Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 61–70 of 200

61

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ

Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allah upon the liars [among us]."

﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ أيْ جادَلَكَ وخاصَمَكَ مِن وفْدِ نَصارى نَجْرانَ إذْ هُمُ المُتَصَدُّونَ لِذَلِكَ (فِيهِ) أيْ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وصاحِبُ القِصَّةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَقِّ المُتَقَدِّمِ لِقُرْبِهِ وعَدَمِ بُعْدِ المَعْنى ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾ أيِ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، وإطْلاقُ العِلْمِ عَلَيْها إمّا حَقِيقَةٌ لِأنَّها كَما قِيلَ: نَوْعٌ مِنهُ، وإمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المُحاجَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأدِلَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ الأخِيرُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿جاءَكَ﴾ الرّاجِعِ إلى (ما) المَوْصُولَةِ، و(مِن) مِن ذَلِكَ تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ.

(فَقُلْ) أيْ لِمَن حاجَّكَ ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ أقْبِلُوا بِالرَّأْيِ والعَزِيمَةِ، وأصْلُهُ طَلَبُ الإقْبالِ إلى مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في مُجَرَّدِ طَلَبِ المَجِيءِ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ لِلْمُباهَلَةِ، وفي تَقْدِيمِ مَن قُدِّمَ عَلى النَّفْسِ في المُباهَلَةِ مَعَ أنَّها مِن مَظانِّ

صفحة 188

التَّلَفِ والرَّجُلُ يُخاطِرُ لَهم بِنَفْسِهِ إيذانًا بِكَمالِ أمْنِهِ ﷺ وكَمالِ يَقِينِهِ في إحاطَةِ حَفْظِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، ولِذَلِكَ -مَعَ رِعايَةِ الأصْلِ في الصِّيغَةِ فَإنَّ غَيْرَ المُتَكَلِّمِ تَبَعٌ لَهُ في الإسْنادِ- قَدَّمَ ﷺ جانِبَهُ عَلى جانِبِ المُخاطَبِينَ.

﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ نَتَباهَلْ، فالِافْتِعالُ هُنا بِمَعْنى المُفاعَلَةِ، وافْتَعَلَ وتَفاعَلَ أخَوانِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كاشْتَوَرَ وتَشاوَرَ، واجْتَوَرَ وتَجاوَرَ، والأصْلُ في البُهْلَةِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ فِيهِ كَما قِيلَ اللَّعْنَةُ، والدُّعاءُ بِها، ثُمَّ شاعَتْ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ تَعالى في حاجَتِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: بَهْلُ الشَّيْءِ والبَعِيرِ إهْمالُهُ وتَخْلِيَتُهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في الِاسْتِرْسالِ في الدُّعاءِ سَواءٌ كانَ لَعْنًا أوْ لا، إلّا أنَّهُ هُنا يُفَسَّرُ بِاللَّعْنِ لِأنَّهُ المُرادُ الواقِعُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ [ 61 ] أيْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (نَبْتَهِلْ) مُفَسِّرٌ لِلْمُرادِ مِنهُ، أيْ نَقُولُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ، أوِ اللَّهُمَّ اِلْعَنِ الكاذِبِينَ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ: «”أنَّ العاقِبَ والسَّيِّدَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُلاعِنَهُما فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تُلاعِنْهُ فَواَللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقْبُنا مِن بَعْدِنا، فَقالُوا لَهُ: نُعْطِيكَ ما سَألْتَ فابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا أمِينًا، فَقالَ: قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ، فَلَمّا قامَ قالَ هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ“».

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ عَطاءٍ والضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ ثَمانِيَةً مِن أساقِفَةِ أهْلِ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُمُ العاقِبُ والسَّيِّدُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ الآيَةَ، فَقالُوا: أخِّرْنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَذَهَبُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فاسْتَشارُوهُمْ، فَأشارُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصالِحُوهُ ولا يُلاعِنُوهُ، وقالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في التَّوْراةِ فَصالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى ألْفِ حُلَّةٍ في صَفَرَ وألْفٍ في رَجَبَ ودَراهِمَ»،» ورُوِيَ …

Aal-i-Imraan 3:61Listen in Qur'an →
62

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allah. And indeed, Allah is the Exalted in Might, the Wise.

﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ المَذْكُورَ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ جُمْلَةٌ اِسْمِيَّةٌ خَبَرُ (إنَّ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ فَصْلٍ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، و(اَلْقَصَصُ) هو الخَبَرُ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ الإضافِيَّ كَما يُفِيدُهُ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ و(اَلْحَقُّ) صِفَةُ القِصَصِ وهو المَقْصُودُ بِالإفادَةِ، أيْ إنَّ هَذا هو الحَقُّ لا ما يَدَّعِيهِ النَّصارى مِن كَوْنِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَهًا وابْنَ اللَّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَصْرِ والتَّأْكِيدِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ كَما هُنا فَهو لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ ولَعَلَّهُ الأوْجُهُ، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، والأصْلُ فِيها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ إلّا أنَّهم يُزَحْلِقُونَها إلى الخَبَرِ لِئَلّا يَتَوالى حَرْفا تَأْكِيدٍ، وإذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَزَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ، فافْهَمْ.

و(اَلْقَصَصُ) عَلى ما في «اَلْبَحْرِ» مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَصَّ فُلانٌ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا؛ وأصْلُهُ تَتَبُّعُ الأثَرِ، يُقالُ:

صفحة 191

خَرَجَ فُلانٌ يَقُصُّ أثَرَ فُلانٍ، أيْ يَتَتَبِّعُهُ لِيَعْرِفَ أيْنَ ذَهَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أيْ تَتَبَّعِي أثَرَهُ، وكَذَلِكَ القاصُّ في الكَلامِ لِأنَّهُ يَتَتَبَّعُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ يَتَتَبَّعُ المَعانِيَ لِيُورِدَها، وهو هُنا فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَقْصُوصُ الحَقُّ، وقُرِئَ (لَهْوَ) بِسُكُونِ الهاءِ.

﴿وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ رَدٌّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ، وكَذا فِيهِ رَدٌّ عَلى سائِرِ الثَّنَوِيَّةِ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما هو شَأْنُ الصِّلاتِ، وقَدْ فَهِمَ أهْلُ اللِّسانِ كَما قالَ الشِّهابُ أنَّها لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المَفْهُومِ مِنَ النَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ لِاخْتِصاصِها بِذَلِكَ في الأكْثَرِ، وقَدْ تَوَقَّفَ مُحِبُّ الدِّينِ في وجْهِ إفادَةِ الكَلِماتِ المَزِيدَةِ لِلتَّأْكِيدِ بِأيْ طَرِيقٍ هي فَإنَّها لَيْسَتْ وضْعِيَّةً، وأجابَ بِأنَّها ذَوْقِيَّةٌ يَعْرِفُها أهْلُ اللِّسانِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا حَوالَةٌ عَلى مَجْهُولٍ فَلا تُفِيدُ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّها وضْعِيَّةٌ لَكِنَّهُ مِن بابِ الوَضْعِ النَّوْعِيِّ، فَتَدَبَّرْ.

﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ﴾ أيِ الغالِبُ غَلَبَةً تامَّةً، أوِ القادِرً قُدْرَةً كَذَلِكَ، أوِ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ [ 62 ] أيِ المُتْقَنُ فِيما صَنَعَ، أوِ المُحِيطُ بِالمَعْلُوماتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَقْصُودُ مِنها أيْضًا قَصْرُ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى رَدًّا عَلى النَّصارى، أيْ قَصْرُ إفْرادٍ، فالفَصْلُ والتَّعْرِيفُ هُنا كالفَصْلِ والتَّعْرِيفِ هُناكَ فَما قِيلَ: إنَّهُما لَيْسا لِلْحَصْرِ، إذِ الغالِبُ عَلى الأغْيارِ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا فَيَلْغُو القَصْرُ فِيهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ قَصْرَ قَلْبٍ، والمَقامُ لا يُلائِمُهُ مِمّا لا عِصامَ لَهُ كَما لا يَخْفى.

Aal-i-Imraan 3:62Listen in Qur'an →
63

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ

But if they turn away, then indeed - Allah is Knowing of the corrupters.

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ اِتِّباعِكَ وتَصْدِيقِكَ بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ ماضِيًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وحُذِفَتْ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وأصْلُهُ تَتَوَلَّوْا ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [ 63 ] أيْ بِهِمْ أوْ بِكُمْ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ في الظّاهِرِ لَكِنَّ المَعْنى عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى عِلْمِهِ بِالمُفْسِدِينَ مِن مُعاقَبَتِهِ لَهُمْ، فالكَلامُ لِلْوَعِيدِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْجَزاءِ والعُقابِ وهي الإفْسادُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى أنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وبِأنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى مُباهَلَتِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ نُبُوَّتَكَ وثُبُوتَ رِسالَتِكَ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا أيْضًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ قائِمَةٌ مَقامَ الجَوابِ إلى أنَّهُ لَيْسَ الجَزاءُ والعِقابُ، والكَلامُ مُنْساقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ﴾ أيْ شاهَدَ ﴿عِيسى﴾ بِواسِطَةِ النُّورِ الإلَهِيِّ المُشْرِقِ عَلَيْهِ ﴿مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ أيْ ظُلْمَتَهُ، أوْ نَفْسَهُ، فَإنَّ المَعانِيَ تَظْهَرُ لِلْكُمَّلِ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ بِاخْتِلافِها فَيَرَوْنَها.

وحُكِيَ عَنِ البازِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ يَأْتِيانِي فَيُخْبِرانِي بِما يَحْدُثُ فِيهِما، وعَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ يُشاهِدُ أعْمالَ العِبادِ كَيْفَ تَصْعَدُ إلى السَّماءِ، ويَرى البَلاءَ النّازِلَ مِنها.

﴿قالَ مَن أنْصارِي﴾ في حالِ دَعْوَتِي ﴿إلى اللَّهِ﴾ سُبْحانَهُ بِأنْ يَلْتَفِتَ إلى الِاشْتِغالِ بِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ وتَهْذِيبِ أخْلاقِها حَتّى يَصْلُحَ لِتَرْبِيَةِ النّاقِصِينَ فَيَنْصُرُنِي ويُعِينُنِي في تَكْمِيلِ النّاقِصِ وإرْشادِ الضّالِّ ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ المُبَيِّضُونَ ثِيابَ وجُودِهِمْ بِمِياهِ العِبادَةِ ومِطْرَقَةِ المُجاهَدَةِ وشَمْسِ المُراقَبَةِ ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ أعْوانُ الفانِينَ فِيهِ الباقِينَ بِهِ، ومِنهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الإيمانَ الكامِلَ ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِأمْرِكَ حَيْثُ إنَّهُ أمْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ وهو ما نَوَّرَتْ بِهِ قُلُوبَ أصْفِيائِكَ مِن عُلُومِ غَيْبِكَ ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ فِيما أظْهَرَ مِن أوامِرِكَ ونَواهِيكَ رَجاءَ أنْ يُوصِلَنا ذَلِكَ إلى مَحَبَّتِكَ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ مَعَ مَن يَشْهَدُكَ ولا يَشْهَدُ مَعَكَ سِواكَ، أوِ الحاضِرِينَ لَكَ المُراقَبِينَ لِأمْرِكَ ﴿ومَكَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ، واحْتالُوا مَعَ أهْلِ اللَّهِ بِتَدْبِيرِ النَّفْسِ، فَكانَ مَكْرُهم مَكْرَ الحَقِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ المُزَيِّنُ ذَلِكَ لَهُمْ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فَهو الماكِرُ

صفحة 192

فِي الحَقِيقَةِ، وهَذا مَعْنى ﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ عِنْدَ بَعْضٍ، والأوْلى القَوْلُ بِاخْتِلافِ المَكْرَيْنِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الفَرْقِ، وقَدْ سُئِلَ بَعْضُهم كَيْفَ يَمْكُرُ اللَّهُ؟ فَصاحَ وقالَ: لا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ وأنْشَأ يَقُولُ:

فَدَيْتُكَ قَدْ جُبِلْتُ عَلى هَواكا ونَفْسِي لا تُنازِعُنِي سِواكا

أُحِبُّكَ لا بِبَعْضِي بَلْ بِكُلِّي ∗∗∗ وإنْ لَمْ يُبْقِ حُبُّكَ لِي حِراكا

ويَقْبُحُ مَن سِواكَ الفِعْلُ عِنْدِي ∗∗∗ وتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ عَنْ رَسْمِ …

Aal-i-Imraan 3:63Listen in Qur'an →
64

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allah and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allah." But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ نَزَلَتْ في وفْدِ نَصارى نَجْرانَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّها نَزَلَتْ في يَهُودِ المَدِينَةِ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِعُمُومِهِ ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ هَلُمُّوا ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ أيْ كَلامٍ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإطْلاقُها عَلى ذَلِكَ في كَلامِهِمْ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ، وعَلاقَتُهُ تَجُوزُ إطْلاقُها عَلى المُرَكَّبِ النّاقِصِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بِالِاسْتِقْراءِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ وقُرِئَ (كِلْمَةً) بِكَسْرِ الكافِ وإسْكانِ اللّامِ عَلى التَّخْفِيفِ والنَّقْلِ ﴿سَواءٍ﴾ أيْ عَدْلٍ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ وقَتادَةُ، وقِيلَ: إنَّ سَواءً مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُسْتَوِيَةٍ، أيْ لا يَخْتَلِفُ فِيها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، أوْ لا اِخْتِلافَ فِيها بِكُلِّ الشَّرائِعِ، وهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ (كَلِمَةٍ) وقُرِئَ بِنَصْبِهِ عَلى المَصْدَرِ.

﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَواءٍ ﴿ألا نَعْبُدَ﴾ أيْ نَحْنُ وأنْتُمْ ﴿إلا اللَّهَ﴾ بِأنْ نُوَحِّدَهُ بِالعِبادَةِ ونُخْلِصَ فِيها، وفي مَوْضِعِ (أنْ) وما بَعْدَها وجْهانِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، الأوَّلُ: الجَرُّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿كَلِمَةٍ﴾، والثّانِي: الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ هي أنْ لا نَعْبُدُ إلّا اللَّهَ، ولَوْلا عَمَلُ (أنْ) لَجازَ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عَلى ﴿سَواءٍ﴾ ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ: ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ﴾، فالظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(أنْ) وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ﴿ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ عَلى مَعْنى لا نَجْعَلُ غَيْرَهُ شَرِيكًا لَهُ في اِسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ولا نَراهُ أهْلًا لِأنْ يُعْبَدَ، وبِهَذا المَعْنى يَكُونُ الكَلامُ تَأْسِيسًا، والظّاهِرُ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ إلّا أنَّ التَّأْسِيسَ أكْثَرُ فائِدَةً، وقِيلَ: المُرادُ لا نَشْرُكُ بِهِ شَيْئًا مِنَ الشِّرْكِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا.

﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ لا يُطِيعُ بَعْضُنا بَعْضًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «”أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ ﷺ: أما كانُوا يُحَلِّلُونَ لَكم ويُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو ذاكَ“،» قِيلَ: وإلى هَذا أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ هَذا الِاتِّخاذَ هو سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: هو مِثْلُ اِعْتِقادِ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ أنَّهُ اِبْنُ اللَّهِ، واعْتِقادُ النَّصارى في المَسِيحِ نَحْوُ ذَلِكَ، وضَمِيرُ نا عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِلنّاسِ لا لِلْمُمْكِنِ وإنْ أمْكَنَ حَتّى يَشْمَلَ الأصْنامَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَعْبُدُوها.

وفِي التَّعْبِيرِ بِالبَعْضِ نُكْتَةٌ وهي الإشارَةُ إلى أنَّهم بَعْضٌ مِن جِنْسِنا فَكَيْفَ يَكُونُونَ أرْبابًا؟! فَإنْ قُلْتَ: إنَّ المُخاطَبِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا البَعْضَ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ بَلِ اِتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَهُ سُبْحانَهُ، أُجِيبَ: …

Aal-i-Imraan 3:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?

﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى ﴿لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ أيْ تُنازِعُونَ وتُجادِلُونَ فِيهِ ويَدَّعِي كُلٌّ مِنكم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى دِينِهِ، أخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««اِجْتَمَعَتْ نَصارى نَجْرانَ وأحْبارُ يَهُودَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنازَعُوا عِنْدَهُ، فَقالَتِ الأحْبارُ: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا نَصْرانِيًّا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ»،» والظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وكَذا الثّانِي، وما اِسْتِفْهامِيَّةٌ، والغَرَضُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ عِنْدَ السَّمِينِ، وحُذِفَتْ ألِفُها لَمّا دَخَلَ الجارُّ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُولَةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ دِينِ إبْراهِيمَ أوْ شَرِيعَتِهِ لِأنَّ الذَّواتَ لا مُجادَلَةَ فِيها ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ﴾ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والإنْجِيلُ﴾ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إلا مِن بَعْدِهِ﴾ حَيْثُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ خَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وسِتُّونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُمِائَةٍ، وقِيلَ: ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ألْفٌ وتِسْعُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ألْفا سَنَةٍ، وهُناكَ أقْوالٌ أُخَرُ.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [ 65 ] الهَمْزَةُ داخِلَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ هو المَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِالعاطِفِ المَذْكُورِ عَلى رَأْيٍ، أيْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم أوْ أتَقُولُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَهُ، وهَذا تَجْهِيلٌ لَهم في تِلْكَ الدَّعْوى وتَحْمِيقٌ، وهو ظاهِرٌ إنْ كانُوا قَدِ اِدَّعَوْا كَما قالَ الشِّهابُ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم حَقِيقَةٌ، وإنْ كانَ مُدَعّاهم أنَّ دِينَ إبْراهِيمَ يُوافِقُ دِينَ مُوسى أوْ دِينَ عِيسى فَهو يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ بِهَذا المَعْنى، فَتَجْهِيلُهم ونَفْيُ العَقْلِ عَنْهم بِنُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بَعْدَهُ مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُدَعّى بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّوْراةَ، ولا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الإنْجِيلَ بَلْ كانا يَؤْمُرانِ بِتَبْلِيغِ صُحُفِ إبْراهِيمَ، كَذا قِيلَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يُشْفِي الغَلِيلَ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أيُّ مانِعٍ مِنَ اِتِّحادِ الشَّرِيعَةِ مَعَ إنْزالِ هَذَيْنَ الكِتابَيْنِ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرَ بَيانِ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلى أنَّ الصُّحُفَ لَمْ تَكُنْ مُشْتَمِلَةً عَلى الأحْكامِ بَلْ كانَتْ أمْثالًا ومَواعِظَ كَما جاءَ في الحَدِيثِ، ثُمَّ ما قالَهُ الشِّهابُ، وإنْ كانَ وجْهُ التَّجْهِيلِ عَلَيْهِ ظاهِرًا، إلّا أنَّ صُدُورَ تِلْكَ الدَّعْوى مِن أهْلِ الكِتابِ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ الجَهالَةِ، وفِيهِمْ أحْبارُ اليَهُودِ ووَفْدُ نَجْرانَ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الأخِيرَيْنِ كانَتْ لَهم شِدَّةٌ في البَحْثِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَرَثِ الزُّبَيْدِيِّ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «”لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي“،» مِن شِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ النَّبِيَّ ﷺ اللَّهُمَّ

صفحة 195

إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْمى بَصائِرَهم في هَذِهِ الدَّعْوى لِيَكُونُوا ضِحْكَةً لِأطْفالِ المُؤْمِنِينَ، أوْ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ لِيَغِيظَ كُلٌّ مِنهم …

Aal-i-Imraan 3:65Listen in Qur'an →
66

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allah knows, while you know not.

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الحَمْقى ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ كَأمْرِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ وهو أمْرُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لا ذِكْرَ لِدِينِهِ في كِتابِكُمْ، أوْ لا تَعَرُّضَ لِكَوْنِهِ آمَنَ بِمُوسى وعِيسى قَبْلَ بَعْثَتَيْهِما أصْلًا، ولَيْسَ المُرادُ وصْفَهم بِالعِلْمِ حَقِيقَةً وإنَّما المُرادُ هَبْ أنَّكم تُحاجُّونَ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ عَلى ما يَلُوحُ لَكم مِن خِلالِ عِباراتِ كِتابِكم وإشاراتِهِ في زَعْمِكم فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ ولا ذِكْرَ ولا رَمْزَ لَهُ في كِتابِكُمُ البَتَّةَ؟! و(ها) حَرْفُ تَنْبِيهٍ، واطَّرَدَ دُخُولُها عَلى المُبْتَدَأِ إذا كانَ خَبَرُهُ اِسْمَ إشارَةٍ، نَحْوَ ها أنا ذا وكُرِّرَتْ هُنا لِلتَّأْكِيدِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ أنَّ الأصْلَ أأنْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ عِنْدَهُ التَّعَجُّبُ مِن جَهالَتِهِمْ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ إبْدالُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ هاءً في كَلامِهِمْ إلّا في بَيْتٍ نادِرٍ، ثُمَّ الفَصْلُ بَيْنَ الهاءِ المُبْدَلَةِ وهَمْزَةِ (أنْتُمْ) لا يُناسِبُ، لِأنَّهُ إنَّما يُفْصَلُ لِاسْتِثْقالِ اِجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ، وهُنا قَدْ زالَ الِاسْتِثْقالُ بِإبْدالِ الأُولى هاءً، والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ والتَّنْقِيصِ، ومِنها فُهِمَ الوَصْفُ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ فائِدَةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿حاجَجْتُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى، وقِيلَ: إنَّها حالِيَّةٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَقَعُ الحالُ مَوْقِعَها كَثِيرًا نَحْوَ ها أنا ذا قائِمًا وهَذِهِ الحالُ لازِمَةً؛ وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ عَنْ (أنْتُمْ) و﴿هَؤُلاءِ﴾ مُنادًى حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ بِمَعْنى الَّذِينَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وجُمْلَةُ ﴿حاجَجْتُمْ﴾ صِلَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ، وقُرّاؤُهم يَقْرَءُونَ ﴿ها أنْتُمْ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِالهَمْزِ والقَصْرِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ حالَ إبْراهِيمَ وما كانَ عَلَيْهِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [ 66 ] ذَلِكَ، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ المَفْعُولَ عامًّا، ويَدْخُلَ المَذْكُورُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِنَفِيِ العِلْمِ عَنْهم في شَأْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ صَرَّحَ بِما نَطَقَ بِهِ البُرْهانُ المُقَرَّرُ فَقالَ سُبْحانَهُ:

Aal-i-Imraan 3:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allah]. And he was not of the polytheists.

﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ كَما قالَتِ اليَهُودُ ﴿ولا نَصْرانِيًّا﴾ كَما قالَتِ النَّصارى ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ ﴿مُسْلِمًا﴾ أيْ مُنْقادًا لِطاعَةِ الحَقِّ، أوْ مُوَحِّدًا، لِأنَّ الإسْلامَ يَرِدُ بِمَعْنى التَّوْحِيدِ أيْضًا؛ قِيلَ: ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [ 67 ] أيْ عَبَدَةِ الأصْنامِ كالعَرَبِ الَّذِي كانُوا يَدَّعُونَ

صفحة 196

أنَّهم عَلى دِينِهِ، أوْ سائِرِ المُشْرِكِينَ لِيَعُمَّ أيْضًا عَبَدَةَ النّارِ كالمَجُوسِ، وعَبَدَةَ الكَواكِبِ كالصّابِئَةِ، وقِيلَ: أرادَ بِهِمُ اليَهُودَ والنَّصارى لِقَوْلِ اليَهُودِ: عُزَيْرٌ اِبْنُ اللَّهِ، وقَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ اِبْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأصِلُ الكَلامِ وما كانَ مِنكُمْ، إلّا أنَّهُ وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَها، وتَفْسِيرُ الإسْلامِ بِما ذُكِرَ هو ما اِخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وادَّعَوْا أنَّهُ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالدِّينِ المُحَمَّدِيِّ لِأنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ بَعْدَهُ بِكَثِيرٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْلِمًا؟ فَيَكُونُ كادِّعائِهِمْ تَهَوُّدَهُ وتَنَصُّرَهُ المَرْدُودِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ فَيَرِدُ عَلَيْهِ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ، ويَشْتَرِكُ الإلْزامُ بَيْنَهُما، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِذَلِكَ، وأجابَ عَنِ اِشْتِراكِ الإلْزامِ بِأنَّ القُرْآنَ أخْبَرَ بِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ مُسْلِمًا ولَيْسَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا فَظَهَرَ الفَرْقُ.

قالَ العَلّامَةُ النَّيْسابُورِيُّ: فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكُمْ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى دِينِ الإسْلامِ إنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ فَلَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِدِينِ الإسْلامِ، وإنْ أرَدْتُمْ في الفُرُوعِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ نَبِيُّنا ﷺ صاحِبَ شَرِيعَةٍ بَلْ مُقَرِّرًا لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، قِيلَ: يُخْتارُ الأوَّلُ، والِاخْتِصاصُ ثابِتٌ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مُخالِفُونَ لِلْأُصُولِ في زَمانِنا لِقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ وإشْراكِ عُزَيْرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوِ الثّانِي، ولا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنَّهُ تَعالى نَسَخَ تِلْكَ الفُرُوعَ بِشَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ نَسَخَ نَبِيُّنا ﷺ شَرْعَ مُوسى بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي هي مُوافِقَةٌ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مَعَ مُوافَقَةِ شَرْعِهِ شَرْعَ إبْراهِيمَ في مُعْظَمِ الفُرُوعِ، اِنْتَهى.

ولا يَخْفى ما في الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الثّانِي مِن مَزِيدِ البُعْدِ بَلْ عَدَمِ الصِّحَّةِ، لِأنَّ نَسْخَ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ بِشَرِيعَةِ مُوسى، ثُمَّ نَسْخَ شَرِيعَةِ مُوسى بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُوافِقَةِ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ لا يَجْعَلُ نَبِيُّنا صاحِبَ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ يُقالُ لَهُ أيْضًا: إنَّهُ مُقَرِّرٌ لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ وهو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا مُوافَقَةُ جَمِيعِ فُرُوعِ شَرِيعَتِنا لِجَمِيعِ فُرُوعِ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ مِمّا لا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ أصْلًا إذْ مِن جُمْلَةِ فُرُوعِ شَرِيعَتِنا فَرْضِيَّةُ قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلى غَيْرِ نَبِيِّنا ﷺ بِالبَدِيهَةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. …

Aal-i-Imraan 3:67Listen in Qur'an →
68

إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allah] and this prophet, and those who believe [in his message]. And Allah is the ally of the believers.

﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ أوْلى أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِن ولِيَهُ يَلِيهِ ولْيًا، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ لِأنَّ فاءَهُ واوٌ، فَلا تَكُونُ لامُهُ واوًا، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما فاؤُهُ ولامُهُ واوانِ إلّا واوٌ، وأصْلُ مَعْناهُ أقْرَبُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «”لِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ“،» ويَكُونُ بِمَعْنى أحَقَّ كَما تَقُولُ: العالِمُ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ، وهو المُرادُ هُنا، أيْ أقْرَبَ النّاسِ وأخَصَّهم بِإبْراهِيمَ ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ كانُوا عَلى شَرِيعَتِهِ في زَمانِهِ، أوِ اِتَّبَعُوهُ مُطْلَقًا، فالعَطْفُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ قَبْلَهُ الَّذِي هو خَبَرُ (إنَّ)، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ لَلَّذِينِ اِتَّبَعُوا إبْراهِيمَ واتَّبَعُوا هَذا النَّبِيَّ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى إبْراهِيمَ أيْ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ، وهَذا النَّبِيُّ لِلَّذِينِ اِتَّبَعُوهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُثَنّى ضَمِيرُ ﴿اتَّبَعُوهُ﴾ ويُقالُ اِتَّبَعُوهُما، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِن بابِ ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ إلّا أنَّ فِيهِ عَلى ما قِيلَ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ إنْ كانَ عَطْفًا عَلى الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ أيْضًا، وإنْ كانَ عَطْفًا عَلى هَذا النَّبِيِّ فَلا فائِدَةَ فِيهِ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّها لِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِمْ، وأمّا اِلْتِزامُ أنَّهُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ حِينَئِذٍ فَهو كَما تَرى، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المُتَّبِعِينَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في زَمانِهِ أوْلى النّاسِ بِهِ ظاهِرٌ، وكَوْنَ نَبِيِّنا ﷺ أوْلاهم بِهِ لِمُوافَقَةِ شَرِيعَتِهِ لِلشَّرِيعَةِ الإبْراهِيمِيَّةِ أكْثَرُ مِن مُوافَقَةِ شَرائِعِ سائِرِ المُرْسَلِينَ لَها، وكَوْنَ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ كَذَلِكَ لِتَبَعِيَّتِهِمْ نَبِيَّهم فِيما جاءَ بِهِ ومِنهُ المُوافِقُ.

﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ [ 68 ] يَنْصُرُهم ويُجازِيهِمْ بِالحُسْنى كَما هو شَأْنُ الوَلِيِّ، ولَمْ يَقُلْ ولِيُّهم تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَكُونُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ولِيًّا لِعِبادِهِ وهو الإيمانُ بِناءً عَلى أنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يَقْتَضِي عَلَيْهِ مَبْدَأ الِاشْتِقاقِ، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ ثُبُوتُ الحُكْمِ لِلنَّبِيِّ بِدَلالَةِ النَّصِّ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، «قالَ رُؤَساءُ اليَهُودِ: واَللَّهِ يا مُحَمَّدُ لَقَدْ عَلِمْتُ أنا أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ مِنكَ ومِن غَيْرِكَ وأنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا وما بِكَ إلّا الحَسَدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى

صفحة 198

هَذِهِ الآيَةَ،» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: ”حَدَّثَنِي اِبْنُ غَنْمٍ «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ أدْرَكَهم عَمْرُو بْنُ العاصِ وعِمارَةُ بْنُ أبِي مَعِيطٍ فَأرادُوا عُنَّتَهم والبَغْيَ عَلَيْهِمْ فَقَدِمُوا عَلى النَّجاشِيِّ وأخْبَرُوهُ أنَّ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْكَ مِن أهْلِ مَكَّةَ يُرِيدُونَ أنْ يَخْبِلُوا عَلَيْكَ مُلْكَكَ ويُفْسِدُوا عَلَيْكَ أرْضَكَ ويَشْتُمُوا رَبَّكَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّجاشِيُّ فَلَمّا أنْ أتَوْهُ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ ما يَقُولُ صاحِباكم هَذانِ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ وعِمارَةَ بْنِ أبِي مَعِيطٍ يَزْعُمانِ أنَما جِئْتُمْ لِتَخْبِلُوا عَلَيَّ مُلْكِي وتُفْسِدُوا عَلَيَّ أرْضِي، …

Aal-i-Imraan 3:68Listen in Qur'an →
69

وَدَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

A faction of the people of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ المَشْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ دَعا اليَهُودُ حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ، فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ دُعاةً إلى الضَّلالَةِ إثْرَ بَيانِ أنَّهم ضالُّونَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: ”كُلُّ شَيْءٍ في آلِ عِمْرانَ مِن ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ فَهو في النَّصارى“، ولَعَلَّهُ جارٍ مَجْرى الغالِبِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والطّائِفَةُ رُؤَساؤُهم وأحْبارُهُمْ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، والطّائِفَةُ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ وفِيهِ بُعْدٌ، و(لَوْ) بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةَ، والمُنْسَبِكُ مَفْعُولُ وُدَّ وجُوِّزَ إقْرارُها عَلى وضْعِها، ومَفْعُولُ ودَّ مَحْذُوفٌ، وكَذا جَوابُ (لَوْ)، والتَّقْدِيرُ: ودَّتْ إضْلالَكم لَوْ يُضِلُّونَكم لَسُرُّوا بِذَلِكَ، ومَعْنى ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾ يَرُدُّونَكم إلى كُفْرِكُمْ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ أوْ يُهْلِكُونَكُمْ، قالَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، أوْ يُوقِعُونَكم في الضَّلالِ ويُلْقُونَ إلَيْكم ما يُشَكِّكُونَكم بِهِ في دِينِكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.

﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الإهْلاكِ مِنَ الإضْلالِ أنَّهم ما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِإيثارِهِمْ إهْلاكَ المُؤْمِنِينَ سَخَطَ اللَّهِ تَعالى وغَضَبَهُ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ الإيقاعَ في الضَّلالِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ لِأنَّ القَوْمَ ضالُّونَ فَيُؤَدِّي إلى جَعْلِ الضّالِّ ضالًّا، فَيُقالُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإضْلالِ ما يَعُودُ مِن وبالِهِ إمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ، أيْ ما يَتَخَطّاهُمُ الإضْلالُ ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا إلَيْهِمْ لِما أنَّهم يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهُمْ، أوِ المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ أمْثالُهُمُ المُجانِسُونَ لَهُمْ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: الإخْبارُ بِالغَيْبِ فَهو اِسْتِعارَةٌ أوْ تَشْبِيهٌ بِتَقْدِيرِ أمْثالِ أنْفُسِهِمْ، إذْ لَمْ يَتَهَوَّدْ مُسْلِمٌ، ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى

صفحة 199

إضْلالِهِمْ أنْفُسَهم إصْرارُهم عَلى الضَّلالِ بِما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ اِتِّباعِ الهُدى بِإيضاحِ الحُجَجِ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.

﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ [ 69 ] أيْ، وما يَفْطَنُونَ بِكَوْنِ الإضْلالِ مُخْتَصًّا بِهِمْ لِما اِعْتَرى قُلُوبَهم مِنَ الغِشاوَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقِيلَ: وما يَشْعُرُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ بِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، وفي نَفْيِ الشُّعُورِ عَنْهم مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while you witness [to their truth]?

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [ 70 ] أيْ لِمَ تَكْفُرُونَ بِما يُتْلى عَلَيْكم مِن آياتِ القُرْآنِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها ووُجُوبِ الإقْرارِ بِها مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: المُرادُ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِما في كُتُبِكم مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ الحُجَجَ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِما في كُتُبِكم مِن أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ ذَلِكَ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِالحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مُدَّعِي الرِّسالَةِ أوْ أنْتُمْ تَشْهَدُونَ إذا خَلَوْتُمْ بِصِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ جَمِيعًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِّيَّتَها بِلا شُبْهَةٍ بِمَنزِلَةِ عِلْمِ المُشاهَدَةِ.

Aal-i-Imraan 3:70Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.