Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 51–60 of 200

51

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ

Indeed, Allah is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path."

﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [ 51 ] بَيانٌ لِلْآيَةِ المَأْتِيِّ بِها عَلى مَعْنى هي قَوْلِي: إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مِمّا أجْمَعَ الرُّسُلُ عَلى حَقِّيَّتِهِ ودَعَوُا النّاسَ إلَيْهِ كانَ آيَةً دالَّةً عَلى رِسالَتِهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالآيَةِ عَلى هَذا المُعْجِزَةَ لِيَرِدَ أنَّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ قَدْ يَصْدُرُ عَنْ بَعْضِ العَوامِّ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ بِالمُعْجِزَةِ كانَ هَذا القَوْلُ لِكَوْنِهِ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلامَةً لِنُبُوَّتِهِ تَطْمَئِنُّ بِهِ النُّفُوسُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الآيَةِ المُعْجِزَةُ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ، ويُقالُ: إنَّ حُصُولَ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ والِاهْتِداءِ لِلطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ في الِاعْتِقاداتِ والعِباداتِ عَمَّنْ نَشَأ بَيْنَ قَوْمٍ غَيَّرُوا دِينَهم وحَرَّفُوا كُتُبَ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَةَ وقَتَلُوا أنْبِياءَهم ولَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَعَلَّمَ مِن بَقايا أخْبارِهِمْ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ وخَوارِقِ العاداتِ، أوْ يُقالُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ إذا جاءَكم شَخْصٌ مِن نَعْتِهِ كَذا وكَذا يَدْعُوكم إلى كَيْتَ وكَيْتَ فاتَّبَعُوهُ فَإنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكُمْ، فَإذا قالَ: أنا الَّذِي ذَكَّرْتُ بِكَذا وكَذا مِنَ النُّعُوتِ كانَ مِن أعْظَمِ الخَوارِقِ، وقُرِئَ (أنَّ اللَّهَ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ عَلى أنَّ المُنْسَبِكَ بَدَلٌ مِن (آيَةٍ) أوْ أنَّ المَعْنى: جِئْتُكم بِآيَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ الخ، ومِثْلُ هَذا مُحْتَمَلٌ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ أيْضًا لَكِنْ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ اِعْتِراضًا.

وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿جِئْتُكُمْ﴾ الأُولى وكُرِّرَتْ لِيَتَعَلَّقَ بِها مَعْنى زائِدٌ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ أوْ لِلِاسْتِيعابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرى مِمّا ذَكَرْتُ لَكم مِن خَلْقِ الطَّيْرِ وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ والإحْياءِ والإنْباءِ بِالمَخْفِيّاتِ ومِن وِلادَتِي بِغَيْرِ أبٍ ومِن كَلامِي في المَهْدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والكَلامُ الأوَّلُ: لِتَمْهِيدِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، والثّانِي: لِتَقْرِيبِها إلى الحُكْمِ وهو إيجابُ حُكْمِ تَقْوى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِالفاءِ في ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا جِئْتُكم بِالمُعْجِزاتِ الباهِراتِ والآياتِ الظّاهِراتِ فاتَّقُوا اللَّهَ الخ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ الخ اِبْتِداءَ كَلامٍ وشُرُوعًا في الدَّعْوَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلٍ مُجْمَلٍ، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ المُؤَكَّدَةَ بِأنَّ لِلْإشارَةِ إلى اِسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ الَّذِي غايَتُهُ التَّوْحِيدُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى اِسْتِكْمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّهُ مُلازِمَةُ الطّاعَةِ الَّتِي هي الإتْيانُ بِالأوامِرِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَناهِي.

صفحة 173

وتَعْقِيبُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ بِبَيانِ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ، والعَمَلُ الصّالِحُ هو الطَّرِيقُ المَشْهُودُ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ومَعْنى قِراءَةِ الفَتْحِ عَلى ما ذُكِرَ لِأنَّ اللَّهَ رَبِّي …

Aal-i-Imraan 3:51Listen in Qur'an →
52

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allah?" The disciples said, "We are supporters for Allah. We have believed in Allah and testify that we are Muslims [submitting to Him].

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَآلِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلَّهُ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ شَرْحًا لِطَرَفٍ مِنها داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولا يَكُونُ ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ ويَكُونُ المَحْذُوفُ هُناكَ فَجاءَ عِيسى كَما بَشَّرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمُ الآيَةَ، والفاءُ هُنا مُفْصِحَةٌ بِمِثْلِ المُقَدَّرِ هُناكَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي، وأصْلُ الإحْساسِ الإدْراكُ بِإحْدى الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ وقَدِ اُسْتُعِيرَ هُنا اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلْعِلْمِ بِلا شُبْهَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ ذَلِكَ مِن بابِ ذِكْرِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ، والدّاعِي لِذَلِكَ أنَّ الكُفْرَ مِمّا لا يُحَسُّ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إحْساسُ آثارِ الكُفْرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ مِنَ الكُفْرِ إصْرارُهم عَلَيْهِ وعُتُوُّهم فِيهِ مَعَ العَزِيمَةِ عَلى إيقاعِ مَكْرُوهٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَقِيَ مِنَ اليَهُودِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى شَدائِدَ كَثِيرَةً.

أخْرَجَ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «كانَ اليَهُودُ يَجْتَمِعُونَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَسْتَهْزِءُونَ بِهِ ويَقُولُونَ لَهُ: يا عِيسى ما أكَلَ فُلانٌ البارِحَةَ وما اِدَّخَرَ في بَيْتِهِ لِغَدٍ؟! فَيُخْبِرُهم ويَسْخَرُونَ مِنهُ حَتّى طالَ ذَلِكَ بِهِ وبِهِمْ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لَهُ قَرارٌ ولا مَوْضِعٌ يُعْرَفُ، إنَّما هو سائِحٌ في الأرْضِ، فَمَرَّ ذاتَ يَوْمٍ بِاِمْرَأةٍ قاعِدَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي فَسَألَها، فَقالَتْ: ماتَتِ اِبْنَةٌ لِي لَمْ يَكُنْ لِي ولَدٌ غَيْرُها فَصَلّى عِيسى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نادى يا فُلانَةُ قُومِي بِإذْنِ الرَّحْمَنِ فاخْرُجِي فَتَحَرَّكَ القَبْرُ، ثُمَّ نادى الثّانِيَةَ فانْصَدَعَ القَبْرُ، ثُمَّ نادى الثّالِثَةَ فَخَرَجَتْ وهي تَنْفُضُ رَأْسَها مِنَ التُّرابِ فَقالَتْ: يا أُمّاهُ ما حَمَلَكِ عَلى أنْ أذُوقَ كَرْبَ المَوْتِ مَرَّتَيْنِ؟ يا أُمّاهُ اِصْبِرِي واحْتَسِبِي فَلا حاجَةَ لِي في الدُّنْيا، يا رُوحَ اللَّهِ سَلْ رَبِّي أنْ يَرُدَّنِي إلى الآخِرَةِ وأنْ يُهَوِّنَ عَلَيَّ كَرْبَ المَوْتِ،

صفحة 175

فَدَعا رَبَّهُ فَقَبَضَها إلَيْهِ فاسْتَوَتْ عَلَيْها الأرْضُ فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودُ فازْدادُوا عَلَيْهِ غَضَبًا»، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم أرادُوا قَتْلَهُ ولِذَلِكَ اِسْتَنْصَرَ قَوْمَهُ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِ (أحَسَّ) أيِ اِبْتَدَأ الإحْساسُ مِن جِهَتِهِمْ؛ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الكُفْرِ أيْ لَمّا أحَسَّ الكُفْرَ حالَ كَوْنِهِ صادِرًا مِنهم.

﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ المَقُولُ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ آيَةُ الصَّفِّ [14] ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ﴾ الآيَةَ، وكَوْنُهُ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذِ الآيَةُ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في المُدَّعى إذْ يَكْفِي في تَحَقُّقِ الِانْقِسامِ بُلُوغُ الدَّعْوَةِ إلى الجَمِيعِ، والأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ كالأشْرافِ جَمْعُ شَرِيفٍ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَمْعُ نَصْرٍ، …

Aal-i-Imraan 3:52Listen in Qur'an →
53

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ

Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger Jesus, so register us among the witnesses [to truth]."

﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ عَرْضٌ لِحالِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى بَعْدَ عَرْضِها عَلى رَسُولِهِ اِسْتِمْطارًا لِسَحائِبِ إجابَةِ دُعائِهِمُ الآتِي، وقِيلَ: مُبالَغَةٌ في إظْهارِ أمْرِهِمْ ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ أيِ اِمْتَثَلْنا ما أتى بِهِ مِنكَ إلَيْنا ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [ 53 ] أيْ مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ لَهم بِالصِّدْقِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ورَوى أبُو صالِحٍ عَنْهُ أنَّهم مَن آمَنَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ مِن ﴿الشّاهِدِينَ﴾ الأنْبِياءُ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ لِأُمَّتِهِ وعَلَيْها، وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ الصّادِقُونَ، وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الشّاهِدُونَ لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، وقِيلَ: أرادُوا مَعَ المُسْتَغْرِقِينَ في شُهُودِ جَلالِكَ بِحَيْثُ لا نُبالِي بِما يَصِلُ إلَيْنا مِنَ المَشاقِّ والآلامِ فَيَسْهُلُ عَلَيْنا الوَفاءُ بِما اِلْتَزَمْنا مِن نُصْرَةِ رَسُولِكَ، وقِيلَ: أرادُوا اُكْتُبْ ذِكْرَنا في زُمْرَةِ مَن شَهِدَ حَضْرَتَكَ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ولا يَخْفى ما في هَذا الأخِيرِ مِنَ التَّكَلُّفِ، والمَعْنى عَلى ما عَداهُ أدْخِلْنا في عِدادِ أُولَئِكَ، أوْ في عِدادِ أتْباعِهِمْ، قِيلَ: وعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ بِهِمْ بِلَفْظِ ﴿فاكْتُبْنا﴾ إذْ كانَتِ الكِتابَةُ تُقَيِّدُ وتَضْبُطُ ما يُحْتاجُ إلى تَحْقِيقِهِ وعِلْمِهِ في ثانِي حالٍ، وقِيلَ: المُرادُ اِجْعَلْ ذَلِكَ وقَدِّرْهُ في صَحائِفِ الأزَلِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الكِتابَةَ كِنايَةً عَنْ تَثْبِيتِهِمْ عَلى الإيمانِ في الخاتِمَةِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ(اُكْتُبْنا) .

Aal-i-Imraan 3:53Listen in Qur'an →
54

وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And the disbelievers planned, but Allah planned. And Allah is the best of planners.

﴿ومَكَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ، إذْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً ﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ بِأنْ ألْقى شِبْهَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى غَيْرِهِ فَصُلِبَ ورَفَعَهُ إلَيْهِ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أرادَ مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ قَتْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ خَوْخَةً وفِيها كُوَّةٌ فَرَفَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكُوَّةِ إلى السَّماءِ، فَقالَ المَلِكُ لِرَجُلٍ مِنهم خَبِيثٍ: اُدْخُلْ عَلَيْهِ فاقْتُلْهُ فَدَخَلَ الخَوْخَةَ فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ إلى أصْحابِهِ يُخْبِرُهم

صفحة 178

أنَّهُ لَيْسَ في البَيْتِ، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ وظَنُّوا أنَّهُ عِيسى، وقالَ وهْبٌ: أسَرُوهُ ونَصَبُوا خَشَبَةً لِيَصْلُبُوهُ فَأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ فَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، فَأخَذُوا رَجُلًا يُقالُ لَهُ يَهُودا وهو الَّذِي دَلَّهم عَلى عِيسى، وذَلِكَ أنَّ عِيسى جَمَعَ الحَوارِيِّينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وأوْصاهُمْ، ثُمَّ قالَ لِيَكْفُرَنَّ بِي أحَدُكم قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ فَيَبِيعُنِي بِدَراهِمَ يَسِيرَةٍ، فَخَرَجُوا وتَفَرَّقُوا وكانَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُهُ فَأتى أحَدُ الحَوارِيِّينَ إلَيْهِمْ، وقالَ: ما تَجْعَلُونَ لِي إنْ دَلَلْتُكم عَلَيْهِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا فَأخَذَها ودَلَّهم عَلَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأُدْخِلَ البَيْتَ ورُفِعَ وقالَ: أنا الَّذِي دَلَلْتُكم عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِ وصَلَبُوهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى، فَلَمّا صُلِبَ شِبْهُ عِيسى وأتى عَلى ذَلِكَ سَبْعَةُ أيّامٍ قالَ اللَّهُ تَعالى لِعِيسى: اِهْبِطْ عَلى مَرْيَمَ ثُمَّ لِتَجْمَعْ لَكَ الحَوارِيِّينَ وبُثَّهم في الأرْضِ دُعاةً، فَهَبَطَ عَلَيْها واشْتَعَلَ الجَبَلُ نُورًا فَجَمَعَتْ لَهُ الحَوارِيِّينَ فَبَثَّهم في الأرْضِ دُعاةً ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وتِلْكَ اللَّيْلَةُ هي اللَّيْلَةُ الَّتِي تَدَخَّنَ فِيها النَّصارى فَلَمّا أصْبَحَ الحَوارِيُّونَ قَصَدَ كُلٌّ مِنهم بَلْدَةَ مَن أرْسَلَهُ عِيسى إلَيْهِمْ.

ورُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ اليَهُودَ لَمّا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ اِجْتَمَعَ الحَوارِيُّونَ في غُرْفَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ المَسِيحُ مِن مِشْكاةِ الغُرْفَةِ فَأخْبَرَ بِهِمْ إبْلِيسُ جَمْعَ اليَهُودِ فَرَكِبَ مِنهم أرْبَعَةُ آلافِ رَجُلٍ فَأخَذُوا بابَ الغُرْفَةِ، فَقالَ المَسِيحُ لِلْحَوارِيِّينَ: أيُّكم يَخْرُجُ ويُقْتَلُ ويَكُونُ مَعِي في الجَنَّةِ؟ فَقالَ واحِدٌ مِنهُمْ: أنا يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَألْقى عَلَيْهِ مُدَرَّعَةً مِن صُوفٍ وعِمامَةً مِن صُوفٍ وناوَلَهُ عُكّازَهُ وألْقى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ عَلى اليَهُودِ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، وأمّا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَساهُ اللَّهُ النُّورَ وقَطَعَ عَنْهُ شَهْوَةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ ورَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ أصْحابَهُ لَمّا رَأوْا ذَلِكَ تَفَرَّقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ اللَّهُ تَعالى فِينا فَصَعِدَ إلى السَّماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: كانَ فِينا اِبْنُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى مِنهُمْ: كانَ فِينا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ إلَيْهِ وهَؤُلاءِ هُمُ المُسْلِمُونَ، فَتَظاهَرَتْ عَلَيْهِمُ الفِرْقَتانِ الكافِرَتانِ فَقَتَلُوهم فَلَمْ يَزَلِ الإسْلامُ مُنْدَرِسَ الآثارِ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ.

ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ …

Aal-i-Imraan 3:54Listen in Qur'an →
55

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

[Mention] when Allah said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allah alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.

﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾ ظَرْفٌ لِمَكْرٍ أوْ لِمَحْذُوفٍ نَحْوَ وقَعَ ذَلِكَ ولَوْ قُدِّرَ أذْكُرُ كَما في أمْثالِهِ لَمْ يَبْعُدْ، وتَعَلُّقُهُ بِالماكِرِينَ بَعِيدٌ إذْ لا يَظْهَرُ وجْهٌ حَسَنٌ لِتَقْيِيدِ قُوَّةِ مَكْرِهِ تَعالى بِهَذا الوَقْتِ.

﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، أيْ: رافِعُكَ إلَيَّ ومُتَوَفِّيكَ، وهَذا أحَدُ تَأْوِيلاتٍ اِقْتَضاها مُخالَفَةُ ظاهِرِ الآيَةِ لِلْمَشْهُورِ المُصَرَّحِ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، وفي قَوْلِهِ ﷺ: «”إنَّ عِيسى لَمْ يَمُتْ وإنَّهُ راجِعٌ إلَيْكم قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ“،» وثانِيها: أنَّ المُرادَ إنِّي مُسْتَوْفٍ أجْلَكَ ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ لا أُسَلِّطُ عَلَيْكَ مَن يَقْتُلُكَ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ عِصْمَتِهِ مِنَ الأعْداءِ وما هم بِصَدَدِهِ مِنَ الفَتْكِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ اِسْتِيفاءِ اللَّهِ تَعالى أجْلَهُ ومَوْتِهِ حَتْفَ أنْفِهِ ذَلِكَ، وثالِثُها: أنَّ المُرادَ قابِضُكَ ومُسْتَوْفٍ شَخْصَكَ مِنَ الأرْضِ مِن تَوَفّى المالَ بِمَعْنى اِسْتَوْفاهُ وقَبَضَهُ، ورابِعُها: أنَّ المُرادَ بِالوَفاةِ هُنا النَّوْمُ لِأنَّهُما أخَوانِ ويُطْلَقُ كُلٌّ مِنهُما عَلى الآخَرِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ وهو نائِمٌ رِفْقًا بِهِ، وحُكِيَ هَذا القَوْلُ واَلَّذِي قَبْلَهُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ، وخامِسُها: أنَّ المُرادَ أجْعَلُكَ كالمُتَوَفّى لِأنَّهُ بِالرَّفْعِ يُشْبِهُهُ، وسادِسُها: أنَّ المُرادَ آخُذُكَ وافِيًا بِرُوحِكَ وبَدَنِكَ فَيَكُونُ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ كالمُفَسِّرِ لِما قَبْلَهُ، وسابِعُها: أنَّ المُرادَ بِالوَفاةِ مَوْتُ القُوى الشَّهْوانِيَّةِ العائِقَةِ عَنْ إيصالِهِ بِالمَلَكُوتِ، وثامِنُها: أنَّ المُرادَ مُسْتَقْبِلٌ عَمَلَكَ، ولا يَخْلُو أكْثَرُ هَذِهِ الأوْجُهِ عَنْ بُعْدٍ لا سِيَّما الأخِيرُ.

وقِيلَ: الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى ظاهِرِها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ، أنَّهُ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ تَعالى عِيسى اِبْنَ مَرْيَمَ ثَلاثَ ساعاتٍ مِنَ النَّهارِ حَتّى رَفَعَهُ إلَيْهِ، وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَفّى عِيسى سَبْعَ ساعاتٍ ثُمَّ أحْياهُ، وأنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتْ بِهِ ولَها ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وأنَّهُ رُفِعَ وهو اِبْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، وأنَّ أُمَّهُ بَقِيَتْ بَعْدَ رَفْعِهِ سِتَّ سِنِينَ، ووَرَدَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والصَّحِيحُ كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَهُ مِن غَيْرِ وفاةٍ ولا، نَوْمٍ وهو اِخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ، والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وحِكايَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَفّاهُ سَبْعَ ساعاتٍ ذَكَرَ اِبْنُ إسْحَقَ أنَّها مِن زَعْمِ النَّصارى، ولَهم في هَذا المَقامِ كَلامٌ تَقْشَعِرُّ مِنهُ الجُلُودُ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ في الإنْجِيلِ وحاشا اللَّهِ ما هو إلّا اِفْتِراءٌ وبُهْتانٌ عَظِيمٌ، ولا بَأْسَ بِنَقْلِهِ ورَدِّهِ فَإنَّ في ذَلِكَ رَدَّ دَعْواهم فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّبُوبِيَّةَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَنَقُولُ:

قالُوا: بَيْنَما المَسِيحُ مَعَ تَلامِيذِهِ جالِسٌ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ لِثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن شَهْرِ نِيسانَ إذْ جاءَ يَهُودا الأسْخَرْيُوطِيُّ أحَدُ الِاثْنَيْ عَشَرَ ومَعَهُ جَماعَةٌ مَعَهُمُ السُّيُوفُ والعِصِيُّ مِن عِنْدِ رُؤَساءِ الكَهَنَةِ ومَشايِخِ الشَّعْبِ، وقَدْ قالَ لَهم يَهُودا: الرَّجُلُ الَّذِي أقْبَلَ هو فَأمْسِكُوهُ، فَلَمّا رَأى يَهُودا …

Aal-i-Imraan 3:55Listen in Qur'an →
56

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."

﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأحْكُمُ﴾ وتَفْصِيلٌ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّقْسِيمِ بَعْدَ الجَمْعِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ في القِيامَةِ لا مَحالَةَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالعَذابِ المُقَيَّدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ ؟ وأُجِيبَ بِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ التَّأْبِيدُ وعَدَمُ الِانْقِطاعِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ مَفْهُومُهُما اللُّغَوِيُّ أيِ الأوَّلُ والآخِرُ، ويَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنِ الدَّوامِ وهَذا أبْعَدُ مِنَ الأوَّلِ جِدًّا، الثّالِثُ: ما ذَكَرَ صاحِبُ «اَلْكَشْفِ» مِن أنَّ المَرْجِعَ أعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةُ الفَوْقِيَّةِ لا غايَةُ الجَعْلِ، والرُّجُوعُ مُتَراخٍ عَنِ الجَعْلِ وهو غَيْرُ مَحْدُودٍ عَلى وزانِ قَوْلِكَ: سَأُعِيرُكَ سُكْنى هَذا البَيْتِ إلى شَهْرٍ ثُمَّ أخْلَعُ عَلَيْكَ بِثَوْبٍ مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا، فَإنَّهُ يَلْزَمُ تَأخُّرُ الخَلْعِ عَنِ الإعارَةِ لا الخَلْعِ، وعَلى هَذا تَوْفِيَةُ الأجْرِ لِغُنْمِ الدّارِينَ، ولا يَخْفى أنَّ في لَفْظِ ﴿كُنْتُمْ﴾ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بَعْضُ نُبُوَّةٍ عَنْ هَذا المَعْنى، وأنَّ المَعْنى أحْكَمُ بَيْنِكم في الآخِرَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في الدُّنْيا، الرّابِعُ: أنَّ العَذابَ في الدُّنْيا هو الفَوْقِيَّةُ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى أضُمُّ إلى عَذابِ الفَوْقِيَّةِ السّابِقَةِ عَذابَ الآخِرَةِ، قالَ في «اَلْكَشْفِ»: وفِيهِ تَقابَلٌ حَسَنٌ وأنَّ هَذِهِ الفَوْقِيَّةَ مُقَدِّمَةُ عَذابٍ الآخِرَةِ ومُؤَكِّدَتُهُ، وإدْماجُ أنَّها فَوْقِيَّةٌ عَدْلٌ لا تَسَلَّطُ وُجُودٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ جِدًّا إذْ مَعْنى أُعَذِّبُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَيْسَ إلّا أنِّي أفْعَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ اِتِّخاذَ الكُلِّ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِاِتِّخاذِ كُلِّ جُزْءٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَفْعَلَ في الآخِرَةِ تَعْذِيبَ الدّارَيْنِ بِأنْ يَفْعَلَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ وقَدْ فَعَلَ في الدُّنْيا عَذابَ الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَمامُ العَذابَيْنِ في الآخِرَةِ، الخامِسُ: أنَّ (فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِشَدِيدٍ، تَشْدِيدًا لِأمْرِ الشِّدَّةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

والأوْلى مِن هَذا كُلِّهِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يُحْمَلَ مَعْنى (ثُمَّ) عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ والتَّرَقِّي مِن كَلامٍ إلى آخَرَ لا عَلى التَّراخِي في الزَّمانِ، فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ رُجُوعُهم إلى اللَّهِ تَعالى مُتَأخِّرًا عَنِ الجَعْلِ في الزَّمانِ سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةً لِلْجَعْلِ أوِ الفَوْقِيَّةِ فَلا مَحْذُورَ، ثُمَّ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ في الدُّنْيا إذْلالُهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ وأخْذِ الجِزْيَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ومَن لَمْ يَفْعَلْ مَعَهُ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الإذْلالِ فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يُعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ وكَفى بِذَلِكَ عَذابًا، وبِالعَذابِ في الآخِرَةِ عِقابُ الأبَدِ في النّارِ.

﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [ 56 ] أيْ أعْوانٍ يَدْفَعُونَ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ كَما قالَ مَوْلانا مُفْتِي الرُّومِ لِمُقابَلَةِ ضَمِيرِ الجَمْعِ أيْ لَيْسَ …

Aal-i-Imraan 3:56Listen in Qur'an →
57

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allah does not like the wrongdoers.

﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانٌ لِحالِ القِسْمِ الثّانِي، وبَدَأ بِقِسْمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّ ذِكْرَ ما قَبْلَهُ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَهم أوَّلُ ما يَتَبادَرُ مِنهُ في بادِئِ النَّظَرِ التَّهْدِيدُ فَناسَبَ البُداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أيْ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ويُتَمِّمُ جَزاءَ أعْمالِهِمِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ ويُعْطِيهِمْ ثَوابَ ذَلِكَ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَوْفِيَةَ الأُجُورِ هي قِسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ، والظّاهِرُ أنَّها أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وعَلَّقَ التَّوْفِيَةَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ولَمْ يُعَلَّقِ العَذابَ بِسِوى الكُفْرِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ ودُعاءً إلَيْها وإيذانًا بِعِظَمٍ قُبْحِ الكُفْرِ، وقَرَأ حَفْصٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (فَيُوَفِّيهِمْ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وزادَ رُوَيْسٌ ضَمَّ الهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، ولَعَلَّ وجْهَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى الإيذانُ بِأنَّ تَوْفِيَةَ الأجْرِ مِمّا لا يَقْتَضِي لَها نَصْبُ نَفْسٍ لِأنَّها مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ ولا كَذَلِكَ العَذابُ، والمَوْصُولُ في الآيَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدُ الفاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما ذُكِرَ، ومَوْضِعُ المَحْذُوفِ بَعْدَ الصِّلَةِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ المَوْصُولِ لِأنَّ أمّا لا يَلِيها الفِعْلُ.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [ 57 ] أيْ لا يُرِيدُ تَعْظِيمَهم ولا يَرْحَمُهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، أوِ المُرادُ يُبْغِضُهم عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلُ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ.

Aal-i-Imraan 3:57Listen in Qur'an →
58

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْءَايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ

This is what We recite to you, [O Muhammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإتْيانُ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ وبَعْدَ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ أيْ نَسْرُدُهُ ونَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، والمُرادُ تَلَوْناهُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ اِسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الحاصِلَةِ اِعْتِناءً بِها، وقِيلَ: يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ قِصَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَفْرَغْ مِنها بَعْدُ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ أيِ الحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِكَ إذْ أعْلَمَتْهم بِما لا يُعْلِمُهُ إلّا قارِئُ كِتابٍ، أوْ مُعَلِّمٌ ولَسْتَ بِواحِدٍ مِنهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّكَ قَدْ عَرَفْتَهُ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ ﴿والذِّكْرِ﴾ أيِ القُرْآنِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وتَفْسِيرُهُ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الأوَّلِ، وابْتِدائِيَّةٌ عَلى الثّانِي وحَمْلُها عَلى البَيانِ وإرادَةُ بَعْضِ مَخْصُوصٍ مِنَ القُرْآنِ بِعِيدٌ، ﴿الحَكِيمِ﴾ [ 58 ] أيِ المُحْكِمُ المُتْقِنُ نَظْمَهُ، أوِ المَمْنُوعُ مِنَ الباطِلِ، أوْ صاحِبُ الحِكْمَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ اِسْتِعْمالُهُ لِما صَدَرَ عَنْهُ مِمّا اِشْتَمَلَ عَلى حِكْمَتِهِ؛ إمّا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ في لَفْظِ حَكِيمٍ، أوِ الإسْنادِ المَجازِيِّ بِأنْ أسْنَدَ لِلذِّكْرِ ما هو لِسَبَبِهِ وصاحِبِهِ، وجَعْلُهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ التَّخْيِيلِيَّةِ بِأنْ شَبَّهَ القُرْآنَ بِناطِقٍ بِالحِكْمَةِ وأثْبَتَ لَهُ الوَصْفَ بِحَكِيمٍ تَخْيِيلًا - مُحْوَجٌ إلى تَكَلُّفٍ مَشْهُورٍ في دَفْعِ شُبْهَةٍ ذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ حِينَئِذٍ، فَتَأمَّلْ.

وجُوِّزَ في الآيَةِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، و﴿نَتْلُوهُ﴾ خَبَرُهُ، و﴿عَلَيْكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، و﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ هو الخَبَرُ وما بَيْنَهُما حالٌ مِنَ اِسْمِ الإشارَةِ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ لا الجارُّ والمَجْرُورُ، قِيلَ: لِأنَّ الحالَ لا يَتَقَدَّمُ العامِلَ المَعْنَوِيَّ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، و﴿نَتْلُوهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (ذَلِكَ) و﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ، الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (ذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ نَتْلُو فَيَكُونُ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالًا مِنَ الهاءِ أيْضًا.

Aal-i-Imraan 3:58Listen in Qur'an →
59

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Indeed, the example of Jesus to Allah is like that of Adam. He created Him from dust; then He said to him, "Be," and he was.

﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾

صفحة 186

ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ: «”أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مالَكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا؟ قالَ: ما أقُولُ؟ قالُوا: تَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: أجَلْ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى العَذْراءِ البَتُولِ فَغَضِبُوا وقالُوا: هَلْ رَأيْتَ إنْسانًا قَطُّ مِن غَيْرِ أبٍ فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا مِثْلَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ“». وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ يَسُوعَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ (طس) (سُلَيْمانَ) (بِسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ) مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى أُسْقُفِ نَجْرانَ وأهْلِ نَجْرانَ إنْ أسْلَمْتُمْ فَإنِّي أحْمَدُ اللَّهَ إلَيْكم إلَهَ إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ، أمّا بَعْدُ فَإنِّي أدْعُوكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ مِن عِبادَةِ العِبادِ وأدْعُوكم إلى وِلايَةِ اللَّهِ مِن وِلايَةِ العِبادِ، فَإنْ أبَيْتُمْ فالجِزْيَةُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَقَدَ آذَنْتُكم بِحَرْبٍ، والسَّلامُ“، فَلَمّا قَرَأ الأُسْقُفُ الكِتابَ فَظِعَ بِهِ وذُعِرَ ذُعْرًا شَدِيدًا فَبَعَثَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ يُقالُ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ وداعَةَ فَدَفَعَ إلَيْهِ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأهُ، فَقالَ لَهُ الأُسْقُفُ: ما رَأْيُكَ؟ فَقالَ شُرَحْبِيلُ: قَدْ عَلِمْتُ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ في ذُرِّيَّةِ إسْمَعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَما يُؤْمَنُ أنَّ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ نَبِيًّا ولَيْسَ لِي في النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، لَوْ كانَ أمْرٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا أشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ وجَهَدْتُ لَكَ، فَبَعَثَ الأُسْقُفُ إلى واحِدٍ بَعْدَ واحِدٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ فَكُلُّهم قالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ، فاجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى أنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ وحَيّارَ بْنَ قَنَصٍ فَيَأْتُونَهم بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فانْطَلَقَ الوَفْدُ حَتّى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهم وسَألُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وبِهِمُ المَسْألَةُ حَتّى قالُوا: ما تَقُولُ في عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ يَوْمِي هَذا فَأقِيمُوا حَتّى أُخْبِرَكم بِما يُقالُ لِي في عِيسى صُبْحَ الغَداةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ فَلَمّا أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَدَ بَعْدَ ما أخْبَرَهُمُ الخَبَرَ أقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلى الحَسَنِ والحُسَيْنِ في خَمِيلَةٍ لَهُ وفاطِمَةُ تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ لِلْمُلاعَنَةِ، ولَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقالَ شُرَحْبِيلُ لِصاحِبَيْهِ: إنِّي أرى أمْرًا ثَقِيلًا إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَتَلاعَناهُ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مِنّا شَعْرٌ ولا ظُفْرٌ إلّا هَلَكَ، فَقالا لَهُ: ما رَأْيُكَ؟ فَقالَ: رَأْيِي أنْ أحْكُمَهُ فَإنِّي أرى رَجُلًا لا يَحْكُمُ شَطَطًا أبَدًا، فَقالا لَهُ: أنْتَ وذاكَ، فَتَلَقّى شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ خَيْرًا مِن مُلاعَنَتِكَ قالَ: وما هُوَ؟ قالَ: حُكْمُكَ اليَوْمَ إلى اللَّيْلِ ولَيْلُكَ إلى الصَّباحِ فَما حَكَمْتَ فِينا فَهو جائِزٌ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُلاعِنْهم وصالَحَهم عَلى الجِزْيَةِ».

ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، والمَثَلُ هُنا لَيْسَ هو المَثَلَ المُسْتَعْمَلَ في التَّشْبِيهِ، والكافُ زائِدَةٌ كَما قِيلَ بِهِ …

Aal-i-Imraan 3:59Listen in Qur'an →
60

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.

﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، وهو راجِعٌ إلى البَيانِ والقَصَصِ المَذْكُورِ سابِقًا، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿الحَقُّ﴾ مُبْتَدَأً، و﴿مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرَهُ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ المَقْصُودَ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ عِيسى مَخْلُوقًا كَآدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ هو ”الحَقُّ“ لا ما يَزْعُمُهُ النَّصارى، وتَطْبِيقُ كَوْنِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا عَلى هَذا المَعْنى لا يَتَأتّى إلّا بِتَكَلُّفِ إرادَةِ أنَّ كُلَّ حَقٍّ أوْ جِنْسِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِن جُمْلَتِهِ هَذا الشَّأْنُ أوْ حِمْلُ اللّامِ عَلى العَهْدِ بِإرادَةِ ”الحَقِّ“ المَذْكُورِ، ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ اللَّطافَةِ الظّاهِرَةِ.

﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [ 60 ] خِطابٌ لَهُ ﷺ، ولا يَضُرُّ فِيهِ اِسْتِحالَةُ وُقُوعِ الِامْتِراءِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بَلْ قَدْ ذَكَرُوا في هَذا الأُسْلُوبِ فائِدَتَيْنِ؛ إحْداهُما: أنَّهُ ﷺ إذا سَمِعَ مِثْلَ هَذا الخِطابِ تَحَرَّكَتْ مِنهُ الأرْيَحِيَّةُ فَيَزْدادُ في الثَّباتِ عَلى اليَقِينِ نُورًا عَلى نُورٍ وثانِيَتُهُما: أنَّ السّامِعَ يَتَنَبَّهُ بِهَذا الخِطابِ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ فَيَنْزِعُ ويَنْزَجِرُ عَمّا يُورِثُ الِامْتِراءَ لِأنَّهُ ﷺ مَعَ جَلالَتِهِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها الأمانِيُّ إذا خُوطِبَ بِمِثْلِهِ فَما يَظُنُّ بِغَيْرِهِ فَفي ذَلِكَ زِيادَةُ ثَباتٍ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ ولُطْفٌ بِغَيْرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ ويَصْلُحُ لِلْخِطابِ.

Aal-i-Imraan 3:60Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.