فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ
Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allah upon the liars [among us]."
﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ أيْ جادَلَكَ وخاصَمَكَ مِن وفْدِ نَصارى نَجْرانَ إذْ هُمُ المُتَصَدُّونَ لِذَلِكَ (فِيهِ) أيْ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وصاحِبُ القِصَّةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَقِّ المُتَقَدِّمِ لِقُرْبِهِ وعَدَمِ بُعْدِ المَعْنى ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾ أيِ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، وإطْلاقُ العِلْمِ عَلَيْها إمّا حَقِيقَةٌ لِأنَّها كَما قِيلَ: نَوْعٌ مِنهُ، وإمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المُحاجَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأدِلَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ الأخِيرُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿جاءَكَ﴾ الرّاجِعِ إلى (ما) المَوْصُولَةِ، و(مِن) مِن ذَلِكَ تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ.
(فَقُلْ) أيْ لِمَن حاجَّكَ ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ أقْبِلُوا بِالرَّأْيِ والعَزِيمَةِ، وأصْلُهُ طَلَبُ الإقْبالِ إلى مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في مُجَرَّدِ طَلَبِ المَجِيءِ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ لِلْمُباهَلَةِ، وفي تَقْدِيمِ مَن قُدِّمَ عَلى النَّفْسِ في المُباهَلَةِ مَعَ أنَّها مِن مَظانِّ
صفحة 188
التَّلَفِ والرَّجُلُ يُخاطِرُ لَهم بِنَفْسِهِ إيذانًا بِكَمالِ أمْنِهِ ﷺ وكَمالِ يَقِينِهِ في إحاطَةِ حَفْظِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، ولِذَلِكَ -مَعَ رِعايَةِ الأصْلِ في الصِّيغَةِ فَإنَّ غَيْرَ المُتَكَلِّمِ تَبَعٌ لَهُ في الإسْنادِ- قَدَّمَ ﷺ جانِبَهُ عَلى جانِبِ المُخاطَبِينَ.
﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ نَتَباهَلْ، فالِافْتِعالُ هُنا بِمَعْنى المُفاعَلَةِ، وافْتَعَلَ وتَفاعَلَ أخَوانِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كاشْتَوَرَ وتَشاوَرَ، واجْتَوَرَ وتَجاوَرَ، والأصْلُ في البُهْلَةِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ فِيهِ كَما قِيلَ اللَّعْنَةُ، والدُّعاءُ بِها، ثُمَّ شاعَتْ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ تَعالى في حاجَتِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: بَهْلُ الشَّيْءِ والبَعِيرِ إهْمالُهُ وتَخْلِيَتُهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في الِاسْتِرْسالِ في الدُّعاءِ سَواءٌ كانَ لَعْنًا أوْ لا، إلّا أنَّهُ هُنا يُفَسَّرُ بِاللَّعْنِ لِأنَّهُ المُرادُ الواقِعُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ [ 61 ] أيْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (نَبْتَهِلْ) مُفَسِّرٌ لِلْمُرادِ مِنهُ، أيْ نَقُولُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ، أوِ اللَّهُمَّ اِلْعَنِ الكاذِبِينَ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ: «”أنَّ العاقِبَ والسَّيِّدَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُلاعِنَهُما فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تُلاعِنْهُ فَواَللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقْبُنا مِن بَعْدِنا، فَقالُوا لَهُ: نُعْطِيكَ ما سَألْتَ فابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا أمِينًا، فَقالَ: قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ، فَلَمّا قامَ قالَ هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ“».
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ عَطاءٍ والضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ ثَمانِيَةً مِن أساقِفَةِ أهْلِ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُمُ العاقِبُ والسَّيِّدُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ الآيَةَ، فَقالُوا: أخِّرْنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَذَهَبُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فاسْتَشارُوهُمْ، فَأشارُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصالِحُوهُ ولا يُلاعِنُوهُ، وقالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في التَّوْراةِ فَصالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى ألْفِ حُلَّةٍ في صَفَرَ وألْفٍ في رَجَبَ ودَراهِمَ»،» ورُوِيَ …