قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، وأنَّ كُفْرَ مَن كَفَرَ مِنهم لا يَضُرُّهُ شَيْئًا، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ،
• كَقَوْلِهِ عَنْ نَبِيِّهِ مُوسى: ﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]،
• وَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فاللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَأْمُرُ الخَلْقَ ويَنْهاهم لا لِأنَّهُ تَضُرُّهُ مَعْصِيَتُهم، ولا تَنْفَعُهُ طاعَتُهم، بَلْ نَفْعُ طاعَتِهِمْ لَهم وضَرَرُ مَعْصِيَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧]، وقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦]، وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] .
وَثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: «يا عِبادِي، لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى أتْقى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ مِنكم ما زادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا، يا عِبادِي، لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنكم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا» الحَدِيثَ.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَحُجَّ كافِرٌ، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ.
وَفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أوْجُهٌ لِلْعُلَماءِ. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أيْ: ومَن جَحَدَ فَرِيضَةَ الحَجِّ، فَقَدْ كَفَرَ واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وبِهِ قالَ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُ واحِدٍ قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ مِن أنَّهُما قالا لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، قالَتِ اليَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ.
فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلى المُسْلِمِينَ حَجَّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا، فَقالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنا، وأبَوْا أنْ يَحُجُّوا» . قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، أيْ: ومَن لَمْ يَحُجَّ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ البالِغِ في الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الحَجِّ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدادِ الثّابِتِ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ حِينَ سَألَهُ عَنْ قَتْلِ مَن أسْلَمَ مِنَ الكُفّارِ بَعْدَ أنْ قَطَعَ يَدَهُ في الحَرْبِ: «لا تَقْتُلْهُ، فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ، وإنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ» .
الوَجْهُ الثّالِثُ: حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها وأنَّ مَن لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن مَلَكَ زادًا وراحِلَةً، …