Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 41–50 of 200

41

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ

He said, "My Lord, make for me a sign." He Said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ قالَ الرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُما: إنَّ زَكَرِيّا قالَ: يا رَبِّ إنْ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ مِن قِبَلِكَ، والبِشارَةُ حَقٌّ، فاجْعَلْ لِي آيَةً عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ ذَلِكَ فَعُوقِبَ عَلى هَذا الشَّكِّ في أمْرِ اللَّهِ بِأنْ مُنِعَ الكَلامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مَعَ النّاسِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمْ يَشُكَّ قَطُّ زَكَرِيّا، وإنَّما سَألَ عَنِ الجِهَةِ الَّتِي بِها يَكُونُ الوَلَدُ، وتَتِمُّ بِهِ البِشارَةُ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] سَألَ عَلامَةً عَلى وقْتِ الحَمْلِ؛ لِيَعْرِفَ مَتى يَكُونُ العُلُوقُ بِيَحْيى.

واخْتَلَفُوا في مَنعِهِ الكَلامَ: هَلْ كانَ لِآفَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أمْ لِغَيْرِ آفَةٍ ؟ فَقالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: رَبا لِسانُهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ، ثُمَّ أطْلَقَهُ اللَّهُ بَعْدَ ثَلاثٍ. وقالَ الرَّبِيعُ، وغَيْرُهُ: أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِسانَهُ فَجُعِلَ لا يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ؛ مُعاقَبَةً عَلى سُؤالِ آيَةٍ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمْ تَكُنْ آفَةً، ولَكِنَّهُ مُنِعَ مُجاوَرَةَ النّاسِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها، وكانَ يَقْدِرُ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ. قالَهُ الطَّبَرِيُّ، وذَكَرَ نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وكانَتِ الآيَةُ حَبْسَ اللِّسانِ لِتَخْلُصَ المُدَّةُ لِذِكْرِ اللَّهِ لا يَشْغَلُ لِسانَهُ بِغَيْرِهِ تَوَفُّرًا مِنهُ عَلى قَضاءِ حَقِّ تِلْكَ النِّعْمَةِ الجَسِيمَةِ وشُكْرِها، كَأنَّهُ لَمّا طَلَبَ الآيَةَ مِن أجْلِ الشُّكْرِ قِيلَ لَهُ: آيَتُكَ أنْ يُحْبَسَ لِسانُكَ إلّا عَنِ الشُّكْرِ. وأحْسَنُ الجَوابِ وأوْقَعُهُ ما كانَ مُشْتَقًّا مِنَ السُّؤالِ، ومُنْتَزَعًا مِنهُ، وكانَ الإعْجازُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن جِهَةِ قُدْرَتِهِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، وعَجْزِهِ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ، مَعَ سَلامَةِ البِنْيَةِ، واعْتِدالِ المِزاجِ، ومِنهُ جِهَةُ وُقُوعِ العُلُوقِ، وحُصُولِهِ عَلى وفْقِ الأخْبارِ. وقِيلَ: أُمِرَ أنْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكانُوا لا يَتَكَلَّمُونَ في صَوْمِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: آيَتُكَ أنْ تَصِيرَ مَأْمُورًا بِأنْ لا تُكَلِّمَ الخَلْقَ، وأنْ تَشْتَغِلَ بِالذِّكْرِ شُكْرًا عَلى إعْطاءِ هَذِهِ المَوْهِبَةِ، وإذا أُمِرْتَ بِذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ. قِيلَ: فَسَألَ اللَّهَ أنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِ فَرْضًا يَجْعَلُهُ شُكْرًا لِذَلِكَ.

والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ سَألَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُولَدُ لَهُ، فَأجابَهُ بِأنَّ آيَتَهُ انْتِفاءُ الكَلامِ مِنهُ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا، وأُمِرَ بِالذِّكْرِ، والتَّسْبِيحِ، وانْتِفاءِ الكَلامِ قَدْ يَكُونُ لِمُتَكَلَّفٍ بِهِ، أوْ بِمَلْزُومِهِ في شَرِيعَتِهِمْ، وهو الصَّوْمُ، وقَدْ يَكُونُ لِمَنعٍ قَهْرِيٍّ مُدَّةً مُعَيَّنَةً لِآفَةٍ تَعْرِضُ في الجارِحَةِ، أوْ لِغَيْرِ آفَةٍ، قالُوا: مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الكَلامِ بِذِكْرِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِذَلِكَ قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ إلى آخِرِهِ، يَعْنِي في أيّامِ عَجْزِكَ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ، وهي مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ انْتَهى.

ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ لِما ذَكَرْناهُ مِنِ احْتِمالاتِ وُجُوهِ الِانْتِفاءِ، ولِأنَّ الأمْرَ بِالذِّكْرِ، والتَّسْبِيحِ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِالزَّمانِ الَّذِي لا يُكَلِّمُ النّاسَ، وعَلى تَقْدِيرِ تَقْيِيدِ ذَلِكَ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ والتَّسْبِيحُ بِالنُّطْقِ …

Aal-i-Imraan 3:41Listen in Qur'an →
42

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allah has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨] ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠] ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] . القَلَمُ: مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وجَمْعُهُ: أقْلامٌ، ويَقَعُ عَلى السَّهْمِ الَّذِي يُقْتَرَعُ بِهِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّهُ يُقَلَّمُ أيْ: يُبْرى ويُسَوّى. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ القُلامَةِ، وهي نَبْتٌ ضَعِيفٌ لِتَرْقِيقِهِ، والقُلامَةُ أيْضًا ما سَقَطَ مِنَ الظُّفْرِ إذا قُلِّمَ، وقَلَّمْتُ أظْفارَهُ أخَذْتُ مِنها وسَوَّيْتُها، قالَ زُهَيْرٌ:

؎لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

وقالَ بَعْضَ المُوَلِّدِينَ:

؎يُشَبَّهُ بِالهِلالِ وذاكَ نَقْصٌ ∗∗∗ قُلامَةُ ظَفْرِهِ شِبْهُ الهِلالِ

الوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى في النَّفْسِ في خَفاءٍ، فَقَدْ يَكُونُ بِالمَلَكِ لِلرُّسُلِ، وبِالإلْهامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وبِالإشارَةِ، كَقَوْلِهِ.

لَأوْحَتْ إلَيْنا والأنامِلُ رُسْلُها

﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: ١١] وبِالكِتابَةِ: قال زُهَيْرٌ:

أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدُ بَقَيْنَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ

والوَحْيُ: الكِتابُ قالَ:

؎فَمَدافِعُ الرَيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها ∗∗∗ خَلَقًا كَما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها

وقِيلَ: الوُحِيُّ جَمْعُ وحْيٍ، وأمّا الفِعْلُ، فَيُقالُ أوْحى، ووَحى.

المَسِيحُ: عِبْرانِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيِّ مَشِيحًا، بِالشِّينِ، عُرِّبَ بِالسِّينِ، كَما غُيِّرَتْ في مُوَشى، فَقِيلَ: مُوسى، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ المُبارَكُ، كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] وهو مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ، كالصِّدِّيقِ، والفارُوقِ، انْتَهى. وقِيلَ: المَسِيحُ عَرَبِيٌّ، واخْتُلِفَ: أهْوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّياحَةِ فَيَكُونُ وزْنُهُ مُفْعِلًا ؟ أوْ مِنَ المَسِيحِ فَيَكُونُ وزْنُهُ فَعِيلًا ؟ وهَلْ يَكُونُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوْ فاعِلٍ خِلافٌ، ويَتَبَيَّنُ في التَّفْسِيرِ لِمَ …

Aal-i-Imraan 3:42Listen in Qur'an →
43

يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨] ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠] ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] . القَلَمُ: مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وجَمْعُهُ: أقْلامٌ، ويَقَعُ عَلى السَّهْمِ الَّذِي يُقْتَرَعُ بِهِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّهُ يُقَلَّمُ أيْ: يُبْرى ويُسَوّى. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ القُلامَةِ، وهي نَبْتٌ ضَعِيفٌ لِتَرْقِيقِهِ، والقُلامَةُ أيْضًا ما سَقَطَ مِنَ الظُّفْرِ إذا قُلِّمَ، وقَلَّمْتُ أظْفارَهُ أخَذْتُ مِنها وسَوَّيْتُها، قالَ زُهَيْرٌ:

؎لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

وقالَ بَعْضَ المُوَلِّدِينَ:

؎يُشَبَّهُ بِالهِلالِ وذاكَ نَقْصٌ ∗∗∗ قُلامَةُ ظَفْرِهِ شِبْهُ الهِلالِ

الوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى في النَّفْسِ في خَفاءٍ، فَقَدْ يَكُونُ بِالمَلَكِ لِلرُّسُلِ، وبِالإلْهامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وبِالإشارَةِ، كَقَوْلِهِ.

لَأوْحَتْ إلَيْنا والأنامِلُ رُسْلُها

﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: ١١] وبِالكِتابَةِ: قال زُهَيْرٌ:

أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدُ بَقَيْنَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ

والوَحْيُ: الكِتابُ قالَ:

؎فَمَدافِعُ الرَيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها ∗∗∗ خَلَقًا كَما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها

وقِيلَ: الوُحِيُّ جَمْعُ وحْيٍ، وأمّا الفِعْلُ، فَيُقالُ أوْحى، ووَحى.

المَسِيحُ: عِبْرانِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيِّ مَشِيحًا، بِالشِّينِ، عُرِّبَ بِالسِّينِ، كَما غُيِّرَتْ في مُوَشى، فَقِيلَ: مُوسى، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ المُبارَكُ، كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] وهو مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ، كالصِّدِّيقِ، والفارُوقِ، انْتَهى. وقِيلَ: المَسِيحُ عَرَبِيٌّ، واخْتُلِفَ: أهْوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّياحَةِ فَيَكُونُ وزْنُهُ مُفْعِلًا ؟ أوْ مِنَ المَسِيحِ فَيَكُونُ وزْنُهُ فَعِيلًا ؟ وهَلْ يَكُونُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوْ فاعِلٍ خِلافٌ، ويَتَبَيَّنُ في التَّفْسِيرِ لِمَ …

Aal-i-Imraan 3:43Listen in Qur'an →
44

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. And you were not with them when they cast their pens as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.

﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَرْيَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاخْتِصامُ هو الِاقْتِراعُ، وأنْ يَكُونَ اخْتِصامًا آخَرَ بَعْدَهُ، والمَقْصُودُ: شِدَّةُ رَغْبَتِهِمْ في التَّكَفُّلِ بِشَأْنِها. والعامِلُ في: إذْ، العامِلُ في: لَدَيْهِمْ، أوْ، كُنْتَ، عَلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ في: إذْ يُلْقُونَ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ التَّكْرارَ في: اصْطَفاكِ، وفي: يا مَرْيَمُ، وفي: ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. قِيلَ: والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: واسْجُدِي وارْكَعِي، عَلى بَعْضِ الأقْوالِ. والِاسْتِعارَةُ، فِيمَن جَعَلَ القُنُوتَ والسُّجُودَ والرُّكُوعَ لَيْسَ كِنايَةً عَنِ الهَيْئاتِ الَّتِي في الصَّلاةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ، والعُمُومُ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في: نِساءِ العالَمِينَ؛ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، والتَّشْبِيهُ في: أقْلامِهِمْ، إذا قُلْنا إنَّهُ أرادَ القِداحَ. والحَذْفُ عَلى عِدَّةِ مَواضِعَ.

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ العامِلُ في: إذا، اذْكُرْ، أوْ: يَخْتَصِمُونَ، أوْ إذْ، بَدَلٌ مِن إذْ، في قَوْلِهِ: إذْ يَخْتَصِمُونَ، أوْ مِن: وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، أقْوالٌ؛ يَلْزَمُ في القَوْلَيْنِ المُتَوَسِّطَيْنِ اتِّحادُ زَمانِ الِاخْتِصامِ، وزَمانِ قَوْلِ المَلائِكَةِ، وهو بَعِيدٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. ويَبْعُدُ الرّابِعُ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. والرّابِعُ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وبِهِ بَدَأ. والخِلافُ في المَلائِكَةِ: أهم جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ جِبْرِيلُ وحْدَهُ عَلى ما سَبَقَ قَبْلُ في خِطابِهِمْ لِزَكَرِيّا ولِمَرْيَمَ ؟ وتَقَدَّمَ تَكْلِيمُ المَلائِكَةِ قَبْلَ هَذا التَّبْشِيرِ بِذِكْرِ الِاصْطِفاءِ، والتَّطْهِيرِ مِنَ اللَّهِ، وبِالأمْنِ بِالعِبادَةِ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ واللُّطْفِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِهَذا التَّبْشِيرِ بِهَذا الأمْرِ العَجِيبِ الخارِقِ الَّذِي لَمْ يَجْرِ لِامْرَأةٍ قَبْلَها، ولا يَجْرِي لِامْرَأةٍ بَعْدَها، وهو أنَّها تَحْمِلُ مِن غَيْرِ مَسِّ ذَكَرٍ لَها، وكانَ جَرْيُ ذَلِكَ الخارِقِ مِن رِزْقِ اللَّهِ لَها أيْضًا تَأْنِيسًا لِهَذا الخارِقِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ: وإذْ قالَ المَلائِكَةُ. والكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ هو عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ كَلِمَةً لِصُدُورِهِ بِكَلِمَةِ: كُنْ، بِلا أبٍ. قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: لِتَسْمِيَتِهِ المَسِيحَ، وهو كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أيْ: مِن كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ في كِتابِهِ التَّوْراةِ والكُتُبِ السّابِقَةِ. وفي التَّوْراةِ: أتانا اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. و ساعِرٌ هو المَوْضِعُ الَّذِي بُعِثَ مِنهُ المَسِيحُ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ جاءَ عَلى وفْقِ كَلِمَةِ جِبْرِيلَ، وهو: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَجاءَ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَ. وقِيلَ: سَمّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ كَما سَمّى مَن شاءَ مِن سائِرِ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا عَلَمًا مَوْضُوعًا لَهُ لَمْ تُلْحَظْ فِيهِ جِهَةٌ مُناسِبَةٌ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ هُنا لا يُرادُ بِها عِيسى، بَلِ الكَلِمَةُ بِشارَةُ المَلائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِعِيسى. وقِيلَ: بِشارَةُ النَّبِيِّ لَها.

﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ﴾ الضَّمِيرُ في اسْمِهِ، عائِدٌ عَلى: الكَلِمَةُ، عَلى مَعْنى: نُبَشِّرُكِ بِمُكَوِّنٍ مِنهُ، أوْ بِمَوْجُودٍ مِنَ اللَّهِ. وسُمِّيَ …

Aal-i-Imraan 3:44Listen in Qur'an →
45

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍۢ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ

[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allah gives you good tidings of a word from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allah].

﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَرْيَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاخْتِصامُ هو الِاقْتِراعُ، وأنْ يَكُونَ اخْتِصامًا آخَرَ بَعْدَهُ، والمَقْصُودُ: شِدَّةُ رَغْبَتِهِمْ في التَّكَفُّلِ بِشَأْنِها. والعامِلُ في: إذْ، العامِلُ في: لَدَيْهِمْ، أوْ، كُنْتَ، عَلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ في: إذْ يُلْقُونَ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ التَّكْرارَ في: اصْطَفاكِ، وفي: يا مَرْيَمُ، وفي: ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. قِيلَ: والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: واسْجُدِي وارْكَعِي، عَلى بَعْضِ الأقْوالِ. والِاسْتِعارَةُ، فِيمَن جَعَلَ القُنُوتَ والسُّجُودَ والرُّكُوعَ لَيْسَ كِنايَةً عَنِ الهَيْئاتِ الَّتِي في الصَّلاةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ، والعُمُومُ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في: نِساءِ العالَمِينَ؛ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، والتَّشْبِيهُ في: أقْلامِهِمْ، إذا قُلْنا إنَّهُ أرادَ القِداحَ. والحَذْفُ عَلى عِدَّةِ مَواضِعَ.

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ العامِلُ في: إذا، اذْكُرْ، أوْ: يَخْتَصِمُونَ، أوْ إذْ، بَدَلٌ مِن إذْ، في قَوْلِهِ: إذْ يَخْتَصِمُونَ، أوْ مِن: وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، أقْوالٌ؛ يَلْزَمُ في القَوْلَيْنِ المُتَوَسِّطَيْنِ اتِّحادُ زَمانِ الِاخْتِصامِ، وزَمانِ قَوْلِ المَلائِكَةِ، وهو بَعِيدٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. ويَبْعُدُ الرّابِعُ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. والرّابِعُ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وبِهِ بَدَأ. والخِلافُ في المَلائِكَةِ: أهم جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ جِبْرِيلُ وحْدَهُ عَلى ما سَبَقَ قَبْلُ في خِطابِهِمْ لِزَكَرِيّا ولِمَرْيَمَ ؟ وتَقَدَّمَ تَكْلِيمُ المَلائِكَةِ قَبْلَ هَذا التَّبْشِيرِ بِذِكْرِ الِاصْطِفاءِ، والتَّطْهِيرِ مِنَ اللَّهِ، وبِالأمْنِ بِالعِبادَةِ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ واللُّطْفِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِهَذا التَّبْشِيرِ بِهَذا الأمْرِ العَجِيبِ الخارِقِ الَّذِي لَمْ يَجْرِ لِامْرَأةٍ قَبْلَها، ولا يَجْرِي لِامْرَأةٍ بَعْدَها، وهو أنَّها تَحْمِلُ مِن غَيْرِ مَسِّ ذَكَرٍ لَها، وكانَ جَرْيُ ذَلِكَ الخارِقِ مِن رِزْقِ اللَّهِ لَها أيْضًا تَأْنِيسًا لِهَذا الخارِقِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ: وإذْ قالَ المَلائِكَةُ. والكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ هو عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ كَلِمَةً لِصُدُورِهِ بِكَلِمَةِ: كُنْ، بِلا أبٍ. قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: لِتَسْمِيَتِهِ المَسِيحَ، وهو كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أيْ: مِن كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ في كِتابِهِ التَّوْراةِ والكُتُبِ السّابِقَةِ. وفي التَّوْراةِ: أتانا اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. و ساعِرٌ هو المَوْضِعُ الَّذِي بُعِثَ مِنهُ المَسِيحُ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ جاءَ عَلى وفْقِ كَلِمَةِ جِبْرِيلَ، وهو: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَجاءَ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَ. وقِيلَ: سَمّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ كَما سَمّى مَن شاءَ مِن سائِرِ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا عَلَمًا مَوْضُوعًا لَهُ لَمْ تُلْحَظْ فِيهِ جِهَةٌ مُناسِبَةٌ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ هُنا لا يُرادُ بِها عِيسى، بَلِ الكَلِمَةُ بِشارَةُ المَلائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِعِيسى. وقِيلَ: بِشارَةُ النَّبِيِّ لَها.

﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ﴾ الضَّمِيرُ في اسْمِهِ، عائِدٌ عَلى: الكَلِمَةُ، عَلى مَعْنى: نُبَشِّرُكِ بِمُكَوِّنٍ مِنهُ، أوْ بِمَوْجُودٍ مِنَ اللَّهِ. وسُمِّيَ …

Aal-i-Imraan 3:45Listen in Qur'an →
46

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."

﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَرْيَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاخْتِصامُ هو الِاقْتِراعُ، وأنْ يَكُونَ اخْتِصامًا آخَرَ بَعْدَهُ، والمَقْصُودُ: شِدَّةُ رَغْبَتِهِمْ في التَّكَفُّلِ بِشَأْنِها. والعامِلُ في: إذْ، العامِلُ في: لَدَيْهِمْ، أوْ، كُنْتَ، عَلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ في: إذْ يُلْقُونَ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ التَّكْرارَ في: اصْطَفاكِ، وفي: يا مَرْيَمُ، وفي: ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. قِيلَ: والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: واسْجُدِي وارْكَعِي، عَلى بَعْضِ الأقْوالِ. والِاسْتِعارَةُ، فِيمَن جَعَلَ القُنُوتَ والسُّجُودَ والرُّكُوعَ لَيْسَ كِنايَةً عَنِ الهَيْئاتِ الَّتِي في الصَّلاةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ، والعُمُومُ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في: نِساءِ العالَمِينَ؛ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، والتَّشْبِيهُ في: أقْلامِهِمْ، إذا قُلْنا إنَّهُ أرادَ القِداحَ. والحَذْفُ عَلى عِدَّةِ مَواضِعَ.

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ العامِلُ في: إذا، اذْكُرْ، أوْ: يَخْتَصِمُونَ، أوْ إذْ، بَدَلٌ مِن إذْ، في قَوْلِهِ: إذْ يَخْتَصِمُونَ، أوْ مِن: وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، أقْوالٌ؛ يَلْزَمُ في القَوْلَيْنِ المُتَوَسِّطَيْنِ اتِّحادُ زَمانِ الِاخْتِصامِ، وزَمانِ قَوْلِ المَلائِكَةِ، وهو بَعِيدٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. ويَبْعُدُ الرّابِعُ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. والرّابِعُ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وبِهِ بَدَأ. والخِلافُ في المَلائِكَةِ: أهم جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ جِبْرِيلُ وحْدَهُ عَلى ما سَبَقَ قَبْلُ في خِطابِهِمْ لِزَكَرِيّا ولِمَرْيَمَ ؟ وتَقَدَّمَ تَكْلِيمُ المَلائِكَةِ قَبْلَ هَذا التَّبْشِيرِ بِذِكْرِ الِاصْطِفاءِ، والتَّطْهِيرِ مِنَ اللَّهِ، وبِالأمْنِ بِالعِبادَةِ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ واللُّطْفِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِهَذا التَّبْشِيرِ بِهَذا الأمْرِ العَجِيبِ الخارِقِ الَّذِي لَمْ يَجْرِ لِامْرَأةٍ قَبْلَها، ولا يَجْرِي لِامْرَأةٍ بَعْدَها، وهو أنَّها تَحْمِلُ مِن غَيْرِ مَسِّ ذَكَرٍ لَها، وكانَ جَرْيُ ذَلِكَ الخارِقِ مِن رِزْقِ اللَّهِ لَها أيْضًا تَأْنِيسًا لِهَذا الخارِقِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ: وإذْ قالَ المَلائِكَةُ. والكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ هو عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ كَلِمَةً لِصُدُورِهِ بِكَلِمَةِ: كُنْ، بِلا أبٍ. قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: لِتَسْمِيَتِهِ المَسِيحَ، وهو كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أيْ: مِن كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ في كِتابِهِ التَّوْراةِ والكُتُبِ السّابِقَةِ. وفي التَّوْراةِ: أتانا اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. و ساعِرٌ هو المَوْضِعُ الَّذِي بُعِثَ مِنهُ المَسِيحُ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ جاءَ عَلى وفْقِ كَلِمَةِ جِبْرِيلَ، وهو: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَجاءَ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَ. وقِيلَ: سَمّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ كَما سَمّى مَن شاءَ مِن سائِرِ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا عَلَمًا مَوْضُوعًا لَهُ لَمْ تُلْحَظْ فِيهِ جِهَةٌ مُناسِبَةٌ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ هُنا لا يُرادُ بِها عِيسى، بَلِ الكَلِمَةُ بِشارَةُ المَلائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِعِيسى. وقِيلَ: بِشارَةُ النَّبِيِّ لَها.

﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ﴾ الضَّمِيرُ في اسْمِهِ، عائِدٌ عَلى: الكَلِمَةُ، عَلى مَعْنى: نُبَشِّرُكِ بِمُكَوِّنٍ مِنهُ، أوْ بِمَوْجُودٍ مِنَ اللَّهِ. وسُمِّيَ …

Aal-i-Imraan 3:46Listen in Qur'an →
47

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allah; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.

﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لَمّا أخْبَرَتْها المَلائِكَةُ أنَّ اللَّهَ بَشَّرَها بِالمَسِيحِ، نادَتْ رَبَّها، وهو اللَّهُ، مُسْتَفْهِمَةً عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِن حُدُوثِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ أبٍ؛ إذْ ذاكَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلتَّعَجُّبِ، وهَذِهِ القَضِيَّةُ أعْجَبُ مِن قَضِيَّةِ زَكَرِيّا، لِأنَّ قَضِيَّةَ زَكَرِيّا حَدَثَ مِنها الوَلَدُ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، وهُنا حَدَثَ مِنِ امْرَأةٍ بِغَيْرِ واسِطَةِ بَشَرٍ، ولِذَلِكَ قالَتْ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ .

وقِيلَ: اسْتَفْهَمَتْ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، كَما سَألَ زَكَرِيّا عَنِ الكَيْفِيَّةِ، تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى جَرْيِ العادَةِ بِتَقَدُّمِ وطْءٍ ؟ أمْ بِأمْرٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ ؟ . وقالَ الأنْبارِيُّ: لَمّا خاطَبَها جِبْرِيلُ ظَنَّتْهُ آدَمِيًّا يُرِيدُ بِها سُوءًا، ولِهَذا قالَتْ: ﴿أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] فَلَمّا بَشَّرَها لَمْ تَتَيَقَّنْ صِحَّةَ قَوْلِهِ؛ لِأنَّها لَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ مَلَكٌ، فَقالَتْ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ ؟

ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَها: رَبِّ، وقَوْلَ زَكَرِيّا: رَبِّ، إنَّما هو نِداءٌ لِجِبْرِيلَ لَمّا بَشَّرَهُما، ومَعْناهُ: يا سَيِّدِي فَقَدْ أبْعَدَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ، ويَكُونُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ والتّامَّةَ، كَما سَبَقَ في قِصَّةِ زَكَرِيّا. ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمَسِيسُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ، وهَذا نَفْيٌ عامٌّ أنْ يَكُونَ باشَرَها أحَدٌ بِأيِّ نَوْعٍ كانَ مِن تَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ، والبَشَرُ: يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والمُرادُ هُنا النَّفْيُ العامُّ، وسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشْرَتِهِ وهو جِلْدُهُ، وبَشَرْتُ الأدِيمَ قَشَّرْتُ وجْهَهُ، وأبْشَرَتِ الأرْضُ أخْرَجَتْ نَباتَها، وتَباشِيرُ الصُّبْحِ أوَّلُ ما يَبْدُو مِن نُورِهِ.

﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِها في قِصَّةِ زَكَرِيّا، إلّا أنَّ في قِصَّتِهِ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] مِن حَيْثُ إنَّ أمْرَ زَكَرِيّا داخِلٌ في الإمْكانِ العادِيِّ الَّذِي يَتَعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وفي قِصَّةِ مَرْيَمَ: يَخْلُقُ، لِأنَّهُ لا يَتَعارَفُ مِثْلُهُ، وهو وُجُودُ ولَدٍ مِن غَيْرِ والِدٍ، فَهو إيجادٌ واخْتِراعٌ مِن غَيْرِ سَبَبٍ عادِيٍّ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِلَفْظِ: يَخْلُقُ، الدّالُّ عَلى هَذا المَعْنى. وقَدْ ألْغَزَ بَعْضُ العَرَبِ المُسْتَشْهَدُ بِكَلامِها فَقالَ:

؎ألا رُبَّ مَوْلُودٍ ولَيْسَ لَهُ أبٌ وذِي ولَدٍ لَمْ يَلِدْهُ أبَوانِ

يُرِيدُ: عِيسى وآدَمَ.

﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ: لُغَةً، وتَفْسِيرًا، وقِراءَةً، وإعْرابًا، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ.

﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الكِتابُ هُنا مَصْدَرٌ، أيْ: يُعَلِّمُهُ الخَطَّ بِاليَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ. وقِيلَ: الكِتابُ هو كِتابٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، عَلَّمَهُ اللَّهُ عِيسى مَعَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ. والألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ. وقِيلَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. قالُوا: وتَكُونُ الواوُ في: والتَّوْراةُ، مُقْحَمَةٌ، والكِتابُ عِبارَةٌ عَنِ المَكْتُوبِ، وتَعْلِيمُهُ إيّاها، قِيلَ: بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ لِلتَّعَلُّمِ. والحِكْمَةُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وفُسِّرَتْ هُنا بِسُنَنِ …

Aal-i-Imraan 3:47Listen in Qur'an →
48

وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

And He will teach him writing and wisdom and the Torah and the Gospel

﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لَمّا أخْبَرَتْها المَلائِكَةُ أنَّ اللَّهَ بَشَّرَها بِالمَسِيحِ، نادَتْ رَبَّها، وهو اللَّهُ، مُسْتَفْهِمَةً عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِن حُدُوثِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ أبٍ؛ إذْ ذاكَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلتَّعَجُّبِ، وهَذِهِ القَضِيَّةُ أعْجَبُ مِن قَضِيَّةِ زَكَرِيّا، لِأنَّ قَضِيَّةَ زَكَرِيّا حَدَثَ مِنها الوَلَدُ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، وهُنا حَدَثَ مِنِ امْرَأةٍ بِغَيْرِ واسِطَةِ بَشَرٍ، ولِذَلِكَ قالَتْ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ .

وقِيلَ: اسْتَفْهَمَتْ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، كَما سَألَ زَكَرِيّا عَنِ الكَيْفِيَّةِ، تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى جَرْيِ العادَةِ بِتَقَدُّمِ وطْءٍ ؟ أمْ بِأمْرٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ ؟ . وقالَ الأنْبارِيُّ: لَمّا خاطَبَها جِبْرِيلُ ظَنَّتْهُ آدَمِيًّا يُرِيدُ بِها سُوءًا، ولِهَذا قالَتْ: ﴿أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] فَلَمّا بَشَّرَها لَمْ تَتَيَقَّنْ صِحَّةَ قَوْلِهِ؛ لِأنَّها لَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ مَلَكٌ، فَقالَتْ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ ؟

ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَها: رَبِّ، وقَوْلَ زَكَرِيّا: رَبِّ، إنَّما هو نِداءٌ لِجِبْرِيلَ لَمّا بَشَّرَهُما، ومَعْناهُ: يا سَيِّدِي فَقَدْ أبْعَدَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ، ويَكُونُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ والتّامَّةَ، كَما سَبَقَ في قِصَّةِ زَكَرِيّا. ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمَسِيسُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ، وهَذا نَفْيٌ عامٌّ أنْ يَكُونَ باشَرَها أحَدٌ بِأيِّ نَوْعٍ كانَ مِن تَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ، والبَشَرُ: يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والمُرادُ هُنا النَّفْيُ العامُّ، وسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشْرَتِهِ وهو جِلْدُهُ، وبَشَرْتُ الأدِيمَ قَشَّرْتُ وجْهَهُ، وأبْشَرَتِ الأرْضُ أخْرَجَتْ نَباتَها، وتَباشِيرُ الصُّبْحِ أوَّلُ ما يَبْدُو مِن نُورِهِ.

﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِها في قِصَّةِ زَكَرِيّا، إلّا أنَّ في قِصَّتِهِ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] مِن حَيْثُ إنَّ أمْرَ زَكَرِيّا داخِلٌ في الإمْكانِ العادِيِّ الَّذِي يَتَعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وفي قِصَّةِ مَرْيَمَ: يَخْلُقُ، لِأنَّهُ لا يَتَعارَفُ مِثْلُهُ، وهو وُجُودُ ولَدٍ مِن غَيْرِ والِدٍ، فَهو إيجادٌ واخْتِراعٌ مِن غَيْرِ سَبَبٍ عادِيٍّ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِلَفْظِ: يَخْلُقُ، الدّالُّ عَلى هَذا المَعْنى. وقَدْ ألْغَزَ بَعْضُ العَرَبِ المُسْتَشْهَدُ بِكَلامِها فَقالَ:

؎ألا رُبَّ مَوْلُودٍ ولَيْسَ لَهُ أبٌ وذِي ولَدٍ لَمْ يَلِدْهُ أبَوانِ

يُرِيدُ: عِيسى وآدَمَ.

﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ: لُغَةً، وتَفْسِيرًا، وقِراءَةً، وإعْرابًا، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ.

﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الكِتابُ هُنا مَصْدَرٌ، أيْ: يُعَلِّمُهُ الخَطَّ بِاليَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ. وقِيلَ: الكِتابُ هو كِتابٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، عَلَّمَهُ اللَّهُ عِيسى مَعَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ. والألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ. وقِيلَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. قالُوا: وتَكُونُ الواوُ في: والتَّوْراةُ، مُقْحَمَةٌ، والكِتابُ عِبارَةٌ عَنِ المَكْتُوبِ، وتَعْلِيمُهُ إيّاها، قِيلَ: بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ لِلتَّعَلُّمِ. والحِكْمَةُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وفُسِّرَتْ هُنا بِسُنَنِ …

Aal-i-Imraan 3:48Listen in Qur'an →
49

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allah. And I cure the blind and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allah. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.

﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في: رَسُولًا، هُنا فَقِيلَ: هو وصْفٌ بِمَعْنى المُرْسَلِ عَلى ظاهِرِ ما يُفْهَمُ مِنهُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، إذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولًا يَكُونُ بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِمَّنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فِيهِ هَنا الحُوفِيُّ، وأبُو البَقاءِ، وقالا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الكِتابِ، أيْ: ويُعَلِّمُهُ رِسالَةً إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَتَكُونُ رِسالَةٌ، داخِلًا في ما يُعَلِّمُهُ اللَّهُ عِيسى. وأجازَ أبُو البَقاءِ في هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ. وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَقالُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قالُوا: فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ:

؎يا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا

أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا. لَمّا لَمْ يُمْكِنْ تَشْرِيكُهُ مَعَ المَنصُوباتِ قَبْلَهُ في العامِلِ الَّذِي هو: يُعَلِّمُهُ، أُضْمِرَ لَهُ فِعْلٌ ناصِبٌ يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: يُعَلِّمُهُ، فَيَكُونَ حالًا، إذِ التَّقْدِيرُ: ومُعَلِّمًا الكِتابَ، فَهَذا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالمَعْنى عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وثَنى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وبَدَأ بِهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى إعْرابِ: ويُعَلِّمُهُ. وقَدْ بَيَّنّا ضَعْفَ إعْرابِ مَن يَقُولُ: إنَّ ”ويُعَلِّمُهُ“، مَعْطُوفٌ عَلى: وجِيهًا، لِلْفَصْلِ المُفْرِطِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في: ويُكَلِّمُ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: وكَهْلًا، أيْ: ويُكَلِّمُ النّاسَ طِفْلًا وكَهْلًا، ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً، ويَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ: ويُعَلِّمُهُ، قالَهُ الأخْفَشُ، وهو ضَعِيفٌ لِزِيادَةِ الواوِ، لا يُوجَدُ في كَلامِهِمْ: جاءَ زَيْدٌ وضاحِكًا، أيْ: ضاحِكًا. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِ ”رَسُولًا“، ويَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مِن عِيسى، التَّقْدِيرُ: وتَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كُلِّهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٠]، إذْ لا يَصِحُّ في الظّاهِرِ حَمْلُهُ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المَنصُوباتِ لِاخْتِلافِ الضَّمائِرِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ ضَمِيرُ غائِبٍ، وهَذانِ ضَمِيرُ مُتَكَلِّمٍ، فاحْتاجَ إلى هَذا الإضْمارِ لِتَصْحِيحِ المَعْنى. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ: هو مِنَ المَضايِقِ، يَعْنِي مِنَ المَواضِعِ الَّتِي فِيها إشْكالٌ. وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ، إذْ فِيهِ إضْمارُ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ الَّذِي هو: أُرْسِلْتُ، والِاسْتِغْناءُ عَنْهُما بِاسْمٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ، إذْ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: وأُرْسِلْتُ، أنَّهُ رَسُولٌ، فَهي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ في إعْرابِ: ورَسُولًا، أوْلاها الأوَّلُ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا إضْمارُ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولًا لِـ ”رَسُولًا“، أيْ: ناطِقًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم، عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ومَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ الهَمْزَةَ، وهي قِراءَةٌ …

Aal-i-Imraan 3:49Listen in Qur'an →
50

وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ

And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allah and obey me.

﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عَطَفَ ”ومُصَدِّقًا“: عَلى قَوْلِهِ: ”بِآيَةٍ“ إذِ الباءُ فِيهِ لِلْحالِ، ولا تَكُونُ لِلتَّعْدِيَةِ لِفَسادِ المَعْنى، فالمَعْنى: وجِئْتُكم مَصْحُوبًا بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ، ومَنَعُوا أنْ يَكُونَ: ومُصَدِّقًا، مَعْطُوفًا عَلى: رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ولا عَلى: وجِيهًا، لِما يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيَّ، غائِبًا. فَكانَ يَكُونُ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ يَجُوزُ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا، أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وأُرْسِلْتُ رَسُولًا، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ: ومُصَدِّقًا، مَعْطُوفًا عَلى: ورَسُولًا. ومَعْنى تَصْدِيقِهِ لِلتَّوْراةِ الإيمانُ بِها، وإنْ كانَتْ شَرِيعَتُهُ تُخالِفُ في أشْياءَ. قالَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يُسَّبِتُ، ويُسْتَقْبَلُ بَيْتُ المَقْدِسِ.

﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحَلَّ لَهم لُحُومَ الإبِلِ، والشُّحُومَ. وقالَ الرَّبِيعُ: وأشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وما لا ضَئْضَئَةَ لَهُ مِنَ الطَّيْرِ، وكانَ ذَلِكَ في التَّوْراةِ مُحَرَّمًا. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: حُرِّمَ عَلَيْكم، إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَهُ الأحْبارُ بَعْدَ مُوسى، وشَرَّعُوهُ، فَكَأنَّ عِيسى رَدَّ أحْكامَ التَّوْراةِ إلى حَقائِقِها الَّتِي نَزَلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ انْتَهى كَلامُهُ. واخْتَلَفُوا في إحْلالِهِ لَهُمُ السَّبْتَ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ما حَرَّمَ عَلَيْكم، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما، مِن قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيَّ، أوْ يَعُودُ عَلى اللَّهِ مُنْزِلِ التَّوْراةِ، أوْ عَلى مُوسى صاحِبِ التَّوْراةِ. والظّاهِرُ الأوَّلُ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ. وقَرَأ: حَرُمَ، بِوَزْنِ: كَرُمَ، إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والمُرادُ بِبَعْضِ مَدْلُولِها المُتَعارَفِ، وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا مَعْنى كُلِّ خَطَأٍ، لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يُحِلَّ لَهُمُ القَتْلَ، والزِّنا، والسَّرِقَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، واسْتِدْلالُهُ عَلى أنَّ بَعْضًا، تَأْتِي بِمَعْنى كُلٍّ، بِقَوْلِ لَبِيدٍ:

؎تَرّاكُ أمكِنَةً إذا لَمْ أرْضَها أوْ تَرْتَبِطْ بَعْضَ النُفوسِ حِمامُها

لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ بَعْضًا عَلى مَدْلُولِهِ، إذْ يُرِيدُ نَفْسَهُ، فَهو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وكَذَلِكَ اسْتِدْلالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ:

؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا

لِصِحَّةِ التَّبْعِيضِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ما دَبَّرَهُ الأحْداثُ يَكُونُ فِيهِ الخَلَلُ. وقالَ بَعْضُهم: لا يَقُومُ بَعْضٌ مَقامَ كُلٍّ إلّا إذا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ

يُرِيدُ: بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَظَرٌ، واللّامُ في: ولِأُحِلَّ لَكم، لامُ كَيْ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُسَوِّغُ عَطْفَهُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، فَقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى، إذِ المَعْنى في: ومُصَدِّقًا، أيْ: لِأُصَدِّقَ ما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأُحِلَّ لَكم. وهَذا هو العَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ، ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ مَعْقُولِيَّةَ الحالِ مُخالِفَةٌ لِمَعْقُولِيَّةِ التَّعْلِيلِ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُتَّحِدًا في المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: فَأصَّدَّقَ وأكُنْ؛ كَيْفَ اتَّحَدَ المَعْنى مِن حَيْثُ …

Aal-i-Imraan 3:50Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.