وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّۦنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍۢ وَحِكْمَةٍۢ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ
And [recall, O People of the Scripture], when Allah took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allah] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?" They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ} : في العامل في هذا الظرف أوجهٌ، أحدُها: «اذكر» إنْ كان الخطاب للنبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والثاني: «اذكروا» إن كان خطاباً لأهل الكتاب. الثالث: «اصطفى» فيكون معطوفاً على «إذ» المقدَّمةِ قبلها. وفيه بُعْدٌ، بل امتناعٌ لبُعْدِه. الرابع: أنَّ العامل فيه «قال» من قوله: «قال أأقررتم» وهو واضح جداً.
و {مِيثَاقَ} يجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله أو لمفعوله. وفي مصحف أُبي وعبد الله وقراءاتِهما: «ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب» مثلَ ما آخر السورة، وعن مجاهد بن جبر كذلك، وقال: «أخطأ الكاتب» وهذا خطأٌ من قائله كائناً مَنْ كان، ولا أظنُّه يصِحُّ عن مجاهد، وفإنه قرأ عليه مثلُ ابنِ كثير وأبي عمرو ابن العلاء، ولم ينقلْ واحدٌ منهما عنه شيئاً من ذلك.
والمعنى على القراءةِ الشهيرة صحيحٌ، وقد ذَكَر الناسُ فيها أوجهاً، أحدُها: أنَّ الكلامَ على ظاهره وأن الله تعالى أخذ الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضَهم بعضاً وينصرُ بعضُهم بعضاً، بمعنى أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبيَّ الذي بعدَه ولا يَخْذُلوه، وهذا مَرْوِيٌّ عن جماعة. الثاني: أن الميثاق مضاف لفاعله والموثَقُ عليه غيرُ مذكورٍ لفَهْمِ المعنى، والتقدير: ميثاقَ النبيين على أممهم، ويؤيده قراءةُ أُبيّ وعبد الله، ويؤيدُه أيضاً قولُه: {فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك} . الثالث: أنه على حذف مضاف تقديرُه: ميثاقُ أمم الأنبياء أو أتباعِ، ويؤيده ما أيَّد ما قبله أيضاً وقوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} .
الرابع: قال الزمخشري: «أَنْ يُراد أهلُ الكتاب، وأَنْ يَرُدَّ على زَعْمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون: نحن أَوْلى بالنبوة من محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنَّا أهل كتاب ومنا كان النبيون» وهذا الذي قاله بعيد جداً، كيف يُسَمِّيهم أنبياءً تهكماً بهم، ولم يكن ثَم قرينةٌ تبيِّن ذلك؟
قوله: {لَمَآ آتَيْتُكُم} العامةُ: «لَما» بفتح اللام وتخفيف الميم، وحمزةُ وحده على كسر اللام، وسعيد بن جبير والحسن: لَمَّا بالفتح والتشديد.
فأمَّا قراءة العامة ففيها خمسة أوجه: أحدُها: أن تكون «ما» موصولةً بمعنى الذي وهي مفعولةٌ بفعل محذوف، وذلك الفعلُ هو جوابُ القسم، والتقدير: والله لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتابٍ، قال هذا القائل: لأنَّ لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دَلَّت هذه اللامُ على الفعل حُذِف، ثم قال تعالى: «ثم جاءكم رسول وهو محمد صلى الله عليه سلم» قال: «وعلى هذا التقدير يستقيم النظم» . قلت: «وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوزَ البتة، إذ يمتنع أن تقولَ في نظيرِه من الكلام:» واللهِ لزيداً «تريد: والله لتضرِبَنَّ زيداً.
الوجه الثاني: وهو قول أبي عليّ وغيره أن تكونَ اللامُ في «لَما» جوابَ قوله: {مِيثَاقَ النبيين} لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي لامُ الابتداء المُتَلَقَّى بها القسمُ، و «ما» مبتدأةٌ موصولة و «آتيناكم» صلتُها، والعائد محذوف تقديره: آتيناكموه، فَحُذِفَ لاستكمال شروطه، و «من كتاب» حال: إمَّا من الموصول وإمَّا من عائده، وقوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} عطفٌ على الصلة، وحينئذ فلا بُدَّ من رابطٍ يربطُ هذه الجملةَ بما قبلَها فإنَّ المعطوفَ على الصلة صلةٌ، واختلفوا في ذلك: فذهب بعضهم إلى أنه محذوفٌ تقديره: «ثم جاءكم رسول به» فَحُذِف «به» لطول الكلام ولدلالة المعنى عليه، وهذا لا يجوزُ؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَفْ إلا بشروطٍ تقدَّمت، هي مفقودةٌ هنا، وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفته، ومنهم مَنْ قال: الربطُ حصل هنا بالظاهر، لأن هذا الظاهر وهو قوله: «لِما معكم» صادقٌ على قوله: «لِما آتيناكم» فهو نظير: «أبو سعيد الذي رَوَيْتُ عن الخِدْريّ، والحَجَّاج الذي رأيتُ ابنُ يوسف» ، وقال:
1348 - فيا رَبَّ ليلى أَنْتَ في كلِّ موطن ... وأنت الذي في رحمةِ اللهِ أَطْمَعُ
يريدون: عنه ورأيته وفي …