Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 1–10 of 176

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.

4- سُورَةُ النِّساءِ.

مَدَنِيَّةٌ عَلى الصَّحِيحِ، وزَعَمَ النَّحّاسُ أنَّها مَكِّيَّةٌ مُسْتَنِدًا إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ اتِّفاقًا في شَأْنِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ، وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ السُّيُوطِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَنَدٌ واهٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نُزُولِ آيَةٍ أوْ آياتٍ بِمَكَّةَ مِن سُورَةٍ طَوِيلَةٍ نَزَلَ مُعْظَمُها بِالمَدِينَةِ أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً خُصُوصًا أنَّ الأرْجَحَ أنَّ ما نَزَلْ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَدَنِيٌّ، ومَن راجَعَ أسْبابَ نُزُولِ آياتِها عَرَفَ الرَّدَّ عَلَيْهِ، ومِمّا يَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبِناؤُهُ عَلَيْها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ اتِّفاقًا، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ عِنْدَ الهِجْرَةِ، وعِدَّةُ آياتِها عِنْدَ الشّامِيِّينَ مِائَةٌ وسَبْعٌ وسَبْعُونَ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ سِتٌّ وسَبْعُونَ، وعِنْدَ الباقِينَ خَمْسٌ وسَبْعُونَ، والمُخْتَلَفُ فِيهِ مِنها آيَتانِ: إحْداهُما ﴿أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ وثانِيَتُهُما ﴿فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا﴾ فالكُوفِيُّونَ يُثْبِتُونَ الأُولى آيَةً فَقَطْ، والشّامِيُّونَ يُثْبِتُونَ الثّانِيَةَ أيْضًا، والباقُونَ يَقُولُونَ هُما بَعْضا آيَةٍ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِآلِ عِمْرانَ أُمُورٌ مِنها أنَّ آلَ عِمْرانَ خُتِمَتْ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى، وافْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِهِ، وذَلِكَ مِن آكَدِ وُجُوهِ المُناسَباتِ في تَرْتِيبِ السُّوَرِ، وهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ يُسَمّى في الشِّعْرِ تَشابُهَ الأطْرافِ، وقَوْمٌ يُسَمُّونَهُ بِالتَّسْبِيغِ، وذَلِكَ كَقَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ:

إذا نَزَلَ الحَجّاجُ أرْضًا مَرِيضَةً تَتَبَّعَ أقْصى دائِها فَشَفاها

شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ∗∗∗ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ رَواها

رَواها فَأرْواها بِشُرْبِ سِجالِها ∗∗∗ دِماءَ رِجالٍ حَيْثُ نالَ حَشاها

صفحة 179

ومِنها أنَّ في آلِ عِمْرانَ ذِكْرَ قِصَّةِ أُحُدٍ مُسْتَوْفاةً، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ ذِيلِها، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فَإنَّهُ نَزَلَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الغَزْوَةِ عَلى ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَرْوِيًّا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما. ومِنها أنَّ في آلِ عِمْرانَ ذِكْرَ الغَزْوَةِ الَّتِي بَعْدَ أُحُدٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ إلَخْ، وأُشِيرَ إلَيْها هَهُنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ الآيَةَ، وبِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يُعْرَفُ أنَّ تَأْخِيرَ النِّساءِ عَنْ آلِ عِمْرانَ أنْسَبُ مِن تَقْدِيمِها عَلَيْها كَما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا ذَيْلٌ لِما ذُكِرَ هُناكَ وتابِعٌ فَكانَ الأنْسَبُ فِيهِ التَّأْخِيرَ، ومَن أمْعَنَ نَظَرَهُ وجَدَ كَثِيرًا مِمّا ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مُفَصِّلًا لِما ذُكِرَ فِيما قَبْلَها فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مَزِيدُ الِارْتِباطِ وغايَةُ الِاحْتِباكِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ المُكَلَّفِينَ مِن لَدُنْ نَزَلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ عَلى ما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وفي تَناوُلِ نَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلْعَبِيدِ شَرْعًا حَتّى يَعُمَّهُمُ الحُكْمُ خِلافٌ، فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى التَّناوُلِ لِأنَّ العَبْدَ مِنَ النّاسِ مَثَلًا فَيَدْخُلُ في …

2

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَوارِدِ الِاتِّقاءِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وبَدَأ بِما يَتَعَلَّقُ بِاليَتامى؛ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِمْ، ولِمُلابَسَتِهِمْ بِالأرْحامِ؛ إذِ الخِطابُ لِلْأوْصِياءِ والأوْلِياءِ، وقَلَّما تُفَوَّضُ الوِصايَةُ لِأجْنَبِيٍّ. واليَتِيمُ - مِنَ الإنْسانِ: مَن ماتَ أبُوهُ، ومِن سائِرِ الحَيَواناتِ: فاقِدُ الأُمِّ- مِنَ اليُتْمِ: وهو الِانْفِرادُ، ومِن هُنا يُطْلَقُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عَزَّ نَظِيرُهُ، ومِنهُ الدُّرَّةُ

صفحة 186

اليَتِيمَةُ، وجُمِعَ عَلى يَتامى مَعَ أنَّ فَعِيلًا لا يُجْمَعُ عَلى فَعالى، بَلْ عَلى- فِعالٍ: كَكَرِيمٍ وكِرامٍ. وفُعَلاءَ: كَكَرِيمٍ وكُرَماءَ. وفُعُلٍ: كَنَذِيرٍ ونُذُرٍ. وفَعْلى: كَمَرِيضٍ ومَرْضى- إمّا لِأنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى الأسْماءِ، ولِذا قَلَّما يَجْرِي عَلى مَوْصُوفٍ، فَجُمِعَ عَلى يَتايِمَ كَأفِيلٍ وأفايِلَ، ثُمَّ قُلِبَ فَقِيلَ: يَتامِي بِالكَسْرِ، ثُمَّ خُفِّفَ بِقَلْبِ الكَسْرَةِ فَتْحَةً، فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، وقَدْ جاءَ عَلى الأصْلِ في قَوْلِهِ:

أأطْلالُ حُسْنٍ بِالبَرّاقِ اليَتايِمِ سَلامٌ عَلى أحْجارٍ كُنَّ القَدايِمَ

أوْ لِأنَّهُ جُمِعَ أوَّلًا عَلى يُتْمى ثُمَّ جُمِعَ عَلى يَتامى؛ إلْحاقًا لَهُ بِبابِ الآفاتِ والأوْجاعِ، فَإنَّ فَعِيلًا فِيها يُجْمَعُ عَلى فَعْلى، وفَعْلى يُجْمَعُ عَلى فُعالى كَما جُمِعَ أسِيرٌ عَلى أسْرى، ثُمَّ عَلى أُسارى، ووَجْهُ الشَّبَهِ ما فِيهِ مِنَ الذُّلِّ والانْكِسارِ المُؤْلِمِ وقِيلَ: ما فِيهِ مِن سُوءِ الأدَبِ المُشَبَّهِ بِالآفاتِ، والاشْتِقاقُ يَقْتَضِي صِحَّةَ اِطْلاقِهِ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ لَكِنَّ الشَّرْعَ - وكَذا العُرْفُ - خَصَّصَهُ بِالصِّغارِ، وحَدِيثُ:”«لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ“» تَعْلِيمٌ لِلشَّرِيعَةِ لا تَعْيِينٌ لِمَعْنى اللَّفْظِ

والمُرادُ بِإيتاءِ أمْوالِهِمْ تَرْكُها سالِمَةً غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لَها بِسُوءٍ فَهو مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ؛ لِأنَّها لا تُؤْتِي إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، والنُّكْتَةُ في هَذا التَّعْبِيرِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن تَرَكِ التَّعَرُّضِ إيصالَ الأمْوالِ إلى مَن ذُكِرَ لا مُجَرَّدَ تَرْكِ التَّعَرُّضِ لَها، وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِاليَتامى الصِّغارُ عَلى ما هو المُتَبادِرُ، والأمْرُ خاصٌّ بِمَن يَتَوَلّى أمْرَهم مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ، وشُمُولُ حُكْمِهِ لِأوْلِياءِ مَن كانَ بالِغًا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ دُونَ العِبارَةِ، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ مَن جَرى عَلَيْهِ اليُتْمُ في الجُمْلَةِ مَجازًا أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عِنْدَ النُّزُولِ أوْ بالِغًا فالأمْرُ شامِلٌ لِأوْلِياءِ الفَرِيقَيْنِ صِيغَةٌ مُوجِبٌ عَلَيْهِمْ ما ذَكَرَ مِن كَفِّ الكَفِّ عَنْها، وعَدَمِ فَكِّ الفَكِّ لِأكْلِها، وأمّا وُجُوبُ الدَّفْعِ إلى الكِبارِ فَمُسْتَفادٌ مِمّا سَيَأْتِي مِنَ الأمْرِ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الإيتاءِ الإعْطاءُ بِالفِعْلِ، واليَتامى إمّا بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ الأصْلِيِّ فَهو حَقِيقَةٌ وارِدٌ عَلى أصْلِ اللُّغَةِ، وإمّا مُجازٌ بِاعْتِبارِ ما كانَ أوْثَرَ لِقُرْبِ العَهْدِ بِالصِّغَرِ، والإشارَةُ إلى وُجُوبِ المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ حَتّى كَأنَّ اسْمَ اليَتِيمِ باقٍ بَعْدُ غَيْرُ زائِلٍ، وهَذا المَعْنى يُسَمّى في الأُصُولِ بِإشارَةِ النَّصِّ، وهو أنْ يُساقَ الكَلامُ لِمَعْنى ويُضَمَّنُ مَعْنًى آخَرَ، وهَذا في الكَوْنِ نَظِيرُ المُشارَفَةِ في الأوَّلِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاليَتامى الصِّغارُ، ولا مَجازَ بِأنْ يُجْعَلَ الحُكْمُ مُقَيَّدًا كَأنَّهُ قِيلَ: …

3

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hand possesses. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ شُرُوعٌ في النَّهْيِ عَنْ مُنْكَرٍ آخَرَ كانُوا يُباشِرُونَهُ مُتَعَلِّقٍ بِأنْفُسِ اليَتامى أصالَةً وبِأمْوالِهِمْ تَبَعًا عَقِيبَ النَّهْيِ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِأمْوالِهِمْ خاصَّةً، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِقِلَّةِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأمْوالِ ونُزُولِهِ مِنهُ مَنزِلَةَ المُرَكَّبَ مِنَ المُفْرَدِ مَعَ كَوْنِ المُرادِ مِنَ اليَتامى هُنا صِنْفًا مِمّا أُرِيدَ مِنهُ فِيما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَزَوَّجُونَ مَن تَحِلُّ لَهم مِن يَتامى النِّساءِ اللّاتِي يَلُونَهم لَكِنْ لا رَغْبَةَ فِيهِنَّ بَلْ في مالِهِنَّ ويُسِيئُونَ صُحْبَتَهُنَّ ويَتَرَبَّصُونَ بِهِنَّ أنْ يَمُتْنَ فَيَرِثُوهُنَّ فَوُعِظُوا في ذَلِكَ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وأخْرَجَ هَؤُلاءِ مِن طَرِيقٍ آخَرَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولَيِّها يَشْرَكُها في مالِها ويُعْجِبُهُ مالُها وجَمالُها فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها مِن غَيْرِ أنْ يَقْسِطَ في صَداقِها فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سَنَتِهِنَّ في الصَّداقِ وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ، فالمُرادُ مِنَ اليَتامى المُتَزَوَّجِ بِهِنَّ والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ الجَوابِ فَإنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ والرَّبْطُ يَقْتَضِيهِ ومِنَ النِّساءِ غَيْرُ اليَتامى كَما صَرَّحَتْ بِهِ الحُمَيْراءُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِدَلالَةِ المَعْنى وإشارَةِ لَفْظِ النِّساءِ إلَيْهِ، والإقْساطُ العَدْلُ والإنْصافُ، وجَعَلَ بَعْضَ الهَمْزَةِ فِيهِ لِلْإزالَةِ فَأصْلُ مَعْناهُ حِينَئِذٍ إزالَةُ القُسُوطِ أيِ الظُّلْمِ والحَيْفِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ تَقْسِطُوا بِفَتْحِ التّاءِ فَقِيلَ: هو مِن قَسَطَ بِمَعْنى جارَ وظَلَمَ، ومِنهُ ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ولا مَزِيدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾، وقِيلَ: هو بِمَعْنى أقْسَطَ فَإنَّ الزَّجّاجَ حَكى أنَّ قَسَطَ بِلا هَمْزٍ تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ أقْسَطَ.

واليَتامى جَمْعُ يَتِيمَةٍ عَلى القَلْبِ كَما قِيلَ أيامى والأصْلُ أيائِمُ ويَتائِمُ وهو كَما يُقالُ لِلذُّكُورِ يُقالُ لِلْإناثِ، والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ العِلْمُ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إيذانًا بِكَوْنِ المَعْلُومِ مَخُوفًا مَحْذُورًا لا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ لِأنَّ الَّذِي عَلِقَ بِهِ الجَوابُ هو العِلْمُ بِوُقُوعِ الجَوْرِ المُخَوِّفِ لا الخَوْفُ مِنهُ وإلّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ شامِلًا لِمَن يَصْبِرُ عَلى الجَوْرِ ولا يَخافُهُ، وإنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ فَإنْ لَمْ تُقَدَّرْ مَن كانَ مَنصُوبًا وكانَ الفِعْلُ واصِلًا إلَيْهِ بِنَفْسِهِ وإنْ قُدِّرَتْ جازَ فِيهِ أمْرانِ: النَّصْبُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجَرُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها أوْ صِفَتُها، وأُوثِرَتْ عَلى مَن ذَهابًا إلى الوَصْفِ مِنَ البِكْرِ أوِ الثَّيِّبِ مَثَلًا، وما تَخْتَصُّ أوْ تَغْلِبُ في غَيْرِ العُقَلاءِ فِيما إذا أُرِيدَ الذّاتُ، وأمّا إذا أُرِيدَ الوَصْفُ فَلا كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟ في الِاسْتِفْهامِ، أيْ أفاضِلٌ أمْ كَرِيمٌ؟ وأكْرِمْ ما شِئْتَ مِنَ …

4

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.

﴿وآتُوا النِّساءَ﴾ أيْ أعْطُوا النِّساءَ اللّاتِي أُمِرَ بِنِكاحِهِنَّ ﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾ جَمْعُ صَدَقَةٍ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمَّ الدّالِ، وهي كالصَّداقِ بِمَعْنى المَهْرِ، وقُرِئَ صَدَقاتِهِنَّ بِفَتْحِ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ، وأصْلُها بِضَمِّ الدّالِ فَخُفِّفَتْ بِالتَّسْكِينِ، وصُدْقاتِهِنَّ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ جَمْعُ صُدْقَةٍ بِوَزْنِ غُرْفَةٍ، وقُرِئَ صُدُقَتَهُنَّ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ عَلى التَّوْحِيدِ، وأصْلُهُ صُدْقَةٌ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ فَضُمَّتِ الدّالُ اتِّباعًا لِضَمِّ الأوَّلِ كَما يُقالُ: ظُلُمَةٌ وظُلْمَةٌ.

﴿نِحْلَةً﴾ أيْ فَرِيضَةً قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ فانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الصَّدَقاتِ أيْ أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ حالَ كَوْنِها فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُنَّ. وقالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ خالَوَيْهِ: تَدَيُّنًا فانْتِصابُها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ أعْطُوهُنَّ دِيانَةً وشِرْعَةً، وقالَ الكَلْبِيُّ: هِبَةً وعَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ وتَفَضُّلًا مِنهُ تَعالى عَلَيْهِنَّ فانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الصَّدَقاتِ أيْضًا، وقِيلَ عَطِيَّةً مِنَ الأزْواجِ لَهُنَّ فانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ آتُوا أوْ مِنَ النِّساءِ أوْ مِن صَدُقاتِهِنَّ. واعْتُرِضَ بِأنَّ الحالَ قَيْدٌ لِلْعامِلِ فَيَلْزَمُ هُنا كَوْنُ الإيتاءِ قَيْدًا لِلْإيتاءِ والشَّيْءُ لا يَكُونُ قَيْدًا لِنَفْسِهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ النِّحْلَةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَ الإيتاءِ بَلْ هي نَوْعٌ مِنهُ، وهو الإيتاءُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فالمَعْنى أعْطُوهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِالإعْطاءِ، أوْ مُعاطاةً عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وعَلَيْهِ فالمَصْدَرُ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ.

فَإنْ قُلْتَ إنَّ النِّحْلَةَ أُخِذَ في مَفْهُومِها أيْضًا عَدَمُ العِوَضِ فَكَيْفَ يَكُونُ المَهْرُ بِلا عِوَضٍ وهو في مُقابَلَةِ البُضْعِ والتَّمَتُّعِ بِهِ؟ أُجِيبُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ لِلزَّوْجَةِ في الجِماعِ مِثْلُ ما لِلزَّوْجِ أوْ أزْيَدُ وتَزِيدُ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ كانَ المَهْرُ مَجّانًا لِمُقابَلَةِ التَّمَتُّعِ بِتَمَتُّعٍ أكْثَرَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّداقَ كانَ في شَرْعِ مَن قَبْلَنا لِلْأوْلِياءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ﴾ إلَخْ، ثُمَّ نُسِخَ فَصارَ ذَلِكَ عَطِيَّةً اقْتَطَعَتْ لَهُنَّ فَسُمِّيَ نِحْلَةً، وأيَّدَ غَيْرُ واحِدٍ قَوْلَ الكَلْبِيِّ: بِأنَّ ما وُضِعَ لَهُ لَفْظُ النِّحْلَةِ هو العَطِيَّةُ مِن غَيْرِ عِوَضٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنهُمُ الرُّمّانِيُّ، وجُعِلَ مِن ذَلِكَ النِّحْلَةُ لِلدِّيانَةِ لِأنَّها كالنِّحْلَةِ الَّتِي هي عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى والنَّحْلِ لِلدَّبْرِ لِما يُعْطِي مِنَ العَسَلِ، والنّاحِلُ لِلْمَهْزُولِ لِأنَّهُ يَأْخُذُ لَحْمَهُ حالًا بَعْدَ حالٍ كَأنَّهُ المُعْطِيهِ بِلا عِوَضٍ، والمَنحُولُ مِنَ الشِّعْرِ لِأنَّهُ نِحْلَةُ الشّاعِرِ ما لَيْسَ لَهُ، وحِينَئِذٍ فَمَن فَسَّرَ النِّحْلَةَ بِالفَرِيضَةِ نَظَرَ إلى أنَّ هَذِهِ العَطِيَّةَ فَرِيضَةٌ، والخِطابُ عَلى ما هو المُتَبادَرُ لِلْأزْواجِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ والجُبّائِيُّ وغَيْرُهُما قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ بِلا مَهْرٍ يَقُولُ: أرِثُكِ وتَرِثِينِي؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ، فَأمَرُوا أنْ يُسْرِعُوا إلى إعْطاءِ المُهُورِ، وقِيلَ: الخُطّابُ لِأوْلِياءِ النِّساءِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا زُوِّجَ …

5

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And do not give the weak-minded your property, which Allah has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى وتَفْصِيلُ ما أُجْمِلَ فِيما سَبَقَ مِن شَرْطِ إيتائِها وكَيْفِيَّتِهِ إثْرَ بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأنْفُسِ أعْنِي النِّكاحَ، وبَيانِ بَعْضِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأجْنَبِيّاتِ مِن حَيْثُ النَّفْسُ ومِن حَيْثُ المالُ اسْتِطْرادًا إذِ الخِطابُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ عِكْرِمَةَ لِلْأوْلِياءِ، وصَرَّحَ هو وابْنُ جُبَيْرٍ بِأنَّ المُرادَ مِنَ السُّفَهاءِ اليَتامى، ومِن أمْوالِكم أمْوالُهم وإنَّما أُضِيفَتْ إلى ضَمِيرِ الأوْلِياءِ المُخاطِبِينَ تَنْزِيلًا لِاخْتِصاصِها بِأصْحابِها مَنزِلَةَ اخْتِصاصِها بِهِمْ فَكَأنَّ أمْوالَهم عَيْنُ أمْوالِهِمْ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ الجِنْسِيِّ والنِّسْبِيِّ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ فَإنَّ المُرادَ لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ نَوْعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنِ القَتْلِ حَتّى كَأنَّ قَتْلَهم قَتْلُ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ أُيِّدَ ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ جَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ أصْحابِها بِجَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ الأوْلِياءِ، ومَفْعُولُ ( جَعَلَ ) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ الأمْوالِ، والمُرادُ مِنَ القِيامِ ما بِهِ القِيامُ والتَّعَيُّشُ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ زِيادَةٌ في المُبالَغَةِ وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلَ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ وحْدَهُ مَفْعُولًا، وهَذا حالًا مِنهُ؛ وقِيلَ: إنَّما أُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ الأوْلِياءِ نَظَرًا إلى كَوْنِها تَحْتَ وِلايَتِهِمْ.

واعْتَرَضَ بِأنَّهُ وإنْ كانَ صَحِيحًا في نَفْسِهِ لِأنَّ الإضافَةَ لِأدْنى مُلابَسَةٍ ثابِتَةٌ في كَلامِهِمْ كَما في قَوْلِهِ:

إذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بِسُحْرَةِ سُهَيْلٍ أذاعَتْ غَزْلَها في القَرائِبِ

إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُصَحَّحٍ لِاتِّصافِ الأمْوالِ بِما بَعْدَها مِنَ الصِّفَةِ، وقِيلَ: إنَّما أُضِيفَتْ إلى ضَمِيرِهِمْ لِأنَّ المُرادَ بِالمالِ جِنْسُهُ مِمّا يَتَعَيَّشُ النّاسُ بِهِ ونِسْبَتُهُ إلى كُلِّ أحَدٍ كَنِسْبَتِهِ إلى الآخَرِ لِعُمُومِ النِّسْبَةِ، والمَخْصُوصُ بِواحِدٍ دُونَ واحِدٍ شَخْصُ المالِ فَجازَ أنْ يُنْسَبَ حَقِيقَةً إلى الأوْلِياءِ كَما يُنْسَبُ إلى المُلّاكِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ وصْفُهُ بِما لا يَخْتَصُّ بِمالٍ دُونَ مالٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ حَمْلِ الأوْلِياءِ عَلى المُحافَظَةِ المَذْكُورَةِ كَيْفَ لا والوَحْدَةُ الجِنْسِيَّةُ المالِيَّةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِما بَيْنَ أمْوالِ اليَتامى وأمْوالِ الأوْلِياءِ بَلْ هي مُتَحَقِّقَةٌ بَيْنَ أمْوالِهِمْ وأمْوالِ الأجانِبِ فَإذًا لا وجْهَ لِاعْتِبارِها أصْلًا، ورُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الإضافَةِ، وقِيلَ لَهُ: كَيْفَ كانَتْ أمْوالُهم أمْوالَنا؟ فَقالَ: إذْ كُنْتُمْ وارِثِينَ لَهم، وفِيهِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في تَوْجِيهِ الإضافَةِ، وثانِيهِما: أنَّ ذَلِكَ مِن مَجازِ الأوَّلِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بَعْدَ القَوْلِ بِكَذِبِ نِسْبَتِهِ إلى الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الأوَّلَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بَلِ العادَةُ في الغالِبِ عَلى خِلافِهِ، والحَمْلُ عَلى التَّفاؤُلِ مِمّا يَتَشاءَمُ مِنهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ.

وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّهُ …

6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allah as Accountant.

﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ شُرُوعٌ في تَعْيِينِ وقْتِ تَسْلِيمِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ وبَيانِ شَرْطِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِإيتائِها عَلى الإطْلاقِ، والنَّهْيِ عَنْهُ عِنْدَ كَوْنِ

صفحة 204

أصْحابِها سُفَهاءَ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ السُّفَهاءِ المُبَذِّرِينَ بِالفِعْلِ مِنَ اليَتامى وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِهِمُ اليَتامى مُطْلَقًا، ووَصْفُهم بِالسَّفَهِ بِاعْتِبارِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما مَرَّ فَفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذا رُجُوعٌ إلى بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى لا شُرُوعٌ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ مَذْكُورًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ أيْ واخْتَبِرُوا مَن عِنْدَكم مِنَ اليَتامى بِتَتَبُّعِ أحْوالِهِمْ في الِاهْتِداءِ إلى ضَبْطِ الأمْوالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيها وجَرِّبُوهم بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ، والِاقْتِصارُ عَلى هَذا الِاهْتِداءِ رَأْيُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَعْتَبِرُ مَعَ هَذا أيْضًا الصَّلاحَ في الدِّينِ، إلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

واتَّفَقَ الإمامانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى أنَّ هَذا الِاخْتِبارَ قَبْلَ البُلُوغِ وظاهِرُ الكَلامِ يَشْهَدُ لَهُما لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الغايَةُ، وقالَ الإمامُ مالِكٌ: إنَّهُ بَعْدَ البُلُوغِ، وفَرَّعَ الإمامُ الأعْظَمُ عَلى كَوْنِ الِاخْتِبارِ قَبْلُ، أنَّ تَصَرُّفاتِ العاقِلِ المُمَيِّزِ بِإذْنِ الوَلِيِّ صَحِيحَةٌ لِأنَّ ذَلِكَ الِاخْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ إذا أُذِنَ لَهُ في البَيْعِ والشِّراءِ مَثَلًا، وقالَ الشّافِعِيُّ: الِاخْتِبارُ لا يَقْتَضِي الإذْنَ في التَّصَرُّفِ لِأنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى دَفْعِ المالِ إلى اليَتِيمِ وهو مَوْقُوفٌ عَلى الشَّرْطَيْنِ وهُما إنَّما يَتَحَقَّقانِ بَعْدُ، بَلْ يَكُونُ بِدُونِهِ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِالحالِ، فَوَلَدُ التّاجِرِ مَثَلًا يُخْتَبَرُ في البَيْعِ والشِّراءِ إلى حَيْثُ يَتَوَقَّفُ الأمْرُ عَلى العَقْدِ وحِينَئِذٍ يَعْقِدُ الوَلِيُّ إنْ أرادَ، وعَلى هَذا القِياسُ.

﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ أيْ إذا بَلَغُوا حَدَّ البُلُوغِ وهو إمّا بِالِاحْتِلامِ أوْ بِالسَّنِّ وهو خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ الشّافِعِيِّ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وعَلَيْها الفَتْوى عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ لِما أنَّ العادَةَ الفاشِيَةَ أنَّ الغُلامَ والجارِيَةَ يَصْلُحانِ لِلنِّكاحِ وثَمَرَتِهِ في هَذِهِ المُدَّةِ ولا يَتَأخَّرانِ عَنْها، والِاسْتِدْلالُ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في «الخِلافِيّاتِ» مِن حَدِيثِ أنَسٍ إذا اسْتَكْمَلَ المَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كُتِبَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ ضَعِيفٌ لِأنَّ البَيْهَقِيَّ نَفْسَهُ صَرَّحَ بِأنَّ إسْنادَ الحَدِيثِ ضَعِيفٌ، وشاعَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ أنَّ السِّنَّ لِلْغُلامِ تَمامُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ولِلْجارِيَةِ تَمامُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ولَهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ وأشُدُّ الصَّبِيِّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً هَكَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتابَعَهُ القُتَبِيُّ، وهَذا أقَلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَيُبْنى الحُكْمُ عَلَيْهِ لِلتَّيَقُّنِ غَيْرَ أنَّ الإناثَ نَشْؤُهُنَّ وإدْراكُهُنَّ أسْرَعُ فَنَقَصْنا في حَقِّهِنَّ سَنَةً لِاشْتِمالِها عَلى الفُصُولِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُوافِقُ واحِدٌ مِنها المِزاجَ لا مَحالَةَ، وعَنْهُ في الغُلامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمُرادُ …

7

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ بَعْدَ بَيانِ أمْوالِ اليَتامى المُنْتَقِلَةِ إلَيْهِمْ بِالإرْثِ، والمُرادُ مِنَ الرِّجالِ الأوْلادُ الذُّكُورُ، أوِ الذُّكُورُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ كِبارًا أوْ صِغارًا، ومِنَ الأقْرَبِينَ المَوْرُوثُونَ، ومِنَ الوالِدِينَ ما لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ، والجَدُّ والجَدَّةُ داخِلانِ تَحْتَ الأقْرَبِينَ، وذَكَرَ الوَلَدانِ مَعَ دُخُولِهِما أيْضًا اعْتِناءً بِشَأْنِهِما، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الوالِدَيْنِ ما هو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِواسِطَةٍ أوْ بِغَيْرِها فَيَشْمَلُ الجَدَّ والجَدَّةَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ تَوْرِيثُ أوْلادِ الأوْلادِ مَعَ وُجُودِ الأوْلادِ. وأُجِيبُ بِأنَّ عَدَمَ التَّوْرِيثِ في هَذِهِ الصُّورَةِ مَعْلُومٌ مِن أمْرٍ آخَرَ لا يَخْفى، والنَّصِيبُ الحَظُّ كالنَّصْبِ بِالكَسْرِ ويُجْمَعُ عَلى أنْصِباءَ وأنْصِبَةٍ، ومِن في مِمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ قَبْلَهُ أيْ نَصِيبٌ كائِنٌ مِمّا تُرِكَ وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِنَصِيبٍ.

﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ المُرادُ مِنَ النِّساءِ البَناتُ مُطْلَقًا أوِ الإناثُ كَذَلِكَ، وإيرادُ حُكْمِهِنَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ دُونَ الدَّرَجِ في تَضاعِيفِ أحْكامِ السّالِفِينَ بِأنْ يُقالَ لِلرِّجالِ والنِّساءِ نُصِيبٌ إلَخْ لِلِاعْتِناءِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأمْرِهِنَّ والإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في اسْتِحْقاقِ الإرْثِ، والإشارَةُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ نَصِيبَيِ الفَرِيقَيْنِ والمُبالَغَةِ في إبْطالِ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهم ما كانُوا يُورِثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ ويَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ مَن يُحارِبُ ويَذُبُّ عَنِ الحَوْزَةِ، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ ورُوِيَ «أنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ وقِيلَ: أوْسُ بْنُ مالِكٍ، وقِيلَ: ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وقِيلَ: أوْسُ بْنُ الصّامِتِ وهو خَطَأٌ لِأنَّهُ تُوُفِّيَ في زَمَنِ خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ماتَ وتَرَكَ ابْنَتَيْنِ وابْنًا صَغِيرًا وزَوْجَتَهُ أُمَّ كُحَّةَ، وقِيلَ: بِنْتُ كُحَّةَ، وقِيلَ: أُمُّ كُحْلَةَ، وقِيلَ: أُمُّ كُلْثُومٍ فَجاءَ أبْناءُ عَمِّهِ خالِدٌ أوْ سُوَيْدٌ وعَرْفَطَةُ أوْ قَتادَةُ، وعَرْفَجَةُ فَأخَذا مِيراثَهُ كُلَّهُ فَقالَتِ امْرَأتُهُ لَهُما: تَزَوَّجا بِالِابْنَتَيْنِ وكانَتْ بِهِما دَمامَةٌ فَأبَيا فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَتْهُ الخَبَرَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما أدْرِي ما أقُولُ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ الآيَةَ فَأرْسَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى ابْنَيِ العَمِّ فَقالَ: لا تُحَرِّكا مِنَ المِيراثِ شَيْئًا فَإنَّهُ قَدْ أُنْزَلَ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ أُخْبِرْتُ فِيهِ أنَّ لِلذَّكَرِ والأُنْثى نَصِيبًا ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلِيمًا﴾ ثُمَّ نَزَلَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فَدَعى ﷺ بِالمِيراثِ فَأعْطى المَرْأةَ الثَّمَنَ وقَسَّمَ ما بَقِيَ بَيْنَ الأوْلادِ لِلذِّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، ولَمْ يُعْطِ ابْنَيِ العَمِّ شَيْئًا»»، وفي بَعْضِ طُرُقِهِ أنَّ المَيِّتَ خَلَّفَ زَوْجَةً وبِنْتَيْنِ وابْنَيْ عَمٍّ فَأعْطى ﷺ الزَّوْجَةَ الثُّمْنَ والبِنْتَيْنِ الثُّلْثَيْنِ وابْنَيِ العَمِّ الباقِيَ.

وفِي الخَبَرِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ …

8

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of the estate and speak to them words of appropriate kindness.

﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أيْ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ بَيْنَ أرْبابِها وهي مَفْعُولٌ بِهِ، وقُدِّمَتْ لِأنَّها المَبْحُوثُ عَنْها ولِأنَّ في الفاعِلِ تَعَدُّدًا فَلَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ يَفُوتُ تَجاذُبُ أطْرافِ الكَلامِ وقِيلَ: قُدِّمَتْ لِتَكُونَ أمامَ الحاضِرِينَ في اللَّفْظِ كَما أنَّها أمامَهم في الواقِعِ، وهي نُكْتَةٌ لِلتَّقْدِيمِ لَمْ أرَ مَن ذَكَرَها مِن عُلَماءِ المَعانِي.

﴿أُولُو القُرْبى﴾ مِمَّنْ لا يَرِثُ لِكَوْنِهِ عاصِبًا مَحْجُوبًا أوْ لِكَوْنِهِ مِن ذَوِي الأرْحامِ، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ ذِكْرُ الوَرَثَةِ قَبْلَهُ ﴿واليَتامى والمَساكِينُ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ أيْ أعْطُوهم شَيْئًا مِنَ المالِ أوِ المَقْسُومِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالقِسْمَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِما وهو أمْرُ نَدْبٍ كُلِّفَ بِهِ البالِغُونَ مِنَ الوَرَثَةِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ المَذْكُورِينَ وتَصَدُّقًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: أمْرُ وُجُوبٍ واخْتُلِفَ في نَسْخِهِ فَفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا نَسْخَ والآيَةُ مَحْكَمَةٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ الآيَةَ نَسَخَتْها آيَةُ المِيراثِ فَجُعِلَ لِكُلِّ إنْسانٍ نُصِيبُهُ مِمّا تَرَكَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ. وحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ مِن أُولِي القُرْبى هُنا الوارِثُونَ، ومِنَ ( اليَتامى والمَساكِينِ ) غَيْرِ الوارِثِينَ وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ راجِعٌ إلى الأوَّلِينَ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ راجِعٌ لِلْآخِرِينَ وهو بَعِيدٌ جِدًّا، والمُتَبادَرُ ما ذُكِرَ أوَّلًا وهَذا القَوْلُ لِلْمَرْزُوقِينَ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ أنْ يَدْعُوا لَهم ويَسْتَقِلُّوا ما أعْطَوْهم ويَعْتَذِرُوا مِن ذَلِكَ ولا يَمُنُّوا عَلَيْهِمْ.

9

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allah and speak words of appropriate justice.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ

صفحة 213

يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى أوْ يَخافُوا عَلى أوْلادِهِمْ فَيَفْعَلُوا مَعَ اليَتامى ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيِّهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الرَّجُلُ يَمُوتُ ولَهُ أوْلادٌ صِغارٌ ضِعافٌ يَخافُ عَلَيْهِمُ العَيْلَةَ والضَّيْعَةَ ويَخافُ بَعْدَهُ أنْ لا يُحْسِنَ إلَيْهِمْ مَن يَلِيهِمْ يَقُولُ: فَإنْ ولِيَ مَثَلَ ذُرِّيَّتِهِ ضِعافًا يَتامى فَلْيُحْسِنْ إلَيْهِمْ ولا يَأْكُلْ أمْوالَهم إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا، والآيَةُ عَلى هَذا مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لِلرِّجالِ ) إلَخْ في مَعْنى الأمْرِ لِلْوَرَثَةِ أيْ أعْطُوهم حَقَّهم دَفْعًا لِأمْرِ الجاهِلِيَّةِ ولْيَحْفَظِ الأوْصِياءُ ما أُعْطَوْهُ ويَخافُوا عَلَيْهِمْ كَما يَخافُونَ عَلى أوْلادِهِمْ، وقِيلَ في وجْهِ الِارْتِباطِ: إنَّ هَذا وصِيَّةٌ لِلْأوْصِياءِ بِحِفْظِ الأيْتامِ بَعْدَ ما ذَكَرَ الوارِثِينَ الشّامِلِينَ لِلصِّغارِ والكِبارِ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ .

وثانِيها: أنَّهُ أمْرٌ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ مِنَ العُوّادِ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهم أوْ يَخْشَوْا أوْلادَ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يَضُرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهم، ونُسِبَ نَحْوُ هَذا إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ما يُؤَيِّدُهُ، فَقَدَ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَعْنِي الرَّجُلَ يَحْضُرُهُ المَوْتُ فَيُقالُ لَهُ: تَصَدَّقْ مِن مالِكَ وأعْتِقْ وأعْطِ مِنهُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَنُهُوا أنْ يَأْمُرُوا بِذَلِكَ يَعْنِي أنَّ مَن حَضَرَ مِنكم مَرِيضًا عِنْدَ المَوْتِ فَلا يَأْمُرْهُ أنْ يُنْفِقَ مِن مالِهِ في العِتْقِ أوْ في الصَّدَقَةِ أوْ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَكِنْ يَأْمُرُهُ أنْ يُبَيِّنَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ مِن دَيْنٍ، ويُوصِي مِن مالِهِ لِذَوِي قَرابَتِهِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ يُوصِي لَهم بِالخُمْسِ أوِ الرُّبْعِ يَقُولُ: ألَيْسَ أحَدُكم إذا ماتَ ولَهُ ولَدٌ ضِعافٌ يَعْنِي صِغارٌ لا يَرْضى أنْ يَتْرُكَهم بِغَيْرِ مالٍ فَيَكُونُوا عِيالًا عَلى النّاسِ؟ فَلا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَأْمُرُوهُ بِما لا تَرْضَوْنَ بِهِ لِأنْفُسِكم ولِأوْلادِكم ولَكِنْ قُولُوا الحَقَّ مِن ذَلِكَ، وعَلى هَذا يَكُونُ أوَّلُ الكَلامِ لِلْأوْصِياءِ وما بَعْدَهُ لِلْوَرَثَةِ، وهَذا لِلْأجانِبِ بِأنْ لا يَتْرُكُوهُ يَضُرُّهم أوْ لا يَأْمُرُوهُ بِما يَضُرُّ، فالآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها أيْضًا.

وثالِثُها: أنَّهُ أمْرٌ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًا مِثْلَهم هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهم، واتِّصالُ الكَلامِ عَلى هَذا بِما قَبْلَهُ ظاهِرٌ لِأنَّهُ حَثٌّ عَلى الإيتاءِ لَهم وأمْرُهم بِأنْ يَخافُوا مِن حِرْمانِهِمْ كَما يَخافُونَ مِن حِرْمانِ ضِعافِ ذَرِّيَّتِهِمْ.

ورابِعُها: أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ أنَّهم كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ لا تَبْلُغَ …

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ ما فُصِّلَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي و( ظُلْمًا ) إمّا حالٌ أيْ ظالِمِينَ، أوْ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ أكْلَ ظُلْمٍ عَلى مَعْنى أكْلًا عَلى

صفحة 215

وجْهِهِ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ وإنَّما عُلِّقَ الوَعِيدُ عَلى الأكْلِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْقاقِ كالأُجْرَةِ والقَرْضِ مَثَلًا فَلا يَكُونُ ظُلْمًا ولا الآكِلُ ظالِمًا. وقِيلَ: ذَكَرَ الظُّلْمَ لِلتَّأْكِيدِ والبَيانِ لِأنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ لا يَكُونُ إلّا ظُلْمًا ومَن أخَذَ مالُ اليَتِيمِ قَرْضًا أوْ أُجْرَةً فَقَدْ أكَلَ مالَ نَفْسِهِ ولَمْ يَأْكُلْ مالَ اليَتِيمِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ.

﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ أيْ مِلْءَ بُطُونِهِمْ، وشاعَ هَذا التَّعْبِيرُ في ذَلِكَ، وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الظَّرْفِيَّةِ المُتَبادَرُ مِنها الإحاطَةُ بِحَيْثُ لا يُفَضَّلُ الظَّرْفُ عَنِ المَظْرُوفِ فَيَكُونُ الأكْلُ في البَطْنِ مِلْءَ البَطْنِ، وفي بَعْضِ البَطْنِ دُونَهُ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ:

كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعْفُوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ

ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ الأُصُولِيِّينَ: إنَّ الظَّرْفَ إذا جُرَّ بِفي لا يَكُونُ بِتَمامِهِ ظَرْفًا بِخِلافِ المَقْدِرَةِ فِيهِ، فَنَحْوَ سِرْتُ يَوْمَ الخَمِيسِ لِتَمامِهِ وفي يَوْمِ الخَمِيسِ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ قالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ هَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، والبَصْرِيُّونَ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُما كَما بُيِّنَ في النَّحْوِ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ الظّاهِرُ: إنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ الأُصُولِ فِيما يَصِحُّ جَرُّهُ بِفي ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُقالُ: أكَلَ بَطْنَهُ بِمَعْنى في بَطْنِهِ فَلَيْسَ مِمّا ذَكَرَهُ أهْلُ الأُصُولِ في شَيْءٍ، وهو مِثْلُ جَعَلْتُ المَتاعَ في البَيْتِ فَهو صادِقٌ بِمَلْئِهِ وبِعَدَمِهِ لَكِنَّ الأصْلَ الأوَّلُ كَما ذَكَرُوهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ البُطُونِ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ والقَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ والقَلْبُ لا يَكُونُ إلّا في الصَّدْرِ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ والطَّيْرُ لا يَطِيرُ إلّا بِجَناحٍ، فَقَدْ قالُوا: إنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ، ثُمَّ المَظْرُوفُ هُنا المَفْعُولُ أيِ المَأْكُولُ لا الفاعِلُ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ التُّمُرْتاشِيِّ في الإيمانِ أنَّهُ إذا ذُكِرَ ظَرْفٌ بَعْدَ فِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ ومَفْعُولٌ كَما إذا قُلْتَ: إنْ ضَرَبْتَ زَيْدًا في الدّارِ، أوْ في المَسْجِدِ فَكَذا فَإنْ كانا مَعًا فِيهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ الفاعِلُ فِيهِ دُونَ المَفْعُولِ، أوْ بِالعَكْسِ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِمّا يَظْهَرُ أثَرُهُ في المَفْعُولِ كالضَّرْبِ والقَتْلِ والجَرْحِ فالمُعْتَبَرُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ وإنْ كانَ مِمّا لا يَظْهَرُ أثَرُهُ فِيهِ كالشَّتْمِ فالمُعْتَبَرُ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ، ولِذا قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لَوْ قالَ: إنْ شَتَمْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ رَمَيْتَ إلَيْهِ فَشَرْطُ حِنْثِهِ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ، ولَوْ قالَ: إنْ ضَرَبْتَهُ أوْ جَرَحْتَهُ أوْ قَتَلْتَهُ أوْ رَمَيْتَهُ فَشَرْطُهُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنَّما كانَ الرَّمْيُ في الأوَّلِ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.