Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 91–100 of 200

91

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وتَوْجِيهُ قِراءَةِ الحَسَنِ: والنّاسُ أجْمَعُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِمْ، وهُناكَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]؛ لِأنَّ هُناكَ جاءَ الإخْبارُ عَنْ مَن ماتَ كافِرًا، فَلِذَلِكَ تَحَتَّمَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى سَبَبِ النُّزُولِ ؟ وأنَّ أكْثَرَ الأقْوالِ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا ثُمَّ راجَعُوا الإسْلامَ ؟ ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ الكُفْرِ العَظِيمِ.

(وأصْلَحُوا) أيْ: ما أفْسَدُوا، أوْ: دَخَلُوا في الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: أمْسى زَيْدٌ أيْ: دَخَلَ في المَساءِ. وقِيلَ: مَعْنى أصْلَحُوا: أظْهَرُوا أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] .

﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غَفُورٌ أيْ لِكُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وهُما صِيغَتا مُبالَغَةٍ دالَّتانِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِ عِيسى وبِالإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ. وقِيلَ: في اليَهُودِ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ، وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَّوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، والبُهْتِ، والسَّعْيِ عَلى الإسْلامِ قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوْ مَعْنى: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، تُمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اليَهُودُ، والمُرْتَدُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ نَحْوَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ مِن أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَإنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِبَكَّةَ ونَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

ويُفَسَّرُ بِهَذِهِ الأقْوالِ مَعْنى ازْدِيادِ الكُفْرِ، وهو بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ، إذِ الإيمانُ والكُفْرُ في التَّحْقِيقِ لا يَزْدادانِ ولا يَنْقُصانِ، وإنَّما تَحْصُلُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لِلْمُتَعَلِّقاتِ، فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَيْهِما عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وازْدادُوا: افْتَعَلُوا، مِنَ الزِّيادَةِ، وانْتِصابُ ”كُفْرًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، المَعْنى: ثُمَّ ازْدادَ كَفْرُهم، والدّالُ الأُولى بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَكُونُ مِنهم تَوْبَةٌ، ولا تُقْبَلُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ، وازْدادَ كُفْرًا، أمْ كانَ كافِرًا أوَّلَ مَرَّةٍ. فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَخْصِيصٍ، فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: نَفْيُ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِالحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ …

Aal-i-Imraan 3:91Listen in Qur'an →
92

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

Never will you attain the good [reward] until you spend [in the way of Allah] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allah is Knowing of it.

﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٤] ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥] ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] .

النَّيْلُ: لُحُوقُ الشَّيْءِ وإدْراكُهُ، الفِعْلُ مِنهُ: نالَ يَنالُ. قِيلَ: والنَّيْلُ العَطِيَّةُ.

الوَضْعُ: الإلْقاءُ. وضَعَ الشَّيْءَ ألْقاهُ، ووَضَعَتْ ما في بَطْنِها ألْقَتْهُ، والفِعْلُ: وضَعَ يَضَعُ وضْعًا وضِعَةً، والمَوْضِعُ: مَحَلُّ إلْقاءِ الشَّيْءِ. وفُلانٌ يَضَعُ الحَدِيثَ أيْ: يُلْقِيهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ نَقْلٍ، يَخْتَلِقُهُ.

بَكَّةُ: مُرادِفٌ لِمَكَّةَ قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والعَرَبُ تُعاقِبُ بَيْنَ الباءِ والمِيمِ قالُوا: لازِمٌ وراتِمٌ والنُّمَيْطُ، وبِالباءِ فِيها. وقِيلَ: اسْمٌ لِبَطْنِ مَكَّةَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِمَكانِ البَيْتِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ البَكَّ هو دَفْعُ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وازْدِحامُهم، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ في المَسْجِدِ عِنْدَ الطَّوافِ لا في سائِرِ المَواضِعِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لَفْظِ مَكَّةَ إنْ شاءَ اللَّهُ. البَرَكَةُ: الزِّيادَةُ، والفِعْلُ مِنهُ: بارَكَ، وهو مُتَعَدٍّ، ومِنهُ ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ [النمل: ٨] ويُضَمَّنُ مَعْنى ما تَعَدّى بِـ ”عَلى“، لِقَوْلِهِ: «وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ»، وتَبارَكَ: لازِمٌ.

العِوَجُ: المَيْلُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الدِّينِ والكَلامِ والعَمَلِ، وبِالفَتْحِ في الحائِطِ والجِذْعِ. وقالَ الزَّجّاجُ بِمَعْناهُ. قالَ: فِيما لا نَرى لَهُ شَخْصًا، وبِالفَتْحِ فِيما لَهُ شَخْصٌ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: بِالفَتْحِ في كُلِّ مُنْتَصِبٍ كالحائِطِ. والعِوَجُ: ما كانَ في بِساطٍ، أوْ دِينٍ، أوْ أرْضٍ، أوْ مَعاشٍ.

العَصْمُ: المَنعُ، واعْتَصَمَ واسْتَعْصَمَ: امْتَنَعَ، واعْتَصَمْتُ فُلانًا هَيَّأْتُ لَهُ ما يَعْتَصِمُ بِهِ، وكُلُّ مُتَمَسِّكٍ بِشَيْءٍ مُعْتَصِمٌ، وكُلُّ مانِعِ شَيْءٍ عاصِمٌ، ويَرْجِعُ لِهَذا المَعْنى الأعْصَمُ، والمِعْصَمُ، والعِصامُ. ويُسَمّى الخُبْزُ عاصِمًا لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الجُوعِ.

﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا …

Aal-i-Imraan 3:92Listen in Qur'an →
93

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

All food was lawful to the Children of Israel except what Israel had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muhammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ قالَ أبُو رَوْقٍ وابْنُ السّائِبِ: نَزَلَتْ حِينَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ“ فَقالَتِ اليَهُودُ: فَكَيْفَ وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها ؟ فَقالَ ﷺ: ”ذَلِكَ حَلالٌ لِأبِي إبْراهِيمَ، ونَحْنُ نُحِلُّهُ“ فَقالَتِ اليَهُودُ: كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنا اليَوْمَ نُحَرِّمُهُ فَإنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ حَتّى انْتَهى إلَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهم» .

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها والجامِعُ بَيْنَهُما أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ لا يَنالُ المَرْءُ البِرَّ إلّا بِالإنْفاقِ مِمّا يُحِبُّ. ونَبِيُّ اللَّهِ إسْرائِيلُ رُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَطالَ سَقَمُهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا إنْ عافاهُ اللَّهُ مِن سَقَمِهِ أنْ يُحَرِّمَ، أوْ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ، وكانَ أحَبُّ الطَّعامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وأحَبُّ الشَّرابِ ألْبانَها، فَفَعَلَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ» . فَقَدِ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما قَبْلَها في أنَّ كُلًّا مِنهُما فِيما تَرَكَ ما يُحِبُّهُ الإنْسانُ وما يُؤْثِرُهُ عَلى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ بِهِ لِلَّهِ تَعالى. وكُلٌّ مِن صِيَغِ العُمُومِ. والطَّعامُ: أصْلُهُ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ المَفْعُولِ، وهو اسْمٌ لِكُلِّ ما يُطْعَمُ ويُؤْكَلُ. وزَعَمَ بَعْضُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ اسْمٌ لِلْبُرِّ خاصَّةً. قالَ الرّازِيُّ: والآيَةُ تُبْطِلُهُ؛ لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِنهُ ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ شَيْءٌ سِوى الحِنْطَةِ، وسِوى ما يُتَّخَذُ مِنها. ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ في الماءِ: ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ. وقالَ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وأرادَ الذَّبائِحَ، انْتَهى.

ويُجابُ عَنِ الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ، فَلا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الطَّعامِ. وقالَ القَفّالُ: لَمْ يَبْلُغْنا أنَّ المَيْتَةَ والخِنْزِيرَ كانا مُباحَيْنِ لَهم مَعَ أنَّهُما طَعامٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى الأطْعِمَةِ الَّتِي كانَتِ اليَهُودُ في وقْتِ الرَّسُولِ ﷺ تَدَّعِي أنَّها كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى إبْراهِيمَ، فَيَزُولُ الإشْكالُ، يَعْنِي إشْكالَ العُمُومِ. والحِلُّ: الحَلالُ، وهو مَصْدَرُ حَلَّ، نَحْوُ عَزَّ عِزًّا ومِنهُ ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] أيْ حَلالٌ بِهِ. وفي الحَدِيثِ عَنْ عائِشَةَ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحِلِّهِ ولِحُرْمِهِ» ولِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. قالَ: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وهي كالحُرُمِ، أيِ الحَرامِ. واللُّبْسُ، أيِ اللِّباسُ. وإسْرائِيلُ هو يَعْقُوبُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، وتَقَدَّمَ أنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ هو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ في آخَرِينَ. وقِيلَ: العُرُوقُ. رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ أيْضًا، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، وأبِي مِجْلَزٍ في آخَرِينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَرَضَتْ لَهُ الآنِساءُ فَأضْنَتْهُ، فَجَعَلَ لِلَّهِ إنْ شَفاهُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَطْعَمَ عِرْقًا. قالَ: فَلِذَلِكَ اليَهُودُ تَنْزِعُ العُرُوقَ مِنَ اللَّحْمِ، ولَيْسَ في تَحْرِيمِ …

Aal-i-Imraan 3:93Listen in Qur'an →
94

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And whoever invents about Allah untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.

﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ، وافْتِراؤُهُ الكَذِبَ هو زَعْمُهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُحَرَّمًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ إنْزالِ التَّوْراةِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ قِيلَ يُحْتَمَلُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ إلى التِّلاوَةِ؛ إذْ مُضَمَّنُها بَيانُ مَذْهَبِهِمْ وقِيامُ الحُجَّةِ البالِغَةِ القاطِعَةِ، ويَكُونُ افْتِراءُ الكَذِبِ أنْ يُنْسَبَ إلى كُتُبِ اللَّهِ ما لَيْسَ فِيها. والثّانِي: أنْ يَكُونَ إلى اسْتِقْرارِ التَّحْرِيمِ في التَّوْراةِ. إذِ المَعْنى: إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ حَرَّمَتْهُ التَّوْراةُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهم. وافْتِراءُ الكَذِبِ أنْ يَزِيدَ في المُحَرَّماتِ ما لَيْسَ فِيها. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ إلى الحالِ بَعْدَ تَحْرِيمِ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ وقَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ مِن سَنَنِ يَعْقُوبَ، وشُرِعَ ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] الآيَةَ. فَنَصَّ عَلى أنَّهُ كانَ لَهم ظُلْمٌ في مَعْنى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وكانُوا يُشَدِّدُونَ فَيُشَدِّدُ عَلَيْهِمُ اللَّهُ كَما فَعَلُوا في أمْرِ البَقَرَةِ. وجاءَتْ شَرِيعَتُنا بِخِلافِ هَذا، ”دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ، يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ“ .

﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] والأظْهَرُ في ”مِن“ أنَّها شَرْطِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً. وجُمِعَ في فَأُولَئِكَ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وهم: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ فَصْلًا، ومُبْتَدَأً، وبَدَلًا. والظُّلْمُ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وقِيلَ: هو هُنا الكُفْرُ.

Aal-i-Imraan 3:94Listen in Qur'an →
95

قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Allah has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَصْدَعَ بِخِلافِهِمْ، أيِ الأمْرُ الصِّدْقُ هو ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ لا ما افْتَرَوْهُ مِنَ الكَذِبِ. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ [آل عمران: ٩٣] وسائِرُ ما تَقَدَّمَ صِدْقٌ، وأنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾“ أيْ في جَمِيعِ ما أخْبَرَ بِهِ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ. وقِيلَ: في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإبْراهِيمُ كانَ مُسْلِمًا. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ”﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ [آل عمران: ٩٣]“ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقِيلَ: في أنَّهُ ما كانَ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا. قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَقالَ:

﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ الَّتِي عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، فَيَخْلُصُونَ مِن مِلَّةِ اليَهُودِيَّةِ. وعَرَّضَ بِقَوْلِهِ: وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ: إلى أنَّهم مُشْرِكُونَ في اتِّخاذِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْسِيرًا وإعْرابًا، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ”﴿قُلْ صَدَقَ﴾“: بِإدْغامِ اللّامِ في الصّادِ، و”﴿قُلْ سِيرُوا﴾ [الأنعام: ١١]“ بِإدْغامِ اللّامِ في السِّينِ. وأدْغَمَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وهِشامٌ ”﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ [يوسف: ١٨]“ . قالَ ابْنُ جِنِّي: عِلَّةُ ذَلِكَ فُشُوُ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في الفَمِ وانْتِشارُ الصَّوْتِ المُثْبَتِ عَنْهُما، فَقارَبَتا بِذَلِكَ مَخْرَجَ اللّامِ، فَجازَ إدْغامُها فِيهِما، انْتَهى. وهو راجِعٌ لِمَعْنى كَلامِ سِيبَوَيْهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: والإدْغامُ يَعْنِي إدْغامَ اللّامِ مَعَ الطّاءِ والصّادِ وأخَواتِهِما، جائِزٌ، ولَيْسَ كَكَثْرَتِهِ مَعَ الرّاءِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ تَراخَيْنَ عَنْها، وهي مِنَ الثَّنايا. قالَ: وجَوازُ الإدْغامِ لِأنَّ آخِرَ مَخْرَجِ اللّامِ قَرِيبٌ مِن مَخْرَجِها. انْتَهى كَلامُهُ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ تَفاخَرَ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ؛ لِأنَّها مُهاجَرُ الأنْبِياءِ، وفي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ. وقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أفْضَلُ، فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - وكانَ حَجُّ البَيْتِ مِن أعْظَمِ شَعائِرِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ومِن خُصُوصِيّاتِ دِينِهِ - أخَذَ في ذِكْرِ البَيْتِ وفَضائِلِهِ لِيَبْنِيَ عَلى ذَلِكَ ذِكْرَ الحَجِّ ووُجُوبِهِ. وأيْضًا فَإنَّ اليَهُودَ حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأحَقُّ بِالِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّهُ وُضِعَ قَبْلَ الكَعْبَةِ، وهو أرْضُ المَحْشَرِ، وقِبْلَةُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ”﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾“ كَما أكْذَبَهم في دَعْواهم قَبْلُ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما كانَ مُحَرَّمًا عَلى يَعْقُوبَ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، وأيْضًا فَإنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى زَعَمَتْ أنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن شَعائِرِ مِلَّتِهِ حَجُّ الكَعْبَةِ، وهم لا يَحُجُّونَها، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في دَعْواهم …

Aal-i-Imraan 3:95Listen in Qur'an →
96

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَٰلَمِينَ

Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Makkah - blessed and a guidance for the worlds.

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَصْدَعَ بِخِلافِهِمْ، أيِ الأمْرُ الصِّدْقُ هو ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ لا ما افْتَرَوْهُ مِنَ الكَذِبِ. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ [آل عمران: ٩٣] وسائِرُ ما تَقَدَّمَ صِدْقٌ، وأنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾“ أيْ في جَمِيعِ ما أخْبَرَ بِهِ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ. وقِيلَ: في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإبْراهِيمُ كانَ مُسْلِمًا. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ”﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ [آل عمران: ٩٣]“ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقِيلَ: في أنَّهُ ما كانَ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا. قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَقالَ:

﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ الَّتِي عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، فَيَخْلُصُونَ مِن مِلَّةِ اليَهُودِيَّةِ. وعَرَّضَ بِقَوْلِهِ: وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ: إلى أنَّهم مُشْرِكُونَ في اتِّخاذِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْسِيرًا وإعْرابًا، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ”﴿قُلْ صَدَقَ﴾“: بِإدْغامِ اللّامِ في الصّادِ، و”﴿قُلْ سِيرُوا﴾ [الأنعام: ١١]“ بِإدْغامِ اللّامِ في السِّينِ. وأدْغَمَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وهِشامٌ ”﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ [يوسف: ١٨]“ . قالَ ابْنُ جِنِّي: عِلَّةُ ذَلِكَ فُشُوُ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في الفَمِ وانْتِشارُ الصَّوْتِ المُثْبَتِ عَنْهُما، فَقارَبَتا بِذَلِكَ مَخْرَجَ اللّامِ، فَجازَ إدْغامُها فِيهِما، انْتَهى. وهو راجِعٌ لِمَعْنى كَلامِ سِيبَوَيْهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: والإدْغامُ يَعْنِي إدْغامَ اللّامِ مَعَ الطّاءِ والصّادِ وأخَواتِهِما، جائِزٌ، ولَيْسَ كَكَثْرَتِهِ مَعَ الرّاءِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ تَراخَيْنَ عَنْها، وهي مِنَ الثَّنايا. قالَ: وجَوازُ الإدْغامِ لِأنَّ آخِرَ مَخْرَجِ اللّامِ قَرِيبٌ مِن مَخْرَجِها. انْتَهى كَلامُهُ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ تَفاخَرَ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ؛ لِأنَّها مُهاجَرُ الأنْبِياءِ، وفي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ. وقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أفْضَلُ، فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - وكانَ حَجُّ البَيْتِ مِن أعْظَمِ شَعائِرِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ومِن خُصُوصِيّاتِ دِينِهِ - أخَذَ في ذِكْرِ البَيْتِ وفَضائِلِهِ لِيَبْنِيَ عَلى ذَلِكَ ذِكْرَ الحَجِّ ووُجُوبِهِ. وأيْضًا فَإنَّ اليَهُودَ حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأحَقُّ بِالِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّهُ وُضِعَ قَبْلَ الكَعْبَةِ، وهو أرْضُ المَحْشَرِ، وقِبْلَةُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ”﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾“ كَما أكْذَبَهم في دَعْواهم قَبْلُ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما كانَ مُحَرَّمًا عَلى يَعْقُوبَ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، وأيْضًا فَإنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى زَعَمَتْ أنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن شَعائِرِ مِلَّتِهِ حَجُّ الكَعْبَةِ، وهم لا يَحُجُّونَها، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في دَعْواهم …

Aal-i-Imraan 3:96Listen in Qur'an →
97

فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it shall be safe. And [due] to Allah from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves - then indeed, Allah is free from need of the worlds.

﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ أيْ عَلاماتٌ واضِحاتٌ مِنها: مَقامُ إبْراهِيمَ، والحَجَرُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ، والحَجَرُ الأسْوَدُ، وهو: مِن حِجارَةِ الكَعْبَةِ، وهو يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ يَشْهَدُ لِمَن مَسَّهُ - والحَطِيمُ، وزَمْزَمُ، وأمْنُ الخائِفِ، وهَيْبَتُهُ وتَعْظِيمُهُ في قُلُوبِ النّاسِ، وأمْرُ الفِيلِ، ورَمْيُ طَيْرِ اللَّهِ عَنْهُ بِحِجارَةِ السِّجِّيلِ، وكَفُّ الجَبابِرَةِ عَنْهُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وإذْعانُ نُفُوسِ العَرَبِ لِتَوْقِيرِ هَذِهِ البُقْعَةِ دُونَ ناهٍ ولا زاجِرٍ، وجِبايَةُ الأرْزاقِ إلَيْهِ - وهو بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ - وحِمايَتُهُ مِنَ السُّيُولِ. ودَلالَةُ عُمُومِ المَطَرِ إيّاهُ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ عَلى خِصْبِ آفاقِ الأرْضِ، فَإنْ كانَ المَطَرُ مِن جانِبٍ أخْصَبَ الأُفُقُ الَّذِي يَلِيهِ. وذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّ مِن آياتِهِ كَوْنَ الطَّيْرِ لا يَعْلُو عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والطَّيْرُ يُعايَنُ بِعُلُوِّهِ، وقَدْ عَلَتْهُ العُقابُ الَّتِي أخَذَتِ الحَيَّةَ المُشْرِفَةَ عَلى جِدارِهِ، وتِلْكَ كانَتْ مِن آياتِهِ، انْتَهى. وأيُّ عَبْدٍ عَلا عَلَيْهِ عَتَقَ. وتَعْجِيلُ العُقُوبَةِ لِمَن عَتا فِيهِ، وإجابَةُ دُعاءِ مَن دَعا تَحْتَ المِيزابِ، ومُضاعَفَةُ أجْرِ المُصَلِّي، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ: ”﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾“، الضَّمِيرُ في ”فِيهِ“ عائِدٌ عَلى البَيْتِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يُذْكَرَ مِنَ الآياتِ إلّا ما كانَ في البَيْتِ. لَكِنَّهم تَوَسَّعُوا في الظَّرْفِيَّةِ، إذْ لا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنَّ الآياتِ تَكُونُ داخِلَ الجُدْرانِ. ووَجْهُ التَّوَسُّعِ أنَّ البَيْتَ وُضِعَ بِحَرَمِهِ وجَمِيعِ فَضائِلِهِ، فَهي فِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ ولِذَلِكَ عَدَّ المُفَسِّرُونَ آياتٍ في الحَرَمِ وأشْياءَ مِمّا التُزِمَتْ في شَرِيعَتِنا مِن تَحْرِيمِ قَطْعِ شَجَرِهِ، ومَنعِ الِاصْطِيادِ فِيهِ. والَّذِي تَعَرَّضَتْ لَهُ الآيَةُ هو مَقامُ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ آيَةٌ باقِيَةٌ عَلى مَرِّ الأعْصارِ. وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قامَ إبْراهِيمُ عَلى حَجَرِ المَقامِ وقْتَ رَفْعِهِ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ طالَ لَهُ البِناءُ، فَكُلَّما عَلا الجِدارُ ارْتَفَعَ الحَجَرُ بِهِ في الهَواءِ، فَما زالَ يَبْنِي وهو قائِمٌ عَلَيْهِ وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ والطِّينَ حَتّى كَمُلَ الجِدارُ. ثُمَّ أرادَ اللَّهُ إبْقاءَ ذَلِكَ آيَةً لِلْعالَمِينَ، لَيَّنَ الحَجَرَ فَغَرِقَتْ فِيهِ قَدَما إبْراهِيمَ كَأنَّها في طِينٍ، فَذَلِكَ الأثَرُ باقٍ إلى اليَوْمِ. وقَدْ نَقَلَتْ كافَّةُ العَرَبِ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ عَلى مُرُورِ الأعْصارِ. وقالَ في ذَلِكَ أبُو طالِبٍ:

؎ومَوْطِئِ إبْراهِيمَ في الصَّخْرِ رَطْبَةٍ عَلى قَدَمَيْهِ حافِيًا غَيْرَ ناعِلِ

فَما حُفِظَ أنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ نازَعَ في هَذا القَوْلِ. وقِيلَ: سَبَبُ أثَرِ قَدَمَيْهِ في هَذا الحَجَرِ أنَّهُ وافى مَكَّةَ زائِرًا مِنَ الشّامِ، فَقالَتْ لَهُ زَوْجَةُ إسْماعِيلَ: انْزِلْ حَتّى أغْسِلَ رَأْسَكَ، فَأبى أنْ يَنْزِلَ، فَجاءَتْ بِهَذا الحَجَرِ مِن جِهَةِ شِقِّهِ الأيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ حَتّى غَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ، ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إلى شِقِّهِ الأيْسَرِ حَتّى غَسَلَتِ الشِّقَّ الآخَرَ، فَبَقِيَ أثَرُ قَدَمَيْهِ فِيهِ. وارْتِفاعُ ”آياتٌ“ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ، وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو الحالُ حَقِيقَةً. ونِسْبَةُ الحالِيَّةِ إلى الظَّرْفِ والمَجْرُورِ مَجازٌ كَنِسْبَةِ الخَبَرِ إلَيْها إذا قُلْتَ: …

Aal-i-Imraan 3:97Listen in Qur'an →
98

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while Allah is Witness over what you do?"

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: سَبَبُ نُزُولِها ونُزُولِ ما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ حاوَلَ الإغْراءَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، واسْمُهُ: شاسُ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ أعْمًى شَدِيدَ الضَّغَنِ والحَسَدِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَرَأى ائْتِلافَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، فَقالَ: ما لَنا مِن قَرارٍ بِهَذِهِ البِلادِ مَعَ اجْتِماعِ مَلَإ بَنِي قَيْلَةَ، فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ أنْ يُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثٍ وما جَرى فِيهِ مِنَ الحَرْبِ وما قالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ، فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمُوا حَتّى ثارُوا إلى السِّلاحِ بِالحَرَّةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم» ؟ ووَعَظَهم، فَرَجَعُوا، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، هَذا مُلَخَّصُهُ وذَكَرُوهُ مُطَوَّلًا. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ بِأنْ يَقُولُوا لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِالمَوْصُوفِ في كِتابِنا، والظّاهِرُ نِداءُ أهْلِ الكِتابِ عُمُومًا والعامَّةِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا، فالحُجَّةُ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ كَقِيامِها عَلى الخاصَّةِ. وكَأنَّهم بِتَرْكِ الِاسْتِدْلالِ والعُدُولِ إلى التَّقْلِيدِ بِمَنزِلَةِ مَن عَلِمَ ثُمَّ أنْكَرَهُ. وقِيلَ: المُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ”﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ [آل عمران: ٩٩]“ . انْتَهى هَذا القَوْلُ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم هُمُ المُخاطَبُونَ في صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ، المُورَدُ الدَّلائِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُجابُونَ عَنْ شُبَهِهِمْ في ذَلِكَ؛ ولِأنَّ مَعْرِفَتَهم بِآياتِ اللَّهِ أقْوى لِتَقَدُّمِ اعْتِرافِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وأصْلِ النُّبُوَّةِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ لِلرَّسُولِ والبِشارَةِ بِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ في البَيْتِ آياتٌ بَيِّناتٌ وأوْجَبَ حَجَّهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ناسَبَ أنْ يُنْكِرَ عَلى الكُفّارِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، فَناداهم بِـ ”﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾“؛ لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، فَلا يُناسِبُ مَن يَعْتَزِي إلى كِتابِ اللَّهِ أنْ يَكْفُرَ بِآياتِهِ، بَلْ يَنْبَغِي طَواعِيَتُهُ وإيمانُهُ بِها؛ إذْ لَهُ مَرْجِعٌ مِنَ العِلْمِ يَصِيرُ إلَيْهِ إذا اعْتَرَتْهُ شُبْهَةٌ.

والآياتُ: هي العَلاماتُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ دَلالَةً عَلى الحَقِّ. وقِيلَ: آياتُ اللَّهِ هي آياتٌ مِنَ التَّوْراةِ فِيها صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . ويُحْتَمَلُ القُرْآنُ ومُعْجِزَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ فِيها تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. أيْ إنَّ مَن كانَ اللَّهُ مُطَّلِعًا عَلى أعْمالِهِ مُشاهِدًا لَهُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ لا يُناسِبُهُ أنْ يَكْفُرَ بِآياتِهِ، فَلا يُجامِعُ العِلْمَ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى جَمِيعِ أعْمالِ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن تَيَقَّنَ أنَّ اللَّهَ مُجازِيهِ لا يَكادُ يَقَعُ مِنهُ الكُفْرُ الَّذِي هو أعْظَمُ الكَبائِرِ. وأتَتْ صِيغَةُ ”شَهِيدٌ“ لِتَدُلَّ عَلى المُبالَغَةِ بِحَسَبِ المُتَعَلِّقِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ يُرادُ بِها العِلْمُ في حَقِّ اللَّهِ وصِفاتِهِ تَعالى مِن حَيْثُ هي هي لا تَقْبَلُ التَّفاوُتَ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ. …

Aal-i-Imraan 3:98Listen in Qur'an →
99

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allah those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allah is not unaware of what you do."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهم في أنْفُسِهِمْ وضَلالَهم، ولَمْ يَكْتَفُوا حَتّى سَعَوْا في إضْلالِ مَن آمَنَ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَعالى ذَلِكَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ: مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَها. و”صَدَّ“: لازِمٌ ومُتَعَدٍّ. يُقالُ: صَدَّ عَنْ كَذا، وصَدَّ غَيْرَهُ عَنْ كَذا. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: يَصُدُّونَ ثُلاثِيًّا، وهو مُتَعَدٍّ، ومَفْعُولُهُ ”مَن آمَنَ“ . وقَرَأ الحَسَنُ: تَصُدُّونَ مِن أصَدَّ، عَدّى صَدَّ اللّازِمَ بِالهَمْزِ، وهُما لُغَتانِ.

وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:

؎أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ

ومَعْنى صَدَّ هُنا: صَرَفَ. وسَبِيلُ اللَّهِ: هو دِينُ اللَّهِ، وطَرِيقُ شَرْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. ومِنَ التَّأْنِيثِ قَوْلُهُ:

؎فَلا تَبْعُدْ فَكُلُّ فَتى أُناسٍ ∗∗∗ سَيُصْبِحُ سالِكًا تِلْكَ السَّبِيلًا

قالَ الرّاغِبُ: وقَدْ جاءَ ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٨] دُونَ ”قُلْ“، وجاءَ هُنا ”قُلْ“، فَبِدُونِ ”قُلْ“ هو اسْتِدْعاءٌ مِنهُ تَعالى لَهم إلى الحَقِّ، فَجَعَلَ خِطابَهم مِنهُ اسْتِلانَةً لِلْقَوْمِ؛ لِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى الِانْقِيادِ. ولَمّا قَصَدَ الغَضَّ مِنهم ذَكَرَ ”قُلْ“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ أنْ يُخاطِبَهم بِنَفْسِهِ، وإنْ كانَ كِلا الخِطابَيْنِ وصَلَ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ . وأطْلَقَ ”أهْلَ الكِتابِ“ عَلى المَدْحِ تارَةً، وعَلى الذَّمِّ أُخْرى. وأهْلُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى المَدْحِ؛ لِأنَّ الكِتابَ قَدْ يُرادُ بِهِ ما افْتَعَلُوهُ دُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، نَحْوَ: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] وقَدْ يُرادُ بِهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. وأيْضًا فَقَدْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ والتَّهَكُّمِ، كَما لَوْ قِيلَ: يا أهْلَ الكِتابِ، لِمَن لا يَعْمَلُ بِمُقْتَضاهُ. انْتَهى ما لُخِّصَ مِن كَلامِهِ. والهاءُ في ”يَبْغُونَها“ عائِدَةٌ عَلى السَّبِيلِ. قالَ الزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ: يَطْلُبُونَ لَها اعْوِجاجًا. تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي كَذا - بِوَصْلِ الألِفِ - أيِ اطْلُبْهُ. أيْ وأبْغِنِي - بِقَطْعِ الألِفِ - أعِنِّي عَلى طَلَبِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَبْغُونَها عِوَجًا وهو مُحالٌ ؟ (قُلْتُ) فِيهِ مَعْنَيانِ، أحَدُهُما: أنَّكم تَلْبِسُونَ عَلى النّاسِ حَتّى تُوهِمُوهم أنَّ فِيها عِوَجًا بِقَوْلِكم: إنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُنْسَخُ، وبِتَغْيِيرِكم صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ وجْهِها، ونَحْوِ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّكم تُتْعِبُونَ أنْفُسَكم في إخْفاءِ الحَقِّ وابْتِغاءِ ما لا يَتَأتّى لَكم مِن وُجُودِ العِوَجِ فِيما هو أقْوَمُ مِن كُلِّ مُسْتَقِيمٍ. انْتَهى. وقِيلَ: يَبْغُونَ هُنا مِنَ البَغْيِ، وهو التَّعَدِّي. أيْ يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْها، أوْ فِيها. ويَكُونُ عِوَجًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ نَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”تَبْغُونَ“، أيْ عِوَجًا مِنكم وعَدَمَ اسْتِقامَةٍ. انْتَهى. وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ عِوَجًا مَفْعُولًا بِهِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾“ تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في تَصُدُّونَ أوْ مِن سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ فِيها ضَمِيرَيْنِ يَرْجِعانِ إلَيْهِما.

وأنْتُمْ شُهَداءُ، أيْ بِالعَقْلِ نَحْوَ: ”﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]“ أيْ عارِفٌ بِعَقْلِهِ، وتارَةً بِالفِعْلِ …

Aal-i-Imraan 3:99Listen in Qur'an →
100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ لَمّا أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ صَدَّهم عَنِ الإسْلامِ المُؤْمِنِينَ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إغْواءِ الكُفّارِ وإضْلالِهِمْ وناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ؛ تَنْبِيهًا عَلى تَبايُنِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ ”قُلْ“ لِيَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا مِنهُ تَعالى لَهم وتَأْنِيسًا لَهم. وأبْرَزَ نَهْيَهُ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ وطَواعِيَّتِهِمْ في صُورَةٍ شَرْطِيَّةٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَقَعْ طاعَتُهم لَهم. والإشارَةُ بِـ ”﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾“ إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ، بِسَبَبِ ثائِرَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ. وأطْلَقَ الطَّواعِيَةَ لِتَدُلَّ عَلى عُمُومِ البَدَلِ، أيْ أنْ يَصْدُرَ مِنكم طَواعِيَةٌ ما في أيِّ شَيْءٍ كانَ مِمّا يُحاوِلُونَهُ مِن إضْلالِكم، ولَمْ يُقَيِّدِ الطّاعَةَ بِقِصَّةِ الأوْسِ والخَزْرَجِ عَلى ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ. والرَّدُّ هُنا التَّصْيِيرُ، أيْ يُصَيِّرُونَكم. والكُفْرُ المُشارُ إلَيْهِ هُنا لَيْسَ بِكُفْرٍ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو في إلْقاءِ العَداوَةِ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. ولَوْ وقَعَتْ لَكانَتْ مَعْصِيَةً لا كُفْرًا، إلّا أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ مُسْتَحِبِّينَ لَهُ. وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِتَحْسِينِ أهْلِ الكِتابِ لَهم مَنهِيًّا بَعْدَ مَنهِيٍّ، واسْتِدْراجُهم شَيْئًا فَشَيْئًا إلى أنْ يَخْرُجُوا عَنِ الإسْلامِ ويَصِيرُوا كافِرِينَ حَقِيقَةً. وانْتِصابُ كافِرِينَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”يَرُدَّ“؛ لِأنَّها هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ، كَقَوْلِهِ:

؎فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًا

وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.

﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] هَذا سُؤالُ اسْتِبْعادِ وُقُوعِ الكُفْرِ مِنهم مَعَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ وهُما: تِلاوَةُ كِتابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وهو القُرْآنُ الظّاهِرُ الإعْجازِ، وكَيْنُونَةُ الرَّسُولِ فِيهِمُ الظّاهِرُ عَلى يَدَيْهِ الخَوارِقُ. ووُجُودُ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ تُنافِي الكُفْرَ ولا تُجامِعُهُ، فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِمْ كُفْرٌ مَعَ ذَلِكَ. ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ وقَعَ مِنهُمُ الكُفْرُ، فَوُبِّخُوا عَلى وُقُوعِهِ؛ لِأنَّهم مُؤْمِنُونَ؛ ولِذَلِكَ نُودُوا بِقَوْلِهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. فَلَيْسَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البقرة: ٢٨] والرَّسُولُ هُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ بِلا خِلافٍ. والخِطابُ قالَ الزَّجّاجُ: لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ فِيهِمْ وهم يُشاهِدُونَهُ. وقِيلَ: لِجَمِيعِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ آثارَهُ وسُنَّتَهُ فِيهِمْ، وإنْ لَمْ يُشاهِدُوهُ. قالَ قَتادَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ عَلَمانِ بَيِّنانِ: كِتابُ اللَّهِ، ونَبِيُّ اللَّهِ. فَأمّا نَبِيُّ اللَّهِ فَقَدْ مَضى، وأمّا كِتابُ اللَّهِ فَأبْقاهُ اللَّهُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ رَحْمَةً مِنهُ ونِعْمَةً فِيهِ، حَلالُهُ وحَرامُهُ، وطاعَتُهُ ومَعْصِيَتُهُ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ الَّذِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم عَلى ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تُتْلى“ بِالتّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: ”يُتْلى“ بِالياءِ؛ لِأجْلِ الفَصْلِ، ولِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ الآياتِ هي القُرْآنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيكم رَسُولُهُ هي ظَرْفِيَّةُ الحُضُورِ والمُشاهَدَةِ لِشَخْصِهِ ﷺ وهو في أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِأقْوالِهِ …

Aal-i-Imraan 3:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.