وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ
And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.
Explained together with ayah 130
سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ
Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi
Ayahs 131–140 of 200
وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ
And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.
Explained together with ayah 130
وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
And obey Allah and the Messenger that you may obtain mercy.
Explained together with ayah 130
۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
And hasten to forgiveness from your Lord and a garden as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous
قوله تعالى: {وسارعوا} : قرأ نافع وابن عامر: «سارعوا» دون واو. والباقون بواو العطف. فَمَنْ أَسْقطها استأنف الأخير بذلك، أو أراد العطفَ ولكنه حَذَفَ العاطفَ للدلالة كقوله تعالى: {ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22] . وقد تقدَّم ضعفُ هذا المذهب. ومَنْ أثبت الواو عطفَ جملةً أمريةً على مثلها. وبعد اتِّباعِ الأثرِ في التلاوة اتَّبَع كلٌّ رسمَ مصحَفه فإنَّ الواو ساقطةٌ من مصاحف المدينة والشام ثابتةٌ فيما عداها.
قوله: {مِّن رَّبِّكُمْ} صفةً ل «مغفرة» و «مِنْ» للابتداء مجازاً. وقوله: {عَرْضُهَا السماوات} لا بد من حذف أي: مثلُ عرض السماوات، يدل عليه قوله: {عَرْضُهَا كَعَرْضِ} والجملةٌ في محلِّ جرِّ صفةً ل «جنة» .
قوله: {أُعِدَّتْ} يجوزُ أَنْ يكونَ محلُّها الجرَّ صِفةً ثانية ل «جنة» ، ويجوز أن يكونَ محلُّها النَصبَ على الحال من «جنة» ؛ لأنها لَمَّا وُصِفَتْ تَخَصَّصَتْ فَقَرُبت من المعارف. قال أبو البقاء: «ويجوز أن تكون مستأنفة، ولا يجوز أن تكونَ حالاً من المضاف إليه لثلاثة أشياء، أحدها: أنه لا عامل، وما جاء من ذلك متأولٌ على ضعفه. والثاني: العَرْضُ هنا لاَ يُراد به المصدرُ الحقيقي بل يُرادُ به المسافة. والثالث: أنَّ ذلك يَلْزَمُ منه الفصلُ بين الحال وبين صاحبِ الحالِ بالخبر» معنى بالخبر قولَه «السماوات» وهو ردٌّ صحيح.
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
Who spend [in the cause of Allah] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allah loves the doers of good;
قوله تعالى: {الذين يُنفِقُونَ} : يجوزُ في محلِّه الألقابُ الثلاثةُ، فالجَرُّ على النعتِ أو البدلِ أو البيانِ، والنصبُ والرفعُ على القطعِ المُشْعِر بالمدح.
قوله: {والكاظمين} يجوزُ فيه الجَرُّ والنصبُ على ما تقدَّم فيما قبله. والكَظْمُ: الحَبْسُ. كَظَمَ غيظَه أي: حَبَسَه وكَظَم القِرْبة والسِّقاء: إذا شَدَّ فَمَوَيْهِما مانعاً من خروجِ ما فيهما، ومنه: الكِظامُ لِسَيْرٍ تُشَدُّ به القِرْبَةُ والسِّقاء كذلكَ. والكَظْمُ في الأصلِ: مَخْرَجُ النفس، يُقال: أخَذَ بَكَظْمِه أي: مَخْرَج نَفَسه. الكُظُوم: احتباسُ النَّفَس، ويُعَبَّر به عن السكون كقولهم: «فلان لا يتنفَّس» . والمَكْظُوم: الممتلِىءُ غيظاً وكأنه لغيظه لا يستطيع أن يتكلَّمَ ولا يُخْرِجَ نَفَسه، والكَظِيمُ: الممتلِىءُ أَسَفاً، قال أبو طالب:
1428 - فَحَضَضْتُ قومي واحتَسَبْتُ قتالَهم ... والقومُ من خوفِ المَنايا كُظَّمُ
وكَظَم البعيرُ: إذا ترك الاجترارَ من ذلك، ومنه قولُ الراعي:
1429 - وأفَضْنَ بعدَ كُظومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ... مِنْ ذي الأباطِحِ إذ رَعَيْنَ حَقِيلا والحقيل: نبت، وقيل: موضع، فعلى الأول هو مفعولٌ به وعلى الثاني هو ظرف، ويكون قد شَذَّ عدمُ جرِّه ب «في» لأنه ظرفُ مكانٍ مختصٌّ، ويكون المفعولُ محذوفاً أي: إذ رَعَيْنَ الكَلأ في حَقيلٍ، ولا تَقْطَعُ الإِبلُ جِرَّتَها إلا عند الفزعِ، ومنه قولُ أعشى باهلة يصفُ رجلاً يُكْثِر نَحْرَ الإِبل:
1430 - قد تَكْظِمُ البُزْلُ منه حين تُبْصِرُه ... حتى تَقَطَّع في أَجْوافِها الجِرَرُ
والجِرَرُ جمعُ جِرَّة. الكِظامَةُ: حَلْقَةٌ من حديدٍ تكونُ في طرف الميزان تُجْمَعُ فيها خيوطه، وهي أيضاً السَّيْر الذي يُوصل بوتَرِ القوس، والكَظَائِمُ: خُروقٌ بين اليدين يَجْري منها الماءُ إلى الأخرى، كلُّ ذلك تشبيهاً بمَجْرى النفس/.
وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allah and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allah? - and [who] do not persist in what they have done while they know.
قوله تعالى: {والذين إِذَا فَعَلُواْ} : يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على الموصولِ قبلَه، ففيه ما فيه من الأوجه السابقة، وتكونُ الجملةُ من قولِه: {والله يُحِبُّ المحسنين} جملةً اعتراضٍ بين المتعاطِفَيْن، ويجوزُ أَنْ يكونَ «والذين» مرفوعاً بالابتداء، و «أولئك» مبتدأٌ ثانٍ، و «جزاؤهم» مبتدأٌ ثالثٌ، و «مغفرةٌ» خبرُ الثالث، والثالثُ وخبرُه خبرُ الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وقوله: {إِذَا فَعَلُواْ} شرطٌ جوابُه «ذكروا» وقوله: {فاستغفروا} عطفٌ على الجواب، والجملةُ الشرطية وجوابُها صلةُ الموصولِ، والمفعولُ الأولُ لاستغفر محذوفٌ، أي: استغفروا اللهَ لذنوبِهِم. وقد تقدَّم الكلامُ على «استغفر» ، وأنه يتعدَّى لاثنين ثانيهما بحرفِ الجر، وليس هو هذه اللامَ بل «مِنْ» ، وقد تُحْذَفُ، وقوله: {وَمَن يَغْفِرُ} استفهامٌ معناه النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناءُ.
وقوله: {إِلاَّ الله} بدلٌ من الضمير المستكنِّ في «يغفرُ» التقديرُ: لا يغفرُ أحدٌ الذنوبَ إلا اللهُ، والمختارُ هنا الرفعُ على البدلِ لكونِ الكلامِ غيرَ إيجاب، وقد تقدَّم تحقيقُه عند قولِه تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] . وقال ابو البقاء: «ومَنْ» مبتدأ، و «يغفر» خبرُه، و {إِلاَّ الله} فاعلٌ أو بدلٌ من المضمر وهو الوجه، لأنك إذا جَعَلْتَ اللهَ تعالى فاعلاً احتجْتَ إلى تقدير ضمير أي: ومَنْ يغفر الذنوبَ له غيرُ الله «وهذا الذي قاله أعني جَعْلَه الجلالَةَ فاعلاً يَقْرُب من الغلط فإنَّ الاستفهامَ هنا لا يُراد به حقيقتُه، إنما يُرادُ النفيُ، والوجهُ ما تقدَّم من كونِ الجلالةِ بدلاً من ذلك الضميرِ المستترِ العائدِ على» مَنْ «الاستفهامية.
قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ} يجوز أن تكونَ جملةً حاليةً من فاعلِ» استغفروا «أي: استغفروا غيرَ مُصِرِّين، ويجوزُ أن تكونَ هذه الجملةُ منسوقَةً على» فاستغفروا «أي: ترتَّب على فِعْلهم الفاحشةَ ذِكْرُ اللهِ تعالى والاستغفارُ لذنوبهم وعدمُ إصرارِهم عليها، وتكونُ الجملةُ مِنْ قوله: {وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله} على هذين الوجهين معترضةً بين المتعاطفين على الوجه الثانَي، وبين الحالِ وذي الحالِ على الأول.
قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يجوز أن تكونَ حالاً ثانيةً من فاعل» استغفروا «وأن تكونَ حالاً من فاعل» يُصِرُّوا «، ومفعولٌ» يَعْلَمُون «محذوفٌ للعلمِ به، فقيل: تقديرُه: يعلمونَ أنَّ الله يتوبُ على مَنْ تَابَ، قاله مجاهد. وقيل: يعلمون أنَّ تَرْكَه أَوْلى، قاله ابن عباس والحسن. وقيل: يَعْلَمُون المؤاخذةَ بها أو عَفْوَ اللهِ عنها. و» ما «في قوله: {على مَا فَعَلُواْ} يجوزُ أَنْ تكونَ اسميةً بمعنى الذي، ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً.
والإِصرارُ: المداوَمةٌ على الشيء وتَرْكُ الإِقلاعِ عنه وتأكيدُ العزم على ألاَّ يتركَه، مِنْ صَرَّ الدنانيرَ: إذا رَبَطَ عليها، ومنه» صُرَّةُ الدارهم «لما يُرْبَطُ بها. وقال الحطيئة يصف خيلاً:
1431 - عوابِسُ بالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا ... عُلالَتَها بالمُحْصَداتِ أَصَرَّتِ
أي: ثَبَتَتْ وأقامَتْ مداومةً على ما حُمِلَتْ عليه. وقال الشاعر:
1432 - يُصِرُّ بالليلِ ما تُخْفِي شواكِلُه ... يا ويحَ كلِّ مُصِرِّ القلبِ خَتَّارِ
أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ
Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.
قوله تعالى: {مِّن رَّبِّهِمْ} : في محلِّ رفعٍ نعتاً لمغفرة، و «مِنْ» للتبعيض أي: مِنْ مغفرات ربهم. قوله: {خَالِدِينَ} حال من الضمير في «جزاؤهم» لأنه مفعولٌ به في المعنى، لأنَّ المعنى: يَجْزيهم اللهُ جناتٍ في حالِ خلودِهم، وتكونُ حالاً مقدرةً. ولا يجوز أن تكون حالاً من «جنات» في اللفظِ وهي لأصحابِها في المعنى، إذ لو كان ذلك لبرز الضمير لجريانِ الصفةِ على غير مَنْ هي له. والجملةُ من قولِه {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} في محلِّ رفعٍ نعتاً ل «جنات» . وتقدَّم إعرابُ نظيرِ هذه الجملةِ، والمخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ في قولهِ: {وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} تقديرُه: ونِعْمَ أجرُ العامِلين الجنةُ.
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ
Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.
قوله تعالى: {مِن قَبْلِكُمْ} : يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب «خَلَتْ» ويجوزُ أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «سنن» ؛ لأنه في الأصلِ يجوز أَنْ يكونَ وصفاً فلمَّا قُدِّم نُصِبَ حالاً.
والسُّنَنُ: جمع «سُنَّة» وهي الطريقةُ التي يكونُ عليها الإِنسانُ ويلازِمُها، ومنه «سنة الأنبياء» عليهم السلام. قال خالد الهذلي لخاله أبي ذؤيب:
1433 - فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أنت سِرْتَها ... فَأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسيرُها
وقال أخر:
1434 - وإنَّ الأُلَى بالطَّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ ... تَأَسَّوا فَسَنُّوا للكرامِ التآسِيا
وقال لبيد:
1435 - مِنْ أمةٍ سَنَّتْ لهم آباؤُهم ... ولكلِّ قومٍ سُنَّةٌ وإمامُها
وقال المفضل: «السُّنَّةُ الأُمَّة» ، وأنشد:
1436 - ما عايَنَ الناسُ مِنْ فضلٍ كفضلكمُ ... ولا رُئِيْ مثلُه في سائِرِ السُّنَنِ
ولا دليلَ فيه لاحتمالِه. وقال الخليل: «سَنَّ الشيءَ بمعنى صَوَّره» .
ومنه: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26] أي: مُصَوَّر. وقيل: سَنَّ الماءَ والدرع إذا صَبَّهما، وقوله: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} يجوزُ أَنْ يكونَ منه، ولكنَّ نسبةَ الصبِّ إلى الطين بعيدةٌ. وقيل «مَسْنون» أي متغير. قال بعض أهل اللغة: «هي فُعْلَة من سَنَّ الماءَ يَسُنُّه إذا والى صَبَّه. والسَّنُّ: صَبُّ الماءِ والعرق ونحوهما، وأنشدَ لزهيرٍ:
1437 - نُعَوِّدها الطِّرادَ فكلَّ يومٍ ... تُسَنُّ على سنابِكها القُرونُ
أي: يُصَبُّ عليها العرقُ. وقيل: سُنَّة: فُعْلَة بمعنى مفعول كالغُرْفَة والأُكْلَة. وقيل: اشتقاقُها من سَنَنْتُ النَّصْلَ أَسُنُّه سَنَّاً إذا حَدَدْتَه، والمعنى أن الطريقة الحسنة معتنىً بها كما يُعْتنى بالنصل ونحوه. وقيل: مِنْ سَنَّ الإِبلَ: أذا أحسن رَعْيَها. والمعنى: أَنَّ صاحبَ السنة يقومُ على أصحابهِ كما يقومُ الراعي على إبلِه، وقد مَضَى مِنْ ذلك جملةٌ صالحةٌ في البقرة.
وقوله: {فَسِيرُواْ} جملةٌ معطوفةٌ على ما قبلَها. والتسبيبُ في هذه الألفاظِ ظاهرٌ أي: سَبَبُ الأمرِ بالسير لينظُروا نَظَرَ اعتبارٍ خُلُوُّ مَنْ قبلكم من الأمم وطرائقهم. وقال أَبو البقاء:» ودَخَلَتِ الفاء في «فسيروا» / لأنَّ المعنى على الشرطِ أي: إن شَكَكْتُم فسيروا.
قوله: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} «كيف» خبرٌ مقدم واجبُ التقديم؛ لتضمُّنِه معنى الاستفهامِ وهو مُعَلِّقٌ ل «انظروا» قبلَه، فالجملةُ في محل نصبٍ بعد إسقاطِ الخافضِ إذ الأصل: انظروا في كذا.
هَٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ
This [Qur'an] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allah.
قوله تعالى: {لِّلنَّاسِ} ؛ يجوز أن يتعلَّق بالمصدر قبلَه، ويجوز أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه وصفٌ له. قوله: {لِّلْمُتَّقِينَ} يجوز أنْ يكونَ وصفاً أيضاً ويجوزُ أن يتعلَّقَ بما قبله، وهو محتمِلٌ لأنْ يكونَ من التنازع، وهو على إعمالِ الثاني للحذفِ مِن الأول.
وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.
قوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا} : الأصلُ: «تَوْهِنُوا» فَحُذِفَتِ الواوُ لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ في الأصلِ، ثم أُجْرِيَتْ حروفُ المضارعةِ مُجْراها في ذلك. ويقال: وَهَنَ بالفتح في الماضي يَهِن بالكسر في المضارع. ونُقِل أنه يقال: وَهُن وَوهِن بضم الهاء وكسرِها في الماضي. وَوَهَن يُسْتعمل لازماً ومتعدياً تقول: وَهَن زيدٌ أي: ضَعُفَ، قال تعالى: {وَهَنَ العظم مِنِّي} [مريم: 4] ووهَنْتُه أي: أَضْعَفْتُه. ومنه الحديثُ: «وهَنَتْهُم حُمَّى يثرب» والمصدرُ على الوَهَن والوَهْنِ، بفتح العين وبسكونِها. وقال زهير:
1438 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فأصبحَ الحبلُ مِنْها واهِناً خَلَقَا
أي: ضعيفاً.
قوله: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} جملةٌ حاليةٌ من فاعل «تَهِنوا» أو «تحزنوا» والاستئنافُ فيها غيرُ ظاهرٍ. والأَعْلَوْن: جمعُ أَعْلى والأصل: أَعْلَيُون فتحرَّكت الفاءُ وانفتح ما قبلَها فَقُلِبت ألفاً فَحُذِفَتْ لالتقاءِ الساكنين وبقيت الفتحة لتدلَّ عليها، وإنْ شئت قلت: استُثْقِلَتْ الضمةُ على الياء فَحُذِفت فالتقى ساكنان أيضاً الياء والواو، فَحُذِفت الياء لالتقاء الساكنين، وإنما احتِجْنا إلى ذلك لأنَّ واوَ الجمعِ لا يكونُ ما قبلها إلاَّ مضموماً لفظاً أو تقديراً، وهذا مثالُ التقديرِ. قولُه: {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} جوابُه محذوفٌ أي: فلا تَهِنُوا ولا تحَْزَنوا.
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ
If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allah may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allah does not like the wrongdoers -
قوله تعالى: {قَرْحٌ} : قرأ الأخَوان وأبو بكر: «قُرْح» بضم القاف، وكذلك «القُرْح» معرَّفاً، والباقون بالفتح فيهما، فقيل: هما بمعنى واحد. ثم اختلف القائلون بهذا فقال بعضهم: «المرادُ بهما الجرحُ نفسه» . وقال بعضُهم: منهم الأخفش المرادُ بهما المصدرُ. يُقال قَرِحَ الجرحُ يَقْرَحُ قُرَحاً وقَرْحاً. قال امرؤ القيس:
1439 - وبُدِّلْتُ قَرْحاً دامياً بعد صحةٍ ... لعلَّ منايانا تَحَوَّلنَ أَبْؤُسَا
والفتحُ لغةُ الحجاز، والضمُّ لغةُ غيرِهم فهما كالضَّعْف والضُّعْف والكَرْه والكُرْه. وقال بعضُهم: «المفتوح: الجُرحُ، والمضموم: ألمه» .
وقرأ ابنُ السَّمَيْفَع بفتح القاف والراء وهي لغةٌ كالطَّرْد والطَّرَد. وقال أبو البقاء: هو مصدرُ قَرُحَ يَقْرُح إذا صار له قُرْحَة، وهو بمعنى دَمِي. وقرىء «قُرُح» بضمِّهما. قيل: وذلك على الإِتباع كاليُسْر واليُسُر والطُّنْب والطُّنُبِ.
وقرأ الأعمش: «إنْ تَمْسَسْكم» بالتاء من فوق، «قروحٌ» بصيغة الجمع، والتأنيث واضح. وأصلُ المادةِ الدلالةُ على الخُلوصِ ومنه: الماء القَراح أي: لا كُدروةَ فيه، قال:
1440 - فساغَ لي الشرابُ وكنتُ قبلاً ... أَكادُ أَغَصُّ بالماءِ القَراحِ
وأرضٌ قَرْحَة أي: خالصةُ الطين ومنه: قريحةُ الرجلِ لخالصِ طبعِهِ. وقال الراغب: «القَرْحُ: الأثَرُ من الجراحةِ، من شيءٍ يصيبُه من خارجٍ، والقُرْحُ يعني بالضم أثرُها مِنْ داخلٍ كالبَثْرةِ ونحوِها، يقال: قَرَحْتُه نحو: جَرَحْتُه. قال الشاعر:
1441 - لا يُسْلِمُون قريحاً حَلَّ وسطُهُمُ ... يومَ اللِّقاءِ ولا يُشْوُون مَنْ قَرَحُوا
أي: جرحوا: وقَرِح: خرج به قَرْحٌ، وقَرَحَ الله قلبَه وأقرحه يعني: فَفَعَل وأفْعَل فيه بمعنى وفَرَسٌ قارح: إذا أصابَه أثرٌ من ظهورِ نابِه، والأُنثى: قارحةٌ، وروضةٌ قَرْحاءُ إذا كان في وسطها نَوْرٌ، وذلك تشبيهٌ بالفرس القَرْحاءِ. والاقتراحُ: الابتداعُ والابتكارُ. ومنه قالوا: اقترح عليه فلانٌ كذا، واقترحْتُ بئراً: استخرجْتُ منها ماءً قَراحاً، والقريحَةُ في الأصل: المكانُ الذي يَجْتمع فيه الماءُ المُسْتَنْبَطُ، ومنه استُعِيرَتْ قريحةُ الإِنسانِ» .
قوله: {فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ} للنحويين في مثل هذا تأويلٌ وهو أَنْ يُقَدِّروا شيئاً مستقبلاً، لأنه لا يكونُ التعليقُ إلا في المستقبلِ، وقوله {فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ} ماضٍ محقق، وذلك التأويلُ هو التبيين: فقد تبيَّن مسُّ القَرْحِ للقوم، وسيأتي له نظائر/ نحو: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} [يوسف: 26] {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} [يوسف: 26] . وقال بعضُهم «وجوابُ الشرطِ محذوفٌ تقديرُه:» فتأسَّوا «ونحوُ ذلك. وقال الشيخ:» مَنْ جَعَلَ جوابَ الشرط «فقد مَسَّ» فهو ذاهِلٌ «. قلت: غالبُ النحاةِ جَعَلوه جواباً متأوِّلين له بما ذَكَرْتُ.
قوله: {وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا} يجوزُ في» الأيام «أَنْ تكونَ خيراً ل» تلك «. و» نُداوِلُها «جملةً حاليةٌ العاملُ فيها معنى اسم الإِشارة أي: أُشير إليها حالَ كونِها متداولةً.
ويجوزُ أن تكونَ «الأيام» بدلاً أو عطفَ بيانٍ أو نعتاً لاسم الإِشارة، والخبرُ هو الجملةُ من قوله: {نُدَاوِلُهَا} ، وقد مَرَّ نحوُه في قوله: {تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا} [آل عمران: 108] إلا أَنَّ هناك لا يجيءُ القولُ بالنعتِ لِما عَرَفْتَ أنَّ اسمَ الإِشارة لا يُنْعَتُ إلا بذِي أل.
و «بين» متعلقٌ ب «نُداوِلُها» . وجَوَّز أبو البقاء أن يكون حالاً من مفعولِ «نُداولها» وليس بشيءٍ. والمُدَاوَلَةُ: المناوَبَةُ على الشيء والمعاوَدَةُ وتَعَهُّدُه مرةً بعد أخرى. يقال: داوَلْتُ بينَهم الشيءَ فتداولوه، كأن «فاعَل» بمعنى «فَعَل» . قال الشاعر: 1442 - يَرِِدُ المياهَ فلا يزالُ مُداوِلاً ... في الناسِ بين تَمَثُّلٍ وسَمَاعِ
وأدالَ فلانٌ فلاناً جَعَلَ …
Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.