Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 161–170 of 200

161

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} : [ «أَنْ يَغُلًّ» في محلِّ رفعٍ اسمَ كان، و «لنبي» خبرٌ مقدم] أي: ما كان له غُلول أو إغْلال على حَسَبِ القراءتين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين مِنْ «غَلَّ» مبنياً للفاعل، ومعناه: أنه لا يَصِحُّ أن يقع من النبي غُلول لتنافِيهما، فلا يجوزُ أن يُتَوَهَّمَ ذلك فيه البتة. وقرأ الباقون «يُغَلَّ» مبنِيّاً للمفعول. وهذه القراءةُ فيها احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ من «غَلَّ» ثلاثياً، والمعنى: ما صَحَّ لنبيٍّ أَنْ يَخُونَه غيرُه ويَغُلَّه، فهو نفيٌ في معنى النهي أي: لا يَغُلُّه أحدٌ. والاحتمال الثاني: أَنْ يكونَ مِنْ أغلَّ رباعياً، وفيها وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ من أَغَلَّه: أي نَسَبه إلى الغُلول كقولِهم: أَكْذَبْتُه أي: نَسَبْتُه إلى الكذب، وهذا في المعنى كالذي قبله أي: نفيٌ في معنى النهي أي: لا يَنْسِبه أحدٌ إلى الغُلول. والثاني: أن يكونَ مِنْ أَغَلَّه أي وجده غالاًّ كقولهِم: أَحْمَدْتُ الرجلَ وأَبْخَلْتُه وأجبنتُه أي: وجدته محموداً وبخيلاً وجباناً. والظاهر أن قراءة «يَغُلَّ» بالياء للفاعل لا يُقَدَّر فيها مفعولٌ محذوفٌ؛ لأنَّ الغَرَضَ نفيُ هذه الصفة عن النبي من غيرِ نظرٍ إلى تَعَلُّقٍ بمفعولٍ كقولك: «هو يعطي ويمنع» تريدُ إثباتَ هاتَين الصفتين. وقَدَّر له أبو البقاء مفعولاً فقال: «تقديرُه: أَنْ يَغُلَّ المالَ أو الغنيمةَ» .

واختار أبو عبيد والفارسي قراءةَ البناء للفاعل قالا: لأنَّ الفعلَ الواردَ بعدُ «ما كان لكذا أن يفعل» أكثرُ ما يَجِيءُ منسوباً إلى الفاعل نحو: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} [آل عمران: 145] {مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ} [آل عمران: 179] وبابه ورجَّحها بعضُهم بقولِه: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ} فهذا يُوافِقُ هذه القراءةَ، ولا حُجَّة في ذلك لأنها موافقةٌ للأخرى.

والخَذْلِ والخِذْلاَنِ ضد النصر، وهو تَرْكُ مَنْ تَظُنُّ به النُّصْرة. وأصلُه منْ «خَذَلَتِ الظَّبْيَةُ ولدَها» أي: تركَتْه منفرداً، ولهذا قيل لها: خاذِل. ويقال للولدِ المتروك أيضاً: خاذِل، وهذا على النسب، والمعنى أنها مخذولةٌ، قال بُجَيْر:

1485 - بجيدِ مُغْزِلَةٍ أَدْماءَ خاذِلَةٍ ... من الظِّباءِ تُراعي منزلاً زِيَمَا ويُقال له أيضاً: خَذول، فَعُول بمعنى مَفْعول. قال:

1486 - خَذُولٌ تُراعِي رَبْرَباً بخميلةٍ ... تَنَاولُ أطرافَ البَريرِ وترْتَدي

ومنه يُقال: تَخاذَلَتْ رِجْلا فلانٍ «قال الأعشى:

1487 - بينَ مَغْلوبٍ تليلٍ خَدُّهُ ... وخذولِ الرِّجْلِ من غيرِ كَسَحْ

ومعنى المادة: هذا الترك الخاص.

والغُلول في الأصلِ: تَدَرُّع الخِيانَةِ وتوسُّطها، والغَلَلُ: تَدَرُّعُ الشيء وتوسُّطه، ومنه:» الغَلَلُ «للماءِ الجاري بين الشجرِ، والغِلُّ: الحِقْدُ لكُمونه في الصدر، وتَغَلْغَلَ في كذا: إذا دخَل فيه وتوسَّط، قال:

1488 - تَغَلْغَلَ حيث لم يَبْلُغْ شَرابٌ ... ولا حُزْنٌ ولم يَبْلُغْ سُرورُ

فالغُلولُ الذي هو الأخْذُ في خُفْيَةٍ مأخوذٌ من هذا المعنى، ومنه: «أَغَلَّ الجازِرُ» إذا سرق أو ترك في الإِهاب شيئاً من اللحم. وفَرَّقت العربُ بين الأفعالِ والمصادرِ فقالوا: غَلَّ يَغُلُّ غُلولاً بالضَّمِّ في المصدر والمضارع إذا خان، وغل يَغِلُّ غِلاًَّ بالكسر فيهما. قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43] أي حِقد.

قوله: {وَمَن يَغْلُلْ} الظاهرُ أنَّ هذه الجملةَ الشرطيةَ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب، وإنما جِيء بها للرَّدْع عن الإِغلالِ. وزعم أبو البقاء أنها يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً، ويكونُ التقديرُ: في حال علم الغَالِّ بعقوبةِ الغُلول، وهذا وإنْ كان محتَمَلاً ولكنه بعيدٌ. و «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، فالعائدُ محذوفٌ أي: غِلُّه، ويَدُلُّ على ذلك الحديثُ: «إنَّ أحدَهم يأتي بالشيء …

Aal-i-Imraan 3:161Listen in Qur'an →
162

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

So is one who pursues the pleasure of Allah like one who brings upon himself the anger of Allah and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

قوله تعالى: {أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله} : الكلامُ على مثلِه قد تقدَّم مِنْ أنَّ الفاءَ النيةُ بها التقديمُ على الهمزةِ، وأن مذهبَ الزمخشري تقديرُ فعلٍ بينهما. قال الشيخ: «وتقديرُه في مثلِ هذا التركيبِ متكلَّفٌ جداً» . انتهى. والذي يَظْهَرُ من التقديرات: «أحَصَل لكم تمييزٌ بين الضالِّ والمُهْتدي، فَمَنِ اتَّبع رضوانَ اللهِ واهتدى ليس كَمَنْ باءَ بسخطِه وغلَّ» . لأنَّ الاستفهامَ هنا للنفي. و «مَنْ» هنا موصولةٌ بمعنى الذي في محلِّ رفع بالابتداء، والجارُّ والمجرورُ الخبرُ. قال أبو البقاء: «ولا يجوزُ أَنْ تكونَ شرطاً، لأنَّ» كَمَنْ «لا يصلُح أن يكونَ جواباً» يعني لأنَّه كان يَجِبُ اقترانُه بالفاءِ، ولأنَّ المعنى يأْباه.

و «بسَخَطٍ» يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ الفعلِ أي: رَجَع بسَخَطِه، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً فيتعلَّقَ بمحذوفٍ أي: رجَع مصاحباً لسَخَطه أو ملتبساً به. و «مِنَ الله» صفتُه. والسَّخَط: الغضبُ الشديد، ويقال: «سَخَط» بفتحتين وهو مصدرٌ قياسي، ويقال: «سُخط» بضمِّ السين وسكونِ الخاء، وهو غيرُ مقيسٍ، ويقال: «هو في سُخْطَةِ المَلِك» بالتاءِ أي: في كراهةٍ منه له.

قوله: {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} في هذه الجملةِ احتمالان: أن تكون مستأنفةً، أخبر أنَّ مَنْ باءَ بسَخَطِه أَوَى إلى جهنَّم. ويُفْهَمُ منه مقابله وهو: أنَّ مَنِ اتَّبع الرضوانَ كان مأواه الجنة، وإنما سَكَتَ عن هذا ونَصَّ على ذلك ليكونَ أبلغَ في الزجر، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفٍ في هذه الجمل تقديرُه: أفَمَنْ اتبع ما يؤولُ به إلى رضا الله فباء برِضاه كَمَنِ اتَّبع ما يَؤُول به إلى سَخَطه.

والثاني: أنها داخلةٌ في حَيِّز الموصولِ، فتكونُ معطوفةً على «باء بسخط» ، فيكونُ قد وَصَل الموصولَ بجملتين اسميةٍ وفعلية، وعلى كلا الاحتمالَيْن لا محلَّ لها من الإِعراب. والمخصوصُ بالذمِّ محذوف أي: وبئس المصيرُ جهنمُ. واشتملت هذه الآياتُ على الطباق في قوله: «يَنْصُرْكم ويَخْذُلْكم» ، وفي قولِه: «رضوان الله وسخطه» ، والتجنيسُ المماثِلُ في قولِه: «يَغْلُلْ» و «بما غلَّ» .

Aal-i-Imraan 3:162Listen in Qur'an →
163

هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

They are [varying] degrees in the sight of Allah, and Allah is Seeing of whatever they do.

Explained together with ayah 162

Aal-i-Imraan 3:163Listen in Qur'an →
164

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

Certainly did Allah confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book and wisdom, although they had been before in manifest error.

قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ الله} : جوابٌ لقسم محذوف.

وقرىء «لِمنْ مَنِّ الله» ب «مِنْ» الجارة، و «مَنِّ» بالتشديدِ مجرورٌ بها. وخَرَّجه الزمخشري على وجهين، أحدُهما: أَن يكونَ هذا الجارُّ خبراً مقدماً والمبتدأ محذوف تقديرُه: «لِمنْ مَنِّ الله على المؤمنين مَنُّه أو بَعْثُه إذ بعث، فحُذِف لقيام الدلالة، والثاني: أنه جُعِل المبتدأُ نفسَ» إذ «بمعنى وقت، وخبرُها الجارُّ قبلَها تقديرُه: لِمْن مَنِّ اللهِ على المؤمنين وقتُ بعثه، ونَظَّره بقولِهم:» أَخْطَبُ ما يكونُ الأميرُ إذا كان قائماً «. وهذان الوجهانِ في هذه القراءةِ مِمَّا يَدُلاَّن على رسوخِ قدمِه في هذا العلمِ.

إلاَّ أنَّ الشيخَ قد رَدَّ عليه الوجَه الثاني بأنَّ» إذ «غيرُ متصرفةٍ، لا تكونُ إلا ظرفاً، أو مضافاً إليها اسمُ زمان، أو مفعولةً باذكر على قولٍ. ونَقَل قولَ أبي علي فيها وفي» إذا «أنهما لا تكونان فاعلين ولا مفعولين ولا مبتدأين. قال:» ولا يُحْفَظُ مِنْ كلامِهم: «إذ قام زيدٌ طويلٌ» يريد: وقتُ قيامِه طويلٌ، وبأنَّ تنظيرَه القراءةَ بقولِهم: «أخطبُ» إلى آخره خطأ، من حيث إنَّ المشبه مبتدأٌ والمُشَبَّه [به] ظرفٌ في موضعِ الخبرِ عند مَنْ يُعْرِبُ هذا الإِعرابَ، ومِنْ حيث إنَّ هذا الخبرَ الذي قد أبْرزه ظاهراً واجبُ الحذفِ لسدِّ الحالِ مسدَّه، نصَّ عليه النحويون الذين يُعْرِبونه هكذا فكيف يُبْرِزُه في اللفظِ «. وجوابُ هذا الردِّ واضحٌ، وليت أبا القاسم لم يَذْكُرْ تخريجَ هذه القراءةِ حتى كنا نسمع.

والجمهورُ على ضَمِّ السين من» أنفسهم «أي: مِنْ جملتهم وجنسهم. وقرأت عائشة وفاطمة والضحاك ورواها أنس عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بفتح الفاء من النَّفاسة، وهي الشرف أي: أشرفِهم نسباً وخَلْقاً وخُلُقاً. وعن علي عنه عليه السلام:» أنا أَنْفَسُكم نَسَباً وحَسَباً وصِهْراً «.

وهذا الجارُّ يَحْتمل وجهين أحدُهما: أَنْ يتعلَّق بنفس» بعث «. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه وصفٌ ل» رسولاً «فيكونُ منصوبَ المحلِّ، ويَقْوى هذا الوجهُ على قراءةِ فتح الفاء وقوله: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ} في محل حال أو مستأنف، وقد تقدَّم نظيرُها في البقرة.

وقوله: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي} هي» إنْ «المخففةُ واللام فارقة، وقد تقدَّم الكلامُ على تحقيق هذا والخلافِ فيه. إلاَّ أنَّ الزمخشري ومكيّاً هنا حين جعلاها مخففةً قدَّرا لها اسماً محذوفاً، فقال الزمخشري:» تقديرُه: وإنَّ الشأنَ والحديثَ كانوا من قبل «. وقال مكي:» وأمَّا سيبويهِ فإنه يقول إنَّها محففةٌ واسمُها مضمرٌ «، والتقديرُ: على قولِه:» وإنهم كانوا «. وهذا ليس بجيد، لأنَّ» إنْ «المخففةَ إنما تعمل في الظاهرِ على غير الأفصحِ، ولا عمل لها في المضمر، ولا يُقَدَّرُ لها اسمٌ محذوفٌ البتَّةَ، بل تُهْمَلُ أو تعمل على ما تقدَّم، مع أنَّ الزمخشري لم يُصَرِّحْ بأنَّ اسمَها محذوفٌ، بل قال:» إنْ هي المخففةُ واللامُ فارقةٌ، وتقديرُه: وإنَّ الشأن والحديثَ كانوا «فقد يكونُ هذه تفسيرَ معنىً لا إعرابٍ.

وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها استئنافيةٌ لا محلَّ لها من الإِعرابِ والثاني: في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المفعولِ في» يُعَلِّمُهم «وهو الأظهرُ.

Aal-i-Imraan 3:164Listen in Qur'an →
165

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uhud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves." Indeed, Allah is over all things competent.

قوله تعالى: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ} : الهمزةُ للإِنكار، وجَعَلَها ابن عطية للتقرير، والواوُ عاطفةٌ، والنيةُ بها التقديمُ على الهمزةَ على ما تقرر. وقال الزمخشري: «و» «لَمَّا» نصبٌ بقلتم، و «أصابَتْكم» في محل الجر بإضافة «لَمَّا» إليه، وتقديره، «قلتم حين أصابتكم» و «أنَّى» هذا نُصِب لأنه مقولٌ والهمزةُ للتقريعِ والتقريرِ. فإنْ قلت: علامَ عَطَفَتِ الواوُ هذه الجملةَ؟ قلت: على ما مضى من قصةِ أُحُد من وقوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ} ، ويجوزُ أَنْ تكونَ معطوفةً على محذوفٍ تقديرُه: أفعلتم كذا وقلتم حينئذٍ كذا «انتهى.

أمَّا جَعْلُه» لَمَّا «بمعنى» حين «أي ظرفاً فهو مذهبُ الفارسي، وقد تقدَّم تقريرُ المذهبين، وأمَّا قولُه:» عَطْفٌ على قصةِ أُحُد «؛ فهذا غيرُ مذهبِه؛ لأنَّ الجاريَ من مذهبه إنما هو تقديرُ جملةٍ يُعْطَفُ ما بعد الواوِ عليها أو الفاءِ أو ثم كما قَرَّره هو في الوجه الثاني.

و» أنى هذا «أنَّى: بمعنى» مِنْ أين «كما تقدَّم في قولِه {أنى لَكِ هذا} [آل عمران: 37] . ويَدُلُّ عليه قولُه: {مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} و {مِنْ عِندِ الله} قاله الزمخشري. ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ الظرفَ إذا وقَعَ خبراً لا يُقَدَّر داخلاً عليه حرفُ جر غيرُ» في «،» أمَّا أَنْ يُقَدَّرَ دَاخلاً عليه «مِنْ» فلا، لأنه إنما انتصبَ على إسقاطِ «في» ولذلك إذا أُضْمِر الظرفُ تعدَّى إليه [الفعلُ] ب «في» إلاَّ أَنْ يُتََّسَعَ فيه. قال: «فتقديرُه غيرُ سائغٍ واستدلاله بقولِه: {مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} {مِنْ عِندِ الله} وقوفٌ مع مطابقةِ السؤالِ للجواب في اللفظِ وذُهولٌ عن هذه القاعدةِ» . واختار الشيخُ أنَّ «أَنَّى» بمعنى «كيف» قال: «وأنَّى سؤالٌ عن الحالِ هنا، ولا تناسِبُ أَنْ تكونَ بمعنى» أين «أو» متى «؛ لأنَّ الاستفهامَ لم يَقَعْ عن مكانٍ ولا زمانٍ هنا، إنما وقع عن الحالِ التي اقتضَتْ لهم ذلك، سألوا عنها على سبيل التعجُّبِ، وجاءَ الجوابُ من حيثُ المعنى لا من حيث اللفظُ في قولِه: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} . قال:» والسؤالُ «ب» أنَّى «سؤالٌ عن تعيين كيفيةِ حصولِ هذا الأمرِ، والجوابُ بقولِه: {مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} يضمَّن تعيين الكيفية، لأنه بتعيين السببِ تتعيَّن الكيفيةُ مِنْ حيث المعنى، لو قيل على سبيلِ التعجبِ: كيف لا يَحُجُّ زيدٌ الصالحُ!! فقيل في جوابه:» لعدم استطاعته «لحصل الجوابُ وانتظم من المعنى أنه لا يَحُجُّ وهو غيرُ مستطيعٍ» انتهى.

أمَّا قولُه: «لا يُقَدَّر الظرفُ بحرفِ جرٍ غير» في «فالزمخشري لم يُقَدِّر» في «مع» أنَّى «حتى يلزَمَه ما قال، إنما جَعَل» أنَّى «بمنزلةِ» من أين «في المعنى. وأمَّا عدوله عن الجوابِ المطابقِ لفظاً فالعكسُ أولى.

وقوله: {قَدْ أَصَبْتُمْ} في محلِّ رفعٍ صفةً ل» مصيبة «. و» قلتم «على مذهبِ سيبويه جوابُ ل» لَمَّا «، وعلى مذهبِ الفارسي ناصبٌ لها، على حَسَبِ ما تقدَّم من مذهبيهما. والضميرُ في قوله» قل «هو راجع على المصيبة من حيث المعنى. ويجوز/ أن يكون على حذف مضاف مُرَاعَىً أي: سببُها، وكذلك الإِشارةُ بقولِه:» أنّى هذا «لأنَّ المرادَ المصيبةُ.

Aal-i-Imraan 3:165Listen in Qur'an →
166

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And what struck you on the day the two armies met was by permission of Allah that He might make evident the [true] believers.

قوله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكُمْ} : «ما» موصولةٌ بمعنى الذي في محلِّ رفعٍ بالابتداء. و {فَبِإِذْنِ الله} الخبر، وهو على إضمارٍ تقديرُه: فهو بإذنِ الله، ودَخَلَتِ الفاءُ في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط نحو: «الذي يأتيني فله درهم» وهذا على ما قَرَّره الجمهورُ مُشْكِلٌ، وذلك أنهم قَرَّروا أنه لا يجوز دخولُ هذه الفاء زائدةً في الخبر إلا بشروط، منها أن تكون الصلة مستقبلة في المعنى، وذلك لأنَّ الفاء إنما دخلت للشبه بالشرط، والشرط إنما يكونُ في الاستقبالِ لا في الماضي، لو قلت: «الذي أتاني أمس فله درهم» لم يَصِحَّ، و «أصابَكم» هنا ماضٍ في المعنى لأنَّ القصةَ ماضيةٌ فكيف جاز دخولَ هذه الفاءِ؟

وأجابوا عنه بأنه يُحْمَلُ على التبيين أي: «وما تبَيَّن إصابته إياكم» كما تأوَّلوا: {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ} [يوسف: 27] أي: إنْ تَبَيَّن، وهذا شرطٌ صريح. قلت: وإذا صح هذا التأويل فَلتُجْعل «ما» هنا شرطاً صريحاً، وتكونُ الفاء داخلةً وجوباً لكونِها واقعة جواباً للشرط. وقال ابنُ عطية: «يَحْسُن دخولُ الفاءِ إذ1اكان سببَ الإِعطاءِ، وكذلك ترتيبُ هذه، فالمعنى إنما هو: وما أَذِن اللهُ فيه فهو الذي أصابكم، لكنْ قَدَّم الأهَمَّ في نفوسِهم والأقربَ إلى حِسِّهم. والإِذْنُ: التمكين من الشيء مع العلم به» وهذا حسنٌ مِِنْ حيث المعنى، فإنَّ الإِصابةَ مترتبةٌ على الإِذْن من حيث المعنى. وأشارَ بقولِه «الأهَمَّ والأَقربَ» إلى ما أصابَهم يوم التقى الجَمْعان.

قوله: «وَلِيعٍلَمَ» في هذه اللامِ قَوْلان: أحدُهما: أنها معطوفةٌ على معنى قوله: {فَبِإِذْنِ الله} عطفَ سببٍ على سببٍ، فتتعلَّقُ بما تتعلَّق به الباءُ. والثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ أي: ولِيَعْلَمَ فَعَلَ ذلك، أي: أصابكم والأول أَوْلَى، وقد تقدَّم أنَّ معنى «ولِيَعْلَمَ اللهُ كذا» أي تمييزاً ويُظْهرَ للناسِ ما كان في عِلْمِه. وزعم بعضُهم أن ثم مضافاً أي: ليعلم إيمانَ المؤمنين ونفاق الذين، ولا حاجة إليه.

Aal-i-Imraan 3:166Listen in Qur'an →
167

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allah or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] fighting, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allah is most Knowing of what they conceal -

قوله تعالى: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ} : هذه الجملةُ تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكونَ استئنافيةً، أخبر الله أنهم مأمورون: إمَّا بالقتالِ وإمَّا بالدَّفعِ أي: تكثيرِ سواد المسلمين: والثاني: أن تكون معطوفة على «نافقوا» ، فتكون داخلةً في حَيِّز الموصول أي: وليعلم الذين حصل منهم النفاقُ والقولُ بكذا، و «تعالوا» «وقاتِلوا» كلاهما قائمٌ مقام الفاعل ل «قيل» لأنه هو المقولُ، وقد تقدَّم ما فيه. قال أبو البقاء: «وإنما لم يَأْتِ بحرفِ العطفِ يعني بين تعالوا وقاتِلوا لأنه قَصَدَ أن تكونَ كلُّ من الجملتين مقصودةً بنفسِها، ويجوز أَنْ يُقال إنَّ المقصودَ هو الأمرُ بالقتال، و» تعالَوا «ذَكَر ما لو سَكَتَ عنه لكان في الكلام ما يَدُلُّ عليه، وقيل: الأمر الثاني حال» . يعني بقوله: «وتعالوا ذكرَ ما لو سَكَت» أي: المقصودُ إنما هو أمرُهم بالقتالِ لا مجيئُهم وحدَه، وجَعْلُه «قاتلوا» حالاً من «تعالوا» فاسدٌ؛ لأنَّ الجملة الحالية يُشْترط أن تكون خبريةً وهذه طلبيةٌ.

قوله: {أَوِ ادفعوا} «أو» هنا على بابِها من التخييرِ والإِباحة. وقيل: بمعنى الواو لأنه طَلَبَ منهم القتالَ والدفعَ، والأولُ هو الصحيح. وقوله: «قالوا: لو نعلمُ» إنما لم يأتِ في هذه الجملةِ بحرفِ عطفٍ لأنها جوابٌ لسؤالِ سائلٍ: كأنه قيل: فما قالوا لَمَّا قيل لهم ذلك؟ فأُجيب بأنهم قالوا ذلك. و «نعلمُ» وإنْ كان مضارعاً فمعناه المُضِيُّ لأن «لو» تُخَلِّص المضارع إذ كانت لِما سيقع لوقوع غيره [للمضيّ] . ونكَّر «قتالاً» أي: لو عَلِمْنا بعضَ قتالٍ ما.

قوله: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ} «هم» مبتدأٌ و «أقربُ» خبرُه، وهو أفعلُ تفضيلٍ، و «للكفر» متعلقٌ به، وكذلك «للإِيمان» . فإنْ قيل: «لا يتعلَّقُ حرفا جر متحدان لفظاً ومعنىً بعامل واحدٍ، إلاَّ أن يكون أحدُهما معطوفاً على الآخر أو بدلاً منه، فكيف تعلَّقاً ب أقرب» ؟ فالجواب أنَّ هذا خاصٌّ بأفعلِ التفضيل قالوا: لأنه في قوة عاملين، فإنَّ قولَك: «زيدٌ أفضلُ من عمرو» معناه: يزيدُ فضلُه على فضل عمر. وقال أبو البقاء: «وجاز أن يعملَ» أقربُ «فيهما لأنهما يُشْبِهان الظرف، وكما عمل» أطيبُ «في قولهم:» هذا بُسْراً أطيبُ منه رُطباً «في الظرفينِ المقدَّرين، لأنَّ» أفعلَ «يَدُلُّ على معنيين: على أصل الفعل وزيادتِه، فيعملُ في كلِّ واحدٍ منهما بمعنى غيرِ الآخر، فتقديرُه: يَزيدُ قربُهم إلى الكفرِ على قُرْبِهم إلى الإِيمان» .

ولا حاجة إلى تشبيه الجارَّيْنِ بالظرفين، لأن ظاهره أن المسوِّغَ لتعلُّقِهما بعاملٍ واحدٍ شِبْهُهُما بالظرفين، وليس كذلك، وقولُه: «الظرفين المقدرين» يعني أنَّ المعنى: هذا في أوانِ بُسْرِيَّتِه أطيبُ منه أوانَ رُطَبِيَّتِه.

و «أقربُ» هنا من القُرْب الذي هو ضد البُعْد، ويتعدَّى بثلاثةِ حروفٍ: اللام و «إلى» و «مِنْ» ، تقولُ: قَرُبْتُ لك وإليك ومنك، فإذا قلت: «زيدٌ أقربُ من العلمِ من عمروٍ» ف «مِنْ» الأولى المُعَدِّيةُ لأصلِ معنى القرب، والثانيةٌ هي الجارة للمفضولِ. وإذا تقرَّر هذا فلا حاجةَ إلى ادِّعاء أنَّ اللامَ بمعنى إلى.

و «يومئذ» متعلِّقٌ ب «أقربُ» ، وكذا «منهم» ، و «مِنْ» هذه هي الجارَّةُ للمفضولِ بعد أَفْعل، وليسَتْ هي المُعَدِّيةَ لأصلِ الفعل. ومعنى {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} أنهم كانوا قبلَ هذا الوقتِ كاتمين للنفاق، فكانوا في الظاهرِ أبعدَ مِنَ الكفر، فلمَّا ظَهَرَ منهم ما كانوا يكتُمُونه صاروا أقربَ للكفر.

و «إذ» مضافَةٌ لجملةٍ محذوفةٍ عُوِّضَ منها التنوينُ كما تَقَدَّم تقريرُه، وتقديرُ هذه الجملةِ، «هم للكفرِ يومَ إذ قالوا: لو نعلمُ قتالاً لاتَّبعناكم» وقيل: المعنى على حَذْفِ مضافٍ أي: هم لأهلِ الكفر أقربُ لأهلِ الإِيمان. وفُضِّلوا هنا على أنفسِهم باعتبارِ حالين ووقتين. ولولا ذلك لم يَجُزَ. تقولُ: «زيدٌ …

Aal-i-Imraan 3:167Listen in Qur'an →
168

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

قوله تعالى: {الذين قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} : جَوَّزوا في موضع «الذين» الألقابَ الثلاثة: الرفعَ والنصبَ والجرَّ، فالرفعُ من ثلاثة أوجه، أحدها: أَنْ يكونَ مرفوعاً على خبرِ مبتدأ محذوف تقديره: هم الذين. الثاني: أنه بدل من واو «يكتمون» . الثالث: أنه مبتدأ، والخبرُ قولُه: {قُلْ فَادْرَءُوا} ولا بد من حَذْفِ عائدٍ تقديرُه: قل لهم فادرؤوا. والنصبُ من ثلاثة أوجه أيضاً، أحدُها: النصبُ على الذم أي أذُمُّ الذين قالوا. والثاني: أنه بدل من «الذين نافقوا» الثالث: أنه صفةٌ لهم. والجَرُّ من وجهين: البدل من الضميرِ في «بأفواهِهم» ، أو من الضمير في «قلوبِهم» كقولِ الفرزدق:

1490 - على حالةٍ لو أنَّ في القومِ حاتماً ... على جودِه لضنَّ بالماءِ حاتمِ

بجر «حاتم» على أنه بدلٌ من الهاءِ في «جوده» ، وقد تقدَّم الخلافُ في هذه المسألة.

وقال الشيخ: وجَوَّزوا في إعرابِ «الذين» وجوهاً: الرفع على النعت ل «الذين نافقوا» ، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو على أنه بدل من الواو في «يكتمون» ، والنصبُ فذكره إلى أخره. وهذا عجيبٌ منه لأنَّ «الذين نافقوا» منصوبٌ بقوله «وليعلَم» ، وهم في الحقيقة عَطْفٌ على «المؤمنين» ، وإنما كَرَّر العاملَ توكيداً، والشيخُ لا يَخْفى عليه ما هو أشكلُ من هذا، فيُحتمل أن يكونَ تبع غيره في هذا السهو، وهو الظاهر في كلامه، ولم يَنْظُر في الآية اتكالاً على ما رآه منقولاً، وكثيراً ما يقع الناس فيه، وأَنْ يُعْتَقَدَ أنَّ «الذين» فاعلٌ بقوله: «وليعلَم» أي: «فَعَلَ الله ذلك ليَعْلم هو المؤمنين وليَعْلم المنافقون» ولكنَّ مثل هذا لا ينبغي أن يجوزَ البتة.

قوله: {وَقَعَدُواْ} يجوز في هذه الجملة وجهان أحدهما: أن تكون حالية من فاعل «قالوا» و «قد» مرادةٌ، أي: وقد قعدوا، ومجيء الماضي حالاً بالواو وقد، أو بأحدهما، أو بدونهما ثابتٌ من لسان العرب. والثاني: أنها معطوفةٌ على الصلةِ فتكونُ معترضةً بين «قالوا» ومعمولِها وهو «لو أطاعونا» .

Aal-i-Imraan 3:168Listen in Qur'an →
169

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

And never think of those who have been killed in the cause of Allah as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

قوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين} : مفعول أول، و «أمواتاً» مفعولٌ ثان، والفاعلُ: إمَّا ضميرُ كل مخاطب أو ضميرُ الرسول عليه السلام كما تقدَّم في نظائره.

وقرأ حميد بن قيس وهشام بخلاف عنه «يَحْسَبَنَّ» بياء الغيبة. وفي الفاعلِ وجهان، أحدهما: أنه مضمرٌ: إمَّا ضميرُ الرسول، أو ضمير مَنْ يَصْلُح للحُسْبان أَيِّ حاسبٍ. والثاني: قاله الزمخشري وهو أن يكون «الذين قُتِلوا» قالِ: «ويجوزُ أَنْ يكون» الذين قُتِلوا «فاعلاً، والتقدير: ولا يَحْسَبَنَّهم الذين قتلوا أمواتاً أي: ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. فإنْ قلت: كيف جاز حَذْفُ المفعول الأول؟ قلت: هو في الأصل مبتدأ فَحُذِف كما حُذِف المبتدأ في قوله:» بل أحياءٌ «أي: هم أحياءٌ، لدلالة الكلام عليهما.

ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ هذا التقديرَ يؤدي إلى تقديمِ الضميرِ على مفسَّره، وذلك لا يجوزُ إلا في أبوابٍ محصورةٍ، وعدَّ باب: رُبَّه رجلاً، ونِعْم رجلاً زيدٌ، والتنازع عند إعمال الثاني في رأي سيبويه، والبدلُ على خلاف فيه، وضمير الأمر. قال:» وزاد بعضُ أصحابنا أن يكون [الظاهر] المفسِّر خبراً، وبأنّ حَذْفَ أحد مفعولي «ظن» اختصاراً إنما يتمشى له عند الجمهور مع أنه قليلٌ جداً، نَصَّ عليه الفارسي، ومَنَعه ابن ملكون البتة «.

وهذا من تَحَمُّلاته عليه. أمَّا قولُه» يؤدي إلى تقديم المضمر إلى آخره «فالزمخشري لم يقدِّرْه صناعةً بل إيراداً للمعنى المقصود، ولذلك لَمَّا أراد أن يُقَدَّر الصناعة النحويةَ قَدَّره بلفظ» أنفسهم «المنصوبةِ وهي المفعول الأول، وأظنُ أنَّ الشيخَ تَوَهَّم أنها مرفوعةٌ تأكيدٌ للضمير في» قُتلوا «، ولم ينتبه أنه إنما قَدَّرها مفعولاً أولَ منصوبةً. وأمَّا تمشيتُه قولَه على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك، وما عليه من ابنِ مَلْكون؟ وستأتي مواضع يَضْطَرُّ هو وغيرُه إلى حَذْفِ أحد المفعولين كما ستقف عليه قريباً. وتقدَّم الكلام على مادة» حَسِب «ولغاتِها وقراءاتها.

وقرأ ابن عامر:» قُتِّلوا «بالتشديد، وهشام وحده في» لو أطاعونا ما قُتِّلوا «، والباقون بالتخفيف. فالتشديد للتكثير، والتخفيف صالح لذلك.

وقرأ الجمهور» أحياءٌ «رفعاً على» بل هم أحياء «وقرأ ابن أبي عبلة:» أحياءً «وخَرَّجها أبو البقاء على وجهين، أحدهما: أن تكون عطفاً على» امواتاً «قال:» كما تقول: «ظننت زيداً قائماً بل قاعداً» . والثاني: وإليه ذهب الزمخشري أيضاً أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ تقديره: بل أحسَبُهم أحياءً «. وهذا الوجه سبق إليه أبو إسحاق الزجاج، إلاَّ أنَّ الفارسي رَدَّه عليه في» الإِغفال «قال:» لأنَّ الأمرَ تعيَّن فلا يجوزُ أن يُؤمر فيه بمحسبة، ولا يَصِحُّ أن يُضْمَرَ له إلا فعلُ المحسبة، فوجهُ قراءة ابن أبي عبلة أن تُضْمِر فعلاً غيرَ المحسبة: اعتقِدْهم أو اجْعَلْهم، وذلك ضعيفٌ إذ لا دلالة في الكلام على ما يُضْمَر «انتهى.

وهذا تحاملٌ من أبي عليّ. أمَّا قوله: «إنَّ الأمر تعيَّن» يعني أنَّ كونَهم أحياءً أمرٌ متيقن، فكيف يُقال فيه: «أَحْسَبُهم» بفعل يقتضي الشك؟ وهذا غيرُ لازم لأنَّ «حَسِبَ» قد تأتي لليقين. قال:

1491 - حَسِبْتُ التُّقَى والجودَ خيرَ تجارةٍ ... رَباحاً إذا ما المرءُ أَصبح ثاقِلا

وقال آخر:

1492 - شهدْتِ وفاتوني وكنتُ حَسِبْتُني ... فقيراً إلى أَنْ يَشْهدوا وتَغِيبي

ف «حَسِب» في هذين البيتين لليقين، لأنَّ المعنى على ذلك، وقوله: «وذلك ضعيف» يعني من حيث عدمُ الدلالةِ اللفظيةِ، وليس كذلك، بل إذا أَرْشَد المعنى إلى شيء يُقَدَّر ذلك الشيءٌ لدلالة المعنى عليه من غير ضَعْف، وإنْ كان دلالةُ اللفظِ أحسنَ. وأمَّا تقديرُه هو «أو اجْعَلْهم» قال الشيخ: «هذا لا يَصِحُّ البتة سواء جَعَلْتَ» أجْعَلْهم «بمعنى:» اخْلُقْهم أو صَيِّرهم أو سَمِّهم أو الْقَهُمْ «.

قوله: {عِندَ رَبِّهِمْ} فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُهما: أَنْ يكونَ خبراً ثانياً ل» …

Aal-i-Imraan 3:169Listen in Qur'an →
170

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Rejoicing in what Allah has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قوله تعالى: {فَرِحِينَ} : فيه خمسةُ أوجه، أحدها: أن يكونَ حالاً من الضمير في «أحياءٌ» . الثاني: من الضمير في الظرف. الثالث: من الضمير في «يُرْزَقون» : الرابع أنه منصوب على المدح. الخامس أنه صفةٌ ل «أحياء» ، وهذا يختصُّ بقراءة ابن أبي عبلة. و «بما» يتعلَّقُ ب «فرحين» .

قوله: {مِن فَضْلِهِ} في «مِنْ» وجهان، أحدُهما: أنَّ معناها السببيّة أي: بسبب فضله أي: الذي آتاهم الله متسبِّبٌ عن فضله. الثاني: أنها لابتداءِ الغاية، وعلى هذين الوجهين تتعلق بآتاهم. الثالث: أنها للتعبيضِ أي: بعضَ فضله، وعلى هذا فتتعلق بمحذوف على أنها حال من الضمير العائد على الموصول، ولكنه حُذِف والتقدير: بما آتاهموه كائناً من فضله.

قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ} فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أن يكونَ من باب عطفِ الفعلِ على الاسم لكونِ الفعلِ في تأويلهِ، فيكونُ عطفاً على «فرحين» كأنه قيل: فَرِحين ومستبشرين، ونَظَّروه بقوله تعالى: {فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} [الملك: 19] . والثاني: أنه أيضاً/ يكونُ من باب عطف الفعل على الاسم، لكنْ لأنَّ الاسم في تأويل الفعل. قال أبو البقاء: «هو معطوفٌ على» فرحين «؛ لأنَّ اسم الفاعل هنا يُشْبه الفعل المضارع» يعني أنَّ «فرحين» بمنزلة «يفرحون» ، وكأنه جعله من باب قوله: {إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ} [الحديد: 18] ، والتقديرُ الأولُ أَوْلى، لأنَّ الاسمَ وهو «فرحين» لا ضرورةَ بنا إلى أَنْ نجعلَه في مَحلِّ فعلٍ مضارعٍ حتى نتأَوَّل الاسمَ به، والفعلُ فرعٌ عليه، فينبغي أن يُرَدَّ إليه، وإنما فعلنا ذلك في الآيةِ لأنَّ أل الموصولةَ بمعنى الذي، و «الذي» لا تُوصَلُ إلا بجملة أو شبههِا، وذلك الشَّبَهُ في الحقيقةِ يِتأوَّل بجملة.

الثالث: أَنْ يكونَ مستأنفاً، الواو للعطف عَطَفْت فعليةً على اسمية.

الرابع: أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف أي: وهم يستبشرون، وحينئذ يجوز وجهان، أحدُهما: أن تكونَ الجملةُ حاليةً من الضمير المستكِنِّ في «فرحين» أو من العائد المحذوف من «آتاهم» ، وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدأ عند جَعْلِنا إياها حالاً لأنَّ المضارع المثبت لا يجوز اقترانُه بواو الحال لِما تقدَّم غيرَ مرة. والثاني من هذين الوجهين: أن تكونَ استئنافية عَطَفَتْ جملةً اسميةً على مثلها.

واستفعل هنا ليست للطلب، بل تكون بمعنى المجردِ نحو: «استغنى الله، واستمجد المَرْخ والعَفار» بمعنى غَنِي ومَجُد. وقد سمع «بَشِر الرجل» بكسر العين فيكون استبشر بمعناه، قاله ابن عطية. ويجوز أن يكونَ مطاوعَ أبشر نحو: «أكأنه فاستكان، وأراحه فاستراح، وأشلاه فاستشلى، وأَحْكمه فاستحكم» وهو كثير.

وجَعَله الشيخ أظهرَ مِنْ حيث إنَّ المطاوعة تدلُّ على الانفعال عن الغير، فحصلت لهم البشرى بإبشار الله تعالى، وهذا لا يلزمُ إذا كان بمعنى المجرد.

قوله: {مِّنْ خَلْفِهِمْ} في هذا الجارِّ وجهان، أحدهما: أنه متعلق ب «يَلْحقوا» على معنى أنهم قد بَقُوا بعدهم، وهم قد تقدَّموهم. والثاني: أن يكونَ متعلقاً بمحذوف على أنه حال من فاعل «يلحقوا» أي: لم يلحقوا بهم حالَ كونِهم مُتَخَلِّفين عنهم أي: في الحياة.

قوله: {أَلاَّ خَوْفٌ} فيه وجهان أحدُهما: أنَّ «أَنْ» وما في حَيِّزها في محل جر بدلاً من «بالذين» بدلَ اشتمال أي: يستبشرون بعدم خوفهم وحزنهم فهم المُسْتَبْشَرُ به في الحقيقة لأنَّ الذواتِ لا يُسْتَبْشَر بها. والثاني: أنها في محل نصب على أنها مفعولٌ من أجله أي: لأنهم لا خوف. و «أَنْ» هذه هي المخففةُ، واسمها ضمير الشأن، وجملةُ النفي بعدها في محلِّ الخبر، والذواتُ لا يُسْتبشر بها كما تقدَّم فلا بد من حذف مضاف مناسبٍ، والتقدير: ويستبشرون بسلامةِ الذين، أو لُحوقهم بهم في الدرجة.

وقال مكيّ بعد أَنْ حَكَى أنها بدلُ اشتمال: «ويجوز أن تكون» أَنْ «في موضع نصب على معنى» بأن لا «. وهذا هو بعينِه هو وجه البدلِ المتقدم، غايةُ ما في …

Aal-i-Imraan 3:170Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.