قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ
He said, "My Lord, make for me a sign." He Said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."
﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى العُلُوقِ وإنَّما سَألَها اِسْتِعْجالًا لِلسُّرُورِ قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ حِينَ حُصُولِها ولا يُؤَخِّرُ حَتّى تَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا، ولَعَلَّ هَذا هو الأنْسَبُ بِحالِ أمْثالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّهُ سَألَ الآيَةَ لِيَتَحَقَّقَ أنَّ تِلْكَ البِشارَةَ مِنهُ تَعالى لا مِنَ الشَّيْطانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما: (آيَةً)، وثانِيهُما: (لِي)، والتَّقْدِيمُ لِأنَّهُ المُسَوِّغُ لِكَوْنِ (آيَةً) مُبْتَدَأً عِنْدَ الِانْحِلالِ، وإمّا بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو (آيَةً) و(لِي) حِينَئِذٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن (آيَةً) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ عَنْها كانَ صِفَةً لَها، وصِفَةُ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَتْ عَلَيْها أُعْرِبَتْ حالًا مِنها كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ والتَّشْوِيقِ لِما بَعْدَهُ.
﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ مِن غَيْرِ آفَةٍ وهو الأنْسَبُ بِكَوْنِهِ آيَةً والأوْفَقُ لِما في سُورَةِ مَرْيَمَ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُعْتَمِرٍ قالَ: ”رَبا لِسانُهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ فَمَنَعَهُ الكَلامُ“، والآيَةُ فِيهِ عَدَمُ مَنعِهِ مِنَ الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ عَدَمُ التَّكْلِيمِ اِضْطِرارِيٌّ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ اِخْتِيارِيٌّ، والمَعْنى آيَتُكَ أنْ تَصِيرَ مَأْمُورًا بِعَدَمِ التَّكَلُّمِ إلّا بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ هُنا، وعَلَيْهِ وعَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِن عَدَمِ التَّكْلِيمِ ظاهِرُهُ فَقَطْ وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الصِّيامِ لِأنَّهم كانُوا إذْ ذاكَ إذا صامُوا لَمْ يُكَلِّمُوا أحَدًا وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَطاءٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ومَعَ هَذا يَتَوَقَّفُ قَبُولُهُ عَلى تَوْقِيفٍ، وإنَّما خَصَّ تَكْلِيمَ النّاسِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنَ التَّكَلُّمِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ مُتَوالِيَةٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَيالِي ثَلاثَةِ أيّامٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ والحَقُّ أنَّ الآيَةَ كانَتْ عَدَمَ التَّكْلِيمِ سِتَّةَ أفْرادٍ إلّا أنَّهُ اِقْتَصَرَ تارَةً عَلى ذِكْرِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِنها وأُخْرى عَلى ثَلاثِ لَيالٍ، وجَعَلَ ما لَمْ يَذْكُرْ في كُلٍّ تَبَعًا لِما ذَكَرَ، قِيلَ: وإنَّما قَدَّمَ التَّعْبِيرَ بِالأيّامِ لِأنَّ يَوْمَ كُلِّ لَيْلَةٍ
صفحة 151
قَبْلَها في حِسابِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، وكَوْنَهُ بَعْدَها إنَّما هو عِنْدَ العَرَبِ خاصَّةً كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ آيَةَ اللَّيالِي مُتَقَدِّمَةٌ نُزُولًا لِأنَّ السُّورَةَ الَّتِي هي فِيها مَكِّيَّةٌ والسُّورَةَ الَّتِي فِيها آيَةُ الأيّامِ مَدَنِيَّةٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ أوَّلُ ظُهُورِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلًا ويَكُونُ اليَوْمُ تَبَعًا لِلَّيْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَلى ما يَقْتَضِيهِ حِسابُ العَرَبِ، فَتَدَبَّرْ.
فالبَحْثُ مُحْتاجٌ إلى تَحْرِيرٍ بَعْدُ، وإنَّما جُعِلَ عَقْلُ اللِّسانِ آيَةَ العُلُوقِ لِتَخْلُصَ المُدَّةُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكِرِهِ …