إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ
Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.
﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وتَوْجِيهُ قِراءَةِ الحَسَنِ: والنّاسُ أجْمَعُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِمْ، وهُناكَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]؛ لِأنَّ هُناكَ جاءَ الإخْبارُ عَنْ مَن ماتَ كافِرًا، فَلِذَلِكَ تَحَتَّمَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى سَبَبِ النُّزُولِ ؟ وأنَّ أكْثَرَ الأقْوالِ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا ثُمَّ راجَعُوا الإسْلامَ ؟ ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ الكُفْرِ العَظِيمِ.
(وأصْلَحُوا) أيْ: ما أفْسَدُوا، أوْ: دَخَلُوا في الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: أمْسى زَيْدٌ أيْ: دَخَلَ في المَساءِ. وقِيلَ: مَعْنى أصْلَحُوا: أظْهَرُوا أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] .
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غَفُورٌ أيْ لِكُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وهُما صِيغَتا مُبالَغَةٍ دالَّتانِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِ عِيسى وبِالإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ. وقِيلَ: في اليَهُودِ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ، وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَّوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، والبُهْتِ، والسَّعْيِ عَلى الإسْلامِ قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوْ مَعْنى: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، تُمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اليَهُودُ، والمُرْتَدُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ نَحْوَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ مِن أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَإنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِبَكَّةَ ونَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
ويُفَسَّرُ بِهَذِهِ الأقْوالِ مَعْنى ازْدِيادِ الكُفْرِ، وهو بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ، إذِ الإيمانُ والكُفْرُ في التَّحْقِيقِ لا يَزْدادانِ ولا يَنْقُصانِ، وإنَّما تَحْصُلُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لِلْمُتَعَلِّقاتِ، فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَيْهِما عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وازْدادُوا: افْتَعَلُوا، مِنَ الزِّيادَةِ، وانْتِصابُ ”كُفْرًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، المَعْنى: ثُمَّ ازْدادَ كَفْرُهم، والدّالُ الأُولى بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ.
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَكُونُ مِنهم تَوْبَةٌ، ولا تُقْبَلُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ، وازْدادَ كُفْرًا، أمْ كانَ كافِرًا أوَّلَ مَرَّةٍ. فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَخْصِيصٍ، فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: نَفْيُ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِالحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ …