Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 81–90 of 200

81

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّۦنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍۢ وَحِكْمَةٍۢ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ

And [recall, O People of the Scripture], when Allah took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allah] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?" They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."

﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُخاطَبٍ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أيِ اُذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، واخْتارَ السَّمِينُ كَوْنَهُ مَعْمُولًا لِ (أقْرَرْتُمْ) الآتِي، وضَعَّفَهُ عَبْدُ الباقِي بِأنَّ خِطابَ ﴿أقْرَرْتُمْ﴾ بَعْدَ تَحَقُّقِ أخْذِ المِيثاقِ، وفِيهِ تَرَدُّدٌ، وعَطْفُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ كَما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ بَعِيدٌ.

واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنَ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّها عَلى ظاهِرِها ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، قالَ: ”لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ إلّا أخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ في مُحَمَّدٍ ﷺ، لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، ويَأْمُرُهُ فَيَأْخُذُ العَهْدَ عَلى قَوْمِهِ“ ثُمَّ تَلا الآيَةَ، وعَدَمُ ذِكْرِ الأُمَمِ فِيها حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّهم مَعْلُومُونَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى أوْ لِأنَّهُ اِسْتَغْنى بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَفي الآيَةِ اِكْتِفاءٌ ولَيْسَ فِيها الجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ.

وقِيلَ: إنَّ إضافَةَ المِيثاقِ إلى النَّبِيِّينَ إضافَةٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ النَّبِيُّونَ عَلى أُمَمِهِمْ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَما آتَيْتُكُمْ) الخ، ونَحْنُ نَقْرَأُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، وأشارَ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى أنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَما تُوُهِّمَ حَتّى ظُنَّ أنَّ ذَلِكَ مَنشَأُ قَوْلِ مُجاهِدٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ أنَّ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ خَطَأٌ مِنَ الكِتابِ، وأنَّ الآيَةَ كَما قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لا يَصْلُحُ ذَلِكَ وحْدَهُ مَنشَأٌ وإلّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ بَلِ المَنشَأُ لِذَلِكَ إنْ صَحَّ، ولا أظُنُّ ما يُعْلَمُ بَعْدَ التَّأمُّلِ فِيما أسْلَفْناهُ في المُقَدِّماتِ وبَسَطْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في «اَلْأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ».

وقِيلَ: المُرادُ أُمَمُ النَّبِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ وقِيلَ: المُضافُ المَحْذُوفُ أوْلادٌ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى الصَّحِيحِ بَنُو إسْرائِيلَ لِكَثْرَةِ أوْلادِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، وأنَّ السِّياقَ في شَأْنِهِمْ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ المُشارِ إلَيْها، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقًا مِثْلَ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ أيْ مِيثاقًا غَلِيظًا عَلى الأُمَمِ، ثُمَّ جَعَلَ مِيثاقَهم نَفْسَ مِيثاقِهِمْ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ النَّبِيِّينَ بَنُو إسْرائِيلَ وسَمّاهم بِذَلِكَ تَهَكُّمًا لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ لِأنّا أهْلَ الكِتابِ والنَّبِيُّونَ كانُوا مِنّا، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَنِ اِئْتَمَنتَهُ عَلى شَيْءٍ فَخانَ فِيهِ ثُمَّ زَعَمَ الأمانَةَ: يا أمِينُ ماذا صَنَعْتَ …

Aal-i-Imraan 3:81Listen in Qur'an →
82

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.

﴿فَمَن تَوَلّى﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ونُصْرَتِهِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المِيثاقِ والإقْرارِ والتَّوْكِيدِ بِالشَّهادَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) مُراعًى مَعْناهُ كَما رُوعِيَ مِن قَبْلُ لَفْظُها ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [ 82 ] أيِ الخارِجُونَ في الكُفْرِ إلى أفْحَشِ مَراتِبِهِ، والمَشْهُورُ عَدَمُ دُخُولِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ، أوْ ما هي في حُكْمِها لِأنَّهم أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ يُتَصَوَّرَ في حَقِّهِمْ ثُبُوتُ المُقَدَّمِ لِيَتَّصِفُوا، وحاشاهم بِما تَضَمَّنَهُ التّالِي بَلْ هَذا الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى أتْباعِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ العُمُومَ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ .

Aal-i-Imraan 3:82Listen in Qur'an →
83

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

So is it other than the religion of Allah they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?

﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ ذَكَرَ الواحِدِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ «”اِخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابَيْنِ إلى رَسُولِ اللَّهِ

صفحة 213

ﷺ فِيما اِخْتَلَفُوا بَيْنَهم مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ فِرْقَةٍ زَعَمَتْ أنَّها أوْلى بِدِينِهِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: كِلًا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ فَغَضِبُوا وقالُوا: واَللَّهِ ما نَرْضى بِقَضائِكَ ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» والجُمْلَةُ في النَّظْمِ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقِيلَ: عَلى الجَزاءِ فَقَطْ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ مُغْتَفَرٌ هُنا عِنْدَ المانِعِينَ، والهَمْزَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلْإنْكارِ، وقِيلَ: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ أيَتَوَلَّوْنَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، قالَ اِبْنُ هِشامٍ: والأوَّلُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَزَمَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَواضِعَ، وجَوَّزَ الثّانِيَ في بَعْضٍ ويُضَعِّفُهُ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، أمّا الأوَّلُ: فَلِدَعْوى حَذْفِ الجُمْلَةِ فَإنْ قُوبِلَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ المَعْطُوفِ فَقَدْ يُقالُ إنَّهُ أسْهَلُ مِنهُ لِأنَّ المُتَجَوِّزَ فِيهِ عَلى قَوْلِهِمْ أقَلُّ لَفْظًا مَعَ أنَّ في هَذا التَّجَوُّزِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَةِ شَيْءٍ في شَيْءٍ، أيْ أصالَةِ الهَمْزَةِ في التَّصَدُّرِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ في نَحْوِ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ اِنْتَهى.

وتَعَقَّبَهُ الشَّمْسُ بْنُ الصّائِغِ بِأنَّهُ أيُّ مانِعٍ مِن تَقْدِيرِ ألا مُدَبِّرٌ لِلْمَوْجُوداتِ فَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المَقْصُودِ بِهِ تَقْرِيرَ ثُبُوتِ الصّانِعِ، والمَعْنى أيَنْتَفِي المُدَبِّرُ، فَلا أحَدَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، لا يُمْكِنُ ذَلِكَ، بَلِ المُدَبِّرُ مَوْجُودٌ فالقائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ هو وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ البَدْرِ اِبْنِ الدَّمامِينِيِّ أهم ضالُّونَ فَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ، وجَعْلُهُ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ وعَلى العِلّاتِ يُوشِكُ أنَّ يَكُونَ التَّفْصِيلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أوْلى بِأنْ يُقالَ: إنِ اِنْساقَ ذَلِكَ المُقَدَّرُ لِلذِّهْنِ قِيلَ: بِالتَّقْدِيرِ، وإلّا قِيلَ: بِما قالَهُ الجَماعَةُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ لا لِلْحَصْرِ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ المُنْكَرَ اِتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ رَبًّا ولَوْ مَعَهُ، ودَعْوى أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ دِينَ غَيْرِ اللَّهِ لا يُجامِعُ دِينَهُ في الطَّلَبِ، فالتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ - والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ أيْ أيَخُصُّونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ بِالطَّلَبِ - تَكَلُّفٌ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ تَعْلِيلَ التَّقْدِيمِ بِما تَقَدَّمَ لا تَحْقِيقَ فِيهِ لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ لا يَتَوَجَّهُ إلى الذَّواتِ، وإنَّما يَتَوَجَّهُ إلى الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فاَلَّذِي أنْكَرَ إنَّما هو الِابْتِغاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾، وإنَّما جاءَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ مِن بابِ الِاتِّساعِ، ولِشَبَهِ ﴿يَبْغُونَ﴾ بِالفاصِلَةِ لا تَحْقِيقَ فِيهِ عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ لِأنّا لَمْ نَدَّعِ تَوَجُّهَ الإنْكارِ إلى الذَّواتِ، كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ لِحَفْصٍ ويَعْقُوبُ يَبْغُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ …

Aal-i-Imraan 3:83Listen in Qur'an →
84

قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Say, "We have believed in Allah and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants, and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."

﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ والمُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ بِما ذَكَرَ، فَضَمِيرُ (آمَنّا) لِلنَّبِيِّ ﷺ والأُمَّةِ، وقالَ المَوْلى عَبْدُ الباقِي: لَمّا أخَذَ اللَّهُ تَعالى المِيثاقَ مِنَ النَّبِيِّينَ أنْفُسَهم أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَنْصُرُوهُ أمَرَ مُحَمَّدًا أيْضًا ﷺ أنْ يُؤْمِنَ بِالأنْبِياءِ المُؤْمِنِينَ بِهِ وبِكُتُبِهِمْ فَيَكُونُ ﴿آمَنّا﴾ في مَوْضِعِ آمَنتَ لِتَعْظِيمِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، أوْ لَمّا عَهِدَ مَعَ النَّبِيِّينَ وأُمَمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمَّتَهُ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ وبِكُتُبِهِمْ.

والحاصِلُ أخْذُ المِيثاقِ مِنَ الجانِبَيْنِ عَلى الإيمانِ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ ولَمْ يَتَعَرَّضْ هُنا لِحِكْمَةِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ إمّا لِأنَّ الإيمانَ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ إيمانٌ بِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ شَرِيعَتَهم مَنسُوخَةٌ في زَمَنِ هَذا النَّبِيِّ ﷺ وكِلاهُما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الحِكْمَةِ بِمَعْنى الشَّرِيعَةِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم إذْ لا مَجالَ بِوَجْهٍ لِنُصْرَةِ السَّلَفِ، ويُؤَيِّدُ دَعْوى أخْذِ المِيثاقِ مِنَ الجانِبَيْنِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ طاوُسَ أنَّهُ قالَ: أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا.

﴿وما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ وهو القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ﷺ أوَّلًا وعَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ تَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ومِن هُنا أتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ الإنْزالُ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وحْدَهُ، ولَكِنْ نُسِبَ إلى الجَمْعِ ما هو مَنسُوبٌ لِواحِدٍ مِنهُ مَجازًا عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النُّونُ نُونَ العَظَمَةِ لا ضَمِيرَ الجَماعَةِ،

صفحة 215

وعُدِّيَ الإنْزالُ هُنا بِ عَلى وفي البَقَرَةِ بِ إلى لِأنَّهُ لَهُ جِهَةُ عُلُوٍّ بِاعْتِبارِ اِبْتِدائِهِ وانْتِهاءً بِاعْتِبارِ آخِرِهِ، وقَدْ جُعِلَ الخِطابُ هُنا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَناسَبَهُ الِاسْتِعْلاءُ وهُناكَ لِلْعُمُومِ فَناسَبَ الِانْتِهاءَ، كَذا قِيلَ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا﴾ والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المُعَدّى بِ إلى والمُعَدّى بِعَلى إلّا بِالِاعْتِبارِ، فَإنِ اِعْتَبَرْتَ مَبْدَأهُ عَدَّيْتَهُ بِ عَلى لِأنَّهُ فَوْقانِيٌّ، وإنِ اِعْتَبَرْتَ اِنْتِهاءَهُ إلى مَن هو لَهُ عَدَّيْتَهُ بِ إلى، ويُلاحَظُ أحَدُ الِاعْتِبارَيْنِ تارَةً والآخَرُ أُخْرى تَفَنُّنًا بِالعِبارَةِ، وفَرَّقَ الرّاغِبُ بِأنَّ ما كانَ واصِلًا مِنَ المَلَأِ الأعْلى بِلا واسِطَةٍ كانَ لَفْظٌ عَلى المُخْتَصِّ بِالعُلُوِّ أوْلى بِهِ، وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ لَفْظٌ إلى المُخْتَصِّ بِالإيصالِ أوْلى بِهِ، وقِيلَ: أنْزَلَ عَلَيْهِ يُحْمَلُ عَلى أمْرِ المَنزَلِ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، وأنْزَلَ إلَيْهِ يُحْمَلُ عَلى ما خَصَّ بِهِ نَفْسَهُ لِأنَّ إلَيْهِ اِنْتِهاءَ الإنْزالِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

﴿وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ قِيلَ: خَصَّ هَؤُلاءِ الكِرامَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِمْ وكُتُبِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الصُّحُفُ كَما هو الظّاهِرُ وقَدَّمَ المَنزَلُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى المَنزَلِ عَلَيْهِمْ إمّا لِتَعْظِيمِهِ والِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:84Listen in Qur'an →
85

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَٰمِ دِينًۭا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And whoever desires other than Islam as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ اِرْتَدُّوا وكانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وخَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ وأتَوْا مَكَّةَ كُفّارًا، مِنهُمُ الحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ الأنْصارِيُّ، والإسْلامُ قِيلَ: التَّوْحِيدُ والِانْقِيادُ، وقِيلَ: شَرِيعَةُ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن تَحَرّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَهو غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهُ، وقَبُولُ الشَّيْءِ هو الرِّضا بِهِ وإثابَةُ فاعِلِهِ عَلَيْهِ، وانْتِصابُ (دِينًا) عَلى التَّمْيِيزِ مِن (غَيْرَ) وهي مَفْعُولُ (يَبْتَغِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (دِينًا) مَفْعُولُ (يَبْتَغِ) و(غَيْرَ) صِفَةٌ قُدِّمَتْ فَصارَتْ حالًا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿غَيْرَ الإسْلامِ﴾ والجُمْهُورُ عَلى إظْهارِ الغَيْنَيْنِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الِادِّغامُ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ كَسْرَةَ الغَيْنِ الأُولى تَدُلُّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.

﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [ 85 ] إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ جَزْمٍ، وإمّا في مَحَلِّ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، و﴿فِي الآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ أيْ وهو خاسِرٌ في الآخِرَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالخاسِرِينَ عَلى

صفحة 216

أنَّ الألِفَ واللّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً بَلْ هي حَرْفُ تَعْرِيفٍ، والخُسْرانُ في الآخِرَةِ هو حِرْمانُ الثَّوابِ وحُصُولُ العِقابِ، وقِيلَ: أصْلُ الخُسْرانِ ذَهابُ رَأْسِ المالِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَضْيِيعُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ المُشارِ إلَيْها في حَدِيثِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وعَدَمُ الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ وظُهُورُهُ بِتَحَقُّقِ ضِدِّهِ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ والتَّعْبِيرُ بِالخاسِرِينَ أبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِخاسِرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما قَبْلُ وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولِذا تُرِكَ مَفْعُولُهُ، والمَعْنى وهو مِن جُمْلَةِ الواقِعِينَ في الخُسْرانِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ إذْ لَوْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يُقْبَلْ، واللّازِمُ باطِلٌ بِالضَّرُورَةِ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ يَنْفِي قَبُولَ كُلِّ دِينٍ يُبايِنُ دِينَ الإسْلامِ والإيمانِ، وإنْ كانَ ﴿غَيْرَ الإسْلامِ﴾ لَكِنَّهُ لا يُغايِرُ دِينَ الإسْلامِ بَلْ هو هو بِحَسَبِ الذّاتِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المُغايَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ يَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ الأُولى عَلى العُرْفِ الشَّرْعِيِّ، والثّانِيَةُ عَلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.

Aal-i-Imraan 3:85Listen in Qur'an →
86

كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًۭا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

How shall Allah guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى رَأوْا نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ في كِتابِهِمْ وأقَرُّوا وشَهِدُوا أنَّهُ حَقٌّ، فَلَمّا بُعِثَ مَن غَيْرِهِمْ حَسَدُوا العَرَبَ عَلى ذَلِكَ فَأنْكَرُوهُ وكَفَرُوا بَعْدَ إقْرارِهِمْ حَسَدًا لِلْعَرَبِ حِينَ بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ والحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ في اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ كَتَبُوا إلى أهْلِهِمْ هَلْ لَنا مِن تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَلى هَذا، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ اِسْتِبْعادُ أنْ يَهْدِيَهم أيْ يَدُلَّهم دَلالَةً مُوَصِّلَةً لا مُطْلَقَ الدَّلالَةِ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى كَيْفَ يَسَلُكُ بِهِمْ سَبِيلَ المَهْدِيِّينَ بِالإثابَةِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ كَما يُقالُ: كَيْفَ أهْدِيكَ إلى الطَّرِيقِ وقَدْ تَرَكْتَهُ، أيْ لا طَرِيقَ يَهْدِيهِمْ بِهِ إلى الإيمانِ إلّا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي هَداهم بِهِ، وقَدْ تَرَكُوهُ ولا طَرِيقَ غَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ كَيْفَ يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ ويُثِيبُهم والحالُ ما تَرى؟!

﴿وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ (حَقٌّ) لا شَكَّ في رِسالَتِهِ ﴿وجاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ البَراهِينُ والحُجَجُ النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ ما يَدَّعِيهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: ما في كُتُبِهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وشَهِدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ما في إيمانِهِمْ مِن مَعْنى الفِعْلِ لِأنَّهُ بِمَعْنى آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى المَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ لا عَلى التَّوَهُّمِ كَما تُوُهِّمَ؛ واخْتارَ بَعْضُهم تَأْوِيلَ المَعْطُوفِ لِيَصِحَّ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ الصَّرِيحِ قَبْلَهُ بِأنْ يُقَدَّرَ مَعَهُ أنِ المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: وإنْ شَهِدُوا، أيْ وشَهادَتُهم عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:

ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ

وإلى هَذا ذَهَبُ الرّاغِبُ وأبُو البَقاءِ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ﴿كَفَرُوا﴾ وفَسادُ المَعْنى يَدْفَعُهُ أنَّ العَطْفَ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَلْيَكُنِ المُنْكَرُ الشَّهادَةَ المُقارَنَةَ بِالكُفْرِ أوِ المُتَقَدِّمَةَ عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الظّاهِرَ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ وشَهادَتُهم هَذِهِ لَمْ تَكُنْ بَعْدَ إيمانِهِمْ بَلْ مَعَهُ أوْ قَبْلَهُ؛ وأُجِيبَ بِالمَنعِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ تَقْيِيدُ

صفحة 217

المَعْطُوفِ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ولَوْ قُصِدَ ذَلِكَ لَأُخِّرَ، وقِيلَ: يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ العَطْفِ أنَّهم لَيْسُوا جامِعِينَ بَيْنَ الشَّهادَةِ والكُفْرِ، وأُجِيبَ بِالمَنعِ بَلْ هم جامِعُونَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعًا، ومِنَ النّاسِ مِن جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿كَفَرُوا﴾ ولَمْ يَتَكَلَّفْ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ في المُنافِقِينَ وهو خِلافُ المَنقُولِ والمَعْقُولِ، والأكْثَرُونَ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى اِخْتِيارِ الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿كَفَرُوا﴾ وقَدْ مَعَهُ مُقَدَّرَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ يَهْدِي لِأنَّهُ يَهْدِي مَن شَهِدَ أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وعَلَيْهِ وعَلى تَقْدِيرِ …

Aal-i-Imraan 3:86Listen in Qur'an →
87

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allah and the angels and the people, all together,

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُونَ المُتَّصِفُونَ بِأشْنَعِ الصِّفاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ جَزاءُ فِعْلِهِمْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [ 87 ] خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، قِيلَ: وهَذا يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ، ومَفْهُومُهُ يَنْفِي جَوازَ لَعْنِ غَيْرِهِمْ، ولَعَلَّ الفَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ حَتّى خَصَّ اللَّعْنَ بِهِمْ أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ مَمْنُوعُونَ بِسَبَبِ خَباثَةِ ذَواتِهِمْ وقُبْحِ اِسْتِعْدادِهِمْ مِنَ الهُدى آيِسُونَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، والخِلافُ في لَعْنِ أقْوامٍ بِأعْيانِهِمْ مِمَّنْ ورَدَ لَعْنُ أنْواعِهِمْ كَشارِبِ خَمْرٍ مُعَيَّنٍ مَثَلًا مَشْهُورٌ، والنَّوَوِيُّ عَلى جَوازِهِ اِسْتِدْلالًا بِما ورَدَ «أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِحِمارٍ وُسِمَ في وجْهِهِ فَقالَ: ”لَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَن فَعَلَ هَذا“،» وبِما صَحَّ أنَّ المَلائِكَةَ تَلْعَنُ مَن خَرَجَتْ مِن بَيْتِها بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِها، وأُجِيبَ بِأنَّ اللَّعْنَ هُناكَ لِلْجِنْسِ الدّاخِلِ فِيهِ الشَّخْصِ أيْضًا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ كَتَأْوِيلِ إنَّ وراكِبِها بِذَلِكَ والِاحْتِياطُ لا يَخْفى، والمُرادُ مِنَ النّاسِ إمّا المُؤْمِنُونَ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ، أوِ المُطْلَقُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَلْعَنُ مَن لَمْ يَتَّبِعِ الحَقَّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ مُتَّبِعٍ بِناءً عَلى زَعْمِهِ.

Aal-i-Imraan 3:87Listen in Qur'an →
88

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّعْنَةِ أوْ لِلْعُقُوبَةِ أوْ لِلنّارِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ اِكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللَّعْنَةِ عَلَيْها ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [ 88 ] أيْ لا يُمْهَلُونَ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهُمُ العَذابُ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ آخَرَ، أوْ لا يُنْظَرُ إلَيْهِمْ ولا يُعْتَدُّ بِهِمْ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

Aal-i-Imraan 3:88Listen in Qur'an →
89

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

Except for those who repent after that and correct themselves. For indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ الكُفْرِ الَّذِي اِرْتَكَبُوهُ بَعْدَ الإيمانِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ دَخَلُوا في الصَّلاحِ بِناءً عَلى أنَّ الفِعْلَ لازِمٌ مِن قَبِيلِ أصْبَحُوا أيْ دَخَلُوا في الصَّباحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ أصْلَحُوا ما أفْسَدُوا، فَفِيهِ إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى أنَّ مُجَرَّدَ النَّدَمِ عَلى ما مَضى مِنَ الِارْتِدادِ والعَزْمَ عَلى تَرْكِهِ في الِاسْتِقْبالِ غَيْرُ كافٍ، لِما أخَلُّوا بِهِ مِنَ الحُقُوقِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مُجَرَّدَ التَّوْبَةِ يُوجِبُ تَخْفِيفَ العَذابِ ونَظَرَ الحَقِّ إلَيْهِمْ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ تَقْيِيدًا بَلْ بَيانًا لِأنْ يُصْلِحَ ما فَسَدَ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِوارِدٍ لِأنَّ مُجَرَّدَ النَّدَمِ والعَزْمِ

صفحة 218

عَلى تَرْكِ الكُفْرِ في المُسْتَقْبَلِ لا يُخْرِجُهُ مِنهُ فَهو بَيانٌ لِلتَّوْبَةِ المُعْتَدُّ بِها، فالمَآلُ واحِدٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ 89 ] أيْ فَيَغْفِرُ كُفْرَهم ويُثِيبُهُمْ، وقِيلَ: ﴿غَفُورٌ﴾ لَهم في الدُّنْيا بِالسَّتْرِ عَلى قَبائِحِهِمْ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ عَنْهم ولا يَخْفى بُعْدُهُ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ.

Aal-i-Imraan 3:89Listen in Qur'an →
90

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ

Indeed, those who reject the message after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ قالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ وكُتُبِهِمْ، ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ، وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِالإصْرارِ والعِنادِ والصَّدِّ عَنِ السَّبِيلِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحَسَنِ، وقِيلَ: في أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ فَإنَّهُ لَمّا رَجَعَ قالُوا: نُقِيمُ بِمَكَّةَ عَلى الكُفْرِ ما بَدا لَنا فَمَتى أرَدْنا الرَّجْعَةَ رَجَعْنا فَيَنْزِلُ فِينا ما نَزَلَ في الحَرْثِ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن أصْحابِهِ مِمَّنْ كانَ يَكْفُرُ ثُمَّ يُراجِعُ الإسْلامَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ، و﴿كُفْرًا﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ فاعِلٍ، والدّالُ الأُولى في ﴿ازْدادُوا﴾ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ لِوُقُوعِها بَعْدَ الزّايِ.

﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والجُبّائِيُّ: لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدُ حُضُورِ المَوْتِ والمُعايَنَةِ وعِنْدَ ذَلِكَ لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الكافِرِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِأنَّها لَمْ تَكُنْ عَنْ قَلْبٍ، وإنَّما كانَتْ نِفاقًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَبِيلِ:

ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ

أيْ لا تَوْبَةَ لَهم حَتّى تُقْبَلَ لِأنَّهم لَمْ يُوَفَّقُوا لَها، فَهو مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ، كَما قالَ العَلّامَةُ دُونَ المَجازِ حَيْثُ أُرِيدَ بِالكَلامِ مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى المَلْزُومِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يُنافِي هَذا ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ وتَقَرَّرَ في الشَّرْعِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لَمْ تَكُنْ عَنِ الكُفْرِ وإنَّما هي عَنْ ذُنُوبٍ كانُوا يَفْعَلُونَها مَعَهُ فَتابُوا عَنْها مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ والنَّصارى كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِذُنُوبٍ أذْنَبُوها ثُمَّ ذَهَبُوا يَتُوبُونَ مِن تِلْكَ الذُّنُوبِ في كُفْرِهِمْ فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُمْ، ولَوْ كانُوا عَلى الهُدى قُبِلَتْ ولَكِنَّهم عَلى ضَلالَةٍ، وتَجِيءُ عَلى هَذا مَسْألَةُ تَكْلِيفِ الكافِرِ بِالفُرُوعِ وقَدْ بُسِطَ الكَلامُ عَلَيْها في الأُصُولِ.

﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ [ 90 ] عَطْفٌ إمّا عَلى خَبَرِ (إنَّ) فَمَحَلُّها الرَّفْعُ، وإمّا عَلى (إنَّ) مَعَ اِسْمِها فَلا مَحَلَّ لَها، و﴿الضّالُّونَ﴾ المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والنَّجاةِ، وقِيلَ: الهالِكُونَ المُعَذَّبُونَ، والحَصْرُ بِاعْتِبارِ أنَّهم كامِلُونَ في الضَّلالِ فَلا يُنافِي وُجُودَ الضَّلالِ في غَيْرِهِمْ أيْضًا.

Aal-i-Imraan 3:90Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.