Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 51–60 of 200

51

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ

Indeed, Allah is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path."

﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عَطَفَ ”ومُصَدِّقًا“: عَلى قَوْلِهِ: ”بِآيَةٍ“ إذِ الباءُ فِيهِ لِلْحالِ، ولا تَكُونُ لِلتَّعْدِيَةِ لِفَسادِ المَعْنى، فالمَعْنى: وجِئْتُكم مَصْحُوبًا بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ، ومَنَعُوا أنْ يَكُونَ: ومُصَدِّقًا، مَعْطُوفًا عَلى: رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ولا عَلى: وجِيهًا، لِما يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيَّ، غائِبًا. فَكانَ يَكُونُ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ يَجُوزُ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا، أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وأُرْسِلْتُ رَسُولًا، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ: ومُصَدِّقًا، مَعْطُوفًا عَلى: ورَسُولًا. ومَعْنى تَصْدِيقِهِ لِلتَّوْراةِ الإيمانُ بِها، وإنْ كانَتْ شَرِيعَتُهُ تُخالِفُ في أشْياءَ. قالَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يُسَّبِتُ، ويُسْتَقْبَلُ بَيْتُ المَقْدِسِ.

﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحَلَّ لَهم لُحُومَ الإبِلِ، والشُّحُومَ. وقالَ الرَّبِيعُ: وأشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وما لا ضَئْضَئَةَ لَهُ مِنَ الطَّيْرِ، وكانَ ذَلِكَ في التَّوْراةِ مُحَرَّمًا. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: حُرِّمَ عَلَيْكم، إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَهُ الأحْبارُ بَعْدَ مُوسى، وشَرَّعُوهُ، فَكَأنَّ عِيسى رَدَّ أحْكامَ التَّوْراةِ إلى حَقائِقِها الَّتِي نَزَلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ انْتَهى كَلامُهُ. واخْتَلَفُوا في إحْلالِهِ لَهُمُ السَّبْتَ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ما حَرَّمَ عَلَيْكم، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما، مِن قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيَّ، أوْ يَعُودُ عَلى اللَّهِ مُنْزِلِ التَّوْراةِ، أوْ عَلى مُوسى صاحِبِ التَّوْراةِ. والظّاهِرُ الأوَّلُ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ. وقَرَأ: حَرُمَ، بِوَزْنِ: كَرُمَ، إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والمُرادُ بِبَعْضِ مَدْلُولِها المُتَعارَفِ، وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا مَعْنى كُلِّ خَطَأٍ، لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يُحِلَّ لَهُمُ القَتْلَ، والزِّنا، والسَّرِقَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، واسْتِدْلالُهُ عَلى أنَّ بَعْضًا، تَأْتِي بِمَعْنى كُلٍّ، بِقَوْلِ لَبِيدٍ:

؎تَرّاكُ أمكِنَةً إذا لَمْ أرْضَها أوْ تَرْتَبِطْ بَعْضَ النُفوسِ حِمامُها

لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ بَعْضًا عَلى مَدْلُولِهِ، إذْ يُرِيدُ نَفْسَهُ، فَهو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وكَذَلِكَ اسْتِدْلالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ:

؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا

لِصِحَّةِ التَّبْعِيضِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ما دَبَّرَهُ الأحْداثُ يَكُونُ فِيهِ الخَلَلُ. وقالَ بَعْضُهم: لا يَقُومُ بَعْضٌ مَقامَ كُلٍّ إلّا إذا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ

يُرِيدُ: بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَظَرٌ، واللّامُ في: ولِأُحِلَّ لَكم، لامُ كَيْ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُسَوِّغُ عَطْفَهُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، فَقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى، إذِ المَعْنى في: ومُصَدِّقًا، أيْ: لِأُصَدِّقَ ما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأُحِلَّ لَكم. وهَذا هو العَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ، ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ مَعْقُولِيَّةَ الحالِ مُخالِفَةٌ لِمَعْقُولِيَّةِ التَّعْلِيلِ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُتَّحِدًا في المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: فَأصَّدَّقَ وأكُنْ؛ كَيْفَ اتَّحَدَ المَعْنى مِن حَيْثُ …

Aal-i-Imraan 3:51Listen in Qur'an →
52

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allah?" The disciples said, "We are supporters for Allah. We have believed in Allah and testify that we are Muslims [submitting to Him].

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦] ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] .

الإحْساسُ: الإدْراكُ بِبَعْضِ الحَواسِّ الخَمْسِ، وهي: السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ. يُقالُ: أحْسَسْتُ الشَّيْءَ، وحَسَسْتُ بِهِ. وتُبْدَلُ سِينُهُ ياءً فَيُقالُ: حَسَيْتُ بِهِ، أوْ تُحْذَفُ أُولى سِينَيْهِ في أحْسَسْتُ فَيَقُولُ: أحَسْتُ. قالَ:

؎سِوى أنَّ العِتاقَ مِنَ المَطايا أحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ

وقالَ سِيبَوَيْهِ: وما شَذَّ مِنَ المُضاعَفِ، يَعْنِي في الحَذْفِ، فَشَبِيهٌ بِبابِ: أقَمْتُ، وذَلِكَ قَوْلُهم: ”أحَسْتُ“ و”أحَسْنَ“ يُرِيدُونَ: أحْسَسْتُ، وأحْسَسْنَ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِكُلِّ بِناءٍ تُبْنى لامُ الفِعْلِ فِيهِ عَلى السُّكُونِ، ولا تَصِلُ إلَيْهِ الحَرَكَةُ، فَإذا قُلْتَ لَمْ أُحِسَّ لَمْ تُحْذَفْ.

الحَوارِيُّ: صَفْوَةُ الرَّجُلِ وخاصَّتُهُ. ومِنهُ قِيلَ: الحَضَرِيّاتُ الحَوارِيّاتُ؛ لِخُلُوصِ ألْوانِهِنَّ ونَظافَتِهِنَّ قالَ أبُو جَلْذَةَ اليَشْكُرِيُّ:

؎فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ تُبْكِينَ غَيْرَنا ∗∗∗ ولا تُبْكِنا إلّا الكِلابُ النَّوابِحُ

ومِثْلُهُ في الوَزْنِ: الحَوالِي، لِلْكَثِيرِ الحِيلَةِ، ولَيْسَتِ الياءُ فِيهِما لِلنَّسَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الحَوَرِ، وهو البَياضُ. حَوَّرْتُ الثَّوْبَ بَيَّضْتُهُ. المَكْرُ: الخِداعُ والخُبْثُ، وأصْلُهُ السَّتْرُ، يُقالُ: مَكَرَ اللَّيْلُ إذا أظْلَمَ، واشْتِقاقُهُ مِنَ المَكْرِ، وهو شَجَرٌ مُلْتَفٌّ، فَكانَ المَمْكُورُ بِهِ يَلْتَفُّ بِهِ المَكْرُ، ويَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: امْرَأةٌ مَمْكُورَةٌ إذا كانَتْ مُلْتَفَّةَ الخَلْقِ. والمَكْرُ: ضَرْبٌ مِنَ النَّباتِ.

تَعالى: تَفاعَلَ مِنَ العُلُوِّ، وهو فِعْلٌ، لِاتِّصالِ الضَّمائِرِ المَرْفُوعَةِ بِهِ، ومَعْناهُ: اسْتِدْعاءُ المَدْعُوِّ مِن مَكانِهِ إلى مَكانِ داعِيهِ، وهي كَلِمَةٌ قُصِدَ بِها أوَّلًا تَحْسِينُ الأدَبِ مَعَ المَدْعُوِّ، ثُمَّ اطُّرِدَتْ حَتّى يَقُولَها الإنْسانُ لِعَدُوِّهِ، ولِبَهِيمَتِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ.

الِابْتِهالُ: قَوْلُهُ بَهْلَةُ اللَّهِ عَلى الكاذِبِ، والبَهْلَةُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ: اللَّعْنَةُ، ويُقالُ بَهَلَهُ اللَّهُ: لَعَنَهُ وأبْعَدَهُ، مِن قَوْلِكَ أبْهَلَهُ، إذا …

Aal-i-Imraan 3:52Listen in Qur'an →
53

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ

Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger Jesus, so register us among the witnesses [to truth]."

﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ أيْ: مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِكَ، أوْ: بِما أنْزَلْتَ مِن كَلامِكَ عَلى الرُّسُلِ، أوْ بِالإنْجِيلِ.

﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ هو عِيسى عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ.

﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ هم: مُحَمَّدٌ ﷺ وأمَّتُهُ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ لَهم بِالصِّدْقِ. رَوى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ: مَن آمَنَ قَبْلَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ. أوِ الصّادِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوِ الشّاهِدُونَ لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ الشّاهِدُونَ لِنُصْرَةِ رُسُلِكَ، أوِ الشّاهِدُونَ بِالحَقِّ عِنْدَكَ، رَغِبُوا في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ الشّاهِدِينَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، وعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِهِمْ بِلَفْظِ: فاكْتُبْنا، إذْ كانَتِ الكِتابَةُ تُقَيِّدُ وتَضْبُطُ ما يَحْتاجُ إلى تَحْقِيقِهِ وعِلْمِهِ في ثانِي حالٍ.

﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ في: مَكَرُوا، عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] وهم: بَنُو إسْرائِيلَ، ومَكْرُهم، هو احْتِيالُهم في قَتْلِ عِيسى، بِأنْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً، وسَيَأْتِي ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ حَصْرِهِ، وحَصْرِ أصْحابِهِ في مَكانٍ، ورَوْمِهِمْ قَتْلَهُ، وإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى رَجُلٍ، وقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وصَلْبِهِ في مَكانِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ.

﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ مُجازاتِهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ سَمّى ذَلِكَ مَكْرًا؛ لِأنَّ المُجازاةَ لَهم ناشِئَةٌ عَنِ المَكْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكَثِيرًا ما تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هو رَدُّهم عَمّا أرادُوا بِرَفْعِ عِيسى إلى السَّماءِ، وإلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى مَن أرادَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ. وقالَ الأصَمُّ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أهْلَ فارِسٍ فَقَتَلُوهم وسَبَوْا ذَرارِيهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنَّ اليَهُودَ غَزَوُا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، فَأخَذُوهم وعَذَّبُوهم، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ، فَأنْقَذَهم ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ، وصارَ نَصْرانِيًّا، ولَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. ثمَ ولِيَ مَلِكٌ آخَرُ بَعْدُ، وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ حَجْرًا عَلى آخَرَ، وخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ.

وقالَ المُفَضَّلُ: ودَبَّرُوا، ودَبَّرَ اللَّهُ، والمَكْرُ: لُطْفُ التَّدْبِيرِ، وقالَ ابْنُ عِيسى: المَكْرُ قَبِيحٌ، وإنَّما جازَ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ إعْلاءُ دِينِهِ، وقَهْرُهم بِالذُّلِّ، ومَكْرُهم: لُزُومُهم إبْطالَ دِينِهِ. والمَكْرُ عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِيالِ في إيصالِ الشَّرِّ في خُفْيَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وقِيلَ: المَكْرُ الأخْذُ بِالغَفْلَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ، وسَألَ رَجُلٌ الجُنَيْدَ، فَقالَ: كَيْفَ رَضِيَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَفْسِهِ المَكْرَ، وقَدْ عابَ بِهِ غَيْرَهُ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَكِنْ أنْشَدَنِي فُلانٌ الظَّهْرانِيُّ:

؎ويُقَبِّحُ مَن سِواكَ الفِعْلَ عِنْدِي فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا

ثُمَّ قالَ: قَدْ …

Aal-i-Imraan 3:53Listen in Qur'an →
54

وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And the disbelievers planned, but Allah planned. And Allah is the best of planners.

﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ أيْ: مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِكَ، أوْ: بِما أنْزَلْتَ مِن كَلامِكَ عَلى الرُّسُلِ، أوْ بِالإنْجِيلِ.

﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ هو عِيسى عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ.

﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ هم: مُحَمَّدٌ ﷺ وأمَّتُهُ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ لَهم بِالصِّدْقِ. رَوى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ: مَن آمَنَ قَبْلَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ. أوِ الصّادِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوِ الشّاهِدُونَ لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ الشّاهِدُونَ لِنُصْرَةِ رُسُلِكَ، أوِ الشّاهِدُونَ بِالحَقِّ عِنْدَكَ، رَغِبُوا في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ الشّاهِدِينَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، وعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِهِمْ بِلَفْظِ: فاكْتُبْنا، إذْ كانَتِ الكِتابَةُ تُقَيِّدُ وتَضْبُطُ ما يَحْتاجُ إلى تَحْقِيقِهِ وعِلْمِهِ في ثانِي حالٍ.

﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ في: مَكَرُوا، عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] وهم: بَنُو إسْرائِيلَ، ومَكْرُهم، هو احْتِيالُهم في قَتْلِ عِيسى، بِأنْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً، وسَيَأْتِي ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ حَصْرِهِ، وحَصْرِ أصْحابِهِ في مَكانٍ، ورَوْمِهِمْ قَتْلَهُ، وإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى رَجُلٍ، وقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وصَلْبِهِ في مَكانِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ.

﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ مُجازاتِهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ سَمّى ذَلِكَ مَكْرًا؛ لِأنَّ المُجازاةَ لَهم ناشِئَةٌ عَنِ المَكْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكَثِيرًا ما تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هو رَدُّهم عَمّا أرادُوا بِرَفْعِ عِيسى إلى السَّماءِ، وإلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى مَن أرادَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ. وقالَ الأصَمُّ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أهْلَ فارِسٍ فَقَتَلُوهم وسَبَوْا ذَرارِيهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنَّ اليَهُودَ غَزَوُا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، فَأخَذُوهم وعَذَّبُوهم، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ، فَأنْقَذَهم ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ، وصارَ نَصْرانِيًّا، ولَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. ثمَ ولِيَ مَلِكٌ آخَرُ بَعْدُ، وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ حَجْرًا عَلى آخَرَ، وخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ.

وقالَ المُفَضَّلُ: ودَبَّرُوا، ودَبَّرَ اللَّهُ، والمَكْرُ: لُطْفُ التَّدْبِيرِ، وقالَ ابْنُ عِيسى: المَكْرُ قَبِيحٌ، وإنَّما جازَ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ إعْلاءُ دِينِهِ، وقَهْرُهم بِالذُّلِّ، ومَكْرُهم: لُزُومُهم إبْطالَ دِينِهِ. والمَكْرُ عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِيالِ في إيصالِ الشَّرِّ في خُفْيَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وقِيلَ: المَكْرُ الأخْذُ بِالغَفْلَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ، وسَألَ رَجُلٌ الجُنَيْدَ، فَقالَ: كَيْفَ رَضِيَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَفْسِهِ المَكْرَ، وقَدْ عابَ بِهِ غَيْرَهُ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَكِنْ أنْشَدَنِي فُلانٌ الظَّهْرانِيُّ:

؎ويُقَبِّحُ مَن سِواكَ الفِعْلَ عِنْدِي فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا

ثُمَّ قالَ: قَدْ …

Aal-i-Imraan 3:54Listen in Qur'an →
55

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

[Mention] when Allah said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allah alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.

﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ أيْ: مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِكَ، أوْ: بِما أنْزَلْتَ مِن كَلامِكَ عَلى الرُّسُلِ، أوْ بِالإنْجِيلِ.

﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ هو عِيسى عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ.

﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ هم: مُحَمَّدٌ ﷺ وأمَّتُهُ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ لَهم بِالصِّدْقِ. رَوى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ: مَن آمَنَ قَبْلَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ. أوِ الصّادِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوِ الشّاهِدُونَ لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ الشّاهِدُونَ لِنُصْرَةِ رُسُلِكَ، أوِ الشّاهِدُونَ بِالحَقِّ عِنْدَكَ، رَغِبُوا في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ الشّاهِدِينَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، وعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِهِمْ بِلَفْظِ: فاكْتُبْنا، إذْ كانَتِ الكِتابَةُ تُقَيِّدُ وتَضْبُطُ ما يَحْتاجُ إلى تَحْقِيقِهِ وعِلْمِهِ في ثانِي حالٍ.

﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ في: مَكَرُوا، عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] وهم: بَنُو إسْرائِيلَ، ومَكْرُهم، هو احْتِيالُهم في قَتْلِ عِيسى، بِأنْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً، وسَيَأْتِي ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ حَصْرِهِ، وحَصْرِ أصْحابِهِ في مَكانٍ، ورَوْمِهِمْ قَتْلَهُ، وإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى رَجُلٍ، وقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وصَلْبِهِ في مَكانِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ.

﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ مُجازاتِهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ سَمّى ذَلِكَ مَكْرًا؛ لِأنَّ المُجازاةَ لَهم ناشِئَةٌ عَنِ المَكْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكَثِيرًا ما تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هو رَدُّهم عَمّا أرادُوا بِرَفْعِ عِيسى إلى السَّماءِ، وإلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى مَن أرادَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ. وقالَ الأصَمُّ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أهْلَ فارِسٍ فَقَتَلُوهم وسَبَوْا ذَرارِيهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنَّ اليَهُودَ غَزَوُا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، فَأخَذُوهم وعَذَّبُوهم، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ، فَأنْقَذَهم ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ، وصارَ نَصْرانِيًّا، ولَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. ثمَ ولِيَ مَلِكٌ آخَرُ بَعْدُ، وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ حَجْرًا عَلى آخَرَ، وخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ.

وقالَ المُفَضَّلُ: ودَبَّرُوا، ودَبَّرَ اللَّهُ، والمَكْرُ: لُطْفُ التَّدْبِيرِ، وقالَ ابْنُ عِيسى: المَكْرُ قَبِيحٌ، وإنَّما جازَ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ إعْلاءُ دِينِهِ، وقَهْرُهم بِالذُّلِّ، ومَكْرُهم: لُزُومُهم إبْطالَ دِينِهِ. والمَكْرُ عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِيالِ في إيصالِ الشَّرِّ في خُفْيَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وقِيلَ: المَكْرُ الأخْذُ بِالغَفْلَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ، وسَألَ رَجُلٌ الجُنَيْدَ، فَقالَ: كَيْفَ رَضِيَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَفْسِهِ المَكْرَ، وقَدْ عابَ بِهِ غَيْرَهُ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَكِنْ أنْشَدَنِي فُلانٌ الظَّهْرانِيُّ:

؎ويُقَبِّحُ مَن سِواكَ الفِعْلَ عِنْدِي فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا

ثُمَّ قالَ: قَدْ …

Aal-i-Imraan 3:55Listen in Qur'an →
56

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."

﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خاصًّا، أيْ: كَفَرُوا بِكَ، وجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ.

﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وُصِفَ العَذابُ بِالشِّدَّةِ؛ لِتَضاعُفِهِ وازْدِيادِهِ. وقِيلَ: لِاخْتِلافِ أجْناسِهِ.

﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُّلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِن هَذا فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يَعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ.

(والآخِرَةِ) بِعَذابِ النّارِ. وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِما يَفْعَلُ بِالكافِرِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ في دُنْياهُ إلى آخِرِ أمْرِهِ في عُقْباهُ.

﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ بَدَأ أوَّلًا بِقِسْمِ الكُفّارِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حُكْمِهِ تَعالى بَيْنَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، والإخْبارِ بِجَزائِهِمْ، فَناسَبَتِ البَداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] وبِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِ عِيسى ورامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أتى ثانِيًا بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، وعَلَّقَ هُناكَ العَذابَ عَلى مُجَرَّدِ الكُفْرِ، وهُنا عَلَّقَ تَوْفِيَةَ الأجْرِ عَلى الإيمانِ، وعَمِلَ الصّالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ، ودُعاءً إلَيْها. والتَّوْفِيَةُ: دَفْعُ الشَّيْءِ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، والأُجُورُ: ثَوابُ الأعْمالِ، شَبَّهَهُ بِالعامِلِ الَّذِي يُوَفّى أجْرَهُ عِنْدَ تَمامِ عَمَلِهِ. وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي: قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ بِحَسَبِ الأعْمالِ عَلى ما رَتَّبَها تَعالى، وفي الآيَةِ قَبْلَها قالَ: (فَأُعَذِّبُهم) أسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، وذَلِكَ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥] وفي هَذِهِ الآيَةِ قالَ: فَيُوَفِّيهِمْ، بِالياءِ عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ، ورُوَيْسٍ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والخُرُوجِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلتَّنَوُّعِ في الفَصاحَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ، بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ شَأْنُهُ، ولَمْ يَأْتِ بِالهَمْزَةِ كَما في تِلْكَ الآيَةِ لِيُخالِفَ في الإخْبارِ بَيْنَ النِّسْبَةِ الإسْنادِيَّةِ فِيما يَفْعَلُهُ بِالكافِرِ وبِالمُؤْمِنِ، كَما خالَفَ في الفِعْلِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ العامِلَ لِلصّالِحاتِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَناسَبَهُ الإخْبارُ عَنِ المَجازِيِّ بِنُونِ العَظَمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ آمَنُوا، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُ ما بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] فِيمَن نَصَبَ الدّالَ.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما يُشْبِهُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، لِأنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ مُحِبٌّ لَهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما تُخالِفُ المُحِبَّةُ الإرادَةَ إذا عُلِّقَتا بِالأشْخاصِ، فَيُقالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، ولا يُقالُ: أُرِيدُهُ، وأمّا …

Aal-i-Imraan 3:56Listen in Qur'an →
57

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allah does not like the wrongdoers.

﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خاصًّا، أيْ: كَفَرُوا بِكَ، وجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ.

﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وُصِفَ العَذابُ بِالشِّدَّةِ؛ لِتَضاعُفِهِ وازْدِيادِهِ. وقِيلَ: لِاخْتِلافِ أجْناسِهِ.

﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُّلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِن هَذا فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يَعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ.

(والآخِرَةِ) بِعَذابِ النّارِ. وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِما يَفْعَلُ بِالكافِرِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ في دُنْياهُ إلى آخِرِ أمْرِهِ في عُقْباهُ.

﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ بَدَأ أوَّلًا بِقِسْمِ الكُفّارِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حُكْمِهِ تَعالى بَيْنَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، والإخْبارِ بِجَزائِهِمْ، فَناسَبَتِ البَداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] وبِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِ عِيسى ورامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أتى ثانِيًا بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، وعَلَّقَ هُناكَ العَذابَ عَلى مُجَرَّدِ الكُفْرِ، وهُنا عَلَّقَ تَوْفِيَةَ الأجْرِ عَلى الإيمانِ، وعَمِلَ الصّالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ، ودُعاءً إلَيْها. والتَّوْفِيَةُ: دَفْعُ الشَّيْءِ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، والأُجُورُ: ثَوابُ الأعْمالِ، شَبَّهَهُ بِالعامِلِ الَّذِي يُوَفّى أجْرَهُ عِنْدَ تَمامِ عَمَلِهِ. وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي: قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ بِحَسَبِ الأعْمالِ عَلى ما رَتَّبَها تَعالى، وفي الآيَةِ قَبْلَها قالَ: (فَأُعَذِّبُهم) أسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، وذَلِكَ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥] وفي هَذِهِ الآيَةِ قالَ: فَيُوَفِّيهِمْ، بِالياءِ عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ، ورُوَيْسٍ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والخُرُوجِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلتَّنَوُّعِ في الفَصاحَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ، بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ شَأْنُهُ، ولَمْ يَأْتِ بِالهَمْزَةِ كَما في تِلْكَ الآيَةِ لِيُخالِفَ في الإخْبارِ بَيْنَ النِّسْبَةِ الإسْنادِيَّةِ فِيما يَفْعَلُهُ بِالكافِرِ وبِالمُؤْمِنِ، كَما خالَفَ في الفِعْلِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ العامِلَ لِلصّالِحاتِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَناسَبَهُ الإخْبارُ عَنِ المَجازِيِّ بِنُونِ العَظَمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ آمَنُوا، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُ ما بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] فِيمَن نَصَبَ الدّالَ.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما يُشْبِهُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، لِأنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ مُحِبٌّ لَهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما تُخالِفُ المُحِبَّةُ الإرادَةَ إذا عُلِّقَتا بِالأشْخاصِ، فَيُقالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، ولا يُقالُ: أُرِيدُهُ، وأمّا …

Aal-i-Imraan 3:57Listen in Qur'an →
58

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْءَايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ

This is what We recite to you, [O Muhammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message.

﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خاصًّا، أيْ: كَفَرُوا بِكَ، وجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ.

﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وُصِفَ العَذابُ بِالشِّدَّةِ؛ لِتَضاعُفِهِ وازْدِيادِهِ. وقِيلَ: لِاخْتِلافِ أجْناسِهِ.

﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُّلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِن هَذا فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يَعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ.

(والآخِرَةِ) بِعَذابِ النّارِ. وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِما يَفْعَلُ بِالكافِرِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ في دُنْياهُ إلى آخِرِ أمْرِهِ في عُقْباهُ.

﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ بَدَأ أوَّلًا بِقِسْمِ الكُفّارِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حُكْمِهِ تَعالى بَيْنَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، والإخْبارِ بِجَزائِهِمْ، فَناسَبَتِ البَداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] وبِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِ عِيسى ورامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أتى ثانِيًا بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، وعَلَّقَ هُناكَ العَذابَ عَلى مُجَرَّدِ الكُفْرِ، وهُنا عَلَّقَ تَوْفِيَةَ الأجْرِ عَلى الإيمانِ، وعَمِلَ الصّالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ، ودُعاءً إلَيْها. والتَّوْفِيَةُ: دَفْعُ الشَّيْءِ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، والأُجُورُ: ثَوابُ الأعْمالِ، شَبَّهَهُ بِالعامِلِ الَّذِي يُوَفّى أجْرَهُ عِنْدَ تَمامِ عَمَلِهِ. وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي: قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ بِحَسَبِ الأعْمالِ عَلى ما رَتَّبَها تَعالى، وفي الآيَةِ قَبْلَها قالَ: (فَأُعَذِّبُهم) أسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، وذَلِكَ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥] وفي هَذِهِ الآيَةِ قالَ: فَيُوَفِّيهِمْ، بِالياءِ عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ، ورُوَيْسٍ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والخُرُوجِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلتَّنَوُّعِ في الفَصاحَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ، بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ شَأْنُهُ، ولَمْ يَأْتِ بِالهَمْزَةِ كَما في تِلْكَ الآيَةِ لِيُخالِفَ في الإخْبارِ بَيْنَ النِّسْبَةِ الإسْنادِيَّةِ فِيما يَفْعَلُهُ بِالكافِرِ وبِالمُؤْمِنِ، كَما خالَفَ في الفِعْلِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ العامِلَ لِلصّالِحاتِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَناسَبَهُ الإخْبارُ عَنِ المَجازِيِّ بِنُونِ العَظَمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ آمَنُوا، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُ ما بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] فِيمَن نَصَبَ الدّالَ.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما يُشْبِهُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، لِأنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ مُحِبٌّ لَهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما تُخالِفُ المُحِبَّةُ الإرادَةَ إذا عُلِّقَتا بِالأشْخاصِ، فَيُقالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، ولا يُقالُ: أُرِيدُهُ، وأمّا …

Aal-i-Imraan 3:58Listen in Qur'an →
59

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Indeed, the example of Jesus to Allah is like that of Adam. He created Him from dust; then He said to him, "Be," and he was.

﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: «جادَلَ وفْدُ نَجْرانَ» النَّبِيَّ ﷺ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا، وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ورُوحٌ مِنهُ“ . فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أوْ سَمِعْتَ بِهِ ؟ فَخَرَجُوا، فَنَزَلَتْ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم قالُوا: فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا مِثْلَهُ فَنَزَلَتْ.

ورَوَيَ وكِيعٌ عَنْ مُبارَكٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «جاءَ راهِبا نَجْرانَ فَعَرَضَ عَلَيْهِما الإسْلامَ، فَقالَ أحَدُهُما: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، فَقالَ: ”كَذَبْتُما، يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ: عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وقَوْلُكُما لِلَّهِ ولَدٌ. قالا: مَن أبُو عِيسى ؟ وكانَ لا يَعْجَلُ حَتّى يَأْمُرَهُ رَبُّهُ. فَأنْزَلَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾» وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِمْ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ شَأْنَ عِيسى وحالَهُ الغَرِيبَةَ كَشَأْنِ آدَمَ، فَجَعَلَ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ. وهو راجِعٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: المَثَلُ هُنا الصِّفَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] وفي هَذا إقْرارُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ عَلى مَعْناها التَّشْبِيهِيِّ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المَثَلَ هُنا بِمَعْنى الصِّفَةِ ما نَصُّهُ: وهَذا عِنْدِي خَطَأٌ وضَعْفٌ في فَهْمِ الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُّفُوسُ والعُقُولُ، مِن عِيسى فَهو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ النّاسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ. وكَذَلِكَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها. وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى. والكافُ في ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ.

ولا يَظْهَرُ لِي فَرْقٌ بَيْنَ كَلامِهِ هَذا وكَلامِ مَن جَعَلَ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ. أوْ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وفي (رَيِّ الظَّمْآنِ) قِيلَ: المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وقَوْلُكَ صِفَةُ عِيسى كَصِفَةِ آدَمَ كَلامٌ مُطَّرِدٌ، عَلى هَذا جُلَّ اللُّغَوِيِّينَ والمُفَسِّرِينَ، وخالَفَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ الجَمِيعَ، وقالَ: المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ لا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ في اللُّغَةِ، إنَّما المَثَلُ الشَّبَهُ. عَلى هَذا تَدُورُ تَصارِيفُ الكَلِمَةِ، ولا مَعْنى لِلْوَصْفِيَّةِ في التَّشابُهِ. والمَثَلُ كَلِمَةٌ يُرْسِلُها قائِلُها لِحِكْمَةٍ يُشَبِّهُ بِها الأُمُورَ، ويُقابِلُ بِها الأحْوالَ انْتَهى.

ومَن جَعَلَ المَثَلَ هُنا مُرادِفًا لِلْمِثْلِ، كالشَّبَهِ والشِّبْهِ. قالَ: جَمَعَ بَيْنَ أداتَيْ تَشْبِيهٍ عَلى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِلشَّبَهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ خَطَرِهِ وقَدْرِهِ. وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: الكافُ زائِدَةٌ. وقالَ بَعْضُهم:“ مَثَلَ ”: زائِدَةٌ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المِثْلَ هُنا مِن ضَرْبِ الأمْثالِ. وقالَ: العَرَبُ تَضْرِبُ الأمْثالَ لِبَيانِ ما خَفِيَ مَعْناهُ ودَقَّ إيضاحُهُ، لَمّا خَفِيَ سِرُّ وِلادَةِ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ؛ لِأنَّهُ خالَفَ المَعْرُوفَ، ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ بِآدَمَ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأذْهانِ. وعُلِمَ أنَّهُ أُوجِدَ مِن غَيْرِ …

Aal-i-Imraan 3:59Listen in Qur'an →
60

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.

﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: «جادَلَ وفْدُ نَجْرانَ» النَّبِيَّ ﷺ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا، وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ورُوحٌ مِنهُ“ . فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أوْ سَمِعْتَ بِهِ ؟ فَخَرَجُوا، فَنَزَلَتْ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم قالُوا: فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا مِثْلَهُ فَنَزَلَتْ.

ورَوَيَ وكِيعٌ عَنْ مُبارَكٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «جاءَ راهِبا نَجْرانَ فَعَرَضَ عَلَيْهِما الإسْلامَ، فَقالَ أحَدُهُما: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، فَقالَ: ”كَذَبْتُما، يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ: عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وقَوْلُكُما لِلَّهِ ولَدٌ. قالا: مَن أبُو عِيسى ؟ وكانَ لا يَعْجَلُ حَتّى يَأْمُرَهُ رَبُّهُ. فَأنْزَلَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾» وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِمْ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ شَأْنَ عِيسى وحالَهُ الغَرِيبَةَ كَشَأْنِ آدَمَ، فَجَعَلَ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ. وهو راجِعٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: المَثَلُ هُنا الصِّفَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] وفي هَذا إقْرارُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ عَلى مَعْناها التَّشْبِيهِيِّ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المَثَلَ هُنا بِمَعْنى الصِّفَةِ ما نَصُّهُ: وهَذا عِنْدِي خَطَأٌ وضَعْفٌ في فَهْمِ الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُّفُوسُ والعُقُولُ، مِن عِيسى فَهو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ النّاسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ. وكَذَلِكَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها. وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى. والكافُ في ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ.

ولا يَظْهَرُ لِي فَرْقٌ بَيْنَ كَلامِهِ هَذا وكَلامِ مَن جَعَلَ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ. أوْ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وفي (رَيِّ الظَّمْآنِ) قِيلَ: المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وقَوْلُكَ صِفَةُ عِيسى كَصِفَةِ آدَمَ كَلامٌ مُطَّرِدٌ، عَلى هَذا جُلَّ اللُّغَوِيِّينَ والمُفَسِّرِينَ، وخالَفَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ الجَمِيعَ، وقالَ: المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ لا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ في اللُّغَةِ، إنَّما المَثَلُ الشَّبَهُ. عَلى هَذا تَدُورُ تَصارِيفُ الكَلِمَةِ، ولا مَعْنى لِلْوَصْفِيَّةِ في التَّشابُهِ. والمَثَلُ كَلِمَةٌ يُرْسِلُها قائِلُها لِحِكْمَةٍ يُشَبِّهُ بِها الأُمُورَ، ويُقابِلُ بِها الأحْوالَ انْتَهى.

ومَن جَعَلَ المَثَلَ هُنا مُرادِفًا لِلْمِثْلِ، كالشَّبَهِ والشِّبْهِ. قالَ: جَمَعَ بَيْنَ أداتَيْ تَشْبِيهٍ عَلى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِلشَّبَهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ خَطَرِهِ وقَدْرِهِ. وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: الكافُ زائِدَةٌ. وقالَ بَعْضُهم:“ مَثَلَ ”: زائِدَةٌ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المِثْلَ هُنا مِن ضَرْبِ الأمْثالِ. وقالَ: العَرَبُ تَضْرِبُ الأمْثالَ لِبَيانِ ما خَفِيَ مَعْناهُ ودَقَّ إيضاحُهُ، لَمّا خَفِيَ سِرُّ وِلادَةِ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ؛ لِأنَّهُ خالَفَ المَعْرُوفَ، ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ بِآدَمَ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأذْهانِ. وعُلِمَ أنَّهُ أُوجِدَ مِن غَيْرِ …

Aal-i-Imraan 3:60Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.