قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ .
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَعْنِي إذا أخَّرُوا التَّوْبَةَ إلى حُضُورِ المَوْتِ فَتابُوا حِينَئِذٍ، وهَذا التَّفْسِيرُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨] . وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، ولا سِيَّما إذا اتَّحَدَ الحُكْمُ والسَّبَبُ كَما هُنا.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم لَنْ يُوَفَّقُوا لِلتَّوْبَةِ حَتّى تُقْبَلَ مِنهم ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، فَعَدَمُ غُفْرانِهِ لَهم لِعَدَمِ هِدايَتِهِمُ السَّبِيلَ الَّذِي يَغْفِرُ لِصاحِبِهِ ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرْتَدِّينَ بَعْدَ إيمانِهِمُ المُزْدادِينَ كُفْرًا لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهم إذا تابُوا لِأنَّهُ عَبَّرَ بِلَنِ الدّالَّةِ عَلى نَفْيِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ أنَّهُ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ كُلِّ تائِبٍ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
فَإنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ قَبْلَ إتْيانِ بَعْضِ الآياتِ مَقْبُولَةٌ مِن كَلِّ تائِبٍ، وصَرَّحَ تَعالى بِدُخُولِ المُرْتَدِّينَ في قَبُولِ التَّوْبَةِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مُباشَرَةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩] .
فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ راجِعٌ إلى المُرْتَدِّينَ بَعْدَ الإيمانِ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ واللَّعْنَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٧] .
لِأنَّ مَفْهُومَهُ أنَّهُ تابَ قَبْلَ المَوْتِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ مُطْلَقًا، والجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ ونَقَلَهُ عَنْ رُفَيْعٍ أبِي العالِيَةِ أنَّ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اليَهُودِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِما أصابُوا مِنَ الذُّنُوبِ في كُفْرِهِمْ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أصابُوها في كُفْرِهِمْ حَتّى يَتُوبُوا مِن كُفْرِهِمْ، ويَدُلُّ لِهَذا …