجاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ (عَلى) أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما نَقُولُ لَكَ: عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا انْتَهى. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم، أوْ يُضْرَبُ فَيَقْتُلُ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا؛ فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ؛ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ فَنَزَلَتْ» . قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ: قَيْسُ بْنُ النّائِحَةِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ أسَدٍ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وقالَ النَّقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ …

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قِيلَ الدَّرَجاتُ بِاعْتِبارِ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ بَعْدَ إدْخالِ الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِاعْتِبارِ سَتْرِ الذَّنْبِ والرَّحْمَةُ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ الخاصَّ لِلْمُجاهِدِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ومَن تَفَرَّدَ بِأحَدِهِما لَيْسَ كَذَلِكَ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن جاهَدَ، ومَن أنْفَقَ مالَهُ في الجِهادِ، لَيْسَ كَمَن جاهَدَ بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.

وفِي انْتِصابِ دَرَجَةً، ودَرَجاتٍ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصْدرِ لِوُقُوعِ دَرَجَةٍ مَوْقِعَ المَرَّةِ في التَّفْضِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَضَّلَهم تَفْضِيلَهُ. كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ووُقُوعُ دَرَجاتٍ مَوْقِعَ تَفْضِيلاتٍ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا تَعْنِي: ضَرَباتٍ. والثّانِي: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ الحالِ؛ أيْ ذَوِي دَرَجَةٍ وذَوِي دَرَجاتٍ. والثّالِثُ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِدَرَجَةٍ وبِدَرَجاتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُما انْتَصَبا عَلى مَعْنى الظَّرْفِ؛ إذْ وقَعا مَوْقِعَهُ؛ أيْ في دَرَجَةٍ وفي دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن أجْرًا قِيلَ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلِهِما؛ أيْ غَفَرَ ذَنْبَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. وأمّا انْتِصابُ أجْرًا عَظِيمًا فَقِيلَ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى فَضَّلَ مَعْنى أجْرٍ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى لا مِنَ اللَّفْظِ. وقِيلَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأجْرٍ. وقِيلَ مَفْعُولُ بِفَضْلِهِمْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (أعْطاهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي دَرَجاتٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها، انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ؛ لِأنَّ أجْرًا عَظِيمًا مُفْرَدٌ، ولا يَكُونُ نَعْتًا لِدَرَجاتٍ لِأنَّها جَمْعٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصَبَ دَرَجاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ (عَلى) أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما نَقُولُ لَكَ: عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا انْتَهى. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم، أوْ يُضْرَبُ فَيَقْتُلُ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا؛ فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ؛ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ فَنَزَلَتْ» . قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ: قَيْسُ بْنُ النّائِحَةِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ أسَدٍ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وقالَ النَّقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ …

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قِيلَ الدَّرَجاتُ بِاعْتِبارِ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ بَعْدَ إدْخالِ الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِاعْتِبارِ سَتْرِ الذَّنْبِ والرَّحْمَةُ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ الخاصَّ لِلْمُجاهِدِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ومَن تَفَرَّدَ بِأحَدِهِما لَيْسَ كَذَلِكَ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن جاهَدَ، ومَن أنْفَقَ مالَهُ في الجِهادِ، لَيْسَ كَمَن جاهَدَ بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.

وفِي انْتِصابِ دَرَجَةً، ودَرَجاتٍ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصْدرِ لِوُقُوعِ دَرَجَةٍ مَوْقِعَ المَرَّةِ في التَّفْضِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَضَّلَهم تَفْضِيلَهُ. كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ووُقُوعُ دَرَجاتٍ مَوْقِعَ تَفْضِيلاتٍ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا تَعْنِي: ضَرَباتٍ. والثّانِي: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ الحالِ؛ أيْ ذَوِي دَرَجَةٍ وذَوِي دَرَجاتٍ. والثّالِثُ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِدَرَجَةٍ وبِدَرَجاتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُما انْتَصَبا عَلى مَعْنى الظَّرْفِ؛ إذْ وقَعا مَوْقِعَهُ؛ أيْ في دَرَجَةٍ وفي دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن أجْرًا قِيلَ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلِهِما؛ أيْ غَفَرَ ذَنْبَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. وأمّا انْتِصابُ أجْرًا عَظِيمًا فَقِيلَ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى فَضَّلَ مَعْنى أجْرٍ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى لا مِنَ اللَّفْظِ. وقِيلَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأجْرٍ. وقِيلَ مَفْعُولُ بِفَضْلِهِمْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (أعْطاهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي دَرَجاتٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها، انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ؛ لِأنَّ أجْرًا عَظِيمًا مُفْرَدٌ، ولا يَكُونُ نَعْتًا لِدَرَجاتٍ لِأنَّها جَمْعٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصَبَ دَرَجاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ (عَلى) أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما نَقُولُ لَكَ: عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا انْتَهى. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم، أوْ يُضْرَبُ فَيَقْتُلُ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا؛ فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ؛ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ فَنَزَلَتْ» . قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ: قَيْسُ بْنُ النّائِحَةِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ أسَدٍ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وقالَ النَّقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ …

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قِيلَ الدَّرَجاتُ بِاعْتِبارِ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ بَعْدَ إدْخالِ الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِاعْتِبارِ سَتْرِ الذَّنْبِ والرَّحْمَةُ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ الخاصَّ لِلْمُجاهِدِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ومَن تَفَرَّدَ بِأحَدِهِما لَيْسَ كَذَلِكَ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن جاهَدَ، ومَن أنْفَقَ مالَهُ في الجِهادِ، لَيْسَ كَمَن جاهَدَ بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.

وفِي انْتِصابِ دَرَجَةً، ودَرَجاتٍ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصْدرِ لِوُقُوعِ دَرَجَةٍ مَوْقِعَ المَرَّةِ في التَّفْضِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَضَّلَهم تَفْضِيلَهُ. كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ووُقُوعُ دَرَجاتٍ مَوْقِعَ تَفْضِيلاتٍ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا تَعْنِي: ضَرَباتٍ. والثّانِي: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ الحالِ؛ أيْ ذَوِي دَرَجَةٍ وذَوِي دَرَجاتٍ. والثّالِثُ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِدَرَجَةٍ وبِدَرَجاتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُما انْتَصَبا عَلى مَعْنى الظَّرْفِ؛ إذْ وقَعا مَوْقِعَهُ؛ أيْ في دَرَجَةٍ وفي دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن أجْرًا قِيلَ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلِهِما؛ أيْ غَفَرَ ذَنْبَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. وأمّا انْتِصابُ أجْرًا عَظِيمًا فَقِيلَ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى فَضَّلَ مَعْنى أجْرٍ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى لا مِنَ اللَّفْظِ. وقِيلَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأجْرٍ. وقِيلَ مَفْعُولُ بِفَضْلِهِمْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (أعْطاهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي دَرَجاتٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها، انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ؛ لِأنَّ أجْرًا عَظِيمًا مُفْرَدٌ، ولا يَكُونُ نَعْتًا لِدَرَجاتٍ لِأنَّها جَمْعٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصَبَ دَرَجاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ (عَلى) أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما نَقُولُ لَكَ: عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا انْتَهى. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم، أوْ يُضْرَبُ فَيَقْتُلُ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا؛ فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ؛ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ فَنَزَلَتْ» . قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ: قَيْسُ بْنُ النّائِحَةِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ أسَدٍ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وقالَ النَّقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ …

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في أكْثَمِ بْنِ صَيْفِيِّ، ولَمّا رَغَّبَ تَعالى في الهِجْرَةِ ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن وُجُودِ السَّعَةِ والمَذاهِبِ الكَثِيرَةِ لِيَذْهَبَ عَنْهُ ما يَتَوَهَّمُ وُجُودَهُ في الغُرْبَةِ، ومُفارَقَةِ الوَطَنِ مِنَ الشِّدَّةِ، وهَذا مُقَرَّرُ ما قالَتْهُ المَلائِكَةُ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] .

ومَعْنى مُراغَمًا: مُتَحَوَّلًا ومَذْهَبًا؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، والرَّبِيعُ، وغَيْرُهم. وقالَ مُجاهِدٌ: المُزَحْزَحُ عَمّا يَكْرَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُهاجَرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المُبْتَغى لِلْمَعِيشَةِ. وقَرَأ الجَرّاحُ ونُبَيْحٌ والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: مَرْغَمًا عَلى وزْنِ مَفْعَلٍ كَمَذْهَبٍ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هو عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ مِن راغَمَ. والسِّعَةُ هُنا في الرِّزْقِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والرَّبِيعُ، وغَيْرُهم. وقالَ قَتادَةُ: سَعَةٌ مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى، ومِنَ القِلَّةِ إلى الغِنى. وقالَ مالِكٌ: السِّعَةُ سَعَةُ البِلادِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُشْبِهُ لِفَصاحَةِ العَرَبِ، أنْ يُرِيدَ سَعَةَ الأرْضِ، وكَثْرَةَ المَعاقِلِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ السَّعَةُ في الرِّزْقِ، واتِّساعِ الصَّدْرِ عَنْ هُمُومِهِ وفِكْرِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الفَرَحِ. ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَكانَ لِي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ في الأرْضِ ذاتِ الطُّولِ والعَرْضِ

انْتَهى. وقَدَّمَ مُراغَمَةَ الأعْداءِ عَلى سَعَةِ العَيْشِ؛ لِأنَّ الِابْتِهاجَ بِرَغْمِ أُنُوفِ الأعْداءِ لِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ أشَدُّ مِن الِابْتِهاجِ بِالسَّعَةِ.

﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في جُنْدُبِ بْنِ ضَمْرَةَ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ قَبْلُ. وقِيلَ في ضَمْرَةِ بْنِ بَغِيضٍ. وقِيلَ أبُو بَغِيضٍ ضَمْرَةُ بْنُ زِنْباعٍ الخُزاعِيُّ. وقِيلَ خالِدُ بْنُ حَرامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ أخُو حَكِيمِ بْنِ حَرامٍ خَرَجَ مُهاجِرًا إلى الحَبَشَةِ؛ فَماتَ في الطَّرِيقِ. وقِيلَ ضَمْرَةُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ نُعَيْمٍ. وقِيلَ ضَمْرَةُ بْنُ خُزاعَةَ. وقِيلَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ هاجَرَ فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَسَخِرَ مِنهُ قَوْمُهُ فَقالُوا: لا هو بَلَغَ ما يُرِيدُ، ولا هو أقامَ في أهْلِهِ حَتّى دُفِنَ. والصَّحِيحُ: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ، أوْ بَغِيضُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ الزِّنْباعِ؛ لِأنَّ عِكْرِمَةَ سَألَ عَنْهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وصَحَّحَهُ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في ثُبُوتِ الأجْرِ ولُزُومِهِ، ووُصُولِ الثَّوابِ إلَيْهِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ، وتَكْرِيمًا. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوُقُوعِ مُبالَغَةً. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ﴾ بِرَفْعِ الكافِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هَذا رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، فَعَطَفَ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ عَلى الفِعْلِ المَجْزُومِ وفاعِلِهِ. وعَلى هَذا حَمَلَ يُونُسُ قَوْلَ الأعْشى:

؎إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْرِ عادَتُنا ∗∗∗ أوْ تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ

المُرادُ: أوْ أنْتُمْ تَنْزِلُونَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الآخَرِ:

؎إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي نَعِيقُكم ∗∗∗ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدِكم قُوتُ

المَعْنى: ثُمَّ أنْتُمْ يَأْتِينِي نَعِيقُكم. وهَذا أوْجَهُ مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى ألَمْ يَأْتِيكَ، انْتَهى. …

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.