Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 171–180 of 200

171

۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

They receive good tidings of favor from Allah and bounty and [of the fact] that Allah does not allow the reward of believers to be lost -

﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِيَتَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهِ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ (171) فَحِينَئِذٍ يَكُونُ بَيانًا وتَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِأنَّ الخَوْفَ غَمٌّ يَلْحَقُ الإنْسانَ مِمّا يَتَوَقَّعُهُ مِنَ السُّوءِ، والحُزْنَ غَمٌّ يَلْحَقُهُ مِن فَواتِ نافِعٍ أوْ حُصُولِ ضارٍّ، فَمَن كانَ مُتَقَلِّبًا في نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفَضْلٍ مِنهُ سُبْحانَهُ فَلا يَحْزَنُ أبَدًا، ومَن جُعِلَتْ أعْمالُهُ مَشْكُورَةً غَيْرَ مُضَيَّعَةٍ فَلا يَخافُ العاقِبَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانُ ذَلِكَ النَّفْيِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ مِن غَيْرِ ضَمِّ ما بَعْدَهُ إلَيْهِ، وقِيلَ: الِاسْتِبْشارُ الأوَّلُ بِدَفْعِ المَضارِّ ولِذا قُدِّمَ، والثّانِي بِوُجُودِ المَسارِّ، أوِ الأوَّلُ لِإخْوانِهِمْ والثّانِي لَهم أنْفُسُهم، ومِنَ النّاسِ مَن أعْرَبَ ( يَسْتَبْشِرُونَ ) بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، ولِذا لَمْ تَدْخُلْ واوُ العَطْفِ عَلَيْهِ، و( مِنَ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً - لِنِعْمَةٍ - مُؤَكَّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، وجُمِعَ الفَضْلُ والنِّعْمَةُ مَعَ أنَّهُما كَثِيرًا ما يُعَبَّرُ بِهِما عَنْ مَعْنًى واحِدٍ، إمّا لِلتَّأْكِيدِ وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ ما خَصَّهم بِهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ نِعْمَةً عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ مِن غَيْرِ مُضاعَفَةِ سُرُورٍ ولَذَّةٍ، بَلْ زائِدٌ عَلَيْها مُضاعِفٌ فِيها ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ وعَطَفَ وأنَّ عَلى ( فَضْلٍ ) أوْ عَلى (نِعْمَةٍ) وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَضْمُونُ ما بَعْدَها داخِلٌ في المُسْتَبْشَرِ بِهِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ (وإنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ تَذْيِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ بِناءً عَلى أنَّ المَوْصُولَ الآتِيَ تابِعٌ لِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا، والمُرادُ مِنَ المُؤْمِنِينَ إمّا الشُّهَداءُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإعْلامِ بِسُمُوِّ مَرْتَبَةِ الإيمانِ وكَوْنِهِ مَناطًا لِما نالُوهُ مِنَ السَّعادَةِ، وإمّا كافَّةُ المُؤْمِنِينَ، وذُكِرَتْ تَوْفِيَةُ أُجُورِهِمْ وعُدَّتْ مِن جُمْلَةِ المُسْتَبْشَرِ بِهِ عَلى ما اقْتَضاهُ العَطْفُ بِحُكْمِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ، واخْتارَ هَذا الوَجْهَ كَثِيرٌ.

ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ جَمَعَتِ المُؤْمِنِينَ كُلَّهم سِوى الشُّهَداءِ، وقَلَّ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فَضْلًا ذَكَرَ بِهِ الأنْبِياءَ وثَوابًا أعْطاهم إلّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعْطى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِن بَعْدِهِمْ، وفي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن لا إيمانَ لَهُ أعْمالُهُ مُحْبَطَةٌ وأُجُورُهُ مُضَيَّعَةٌ.

Aal-i-Imraan 3:171Listen in Qur'an →
172

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ

Those [believers] who responded to Allah and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allah is a great reward -

﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ أيْ أطاعُوا ﴿لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ بِامْتِثالِ الأوامِرِ ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ أيْ نالَهُمُ الجِراحُ يَوْمَ أُحُدٍ، والمَوْصُولُ في مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ هم، أوْ مُبْتَدَأٌ أوَّلٌ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (172) قالَ الطَّبَرْسِيُّ: وهو الأشْبَهُ.

و(مِنهُمْ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أحْسَنُوا) و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم - وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّها لِلْبَيانِ، فالكَلامُ حِينَئِذٍ فِيهِ تَجْرِيدٌ جَرَّدَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ المُحْسِنَ المُتَّقِيَ، والمَقْصُودُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَدْحُ والتَّعْلِيلُ لا التَّقْيِيدُ؛ لِأنَّ المُسْتَجِيبِينَ كُلَّهم مُحْسِنُونَ ومُتَّقُونَ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: «لَمّا كانَ يَوْمُ الأحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن شَوّالٍ وكانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنهُ أذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وأنْ لا يَخْرُجَ مَعَنا أحَدٌ إلّا أحَدٌ حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَكَلَّمَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِزامٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ

صفحة 125

أبِي كانَ خَلَّفَنِي عَلى أخَواتٍ لِي سَبْعٍ وقالَ: يا بُنَيَّ لا يَنْبَغِي لِي ولا لَكَ أنْ نَتْرُكَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةَ لا رَجُلَ فِيهِنَّ ولَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلى أخَواتِكَ، فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إرْهابًا لِلْعَدُوِّ حَتّى انْتَهى إلى حَمْراءِ الأسَدِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ فَأقامَ بِها يَوْمَ الإثْنَيْنِ والثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ مَرَّ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيُّ، وكانَتْ خُزاعَةُ مُسْلِمُهم ومُشْرِكُهم عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِتِهامَةَ صَفْقَتُهم مَعَهُ لا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كانَ بِها، ومَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أما واللَّهِ لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنا ما أصابَكَ في أصْحابِكَ ولَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عافاكَ فِيهِمْ، ثُمَّ ذَهَبَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِحَمْراءِ الأسَدِ حَتّى لَقِيَ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ بِالرَّوْحاءِ، وقَدْ أجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ وقالُوا: أصَبْنا أجَلَّ أصْحابِهِ وقادَتَهم وأشْرافَهم ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أنْ نَسْتَأْصِلَهم لَنَكُرَّنَّ عَلَيْهِمْ فَلَنَفْرَغَنَّ مِنهم، فَلَمّا رَأى أبُو سُفْيانَ مَعْبَدًا قالَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ وهم يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكم تَحَرُّقًا، وقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَن كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ في يَوْمِكم، ونَدِمُوا عَلى ما صَنَعُوا فِيهِمْ مِنَ الحَنَقِ عَلَيْكم شَيْءٌ لَمْ أرَ مِثْلَهُ. قالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ ؟ قالَ: ما أرى واللَّهِ أنْ تَرْتَحِلَ حَتّى تَرى نَواصِيَ الخَيْلِ. قالَ: فَواللَّهِ لَقَدْ أجْمَعْنا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهم. قالَ: فَإنِّي …

Aal-i-Imraan 3:172Listen in Qur'an →
173

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ

Those to whom hypocrites said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allah, and [He is] the best Disposer of affairs."

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ ( ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ ) أوْ صِفَةٌ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ: الأوَّلُ: رَكْبُ عَبْدِ قَيْسٍ، ومِنَ الثّانِي: أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، فَألْ فِيهِما لِلْعَهْدِ، والنّاسُ الثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ.

صفحة 126

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ وغَيْرِهِمْ أنَّهم قالُوا: والخَبَرُ مُتَداخِلٌ، «نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَلِكَ أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أرادَ أنْ يَنْصَرِفَ: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُ ما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ إنْ شِئْتَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ في أهْلِ مَكَّةَ حَتّى نَزَلَ مَجَنَّةَ مِن ناحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرانِ، وقِيلَ: بَلَغَ عُسْفانَ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الرُّعْبَ فَبَدا لَهُ الرُّجُوعُ، فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: إنِّي واعَدْتُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أنَّ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وإنَّ هَذِهِ عامُ جَدْبٍ، ولا يَصْلُحُنا إلّا عامٌ نَرْعى فِيهِ الشَّجَرَ ونَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وقَدْ بَدا لِي، وأكْرَهُ أنْ يَخْرُجَ مُحَمَّدٌ ولا أخْرُجُ أنا فَيَزِيدُهم ذَلِكَ جُرْأةً، فالحَقِ المَدِينَةَ فَتُثَبِّطُهم ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ أضَعُها عَلى يَدَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَأتى نُعَيْمٌ المَدِينَةَ فَوَجَدَ النّاسَ يَتَجَهَّزُونَ لِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ فَقالَ لَهم: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأْيُكم أتَوْكم في دِيارِكم وقَرارِكم فَلَمْ يُفْلِتْ مِنكم إلّا شَرِيدٌ، فَتُرِيدُونَ أنْ تَخْرُجُوا إلَيْهِمْ وقَدْ جَمَعُوا لَكم عِنْدَ المَوْسِمِ، فَواللَّهِ لا يُفْلِتُ مِنكم أحَدٌ، فَكَرِهَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الخُرُوجَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ وحْدِي، فَخَرَجَ ومَعَهُ سَبْعُونَ راكِبًا يَقُولُونَ: (حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ) حَتّى وافى بَدْرًا فَأقامَ بِها ثَمانِيَةَ أيّامٍ يَنْتَظِرُ أبا سُفْيانَ، وقَدِ انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِن مَجَنَّةَ إلى مَكَّةَ فَسَمّاهم أهْلُ مَكَّةَ جَيْشَ السَّوِيقِ يُرِيدُونَ أنَّكم لَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا سِوى شُرْبِ السَّوِيقِ، ولَمْ يَلْقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ فَكَرَّ راجِعًا إلى المَدِينَةِ»، وفي ذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ أوْ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ:

وعَدْنا أبا سُفْيانَ وعْدًا فَلَمْ نَجِدْ لِمِيعادِهِ صِدْقًا وما كانَ وافِيا

فَأُقْسِمُ لَوْ وافَيْتَنا فَلَقِيتَنا ∗∗∗ لَأُبْتَ ذَمِيمًا وافْتَقَدْتَ المَوالِيا

تَرَكْنا بِهِ أوْصالَ عُتْبَةَ وابْنَهُ ∗∗∗ وعَمْرًا أبا جَهْلٍ تَرَكْناهُ ثاوِيا

عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ أُفٍّ لِدِينِكم ∗∗∗ وأمْرِكُمُ الشَّيْءَ الَّذِي كانَ غاوِيا

وإنِّي وإنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقائِلٌ ∗∗∗ فِدًى لِرَسُولِ اللَّهِ أهْلِي ومالِيا

أطَعْناهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينا بِغَيْرِهِ ∗∗∗ شِهابًا لَنا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هادِيا

فَعَلى هَذا المُرادُ مِنَ النّاسِ الأوَّلُ نُعَيْمٌ، وأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَما يُطْلَقُ الجَمْعُ واسْمُ الجَمْعِ المُحَلّى بِألِ الجِنْسِيَّةِ عَلى الواحِدِ مِنهُ مَجازًا كَما صَرَّحُوا بِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ المُذِيعِينَ …

Aal-i-Imraan 3:173Listen in Qur'an →
174

فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

So they returned with favor from Allah and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allah, and Allah is the possessor of great bounty.

﴿فانْقَلَبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أيْ فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ ورَجَعُوا ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (انْقَلَبُوا)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، والباءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعْدِيَةِ، وعَلى الثّانِي لِلْمُصاحَبَةِ، والتَّنْوِينُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلتَّفْخِيمِ أيْ (بِنِعْمَةٍ) عَظِيمَةٍ لا يُقَدَّرُ قَدْرُها، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِنِعْمَةٍ مُؤَكِّدَةٌ

صفحة 129

لِفَخامَتِها، والمُرادُ مِنها السَّلامَةُ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ إذْلالُهم أعْداءَ اللَّهِ تَعالى عَلى بُعْدٍ كَما قِيلَ، أوْ مَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى ما نَقُولُ.

﴿وفَضْلٍ﴾ وهو الرِّبْحُ في التِّجارَةِ، فَقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عِيرًا مَرَّتْ وكانَ في أيّامِ المَوْسِمِ فاشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَبِحَ مالًا فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أصْحابِهِ فَذَلِكَ الفَضْلُ» .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «أعْطى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى بِبَدْرٍ أصْحابَهُ دَراهِمَ ابْتاعُوا بِها في المَوْسِمِ فَأصابُوا تِجارَةً» .

وعَنْ مُجاهِدٍ: الفَضْلُ ما أصابُوا مِنَ التِّجارَةِ والأجْرِ.

﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ أيْ لَمْ يُصِبْهم قَتْلٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ، أوْ لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَبْرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (انْقَلَبُوا)، أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في (بِنِعْمَةٍ) إذا كانَ حالًا، والمَعْنى (فانْقَلَبُوا) مُنَعَّمِينَ مُبَرَّئِينَ مِنَ السُّوءِ، والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ إذا كانَ فِعْلُها مُضارِعًا مَنفِيًّا بِلَمْ، وفِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ جازَ فِيها دُخُولُ الواوِ وعَدَمُهُ.

﴿واتَّبَعُوا﴾ عَطْفٌ عَلى انْقَلَبُوا، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِهِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أيْ وقَدِ اتَّبَعُوا في كُلِّ ما أُوتُوا، أوْ في الخُرُوجِ إلى لِقاءِ العَدُوِّ، ﴿رِضْوانَ اللَّهِ﴾ الَّذِي هو مَناطُ كُلِّ خَيْرٍ ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (174) حَيْثُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِما تَفَضَّلَ، وفِيما تَقَدَّمَ مَعَ تَذْيِيلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِاسْمِ الكَرِيمِ الجامِعِ وإسْنادِ (ذُو فَضْلٍ) إلَيْهِ ووَصْفِ الفَضْلِ بِالعِظَمِ إيذانٌ بِأنَّ المُتَخَلِّفِينَ فَوَّتُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أمْرًا عَظِيمًا لا يُكْتَنُهُ كُنْهُهُ، وهم أحِقّاءُ بِأنْ يَتَحَسَّرُوا عَلَيْهِ تَحَسُّرًا لَيْسَ بَعْدَهُ.

Aal-i-Imraan 3:174Listen in Qur'an →
175

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

﴿إنَّما ذَلِكُمُ﴾ الإشارَةُ إلى المُثَبِّطِ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطانُ﴾ بِمَعْنى إبْلِيسَ لِأنَّهُ عَلَمٌ لَهُ بِالغَلَبَةِ خَبَرُهُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِشَيْطَنَتِهِ، أوْ حالٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا حَيْثُ جَعَلَهُ هو ويُخَوِّفُ هو الخَبَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذا إشارَةً إلى قَوْلِ المُثَبِّطِ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ قَوْلُ الشَّيْطانِ، والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ أيْضًا، ولا تَجَوُّزَ فِيهِ عَلى الصَّحِيحِ، وإنَّما التَّجَوُّزُ في الإضافَةِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ القَوْلُ بِوَسْوَسَتِهِ وسَبَبِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ قَوْلُهُ، والمُسْتَكِنُّ في (يُخَوِّفُ) إمّا لِلْمُقَدَّرِ وإمّا لِلشَّيْطانِ بِحَذْفِ الرّاجِعِ إلى المُقَدَّرِ أيْ يُخَوِّفُ بِهِ، والمُرادُ بِأوْلِيائِهِ إمّا أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ لِيُخَوِّفُ مَحْذُوفٌ أيْ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ بِأنْ يُعَظِّمَهم في قُلُوبِكم، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ وبِذِكْرِ هَذا المَفْعُولِ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقَرَأُ بَعْضُهم يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، وعَلى هَذا المَعْنى أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُما، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أيْ فَلا تَخافُوا أوْلِياءَهُ الَّذِينَ خَوَّفَكم إيّاهم ﴿وخافُونِ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي، وإمّا المُتَخَلِّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأوْلِياءَهُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي إمّا مَتْرُوكٌ أوْ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ يُوقِعُهم في الخَوْفِ، أوْ يُخَوِّفُهم مِن أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، وعَلى هَذا لا يَصِحُّ عَوْدُ ضَمِيرِ ﴿تَخافُوهُمْ﴾ إلى الأوْلِياءِ بَلْ هو راجِعٌ إلى النّاسِ. الثّانِي كَضَمِيرِ –اخْشَوْهم - فَهو رَدٌّ لَهُ أيْ فَلا تَخافُوا النّاسَ وتَقْعُدُوا عَنِ القِتالِ وتَجْبُنُوا ﴿وخافُونِ﴾ فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وسارِعُوا إلى امْتِثالِ ما يَأْمُرُكم بِهِ، وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ النَّظْمَ يُساعِدُ عَلَيْهِ، والخِطابُ حِينَئِذٍ لِفَرِيقَيِ الخارِجِينَ

صفحة 130

والمُتَخَلِّفِينَ، والقَصْدُ التَّعْرِيضُ بِالطّائِفَةِ الأخِيرَةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَها، و﴿أوْلِياءَهُ﴾ إذْ ذاكَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أوْلِياءُ الشَّيْطانِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم هَذا القِيلَ مُطْلَقًا مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّ الخارِجِينَ لَمْ يَخافُوا إلّا اللَّهَ تَعالى.

﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قِيامَ احْتِمالِ التَّعْرِيضِ يُمْرِضَ هَذا التَّعْلِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ أوِ الِانْتِهاءِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ المُخَوِّفِ شَيْطانًا أوْ قَوْلًا لَهُ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ الخَوْفِ والنَّهْيِ عَنْهُ، وأثْبَتَ أبُو عَمْرٍو ياءَ (وخافُونِ) وصْلًا، وحَذَفَها وقْفًا، والباقُونَ يَحْذِفُونَها مُطْلَقًا وهي ضَمِيرُ المَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (175) إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُتَخَلِّفِينَ فالأمْرُ فِيهِ واضِحٌ، وإنْ كانَ لِلْخارِجِينَ كانَ مُساقًا لِلْإلْهابِ والتَّهْيِيجِ لَهم لِتَحَقُّقِ إيمانِهِمْ، وإنْ كانَ لِلْجَمِيعِ …

Aal-i-Imraan 3:175Listen in Qur'an →
176

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

And do not be grieved, [O Muhammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allah at all. Allah intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَوْجِيهُهُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِالتَّسْلِيَةِ، مَعَ الإيذانِ بِأنَّهُ الرَّئِيسُ المُعْتَنى بِشُئُونِهِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ: إمّا المُنافِقُونَ المُتَخَلِّفُونَ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ، وإمّا قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ؛ لِمُقارَبَةِ عَبَدَةِ الأوْثانِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وإمّا سائِرُ الكُفّارِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، وإمّا المُنافِقُونَ وطائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ حَسْبَما عُيِّنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم، ومَعْنى ( يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ) يَقَعُونَ فِيهِ سَرِيعًا لِغايَةِ حِرْصِهِمْ عَلَيْهِ، وشَدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ؛ ولِتَضَمُّنِ المُسارَعَةِ مَعْنى الوُقُوعِ تَعَدَّتْ ”بِفِي“ دُونَ ”إلى“، الشّائِعُ تَعْدِيَتُها بِها كَما في ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ وغَيْرِهِ وأُوثِرَ ذَلِكَ؛ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْرارِهِمْ في الكُفْرِ، ودَوامِ مُلابَسَتِهِمْ لَهُ في مَبْدَأِ المُسارَعَةِ ومُنْتَهاها، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وأمّا إيثارُ كَلِمَةِ ”إلى“ في آيَتِها؛ فَلِأنَّ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ مُنْتَهى المُسارِعَةِ وغايَتُها، والمَوْصُولُ فاعِلُ (يَحْزُنُكَ)، ولَيْسَتِ الصِّلَةُ عِلَّةً لِعَدَمِ الحُزْنِ، كَما هو المَعْهُودُ في مِثْلِهِ؛ لِأنَّ الحُزْنَ مِنَ الوُقُوعِ في الكُفْرِ هو الأمْرُ اللّائِقُ؛ لِأنَّهُ قَبِيحٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، يَجِبُ أنْ يَحْزَنَ مِن مُشاهَدَتِهِ، فَلا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ مِن ذَلِكَ، بَلِ العِلَّةُ هُنا

صفحة 133

ما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ المُسارَعَةِ مِن مُراغَمَةِ المُؤْمِنِينَ، وإيصالِ المَضَرَّةِ إلَيْهِمْ، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في النَّهْيِ.

والمُرادُ: لا يَحْزُنُكَ خَوْفُ أنْ يَضُرُّوكَ، ويُعِينُوا عَلَيْكَ، ويَدُلَّ عَلى ذَلِكَ إيلاءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ رَدًّا وإنْكارًا لِظَنِّ الخَوْفِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمُرادُ أوْلِياءُ اللَّهِ؛ مَثَلًا لِلْقَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ عَلَيْهِ، وفي حَذْفِ ذَلِكَ، وتَعْلِيقِ نَفْيِ الضَّرَرِ بِهِ تَعالى تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإيذانٌ بِأنَّ مُضارَّتَهم بِمَنزِلَةِ مُضارَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي ذَلِكَ مَزِيدُ مُبالَغَةٍ في التَّسْلِيَةِ. ( وشَيْئًا ) في مَوْضِعِ المَصْدَرِ أيْ: لَنْ يَضُرُّوهُ ضَرَرًا ما، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لَنْ يَضُرُّوهُ بِشَيْءٍ ما أصْلًا، وتَأْوِيلُ يَضُرُّوا بِما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ المَقامَ يَدْعُو إلى خِلافِهِ، وقَرَأ نافِعٌ يُحْزِنُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ فَإنَّهُ فَتَحَها، وضَمَّ الزّايَ، وقَرَأ الباقُونَ كَما قَرَأ نافِعٌ في المُسْتَثْنى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ عَكْسَ ما قَرَأ نافِعٌ، والماضِي عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ حَزِنَ، وعَلى قِراءَةِ الضَّمِّ مِن أحْزَنَ، ومَعْناهُما واحِدٌ إلّا أنَّ حَزَنَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وقِيلَ: حَزَنْتُهُ بِمَعْنى أحْدَثْتُ لَهُ حُزْنًا، وأحْزَنْتُهُ بِمَعْنى عَرَّضْتُهُ لِلْحُزْنِ، وقالَ الخَلِيلُ: خَزَنْتُهُ بِمَعْنى …

Aal-i-Imraan 3:176Listen in Qur'an →
177

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allah at all, and for them is a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾، أيْ: أخَذُوا الكُفْرَ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ رَغْبَةً فِيما أخَذُوا، وإعْراضًا عَمّا تَرَكُوا؛ ولِهَذا وضَعَ ”اشْتَرَوْا“ مَوْضِعَ ”بَدَّلُوا“ فَإنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ في الرَّغْبَةِ، وأدُلُّ عَلى سُوءِ الِاخْتِيارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ، وفِيهِ هُنا تَعْرِيضٌ ظاهِرٌ؛ بِاقْتِصارِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ هُنا ما أُرِيدَ مِنهُ هُناكَ، والتَّكْرِيرُ؛ لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ بِبَيانِ عِلَّتِهِ، بِتَغْيِيرِ عُنْوانِ المَوْضُوعِ فَإنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ لِكَوْنِهِ عِلْمًا في الخُسْرانِ الكُلِّيِّ. والحِرْمانُ الأبَدِيُّ صَرِيحٌ في لُحُوقِ ضَرَرِهِ بِأنْفُسِهِمْ، وعَدَمُ تَعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِمْ أصْلًا، ودالٌّ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ آرائِهِمْ، فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم ما يَتَوَقَّفُ عَلى قُوَّةِ الحَزْمَ ورَزانَةِ الرَّأْيِ ورَصانَةِ التَّدْبِيرِ مِن مُضارَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ تَكَفَّلَ سُبْحانَهُ لَهم بِالنَّصْرِ ؟ وهي أعَزُّ مِن جَلِيمَةَ وأمْنَعُ مِن لَهاةِ اللَّيْثِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ هُنا عامٌّ، ويُرادَ بِهِ هُناكَ خاصٌّ، وهو ما عَدا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ فِيهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ تَقْرِيرُ القَواعِدِ الكُلِّيَّةِ لِما انْدَرَجَ تَحْتَها مِن جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ عامًّا لِلْكَفّارِ، وهَذا خاصًّا بِالمُنافِقِينَ، وأفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم أشَدُّ مِنهم في الضَّرَرِ والكَيْدِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ إرادَةَ العامِّ هُناكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِفَخامَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ لِما أنَّ صُدُورَ المُسارِعَةِ في الكُفْرِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، وكَوْنَها مَظِنَّةً لِإيراثِ الحُزْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يُفْهَمُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ إنَّما يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ عُلِمَ اتِّصافُهُ بِها، وأمّا مَن لا يُعْرَفُ حالَهُ مِنَ الكَفَرَةِ الكائِنِينَ في الأماكِنِ البَعِيدَةِ، فَإسْنادُ المُسارِعَةِ المَذْكُورَةِ إلَيْهِمْ واعْتِبارُ كَوْنِها مِن مَبادِئِ حُزْنِهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا وجْهَ لَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ القائِلَ بِالعُمُومِ في الأوَّلِ لَمْ يُرِدْ بِالكُفّارِ مُقابِلَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ كانُوا، وعَلى أيِّ حالٍ وُجِدُوا، بَلْ ما يَشْمَلُ المُتَخَلِّفِينَ والمُرْتَدِّينَ مَثَلًا مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ إضْرارُهم لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحِينَئِذٍ لا يُرَدُّ هَذا الِاعْتِراضُ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأوَّلِ المُنافِقُونَ، أوْ مَنِ ارْتَدُّوا مِمّا هُنا اليَهُودُ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ إمّا الإيمانُ الحاصِلُ بِالفِعْلِ -كَما هو حالُ المُرْتَدِّينَ- أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ الحاصِلَةِ بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِهِ في التَّوْراةِ، كَما شَأْنُ اليَهُودِ مَثَلًا، وإمّا الإيمانُ الِاسْتِعْدادِيُّ، الحاصِلُ بِمُشاهَدَةِ الوَحْيِ النّاطِقِ والدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفَسِ، كَما هو دَأْبُ جَمِيعِ الكَفَرَةِ مِمّا عَدا ذَلِكَ، وإمّا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الجَمِيعِ كَما هو دَأْبُ الجَمِيعِ؛ فَتَفَطَّنْ.

﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ والجُمْلَةُ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ فَظاعَةِ عَذابِهِمْ بِذِكْرِ غايَةِ إيلامِهِ بَعْدَ ذِكْرِ نِهايَةِ عِظَمِهِ، أوْ مُقَرِّرَةٌ لِلضَّرَرِ الَّذِي آذَنَتْ بِهِ الجُمْلَةُ الأُولى، …

Aal-i-Imraan 3:177Listen in Qur'an →
178

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ، ”وأنَّ“ وما عَمِلَتْ فِيهِ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وهو تَعَلُّقُ أفْعالِ القُلُوبِ بِنِسْبَةٍ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وعِنْدَ الأخْفَشِ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، ”وما“ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ وكانَ حَقُّها في الوَجْهَيْنِ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً، لَكِنَّها كُتِبَتْ في ”الإمامِ“ مَوْصُولَةً، واتِّباعُ ”الإمامِ“ لازِمٌ، ولَعَلَّ وجْهَهُ مُشاكَلَةُ ما بَعْدَهُ، والحَمْلُ عَلى الأكْثَرِ فِيها، ”وخَيْرٌ“ خَبَرٌ، وقُرِئَ: (خَيْرًا) بِالنَّصْبِ عَلى أنْ يَكُونَ لِأنْفُسِهِمْ هو الخَبَرُ، ”ولَهُمْ“ تَبْيِينٌ أوْ حالٌ مِن خَيْرٍ، والإمْلاءُ في الأصْلِ إطالَةُ المُدَّةِ، والمَلَأُ: الحِينُ الطَّوِيلُ، ومِنهُ المَلَوانُ

صفحة 135

لِلَّيْلِ والنَّهارِ لِطُولِ تَعاقُبِهِما، وأمّا إمْلاءُ الكِتابِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِطُولِ المُدَّةِ بِالوُقُوفِ عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ.

وقِيلَ: الإمْلاءُ التَّخْلِيَةُ، والشَّأْنُ يُقالُ: أمْلى لِفَرَسِهِ إذا أرْخى لَهُ الطُّولَ لِيَرْعى كَيْفَ شاءَ.

وحاصِلُ التَّرْكِيبِ: لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ أنَّ إمْلاءَنا لَهم، أوْ أنَّ الَّذِي نُمْلِيهِ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، أوْ لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ خَيْرِيَّةَ إمْلائِنا لَهم، أوْ خَيْرِيَّةَ الَّذِي نُمْلِيهِ لَهم ثابِتَةٌ أوْ واقِعَةٌ، ومَآلُ ذَلِكَ نَهْيُهم عَنِ السُّرُورِ بِظاهِرِ إطالَةِ اللَّهِ تَعالى أعْمارَهم وإمْهالَهم عَلى ما هم فِيهِ، أوْ بِتَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنِهِمْ بِناءً عَلى حُسْبانِ خَيْرِيَّتِهِ لَهم، وتَحْسِيرِهِمْ بِبَيانِ أنَّهُ سِرٌّ بَحْتٌ، وضَرَرٌ مَحْضٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ: (ولا تَحْسَبَنَّ) بِالتّاءِ والخِطابُ: إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّسْلِيَةِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ التَّعْرِيضُ بِهِمْ؛ إذْ حَسِبُوا ما ذُكِرَ. وإمّا لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ قَصْدًا إلى إشاعَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ، ( وأنَّما نُمْلِي ) إلَخْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ، وحَيْثُ كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ هو البَدَلُ، وكانَ هُنا مِمّا يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جازَ الِاقْتِصارُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإلّا فالِاقْتِصارُ لَوْلا ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلى الصَّحِيحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّما نُمْلِي مَفْعُولًا ثانِيًا، إلّا أنَّهُ لِكَوْنِهِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ لا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى الذَّواتِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ؛ أمّا في الأوَّلِ أيْ: لا تَحْسَبَنَّ حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وشَأْنَهم، وأمّا في الثّانِي أيْ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أصْحاب (أنَّما نُمْلِي لَهُمْ) إلَخْ، وإنَّما قَيَّدَ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لِأنْفُسِهِمْ ) لِأنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَمَّةِ، ومَن جَعَلَ خَيْرًا -فِيما نَحْنُ فِيهِ- أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، وجَعَلَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَ التَّفْضِيلَ مَبْنِيًّا عَلى اعْتِبارِ الزَّعْمِ والمُماشاةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، وهو المُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ في قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ اسْتِئْنافٌ بِما هو العِلَّةُ لِلْحُكْمِ قَبْلَها، والقائِلُونَ بِأنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ بِإرادَتِهِ تَعالى يُجَوِّزُونَ التَّعْلِيلَ بِمِثْلِ هَذا إمّا لِأنَّهُ غَرَضٌ، وإمّا …

Aal-i-Imraan 3:178Listen in Qur'an →
179

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allah reveal to you the unseen. But [instead], Allah chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allah and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ ووَعِيدِ المُنافِقِينَ بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهي الفَضِيحَةُ والخِزْيُ إثْرَ بَيانِ عُقُوبَتِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ، وقَدَّمَ بَيانَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أمَسُّ بِالإمْلاءِ لِازْدِيادِ الآثامِ، وفي هَذا الوَعْدِ والوَعِيدِ أيْضًا ما لا يُخْفى مِنَ التَّسْلِيَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَما في الكَلامِ السّابِقِ، وقِيلَ: الآيَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إمْلائِهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ إثْرَ بَيانٍ شِرْيَتِهِ لَهم، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أقْرَبُ، والمُرادُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصُونَ، والخِطابُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ لِعامَّةِ المُخْلِصِينَ، والمُنافِقِينَ؛ فَفِيهِ التِفاتٌ في ضِمْنِ التَّلْوِينِ، والمُرادُ بِما هم عَلَيْهِ اخْتِلاطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، واسْتِواؤُهم في إجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ، وإلى هَذا جَنَحَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وقالَ أكْثَرُهم: إنَّ الخِطابَ لِلْمُنافِقِينَ لَيْسَ إلّا، فَفِيهِ تَلْوِينٌ فَقَطْ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ المَعانِي إلى أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، فَفِيهِ تَلْوِينٌ والتِفاتٌ أيْضًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلَيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ، عَنْ قَتادَةَ: أنَّهُ لِلْكَفّارِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمُ المُنافِقُونَ، وإلّا فَهو بَعِيدٌ جِدًّا، واللّامُ في ﴿لِيَذَرَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، هو الخَبَرُ لِكانَ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةً بَعْدَها، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ أيْ ما كانَ اللَّهُ مُرِيدًا لِأنْ يَذَرَ المُؤْمِنِينَ إلَخْ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: اللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ بِنَفْسِها، والخَبَرُ هو الفِعْلُ، ولا يُقْدَحُ في عَمَلِها زِيادَتُها؛ إذِ الزّائِدُ قَدْ يَعْمَلُ، كَما في حُرُوفِ الجَرِّ المَزِيدَةِ، فَلا ضَعْفَ في مَذْهَبِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَما وُهِمَ، وأصْلُ ”يَذَرَ“ يَوْذَرَ فَحُذِفَتِ الواوُ مِنها؛ تَشْبِيهًا لَها ”بِيَدَعَ“، ولَيْسَ لِحَذْفِها عِلَّةٌ هُناكَ؛ إذْ لَمْ تَقَعْ بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ، ولا ما هو في تَقْدِيرِ الكَسْرَةِ، بِخِلافِ ”يَدَعَ“ فَإنَّ الأصْلَ ”يَوْدَعَ“ فَحُذِفَتِ الواوُ لِوُقُوعِها بَيْنَ الياءِ وما هو في تَقْدِيرِ الكَسْرَةِ، وإنَّما فُتِحَتِ الدّالُ؛ لِأنَّ لامَهُ حَرْفٌ حَلْقِيٌّ فَيُفْتَحُ لَهُ ما قَبْلَهُ، ومِثْلُهُ: يَسَعُ، ويَطَأُ، ويَقَعُ. ولَمْ يَسْتَعْمِلُوا مِن ”يَذْرُ“ ماضِيًا ولا مَصْدَرًا، ولا اسْمَ فاعِلٍ مَثَلًا اسْتِغْناءً بِتَصَرُّفِ مُرادِفِهِ، وهو يَتْرُكُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ غايَةً لِما يُفْهِمُهُ النَّفْيُ السّابِقُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَتْرُكُهم عَلى ذَلِكَ الِاخْتِلافِ، بَلْ يُقَدِّرُ الأُمُورَ ويُرَتِّبُ الأسْبابَ حَتّى يَعْزِلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ ولَيْسَ غايَةً لِلْكَلامِ السّابِقِ نَفْسِهِ؛ إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَتْرُكُ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إلى هَذِهِ الغايَةِ، ويُفْهَمُ مِنهُ كَما قالَ السَّمِينُ: إنَّهُ إذا وُجِدَتِ الغايَةُ تَرَكَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ بِالطَّيِّبِ والخَبِيثِ؛ تَسْجِيلًا عَلى كُلٍّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وأفْرَدَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ مَعَ تَعَدُّدِ ما أُرِيدَ بِكُلٍّ؛ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ

صفحة 137

إفْرازِ أحَدِ …

Aal-i-Imraan 3:179Listen in Qur'an →
180

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And let not those who [greedily] withhold what Allah has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allah belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِحالِ البُخْلِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ وتَخْطِئَةٌ لِأهْلِهِ في دَعْواهم خَيْرِيَّتَهُ حَسْبَ بَيانِ حالِ الإمْلاءِ، وبِهَذا تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها

وقِيلَ: وجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ تَعالى؛ لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ شَرَعَ هَهُنا في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ المالِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، وإيرادِ ما بَخِلُوا بِهِ بِعُنْوانِ إيتاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن فَضْلِهِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ بَذْلِهِ في سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ، وفِعْلُ الحُسْبانِ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ المَفْعُولَ في هَذا البابِ مَطْلُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ العامِلِ فِيهِ، ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ أحَدَ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، فَلَمّا تَكَرَّرَ طَلَبَهُ امْتُنِعَ حَذْفُهُ، ونَقْضُ ذَلِكَ بِخَبَرِ كانَ فَإنَّهُ مَطْلُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ أيْضًا، ولا خِلافَ في جَوازِ حَذْفِهِ إذا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّ حَذْفَ أحَدِ مَفْعُولىْ حَسِبَ إنَّما يَجُوزُ إذا كانَ فاعِلُ حَسِبَ ومَفْعُولاهُ شَيْئًا واحِدًا في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ عَلى القِراءَةِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِأنْ يُقالَ: ( إنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) الفاعِلُ لَمّا اشْتَمَلَ عَلى البُخْلِ كانَ في حُكْمِ اتِّحادِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ، وقِيلَ: إنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ كَنّى عَنْ قُوَّةِ القَرِينَةِ بِالِاتِّحادِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وكِلا القَوْلَيْنِ لَيْسا بِشَيْءٍ، والصَّحِيحُ أنَّ مَدارَ صِحَّةِ الحَذْفِ القَرِينَةُ، فَمَتى وُجِدَتْ جازَ الحَذْفُ، ومَتى لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَجُزْ.

والقَوْلُ بِأنَّ هو ضَمِيرُ رَفْعٍ اسْتُعِيرَ في مَكانِ المَنصُوبِ، وهو راجِعٌ إلى البُخْلِ أوِ الإيتاءِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلًا تَعَسُّفٌ جِدًّا، لا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ، -وإنْ جَوَّزَهُ المَوْلى عِصامُ الدِّينِ تَبَعًا لِأبِي البَقاءِ- حَتّى قالَ في الدُّرِّ المَصُونِ: إنَّهُ غَلَطٌ، والصَّحِيحُ أنَّهُ ضَمِيرُ فَصْلٍ بَيْنَ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، لا تَوْكِيدٌ لِلْمُظْهَرِ كَما تُوِهِّمَ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ضَمِيرِ مَن يَحْسَبُ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ، والثّانِي: خَيْرًا كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، نَعَمْ إنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلى قِراءَةِ الخِطابِ.

وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يُقَدَّرُ بَيْنَ الباءِ ومَجْرُورِها مُضافٌ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ، أوْ ( لا يحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) بِإنْفاقِ أوْ زَكاةِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو صِفَةٌ حَسَنَةٌ ( أوْ خَيْرًا ) لَهم مِنَ الإنْفاقِ ﴿بَلْ هو شَرٌّ﴾ عَظِيمٌ ﴿لَهُمْ﴾، والتَّنْصِيصُ عَلى ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ مِمّا تَقَدَّمَ لِلْمُبالَغَةِ ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ شَرْيَتِهِ لَهم، والسِّينُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والكَلامُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ إمّا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى …

Aal-i-Imraan 3:180Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.