Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 41–50 of 200

41

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ

He said, "My Lord, make for me a sign." He Said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى العُلُوقِ وإنَّما سَألَها اِسْتِعْجالًا لِلسُّرُورِ قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ حِينَ حُصُولِها ولا يُؤَخِّرُ حَتّى تَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا، ولَعَلَّ هَذا هو الأنْسَبُ بِحالِ أمْثالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّهُ سَألَ الآيَةَ لِيَتَحَقَّقَ أنَّ تِلْكَ البِشارَةَ مِنهُ تَعالى لا مِنَ الشَّيْطانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما: (آيَةً)، وثانِيهُما: (لِي)، والتَّقْدِيمُ لِأنَّهُ المُسَوِّغُ لِكَوْنِ (آيَةً) مُبْتَدَأً عِنْدَ الِانْحِلالِ، وإمّا بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو (آيَةً) و(لِي) حِينَئِذٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن (آيَةً) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ عَنْها كانَ صِفَةً لَها، وصِفَةُ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَتْ عَلَيْها أُعْرِبَتْ حالًا مِنها كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ والتَّشْوِيقِ لِما بَعْدَهُ.

﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ مِن غَيْرِ آفَةٍ وهو الأنْسَبُ بِكَوْنِهِ آيَةً والأوْفَقُ لِما في سُورَةِ مَرْيَمَ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُعْتَمِرٍ قالَ: ”رَبا لِسانُهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ فَمَنَعَهُ الكَلامُ“، والآيَةُ فِيهِ عَدَمُ مَنعِهِ مِنَ الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ عَدَمُ التَّكْلِيمِ اِضْطِرارِيٌّ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ اِخْتِيارِيٌّ، والمَعْنى آيَتُكَ أنْ تَصِيرَ مَأْمُورًا بِعَدَمِ التَّكَلُّمِ إلّا بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ هُنا، وعَلَيْهِ وعَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِن عَدَمِ التَّكْلِيمِ ظاهِرُهُ فَقَطْ وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الصِّيامِ لِأنَّهم كانُوا إذْ ذاكَ إذا صامُوا لَمْ يُكَلِّمُوا أحَدًا وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَطاءٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ومَعَ هَذا يَتَوَقَّفُ قَبُولُهُ عَلى تَوْقِيفٍ، وإنَّما خَصَّ تَكْلِيمَ النّاسِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنَ التَّكَلُّمِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ مُتَوالِيَةٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَيالِي ثَلاثَةِ أيّامٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ والحَقُّ أنَّ الآيَةَ كانَتْ عَدَمَ التَّكْلِيمِ سِتَّةَ أفْرادٍ إلّا أنَّهُ اِقْتَصَرَ تارَةً عَلى ذِكْرِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِنها وأُخْرى عَلى ثَلاثِ لَيالٍ، وجَعَلَ ما لَمْ يَذْكُرْ في كُلٍّ تَبَعًا لِما ذَكَرَ، قِيلَ: وإنَّما قَدَّمَ التَّعْبِيرَ بِالأيّامِ لِأنَّ يَوْمَ كُلِّ لَيْلَةٍ

صفحة 151

قَبْلَها في حِسابِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، وكَوْنَهُ بَعْدَها إنَّما هو عِنْدَ العَرَبِ خاصَّةً كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ آيَةَ اللَّيالِي مُتَقَدِّمَةٌ نُزُولًا لِأنَّ السُّورَةَ الَّتِي هي فِيها مَكِّيَّةٌ والسُّورَةَ الَّتِي فِيها آيَةُ الأيّامِ مَدَنِيَّةٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ أوَّلُ ظُهُورِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلًا ويَكُونُ اليَوْمُ تَبَعًا لِلَّيْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَلى ما يَقْتَضِيهِ حِسابُ العَرَبِ، فَتَدَبَّرْ.

فالبَحْثُ مُحْتاجٌ إلى تَحْرِيرٍ بَعْدُ، وإنَّما جُعِلَ عَقْلُ اللِّسانِ آيَةَ العُلُوقِ لِتَخْلُصَ المُدَّةُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكِرِهِ …

Aal-i-Imraan 3:41Listen in Qur'an →
42

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allah has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ تَتِمَّةٌ لِشَرْحِ أحْكامِ اِصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، ووَقَعَتْ قِصَّةُ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ في البَيْنِ لِما فِيها مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الِاصْطِفاءَ، و(إذْ) في المَشْهُورِ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وبَيْنَهُما كَمالُ المُناسَبَةِ لِأنَّ تِلْكَ مَسُوقَةٌ أوَّلًا وبِالذّاتِ لِشَرْحِ حالِ الأُمِّ وهَذِهِ لِشَرْحِ حالِ البِنْتِ، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ رَئِيسُهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والكَلامُ هُنا كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الظَّرْفِ مَعْطُوفًا عَلى الظَّرْفِ السّابِقِ وناصِبِهِ ناصِبَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والمُرادُ: اُذْكُرْ أيْضًا مِن شَواهِدِ اِصْطِفاءِ أُولَئِكَ الكِرامِ وقْتَ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ أيِ اِخْتارَكِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَطَفَ بِكِ ومَيَّزَكِ عَلى كُلِّ مُحَرَّرٍ وخَصَّكِ بِالكَراماتِ السَّنِيَّةِ، والتَّأْكِيدُ اِعْتِناءٌ بِشَأْنِ الخَبَرِ، وقَوْلُ المَلائِكَةِ لَها ذَلِكَ كانَ شِفاهًا عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ ونَطَقَتْ بِهِ الظَّواهِرُ، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي تَكَرُّرَ هَذا القَوْلِ مِنَ المَلائِكَةِ لَها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ حَبِيسًا في الكَنِيسَةِ ومَعَها فِيها غُلامٌ اِسْمُهُ يُوسُفُ وقَدْ كانَ أُمُّهُ وأبُوهُ جَعَلاهُ نَذِيرًا حَبِيسًا فَكانا في الكَنِيسَةِ جَمِيعًا وكانَتْ مَرْيَمُ إذا نَفِدَ ماؤُها وماءُ يُوسُفَ أخَذا قُلَّتَيْهِما فانْطَلَقا إلى المَغارَةِ الَّتِي فِيها الماءُ فَيَمْلَآنِ ثُمَّ يَرْجِعانِ، والمَلائِكَةُ في ذَلِكَ مُقْبِلَةٌ عَلى مَرْيَمَ بِالبِشارَةِ ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ الآيَةَ، فَإذا سَمِعَ ذَلِكَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: إنَّ لِابْنَةِ عِمْرانَ لَشَأْنًا، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألْهَمُوها ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ القَوْلِ بِالإلْهامِ وإسْنادَهُ لِلْمَلائِكَةِ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَ لا مَنعَ مِن أنْ يَكُونَ بِواسِطَتِهِمْ أيْضًا عَلى أنَّهُ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ خَبَرٌ أصْلًا، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ التَّكْلِيمُ مِن بابِ الكَرامَةِ الَّتِي يَمُنُّ بِها اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى خَواصِّ عِبادِهِ، ومَن أنْكَرَها زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ إرْهاصٌ وتَأْسِيسٌ لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مُعْجِزَةٌ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ.

وأُورِدُ عَلى الأوَّلِ أنَّ الإرْهاصَ في المَشْهُورِ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى دَعْوى النُّبُوَّةِ ما يُشْبِهُ المُعْجِزَةَ كَإظْلالِ الغَمامِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَكَلُّمِ الحَجَرِ مَعَهُ، وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الخارِقِ عَلى يَدِ النَّبِيِّ لَكِنْ قَبْلَ أنْ يُنَبَّأ لا عَلى يَدِ غَيْرِهِ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُدْفَعَ بِالعِنايَةِ؛ وأُورِدُ عَلى الثّانِي بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لَمْ يَقَعِ الكَلامُ مَعَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَقْتَرِنْ ذَلِكَ بِالتَّحَدِّي أيْضًا فَكَيْفَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ.

واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى نُبُوَّةِ مَرْيَمَ لِأنَّ تَكْلِيمَ المَلائِكَةِ يَقْتَضِيها، ومَنَعَهُ اللَّقانِيُّ بِأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمُوا مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ إجْماعًا فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كَلَّمُوا رَجُلًا خَرَجَ لِزِيارَةِ أخٍ لَهُ في اللَّهِ تَعالى وأخْبَرُوهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُحِبُّهُ كَحُبِّهِ لِأخِيهِ فِيهِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ …

Aal-i-Imraan 3:42Listen in Qur'an →
43

يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."

﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن مَقُولِ المَلائِكَةِ أيْضًا وصَّوْها بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أخْبَرُوها بِعُلُوِّ دَرَجَتِها وكَمالِ قُرْبِها إلى اللَّهِ تَعالى لِئَلّا تَفْتُرَ ولا تَغْفُلَ عَنِ العِبادَةِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإشارَةِ إلى الِاعْتِناءِ بِما يَرِدُ بَعْدُ، كَأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ.

والقُنُوتُ إطالَةُ القِيامِ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ إدامَةُ الطّاعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الرّاغِبُ، أوِ الإخْلاصُ في العِبادَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أوْ أصْلُ القِيامِ في الصَّلاةِ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ

صفحة 157

وُجُوبِ اِمْتِثالِ الأوامِرِ.

﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [ 43 ] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الأمْرَ بِالصَّلاةِ إلّا أنَّهُ أمَرَ سُبْحانَهُ بِها بِذِكْرِ أرْكانِها مُبالَغَةً في إيجابِ المُحافَظَةِ عَلَيْها لِما أنَّ في ذِكْرِ الشَّيْءِ تَفْصِيلًا تَقْرِيرًا لَيْسَ في الإجْمالِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ السُّجُودِ عَلى الرُّكُوعِ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في صَلاتِهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أفْضَلُ أرْكانِ الصَّلاةِ وأقْصى مَراتِبِ الخُضُوعِ، وفي الخَبَرِ: «”أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ“،» أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الواوَ لا تُوجِبِ التَّرْتِيبَ أوْ لِيَقْتَرِنَ ”ارْكَعِي“ بِالرّاكِعِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن لَيْسَ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ لَيْسُوا مُصَلِّينَ، وكُلٌّ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ القِيامَ لَيْسَ أفْضَلَ مِنَ السُّجُودِ كَما نُقِلَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ خِطابَ القُرْآنِ مَعَ مَن يَعْلَمُ لُغَةَ العَرَبِ لا مَعَ مَن يَتَعَلَّمُ مِنهُ اللُّغَةَ، وأمّا الثّالِثُ: فَلِأنَّ تَمامِيَّتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلى بَيانِ وجْهِ أنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالسّاجِدِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لا سَجْدَةَ في صِلاتِهِ لَيْسَ مِنَ المُصَلِّينَ؟ وكَأنَّ وجْهَ ذَلِكَ ما يُسْتَفادُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قالَ: ((ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في زَمانِها مَن كانَ يَقُومُ ويَسْجُدُ في صَلاتِهِ ولا يَرْكَعُ، وفِيهِ مَن يَرْكَعُ، فَأُمِرَتْ بِأنْ تَرْكَعَ مَعَ الرّاكِعِينَ ولا تَكُونَ مَعَ مَن لا يَرْكَعُ))، فالنُّكْتَةُ في التَّعْبِيرِ ما جُعِلَتْ نُكْتَةً في ذِكْرِ ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ واعْتَرَضَهُ أيْضًا بَعْضُهم بِأنَّهُ إذا قُدِّمَ الرُّكُوعُ، وقِيلَ: (وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ واسْجُدِي) يَحْصُلُ ذَلِكَ المَقْصُودُ، ولا مَدْخَلَ لِلتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في إفادَةِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ وحْدَهُ الصَّلاةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنِ الصَّلاةِ بِذَلِكَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالجُزْءِ عَنِ الكُلِّ، ويُرادُ بِالرُّكُوعِ الخُشُوعُ والتَّواضُعُ وكَأنَّ أمْرَها بِذَلِكَ حِفْظًا لَها مِنَ الوُقُوعِ في مَهاوِي التَّكَبُّرِ والِاسْتِعْلاءِ بِما لَها مِن عُلُوِّ الدَّرَجَةِ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الأوْزاعِيِّ، قالَ: «كانَتْ تَقُومُ حَتّى يَسِيلَ القَيْحُ مِن قَدَمَيْها» وما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ في الآيَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، قالَ: «كانَتْ مَرْيَمُ تُصَلِّي حَتّى تَوَرَّمَ قَدَماها».

والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ فائِدَةَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ الإرْشادُ إلى صَلاةِ الجَماعَةِ، وإلَيْهِ …

Aal-i-Imraan 3:43Listen in Qur'an →
44

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. And you were not with them when they cast their pens as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن تِلْكَ الأخْبارِ البَدِيعَةِ الشَّأْنِ المُرْتَقِيَةِ مِنَ الغَرابَةِ إلى أعْلى مَكانٍ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ مِن أخْبارِ ما غابَ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِالوَحْيِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ المَقامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى، والإيحاءُ إلْقاءُ المَعْنى إلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ خَفِيٍّ، ويَكُونُ بِمَعْنى إرْسالِ المَلَكِ إلى الأنْبِياءِ، وبِمَعْنى الإلْهامِ، والضَّمِيرُ في نُوحِيهِ عائِدٌ إلى ذَلِكَ في المَشْهُورِ، واسْتُحْسِنَ عُودُهُ إلى الغَيْبِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَشْمَلُ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَصَصِ وما لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنها بِخِلافِ ما إذا عادَ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ بِما مَضى، وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ قَبْلَها، و﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ (نُوحِيهِ) أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ أيْ: نُوحِيهِ حالَ كَوْنِهِ بَعْضَ أنْباءِ الغَيْبِ، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ المُبْتَدَأِ رَأْيُ البَعْضِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ فَيَكُونُ (ذَلِكَ) خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنهُ، وهو وجْهٌ مَرْذُولٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ كَلامُ المَلِكِ الجَلِيلِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ عِنْدَ قَوْمٍ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ.

﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ عِنْدِ المُتَنازِعِينَ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ تَحْقِيقُ كَوْنِ الأخْبارَ بِما ذُكِرَ عَنْ وحْيٍ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ رَسُولَنا أخْبَرَكم بِما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالعَقْلِ مَعَ اِعْتِرافِكم بِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ ولَمْ يَقْرَأْهُ في كِتابٍ، وتُنْكِرُونَ أنَّهُ وحْيٌ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ هَذا ما يَحْتاجُ إلى النَّفْيِ سِوى المُشاهَدَةِ الَّتِي هي أظْهَرُ الأُمُورِ اِنْتِفاءً لِاسْتِحالَتِها المَعْلُومَةِ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ، ونَبَّهَ عَلى ثُبُوتِ قِصَّةِ مَرْيَمَ مَعَ أنَّ ما عُلِمَ بِالوَحْيِ قِصَّةُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا لِما أنَّ تِلْكَ هي المَقْصُودَةُ بِالأخْبارِ أوَّلًا، وإنَّما جاءَتِ القِصَّةُ الأُخْرى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ولِانْدِراجِ بَعْضِ قِصَّةِ زَكَرِيّا في ذِكْرِ مَن تَكَفَّلَ فَما خَلَتِ الجُمْلَةُ عَنْ تَنْبِيهٍ عَلى قِصَّتِهِ في الجُمْلَةِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْجِيبُ اللَّهِ سُبْحانُهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شِدَّةِ حِرْصِ القَوْمِ عَلى كَفالَةِ مَرْيَمَ والقِيامِ بِأمْرِها، وسِيقَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِاصْطِفائِها عَلَيْها السَّلامُ، ويُبْعِدُ هَذا الفَصْلَ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ، ومَعَ هَذا هو أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ مِنها التَّعْجِيبُ مِن تَدافُعِهِمْ لِكَفالَتِها لِشَدَّةِ الحالِ ومَزِيدِ الحاجَةِ الَّتِي لَحِقَتْهم حَتّى وفَّقَ لَها خَيْرَ الكُفَلاءِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ يَكادُ يَكُونُ هَذا غَيْرَ صَحِيحٍ دِرايَةً ورِوايَةً، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يُشْكِلُ نَفْيُ المُشاهَدَةِ مَعَ ظُهُورِ اِنْتِفائِها عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ.

﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ أيْ يَرْمُونَها ويَطْرَحُونَها لِلِاقْتِراعِ، والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ وهي الَّتِي كانُوا …

Aal-i-Imraan 3:44Listen in Qur'an →
45

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍۢ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ

[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allah gives you good tidings of a word from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allah].

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَشْهُورِ، والقَوْلُ شَفاهِيٌّ كَما رَواهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، و(إذْ) المُضافَةُ إلى ما بَعْدَها بَدَلٌ مِن نَظِيرَتِها السّابِقَةِ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلُ اِشْتِمالٍ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ إذِ الجُمْلَةُ الفاصِلَةُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلُ مِنهُ اِعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا

صفحة 160

لِما سَبَقَ، وتَنْبِيهًا عَلى اِسْتِقْلالِهِ وكَوْنِهِ حَقِيقِيًّا بِأنْ يُعَدَّ عَلى حِيالِهِ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ، قالُوا: وتُرِكَ العَطْفُ بِناءً عَلى اِتِّحادِ المُخاطَبِ والمُخاطِبِ وإيذانًا بِتَقارُنِ الخِطابَيْنِ أوْ تَقارُبِهِما في الزَّمانِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الظَّرْفَ مَنصُوبًا بِ (اُذْكُرْ) مُقَدَّرًا، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِ (يَخْتَصِمُونَ) وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن (إذْ) المُضافَةِ إلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ زَمَنَ الِاخْتِصامِ قَبْلَ زَمَنِ البِشارَةِ بِمُدَّةٍ فَلا تَصِحُّ هَذِهِ البَدَلِيَّةُ، والتِزامُ أنَّهُ بَدَلٌ غَلَطٌ إذْ لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُعْتَبَرُ زَمانٌ مُمْتَدٌّ يَقَعُ الِاخْتِصامُ في بَعْضِهِ والبِشارَةُ في بَعْضٍ آخَرَ وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُما في زَمانٍ واحِدٍ كَما يُقالُ وقَعَ القِتالُ والصُّلْحُ في سَنَةٍ واحِدَةٍ مَعَ أنَّ القِتالَ واقِعٌ في أوَّلِها مَثَلًا والصُّلْحُ في آخِرِها، قِيلَ: ولا يُحْتاجُ إلى هَذا عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي مِمّا ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها عَلَيْها السَّلامُ كانَتْ عاقِلَةً في حالِ الصِّغَرِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها ورَدَتْ عَلَيْها البُشْرى إذْ ذاكَ، وفِيهِ بَعْدٌ بَلِ الآثارُ ناطِقَةٌ بِخِلافِهِ.

﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ كَلِمَةُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَلِمَةٍ وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى مَن أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍ بَلْ بِواسِطَةِ كُنْ فَقَطْ عَلى خِلافِ أفْرادِ بَنِي آدَمَ فَكانَ تَأْثِيرُ الكَلِمَةِ في حَقِّهِ أظْهَرَ وأكْمَلَ فَهو كَقَوْلِكَ لِمَن غَلَبَ عَلَيْهِ الجُودُ مَثَلًا: مَحْضُ الجُودِ، وعَلى ذَلِكَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وأيَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقِيلَ: أطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ بِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ، فَفي «اَلتَّوْراةِ» في الفَصْلِ العِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ: أقْبَلَ اللَّهُ تَعالى مِن سِينا وتَجَلّى مِن ساعِيرَ وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ، وسِينا جَبَلُ التَّجَلِّي لِمُوسى وساعِيرُ جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ وكانَ عِيسى يَتَعَبَّدُ فِيهِ وفارانُ جَبَلُ مَكَّةَ، وكانَ مُتَحَنَّثَ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ﷺ، وهَذا كَقَوْلِ مَن يُخْبِرُ بِالأمْرِ إذا خَرَجَ مُوافِقًا لِما أخْبَرَ بِهِ: قَدْ جاءَ كَلامِي، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي بِهِ كَما يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الكَلِمَةَ بِمَعْنى البِشارَةِ كَأنَّهُ قِيلَ بِبِشارَةٍ مِنهُ ويُبْعِدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ ولَعَلَّهُ يُرَجِّحُ أوَّلَ الأقْوالِ كَما يُرَجِّحُهُ عَدَمُ اِطِّرادِ الأقْوالِ الأُخَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لازِمًا في مِثْلِ ذَلِكَ، وفي ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ هُنا …

Aal-i-Imraan 3:45Listen in Qur'an →
46

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."

﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ عَطْفٌ عَلى الحالِ الأُولى أيْضًا، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لِتَأْوِيلِهِ بِهِ سائِغٌ شائِعٌ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ ولَمْ يُجْعَلْ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِهِ مَعَ صِحَّتِهِ لِعَطْفِ ﴿وكَهْلا﴾ عَلَيْهِ، والمُرادُ يُكَلِّمُهم حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، والمَقْصُودُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الكَلامِ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ وحالِ الكُهُولَةِ، وإلّا فالكَلامُ في الثّانِي لَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ غَرابَةٌ، وعَلى هَذا فالمَجْمُوعُ حالٌ لا كُلٌّ عَلى الِاسْتِقْلالِ، وقِيلَ: إنَّ كُلًّا مِنهُما حالٌ، والثّانِي: تَبْشِيرٌ بِبُلُوغِ سِنِّ الكُهُولَةِ وتَحْدِيدٌ لِعُمْرِهِ، والمَهْدُ مَقَرُّ الصَّبِيِّ في رِضاعِهِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ وكانَ كَلامُهُ في المَهْدِ ساعَةً واحِدَةً بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى بَلَغَ أوانَ الكَلامِ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانَ يَتَكَلَّمُ دائِمًا وكانَ كَلامُهُ فِيهِ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ وإرْهاصًا لَها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ الإخْشِيدِ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إخْبارًا عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أكْمَلَ عَقْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ وأوْحى إلَيْهِ بِما تَكَلَّمَ بِهِ مَقْرُونًا بِالنُّبُوَّةِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَرامَةً لِمَرْيَمَ دالَّةً عَلى طَهارَتِها وبَراءَةِ ساحَتِها مِمّا نَسَبَهُ أهْلُ الإفْكِ إلَيْها، والقَوْلُ: بِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ لَها بَعِيدٌ وإنْ قُلْنا بِنُبُوَّتِها.

وزَعَمَتِ النَّصارى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ ولَمْ يَنْطِقْ بِبَراءَةِ أُمِّهِ صَغِيرًا بَلْ أقامَ ثَلاثِينَ سَنَةً واليَهُودُ تَقْذِفُ أُمَّهُ بِيُوسُفَ النَّجّارِ وهَذا مِن أكْبَرِ فَضائِحِهِمِ الصّادِحَةِ بِرَدِّ ما هم عَلَيْهِ مِن دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا تَنَقُّلُهُ في الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ المُتَنافِيَةِ لِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، واعْتَرَضُوا بِأنَّ كَلامَهُ في المَهْدِ مِن أعْجَبِ الأُمُورِ فَلَوْ كانَ لِنَقْلٍ ولَوْ نُقِلَ لَكانَ النَّصارى أوْلى النّاسِ بِمَعْرِفَتِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الحاضِرِينَ إذْ ذاكَ لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ التَّواتُرِ، ولَمّا نَقَلُوا كُذِّبُوا فَسَكَتُوا، وبَقِيَ الأمْرُ مَكْتُومًا إلى أنْ نَطَقَ القُرْآنُ بِهِ، وهَذا قَرِيبٌ عَلى قَوْلِ اِبْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ وعَلى القَوْلِ الآخَرِ وهو أنَّهُ بَقِيَ يَتَكَلَّمُ يُقالُ: إنَّ النّاسَ اِشْتَغَلُوا بَعْدُ بِنَقْلِ ما هو أعْجَبُ مِن ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ كَإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ والإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ والخَلْقِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ حَتّى لَمْ يُذْكَرِ التَّكَلُّمَ مِنهم إلّا النَّزْرَ ولا زالَ الأمْرُ بِقِلَّةٍ حَتّى لَمْ يَبْقَ مُخْبِرٌ عَنْ ذَلِكَ وبَقِيَ مَكْتُومًا إلى أنْ أظْهَرَهُ القُرْآنُ، وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لَكَ أنْ تَقُولَ لا نُسَلِّمُ إجْماعَ النَّصارى عَلى عَدَمِ تَكَلُّمِهِ في المَهْدِ، وظاهِرُ الأخْبارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُها يُشِيرُ إلى أنَّ بَعْضَهم قائِلٌ بِذَلِكَ، وبِفَرْضِ إجْماعِهِمْ نِهايَةَ ما يَلْزَمُ الِاسْتِبْعادُ وهو بَعْدَ إخْبارِ الصّادِقِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ عِنْدَ مَن رَسَخَ إيمانُهُ وقَوِيَ إيقانُهُ، وكَمْ أجْمَعَ أهْلُ الكِتابَيْنِ عَلى أشْياءَ نَطَقَ القُرْآنُ …

Aal-i-Imraan 3:46Listen in Qur'an →
47

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allah; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.

﴿قالَتْ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ مِنها حِينَ قالَتْ لَها المَلائِكَةُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مَجازِيًّا والمُرادُ التَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ والِاسْتِبْعادُ العادِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا عَلى مَعْنى أنَّهُ يَكُونُ بِتَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اِسْتِفْهامًا عَنْ أنَّهُ مِن أيِّ شَخْصٍ يَكُونُ، وإعْرابُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى نَحْوِ إعْرابِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ في قِصَّةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما مَرَّ ومُقَوِّيَةٌ لَهُ، والمَسِيسُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ وهَذا نَفْيٌ عامٌّ لِلتَّزَوُّجِ وغَيْرِهِ، والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والتَّنْكِيرُ لِلْعُمُومِ، والمُرادُ عُمُومُ النَّفْيِ لا نَفْيُ العُمُومِ، وسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشَرَتِهِ أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى باشَرَ أباهُ وخَلَقَهُ بِيَدَيْهِ.

(قالَ) اِسْتِئْنافٌ كَسابِقِهِ، والفاعِلُ ضَمِيرُ الرَّبِّ والمَلَكُ حَكى لَها المَقُولَ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ إمّا بِلا تَغْيِيرٍ فَيَكُونُ فِيهِ اِلْتِفاتٌ، وإمّا بِتَغْيِيرٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَها ذَلِكَ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، والأوَّلُ: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُكَلِّمْ غَيْرَ الأنْبِياءِ بَلْ غَيْرَ خاصَّتِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: القائِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهُ، وحَمْلُ ﴿قالَتْ رَبِّ﴾ فِيما تَقَدَّمَ عَلى ذَلِكَ أبْعَدُ بِعِيدٍ، وقَدْ مَرَّ عَلَيْكَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ خَلا أنَّ التَّعْبِيرَ هُنا بِ يَخْلُقُ وهُناكَ بِ يَفْعَلُ لِاخْتِلافِ القِصَّتَيْنِ في الغَرابَةِ فَإنَّ الثّانِيَةَ أغْرَبُ، فالخَلْقُ المُنْبِئُ عَنِ الِاخْتِراعِ أنْسَبُ بِها ولِهَذا عَقَّبَهُ بِبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أرادَ شَيْئًا، فالأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ، والقَضاءُ في الأصْلِ الأحْكامُ، وأُطْلِقَ عَلى الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ القَطْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِإيجادِ المَعْدُومِ وإعْدامِ المَوْجُودِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإيجابِها ما تَعَلَّقَتْ بِهِ البَتَّةَ ويُطْلَقُ عَلى الأمْرِ، ومِنهُ ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ .

﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ 47 ] أيْ فَهو يَكُونُ أيْ يَحْدُثُ، وهَذا عِنْدَ الأكْثَرِينَ تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ في مُرادِهِ بِأمْرِ المُطاعِ لِلْمُطِيعِ في حُصُولِ المَأْمُورِ مِن غَيْرِ اِمْتِناعٍ وتَوَقُّفٍ وافْتِقارٍ إلى مُزاوَلَةِ عَمَلٍ واسْتِعْمالِ آلَةٍ، فالمُمَثِّلُ الشَّيْءُ المُكَوِّنُ بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ عَمَلٍ وآلَةٍ، والمُمَثَّلُ بِهِ أمْرُ الآمِرِ

صفحة 165

المُطاعِ لِمَأْمُورٍ بِهِ مُطِيعٍ عَلى الفَوْرِ، وهَذا اللَّفْظُ مُسْتَعارٌ لِذَلِكَ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِأنْ يُرادَ تَعَلُّقَ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِالشَّيْءِ الحادِثِ عَلى أنَّ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المُرادُ مِن هَذا الجَوابِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْجِزُهُ أنْ يَخْلُقَ ولَدًا بِلا أبٍ لِأنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ والقُدْرَةِ كَيْفَ لا وكَثِيرًا ما نُشاهِدُ حُدُوثَ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ كَحُدُوثِ الفَأْرِ …

Aal-i-Imraan 3:47Listen in Qur'an →
48

وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

And He will teach him writing and wisdom and the Torah and the Gospel

﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ ويُعَلِّمُ ذَلِكَ المَوْلُودَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَلِمَةِ الكِتابَ ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ طُولُ الفَصْلِ، لِأنَّهُ اِعْتِراضٌ لا يَضُرُّ مِثْلُهُ، أوْ عَلى ﴿يَخْلُقُ﴾ أيْ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويُعَلِّمُهُ أوْ عَلى ”يُكَلِّمُ“ فَتَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرُ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مُكَلِّمًا النّاسَ ومُعَلِّمًا الكِتابَ أوْ عَلى ﴿وجِيهًا﴾، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لَيْسَتْ داخِلَةً في حَيِّزِ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والواوُ تَكُونُ لِلِاسْتِئْنافِ وتَقَعُ في اِبْتِداءِ الكَلامِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ فَلا حاجَةَ كَما قالَ الشِّهابُ إلى التَّأْوِيلِ بِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ سابِقَةٍ وهي ﴿وإذْ قالَتِ﴾ الخ ولا إلى مُقَدَّرَةٍ، ولا إشْكالَ في العَطْفِ كَما قالَ النِّحْرِيرُ، وكَذا لا يُدَّعى أنَّ الواوَ زائِدَةٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، فَهَذِهِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ مُخْتَلِفَةٌ بِالأوْلَوِيَّةِ، وأغْرَبُ ما رَأيْتُهُ ما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ العَطْفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ بَلْ لا يَكادُ يَسْتَطِيبُهُ مَن سَلِمَ لَهُ ذَوْقُهُ.

و﴿الكِتابَ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ أيْ يُعَلِّمُهُ الخَطَّ بِاليَدِ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنُ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أعْطى اللَّهُ تَعالى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعَةَ أجْزاءٍ مِنَ الخَطِّ وأعْطى سائِرَ النّاسِ جُزْءًا واحِدًا، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بَعْضُ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِوى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِثْلَ الزَّبُورِ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ كَثِيرُونَ إلى أنَّ ألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إلّا أنَّ المَأْثُورَ هو الأوَّلُ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الجِنْسُ لَكِنْ في ضِمْنِ فَرْدَيْنِ هُما التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وتُجْعَلُ الواوُ فِيما بَعْدُ زائِدَةً مُقْحَمَةً، وما بَعْدَها بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الهَذَيانِ بِمَكانٍ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وعاصِمٌ ويَعْقُوبٌ وسَهْلٌ (ويُعَلِّمُهُ) بِالياءِ، والباقُونَ بِالنُّونِ، قِيلَ: وعَلى ذَلِكَ لا يَحْسُنُ بَعْضُ تِلْكَ الوُجُوهِ إلّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِعِيسى ويَقُولُ: نُعَلِّمُهُ، أوْ وجِيهًا ومَقُولًا فِيهِ نُعَلِّمُهُ الكِتابَ.

﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ الفِقْهَ وعِلْمَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: جَمِيعُ ما عَلَّمَهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وقِيلَ: سُنَنُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: الصَّوابُ في القَوْلِ والعَمَلِ، وقِيلَ: إتْقانُ العُلُومِ العَقْلِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.

﴿والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [ 48 ] أُفْرِدا بِالذِّكْرِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ ما يَشْمَلُهُما لِوُفُورِ فَضْلِهِما وسُمُوِّ شَأْوِهِما عَلى غَيْرِهِما، وتَعْلِيمُهُ ذَلِكَ قِيلَ: بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ لِلتَّعَلُّمِ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَرَعْرَعَ، وفي رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لَمّا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ أسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلى المُعَلِّمِ، لَكِنِ الرِّواياتُ مُتَضافِرَةً أنَّهُ جَعَلَ يَسْألُ المُعَلِّمَ كُلَّما ذَكَرَ لَهُ شَيْئًا عَمّا هو بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يَنْبِضَ فِيهِ بِبِنْتِ شَفَةٍ، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ أنَّ …

Aal-i-Imraan 3:48Listen in Qur'an →
49

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allah. And I cure the blind and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allah. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.

﴿ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَجُرُّ إلَيْهِ المَعْنى مَعْطُوفًا عَلى ”يُعَلِّمُهُ“ أيْ ونَجْعَلُهُ رَسُولًا وهو الَّذِي اِخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْمُولٍ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى يُعَلِّمُهُ، أيْ ويَقُولُ عِيسى أُرْسِلْتُ رَسُولًا، ولا يَخْفى أنَّ عَطْفَ هَذا القَوْلِ عَلى ”يُعَلِّمُهُ“ إذا كانَ مُسْتَأْنَفًا مِمّا لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ بَأْسٍ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِهِ عَلى ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ أوْ ﴿يَخْلُقُ﴾ فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ أوْ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَقُولُعِيسى كَذا، وفِيهِ العَطْفُ عَلى الخَبَرِ ولا رابِطَ بَيْنَهُما إلّا بِتَكَلُّفٍ عَظِيمٍ، وفي «اَلْبَحْرِ»: إنَّ هَذا الوَجْهَ مُطْلَقًا ضَعِيفٌ إذْ فِيهِ إضْمارُ شَيْئَيْنِ القَوْلُ ومَعْمُولُهُ، والِاسْتِغْناءُ عَنْهُما بِاسْمٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ؛ واخْتارَ بَعْضُهم عَطْفَهُ عَلى الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ مُضَمَّنًا مَعْنى

صفحة 167

النُّطْقِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُها في حُكْمِ الغَيْبَةِ مَعَ كَوْنِ هَذا في حُكْمِ التَّكَلُّمِ إذْ يَكُونُ المَعْنى حالَ كَوْنِهِ وجِيهًا ورَسُولًا ناطِقًا بِكَذا، والرَّسُولُ عَلى سائِرِ التَّقادِيرِ صِفَةٌ كَشَكُورٍ وصَبُورٍ، وفَعُولٌ هُنا بِمَعْنى مُفْعِلٌ، واحْتِمالٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قالَ أبُو البَقاءِ مِثْلَهُ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

أبْلِغْ أبا سَلْمى (رَسُولًا) تَرُوعُهُ

ويُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى ”الكِتابَ“ أيْ، ويُعَلِّمُهُ رِسالَةً - بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ المُتَبادِرَ الوَصْفِيَّةُ لا المَصْدَرِيَّةُ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ تَعْلِيمَ الرِّسالَةِ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِهِمْ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ (رَسُولًا) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، أيْ رَسُولًا كائِنًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ كُلِّهِمْ، قِيلَ: وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِخُصُوصِ بَعْثَتِهِ، أوْ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمَ مِنَ اليَهُودِ أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى غَيْرِهِمْ.

ولِي في نِسْبَةِ هَذا الزَّعْمِ لِبَعْضِ اليَهُودِ تَرَدُّدٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ واَلَّذِي رَأيْناهُ فِيها أنَّهم في عِيسى الَّذِي قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا مِن أمْرِهِ ما قَصَّ فِرْقَتانِ: فِرْقَةٌ تَرْمِيهِ وحاشاهُ بِأفْظَعِ ما رَمَتْ بِهِ أُمَّةٌ نَبِيَّها وهم أكْثَرُ اليَهُودِ، وفِرْقَةٌ يُقالُ لَهُمُ (اَلْعَنانِيَّةُ أصْحابُ عَنانَ بْنِ داوُدَ رَأْسِ الجالُوتِ يُصَدِّقُونَهُ في مَواعِظِهِ وإشاراتِهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ لَمْ يُخالِفِ التَّوْراةَ البَتَّةَ بَلْ قَرَّرَها ودَعا النّاسَ إلَيْها، وإنَّهُ مِنَ المُسْتَجِيبِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن بَنِي إسْرائِيلَ المُتَعَبِّدِينَ ولَيْسَ بِرَسُولٍ ولا نَبِيٍّ، ويَقُولُونَ: إنَّ سائِرَ اليَهُودِ ظَلَمُوهُ حَيْثُ كَذَّبُوهُ أوَّلًا ولَمْ يَعْرِفُوا مُدَّعاهُ وقَتَلُوهُ آخَرًا ولَمْ يَعْرِفُوا مَرامَهُ ومَغْزاهُ) نَعَمْ مِنَ اليَهُودِ فِرْقَةٌ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ أصْحابُ أبِي عِيسى إسْحَقَ بْنِ يَعْقُوبَ الأصْفَهانِيِّ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُهم (بِعَرْقِيدَ الوَهِيمِ) يَزْعُمُونَ: أنَّ لِلَّهِ تَعالى رَسُولًا بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى المَسِيحُ إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ ويَدَّعُونَ أنَّ لَهُ خَمْسَةً مِنَ الرُّسُلِ يَأْتُونَ قَبْلَهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وأنَّ صاحِبَهم هَذا، أحَدُ رُسُلِهِ وكُلٌّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ بَعِيدٌ عَمّا اِدَّعاهُ صاحِبُ القِيلِ بِمَراحِلَ …

Aal-i-Imraan 3:49Listen in Qur'an →
50

وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ

And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allah and obey me.

﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عَطْفُ إمّا عَلى المُضْمَرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِآيَةٍ﴾ أيْ قَدْ جِئْتُكم مُحْتَجًّا أوْ مُتَلَبِّسًا بِآيَةٍ الخ ومُصَدِّقًا لِما الخ، وإمّا عَلى ”رَسُولًا“ وفِيهِ مَعْنى النُّطْقِ مِثْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أيْ وجِئْتُكم مُصَدِّقًا الخ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ التَّوْراةِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ، أوِ الظَّرْفُ نَفْسُهُ لِقِيامِهِ مَقامَ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (ما) فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ ”مُصَدِّقًا“ ومَعْنى تَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّوْراةِ الإيمانُ بِأنَّ جَمِيعَ ما فِيها حِكْمَةٌ وصَوابٌ، وقِيلَ: إنَّ تَصْدِيقَهُ لَها مَجِيئُهُ رَسُولًا طِبْقَ ما بَشَّرَتْ بِهِ ﴿ولأُحِلَّ لَكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِمُقَدَّرٍ بَعْدَ الواوِ أيْ وجِئْتُكم لِأُحِلَّ، فَهو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿بِآيَةٍ﴾ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى لِأُظْهِرَ لَكم آيَةً ولِأُحِلَّ فَلا يَرِدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ المَفْعُولِ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقًا“ ويُلْتَزَمُ التَّأْوِيلُ بِما يَجْعَلُهُما مِن بابٍ واحِدٍ، وإنْ كانَ الأوَّلُ حالًا، والثّانِي مَفْعُولًا لَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: جِئْتُكم لِأُصَدِّقَ ولِأُحِلَّ، وقِيلَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جِئْتُكم فِيها كُلِّها إذْ لا يُعْطَفُ نَوْعٌ مِنَ المَعْمُولاتِ عَلى نَوْعٍ آخَرَ.

﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّهُ قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألِينَ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِما فِيما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُ الإبِلِ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ مِمّا لا صِيصِيَةَ لَهُ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَ عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في «اَلْإنْجِيلِ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ «اَلْإنْجِيلَ» مُشْتَمِلٌ عَلى أحْكامٍ تُغايِرُ ما في «اَلتَّوْراةِ» وأنَّ شَرِيعَةَ عِيسى نَسَخَتْ بَعْضَ شَرِيعَةِ مُوسى، ولا يَخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ فَإنَّ النَّسْخَ بَيانٌ لِانْتِهاءِ زَمانِ الحُكْمِ الأوَّلِ لا رَفْعَ وإبْطالَ كَما تَقَرَّرَ، وهَذا مِثْلُ نَسْخِ القُرْآنِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ «اَلْإنْجِيلَ» لَمْ يَخُصَّ أحْكامًا ولا حَوى حَلالًا وحَرامًا ولَكِنَّهُ رُمُوزٌ وأمْثالٌ ومَواعِظُ وزَواجِرُ، وما سِوى ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَمُحالَةٌ عَلى «اَلتَّوْراةِ»، وإلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْسَخْ شَيْئًا مِمّا في «اَلتَّوْراةِ»، وكانَ يَسْبِتُ ويُصَلِّي نَحْوَ البَيْتِ المُقَدَّسِ، ويُحَرِّمُ لَحْمَ الخِنْزِيرِ، ويَقُولُ بِالخِتانِ إلّا أنَّ النَّصارى غَيَّرُوا ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِهِ فاِتَّخَذُوا يَوْمَ الأحَدِ بَدَلَ يَوْمِ السَّبْتِ لِما أنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ ومَبْدَأُ الفَيْضِ، وصَلُّوا نَحْوَ المَشْرِقِ لِما تَقَدَّمَ، وحَمَلُوا الخِتانَ عَلى خِتانِ القَلْبِ وقَطْعِهِ عَنِ العَلائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ …

Aal-i-Imraan 3:50Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.