Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 21–30 of 200

21

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

Those who disbelieve in the signs of Allah and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيَّةِ آيَةٍ كانَتْ، ويَدْخُلُ فِيهِمُ الكافِرُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ ﷺ إذْ لا مَعْنى لِإنْذارِ الماضِينَ، قالَ القُطْبُ: وإسْنادُ القَتْلِ إلَيْهِمْ ولَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَمّا كانَتْ طَرِيقَةَ أسْلافِهِمْ صَحَّتْ إضافَتُها إلَيْهِمْ إذْ صُنْعُ الأبِ قَدْ يُضافُ إلى الِابْنِ لا سِيَّما إذا كانَ راضِيًا بِهِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن شَأْنِهِمُ القَتْلُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مانِعٌ، والتَّقْيِيدُ بِغَيْرِ حَقٍّ لِما تَقَدَّمَ، وتُرِكَتْ ألْ هُنا دُونَ ما سَبَقَ لِتَفاوُتِ مَخْرَجِ الجُمْلَتَيْنِ وقَدْ مَرَّ ما يَنْفَعُكَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْ، وقَرَأ الحَسَنُ (يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ).

﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ الفِعْلِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ القَتْلَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ أوْ بِاخْتِلافِهِما في الوَقْتِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ”أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ ﷺ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا أوَّلَ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ وسَبْعُونَ رَجُلًا مِن عِبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى“،» وقَرَأ حَمْزَةُ (ويُقاتِلُونَ الَّذِينَ) وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (وقاتَلُوا) وقَرَأ أُبَيٌّ (ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ) .

﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ (إنَّ) [ 21 ] ودَخَلَتِ الفاءُ فِيهِ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ ولا يَمْنَعُ النّاسِخُ الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنى الِابْتِداءِ مِنَ الدُّخُولِ ومَتى غَيَّرَ كَ لِيتَ ولَعَلَّ اِمْتَنَعَ ذَلِكَ إجْماعًا، وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ يَمْنَعانِهِ عِنْدَ النُّسَخِ مُطْلَقًا فالخَبَرُ عِنْدَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ .

Aal-i-Imraan 3:21Listen in Qur'an →
22

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ وجُمْلَةُ ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بِالفاءِ كَما في قَوْلِكَ: زِيدٌ فافْهَمْ رَجُلٌ صالِحٌ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ في قَوْلِهِ:

فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلَّ ما قُدِرا

ومَن لَمْ يَفْهَمْ هَذا قالَ: إنَّ الفاءَ جَزائِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، والتَّقْدِيرُ زَيْدٌ رَجُلٌ صالِحٌ؛ وإذا قُلْنا لَكَ ذَلِكَ فافْهَمْ وعَلى الأوَّلِ هو اِسْتِئْنافٌ، و﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَلى المَشْهُورِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في فَظاعَةِ الحالِ، والمَوْصُولُ خَبَرُهُ أيْ أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ الَّذِينَ بَطَلَتْ أعْمالُهم وسَقَطَتْ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ وخَلَتْ عَنِ الثَّمَرَةِ في الدُّنْيا حَيْثُ لَمْ تُحْقَنُ دِماؤُهم وأمْوالُهم ولَمْ يَسْتَحِقُّوا بِها مَدْحًا وثَناءً وفي الآخِرَةِ حَيْثُ لَمْ تَدْفَعْ عَنْهُمُ العَذابَ ولَمْ يَنالُوا بِسَبَبِها الثَّوابَ، وهَذا شامِلٌ لِلْأعْمالِ المُتَوَقِّفَةِ عَلى النِّيَّةِ ولِغَيْرِها. ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ العَمَلَ الغَيْرَ المُتَوَقِّفِ عَلى النِّيَّةِ كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ يَنْتَفِعُ بِهِ الكافِرُ في الآخِرَةِ ولا يَحْبِطُ بِالكُفْرِ، فالمُرادُ بِالأعْمالِ هُنا ما كانَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنْ أُرِيدَ ما يَشْمَلُ القِسْمَيْنِ اُلْتُزِمَ كَوْنُ هَذا

صفحة 110

الحُكْمِ مَخْصُوصًا بِطائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ وهُمُ المَوْصُوفُونَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.

﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [ 22 ] يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ في أحَدِ الدّارَيْنِ، وجُمِعَ النّاصِرُ لِرِعايَةِ ما وقَعَ في مُقابَلَتِهِ لا لِنَفْيِ تَعَدُّدِ الأنْصارِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم وقَدْ يُدَّعى أنَّ مَجِيءَ الجَمْعِ هُنا أحْسَنُ مِن مَجِيءِ المُفْرَدِ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والمُرادُ مِنَ اِنْتِفاءِ النّاصِرِينَ اِنْتِفاءُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى النَّصْرِ مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ وإذا اِنْتَفَتْ مِن جَمْعٍ فانْتِفاؤُها مِن واحِدٍ أوْلى، ثُمَّ إنَّ هَذا الحُكْمَ وإنْ كانَ عامًّا لِسائِرِ الكُفّارِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ إلّا أنَّ لَهُ هُنا مَوْقِعًا حَيْثُ إنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ وُصِفُوا بِأنَّهم يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ وهم ناصِرُو الحَقِّ، عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ، ولا يُوجَدُ فِيهِمْ ناصِرٌ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ قَتْلِ أُولَئِكَ الكِرامِ فَقُوبِلُوا لِذَلِكَ بِعَذابٍ لا ناصِرَ لَهم مِنهُ ولا مُعْيِنَ لَهم فِيهِ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ في الآيَةِ مُقابَلَةَ ثَلاثَةِ أشْياءَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ؛ الكُفْرِ بِالعَذابِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ بِحَبْطِ الأعْمالِ، وقَتْلِ الآمِرِينَ [بِالقِسْطِ] بِانْتِفاءِ النّاصِرِ وهو كَما تَرى.

Aal-i-Imraan 3:22Listen in Qur'an →
23

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ

Do you not consider, [O Muhammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allah that it should arbitrate between them; then a party of them turns away, and they are refusing.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ أهْلِ الكِتابِ وأنَّهم إذا عَضَّتْهُمُ الحُجَّةُ فَرُّوا إلى الضَّجَّةِ وأعْرَضُوا عَنِ المَحَجَّةِ، وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن أنَّ الِاخْتِلافَ إنَّما كانَ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَنْوِيرٌ لِنَفِيَ النّاصِرِ لَهم حَيْثُ يَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ عِنْدَ تَحْكِيمِ كِتابِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ اليَهُودُ، وبِالنَّصِيبِ الحَظُّ، و(مِن) إمّا لِلتَّبْعِيضِ وإمّا لِلْبَيانِ عَلى مَعْنى (نَصِيبًا) هو الكِتابُ، أوْ نَصِيبًا مِنهُ لِأنَّ الوُصُولَ إلى كُنْهِ كَلامِهِ تَعالى مُتَعَذِّرٌ فَإنْ جُعِلَ بَيانًا كانَ المُرادُ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِمْ وإنْ جُعِلَ تَبْعِيضًا كانَ المُرادُ هِدايَتَهم إلى فَهْمِ ما فِيهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ اللّامُ في (اَلْكِتابِ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ - والتَّنْوِينُ لِلتَّكْثِيرِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ في (اَلْكِتابِ) لِلْعَهْدِ والمُرادُ بِهِ اللَّوْحُ، وأنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ؛ وعَلَيْهِ -اَلنَّصِيبُ- التَّوْراةُ، و(مِن) لِلِابْتِداءِ في الأوَّلِ ويَحْتَمِلُها، والتَّبْعِيضُ في الثّانِي، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ أيْضًا كَذَلِكَ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يُرادَ -بِالنَّصِيبِ- ما حَصَلَ لَهم مِنَ العِلْمِ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ المُبالِغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ تَعْيِيرَهم بِتَمَرُّدِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ بِالنَّصِيبِ الحَقِيرِ عَنْ مُتابَعَةِ مَن لَهُ عِلْمٌ لا يُوازِنُهُ عُلُومُ المُرْسَلِينَ كُلِّهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَمّا أُوتُوهُ بِالنَّصِيبِ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ اِخْتِصاصِهِ بِهِمْ وكَوْنِهِ حَقًّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والعَمَلُ بِمُوجِبِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ، وإمّا حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ التَّوْراةُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإيجابِ الإجابَةِ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ المُراجَعَةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وغَيْرُهُ.

وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وجَماعَةٌ عَنْهُ قالَ: «”دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ فَدَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو والحَرَثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ، قالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهَلُمّا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ، فَأبَيا عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ“». وفي «اَلْبَحْرِ»: «”زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِاِمْرَأةٍ ولَمْ يَكُنْ بَعْدُ في دِينِنا الرَّجْمُ فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَخْفِيفًا عَلى الزّانِيَيْنِ لِشَرَفِهِما، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّما

صفحة 111

أحْكَمُ بِكِتابِكم فَأنْكَرُوا الرَّجْمَ فَجِيءَ بِالتَّوْراةِ فَوَضَعَ حَبْرَهُمُ اِبْنُ صُورِيّا يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: جاوَزَها يا رَسُولَ اللَّهِ فَأظْهَرَها فَرُجِما فَغَضِبَتِ اليَهُودُ فَنَزَلَتْ“».

وهُوَ المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ - وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:23Listen in Qur'an →
24

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ وهو مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أيْ حاصِلٌ لَهم بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي رَسَخَ اِعْتِقادُهم لَهُ وهَوَّنُوا بِهِ الخُطُوبَ ولَمْ يُبالُوا مَعَهُ بِارْتِكابِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، والمُرادُ بِالأيّامِ المَعْدُوداتِ أيّامُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وجاءَ هُنا ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ دُونَ ما في البَقَرَةِ [80] فَإنَّهُ ﴿مَعْدُودَةً﴾ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ تَفَنُّنًا في التَّعْبِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ لِغَيْرِ العاقِلِ يَجُوزُ أنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ تارَةً ومُعامَلَةَ جَمْعِ الإناثِ أُخْرى، فَيُقالُ: هَذِهِ جِبالٌ راسِيَةٌ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: راسِياتٌ، وجِمالٌ ماشِيَةٌ وإنْ شِئْتَ: ماشِياتٌ، وخُصَّ الجَمْعُ هُنا لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القِلَّةِ كَمَوْصُوفِهِ وذَلِكَ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّعْجِيبِ والتَّشْنِيعِ.

﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ﴾ أيْ أطْمَعَهم في غَيْرِ مَطْمَعٍ وخَدَعَهم ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [ 24 ] أيِ اِفْتِراؤُهم وكَذِبُهم أوِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ الخ، قالَهُ مُجاهِدٌ أوْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مِمّا يَشْمَلُ ذَلِكَ ونَحْوَهُ مِن قَوْلِهِمْ: «إنَّ آباءَنا الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَنا وإنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ أنْ لا يُعَذِّبَ أبْناءَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِ (يَفْتَرُونَ) واعْتَرَضَهُ الخَطِيبُ بِأنَّ ما بَعْدَ المَوْصُولِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ؛ وأُجِيبَ بِالتَّوَسُّعِ.

Aal-i-Imraan 3:24Listen in Qur'an →
25

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَٰهُمْ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.

﴿فَكَيْفَ﴾ اِسْتِعْظامٌ وتَهْوِيلٌ وهَدْمٌ لِما اِسْتَنَدُوا إلَيْهِ، وكَلِمَةُ الِاسْتِفْهامِ

صفحة 112

فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ أيْ كَيْفَ تَكُونُ حالُهم أوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ أوْ كَيْفَ يَكُونُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ كَيْفَ حالُهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جَمَعْناهُمْ﴾ ظَرْفٌ مَحْضٌ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ شَرْطٍ والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في (كَيْفَ) إنْ قُدِّرَ أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ كانَ العامِلُ في (إذا) ذَلِكَ المُقَدَّرَ، أيْ كَيْفَ حالُهم في وقْتِ جَمْعِهِمْ ﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ في يَوْمٍ أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ، رُوِيَ أنَّهُ أوَّلُ رايَةٍ تُرْفَعُ لِأهْلِ المَوْقِفِ مِن راياتِ الكُفّارِ رايَةُ اليَهُودِ فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ.

﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والمُرادُ جَزاءُ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ المَكْسُوبُ مَقامَ جَزائِهِ إيذانًا بِكَمالِ الِاتِّصالِ والتَّلازُمِ بَيْنَهُما حَتّى كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [ 25 ] شَيْئًا فَلا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ ولا يُزادُونَ في عَذابِهِمْ بَلْ يُعْطِي كُلٌّ مِنهم مِقْدارَ ما كَسَبَهُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ إنْسانٍ المُشْعِرِ بِهِ كُلُّ نَفْسٍ، وكُلٌّ يَجُوزُ مُراعاةُ مَعْناهُ فَيُجْمَعُ ضَمِيرُهُ ووَجْهُ التَّذْكِيرِ ظاهِرٌ.

Aal-i-Imraan 3:25Listen in Qur'an →
26

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Say, "O Allah, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand is [all] good. Indeed, You are over all things competent.

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ تَأْكِيدٌ لِما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ السّابِقَةُ مِن مَزِيدِ عَظَمَتِهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ؛ وفِيهِ أيْضًا إفْحامٌ لِمَن كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ ورَدَّ عَلَيْهِ لاسِيَّما المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أسْوَأُ حالًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وبِشارَةٌ لَهُ ﷺ بِالغَلَبَةِ الحِسِّيَّةِ عَلى مَن خالَفَهُ كَغَلَبَتِهِ بِالحُجَّةِ عَلى مَن جادَلَهُ، وبِهَذا تَنْتَظِمُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِما قَبْلَها.

رَوى الواحِدِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّهُ لَمّا اِفْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وعَدَ أُمَّتِهِ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، قالَتِ المُنافِقُونَ واليَهُودُ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ مِن أيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْكُ فارِسَ والرُّومِ هم أعَزُّ وأمْنَعُ مِن ذَلِكَ ألَمْ يَكْفِ مُحَمَّدًا مَكَّةُ والمَدِينَةُ حَتّى يَطْمَعَ في مُلْكِ فارِسَ والرُّومِ؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

ورَوى أبُو الحَسَنِ الثَّعالِبِيُّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ أبِيهِ قالَ: «”خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ ثُمَّ قَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا قالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ: كُنْتُ أنا وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وحُذَيْفَةُ والنُّعْمانُ بْنُ مُقَرِّنٍ المُزَنِيُّ وسِتَّةٌ مِنَ الأنْصارِ في أرْبَعِينَ ذِراعًا فَحَفَرْنا، فَأخْرَجَ اللَّهُ تَعالى مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ صَخْرَةً مُدَوَّرَةً كَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا، فَقُلْنا: يا سَلْمانُ اِرْقِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأخْبِرْهُ خَبَرَ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَإمّا أنْ نَعْدِلَ عَنْها أوْ يَأْمُرُنا فِيها بِأمْرِهِ فَإنّا لا نُحِبُّ أنْ نُجاوِزَ خَطَّهُ، قالَ: فَرَقِيَ سَلْمانُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو ضارِبٌ عَلَيْهِ قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَتْ صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ وكَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا حَتّى ما يَحْتَكُّ فِيها قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ فَمُرْنا فِيها بِأمْرٍ فَإنّا لا نُحِبُّ أنْ نُجاوِزَ خَطَّكَ، فَهَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ سَلْمانَ الخَنْدَقَ والتِّسْعَةُ عَلى شَفِيرِ الخَنْدَقِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ فَضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَعَها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ وكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَكْبِيرَ فَتْحٍ فَكَبَّرَ المُسْلِمُونَ ثُمَّ ضَرَبَها ﷺ الثّانِيَةَ فَبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ وكَبَّرَ ﷺ تَكْبِيرَ فَتْحٍ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ ثُمَّ ضَرَبَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الثّالِثَةَ فَكَسَرَها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ كَذَلِكَ فَكَبَّرَ ﷺ تَكْبِيرَ فَتْحٍ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ وأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ ورَقِيَ، فَقالَ: سَلْمانُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأيْتُ شَيْئًا

صفحة 113

ما رَأيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ فالتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى القَوْمِ، فَقالَ: رَأيْتُمْ ما يَقُولُ سَلْمانُ؟ قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الأُولى فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورَ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها ثُمَّ ضَرَبْتُ الثّانِيَةَ فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورَ الحُمْرَ مِن أرْضِ الرُّومِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها ثُمَّ …

Aal-i-Imraan 3:26Listen in Qur'an →
27

تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account."

﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ الوُلُوجُ في الأصْلِ الدُّخُولُ، والإيلاجُ الإدْخالُ، واسْتُعِيرَ لِزِيادَةِ زَمانِ النَّهارِ في اللَّيْلِ وعَكْسِهِ بِحَسَبِ المَطالِعِ والمَغارِبِ في أكْثَرِ البُلْدانِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ ولا يَضُرُّ تَساوِي اللَّيْلِ والنَّهارِ دائِمًا عِنْدَ خَطِّ الِاسْتِواءِ لِأنَّهُ يَكْفِي الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ فِيهِما في الأغْلَبِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِإيلاجِ أحَدِهِما في الآخَرِ إيجادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَقِيبَ الآخَرِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الظّاهِرُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَيْلُ التَّكْوِيرِ ونَهارُهُ وهُما المَشْهُورانِ عِنْدَ العامَّةِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ ظاهِرَ القَوْلِ، ووَراءَ ذَلِكَ أيّامُ السَّلْخِ الَّتِي يَعْرِفُها العارِفُونَ وأيّامُ الإيلاجِ الشَّأْنِيَّةِ الَّتِي يَعْقِلُها العُلَماءُ الحُكَماءُ.

صفحة 116

وبَيانُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ أنَّ اليَوْمَ عَلى ما ذَكَرَهُ القَوْمُ الإلَهِيُّونَ عِبارَةٌ عَنْ دَوْرَةٍ واحِدَةٍ مِن دَوْراتِ فَلَكِ الكَواكِبِ، وهو مِنَ النَّطْحِ إلى النَّطْحِ ومِنَ الشَّرْطَيْنِ إلى الشَّرْطَيْنِ ومِنَ البُطَيْنِ إلى البُطَيْنِ وهَكَذا إلى آخِرِ المَنازِلِ، ومِن دَرَجَةِ المَنزِلَةِ ودَقِيقَتِها إلى دَرَجَةِ المَنزِلَةِ ودَقِيقَتِها، وأخْفى مِن ذَلِكَ إلى أقْصى ما يُمْكِنُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ وما مِن يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ العامَّةِ وهي مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ مِن غُرُوبِها إلى غُرُوبِها أوْ مِنَ اِسْتِوائِها إلى اِسْتِوائِها أوْ ما بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما بَيْنَ ذَلِكَ إلّا وفِيهِ نِهايَةُ ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ يَوْمًا فاليَوْمُ طُولُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ دَرَجَةً لِأنَّهُ يَظْهَرُ فِيهِ الفَلَكُ كُلُّهُ وتَعُمُّهُ الحَرَكَةُ وهَذا هو اليَوْمُ الجُسْمانِيُّ، وفِيهِ اليَوْمُ الرُّوحانِيُّ فِيهِ تَأْخُذُ العُقُولُ مَعارِفَها والبَصائِرُ مَشاهِدَها والأرْواحُ أسْرارَها كَما تَأْخُذُ الأجْسامُ في هَذا اليَوْمِ الجُسْمانِيِّ أغْذِيَتَها وزِيادَتَها ونُمُوَّها وصِحَّتَها وسَقَمَها وحَياتَها ومَوْتَها، فالأيّامُ مِن جِهَةِ أحْكامِها الظّاهِرَةِ في العالَمِ المُنْبَعِثَةِ مِنَ القُوَّةِ الفَعّالَةِ لِلنَّفْسِ الكُلِّيَّةِ سَبْعَةٌ مِن يَوْمِ الأحَدِ إلى آخِرِهِ ولِهَذِهِ الأيّامِ أيّامٌ رُوحانِيَّةٌ لَها أحْكامٌ في الأرْواحِ والعُقُولِ تَنْبَعِثُ مِنَ القُوَّةِ العَلّامَةِ لِلْحَقِّ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ وهو الكَلِمَةُ الإلَهِيَّةُ، وعَلى هَذِهِ السَّبْعَةِ الدَّوّارَةِ يَدُورُ فَلَكُ البَحْثِ، فَنَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في المَشْهُودِ مِنَ الأيّامِ المَحْسُوسَةِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ﴾ وأبانَ عَنْ حَقِيقَتَيْنِ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ بَعْدَ هَذا فَقالَ في آيَةِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ فَهَذِهِ أنْبَأتْ أنَّ اللَّيْلَ أصْلٌ والنَّهارُ كانَ غَيْبًا فِيهِ ثُمَّ سُلِخَ، ولَيْسَ مَعْنى السَّلْخِ مَعْنى التَّكْوِيرِ فَلا بُدَّ أنْ يُعْرَفَ لَيْلُ كُلِّ نَهارٍ مِن غَيْرِهِ حَتّى يُنْسَبَ كُلُّ ثَوْبٍ إلى لابِسِهِ ويُرَدُّ كُلُّ فَرْعٍ إلى أصْلِهِ، ويَلْحَقُ كُلُّ اِبْنٍ بِأبِيهِ، وقالَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كاشِفًا عَنْ حَقِيقَةٍ أُخْرى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ فَجَعَلَ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ نِكاحًا مَعْنَوِيًّا لَمّا كانَتِ الأشْياءُ تَتَوَلَّدُ مِنهُما مَعًا وأكَّدَ …

Aal-i-Imraan 3:27Listen in Qur'an →
28

لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ

Let not believers take disbelievers as allies rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing with Allah, except when taking precaution against them in prudence. And Allah warns you of Himself, and to Allah is the [final] destination.

﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: كانَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو. وكَهْمَسُ بْنُ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ والكُلُّ مِنَ اليَهُودِ يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ فَقالَ رَفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: اِجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ واحْذَرُوا

صفحة 120

لُزُومَهم ومُباطَنَتَهم لا يَفْتِنُوكم عَنْ دِينِكم فَأبى أُولَئِكَ النَّفَرُ إلّا مُباطَنَتَهم ومُلازَمَتَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، كانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ ويَأْتُونَهم بِالأخْبارِ ويَرْجُونَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفْرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ فِعْلِهِمْ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ «أنَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ الأنْصارِيِّ وكانَ بَدْرِيًّا نَقِيبًا وكانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأحْزابِ قالَعُبادَةُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ مَعِي خَمْسَمِائَةٍ مِنَ اليَهُودِ وقَدْ رَأيْتُ أنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَأسْتَظْهِرُ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ الخ».

والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِلا النّاهِيَةِ، وأجازَ الكِسائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ عَلى الخَبَرِ والمَعْنى عَلى النَّهْيِ أيْضًا وهو مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ فَأوْلِياءُ مَفْعُولٌ ثانٍ أوْ حالٌ، وهو جَمْعُ ولِيٍّ بِمَعْنى المُوالِي مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ، والمُرادُ لا يُراعُوا أُمُورًا كانَتْ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُراعُوا ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الإسْلامُ مِن بُغْضٍ وحُبٍّ شَرْعِيَّيْنِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِما، وإنَّما قَيَّدْنا بِذَلِكَ لَمّا قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ قَدِيمَةٍ أوْ جَدِيدَةٍ خارِجَةٌ عَنِ الِاخْتِيارِ مَعْفُوَّةٌ ساقِطَةٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ.

وحَمْلُ المُوالاةِ عَلى ما يَعُمُّ الِاسْتِعانَةَ بِهِمْ في الغَزْوِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ ومَذْهَبُنا وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ يَجُوزُ ويَرْضَخُ لَهم لَكِنْ إنَّما يُسْتَعانُ بِهِمْ عَلى قِتالِ المُشْرِكِينَ لا البُغاةِ عَلى ما صَرَّحُوا بِهِ، وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مُشْرِكٌ كانَ ذا جَراءَةٍ ونَجْدَةٍ فَفَرِحَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ رَأوْهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: اِرْجِعْ فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» فَمَنسُوخٌ «بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ اِسْتَعانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ ورَضَخَ لَهم واسْتَعانَ بِصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ في هَوازِنَ،» وذَكَرَ بَعْضُهم جَوازَ الِاسْتِعانَةِ بِشَرْطِ الحاجَةِ والوُثُوقِ، أمّا بِدُونِهِما فَلا تَجُوزُ وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ خَبَرُ عائِشَةَ، وكَذا ما رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ النُّزُولِ وبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ أدِلَّةِ المَنعِ وأدِلَّةِ الجَوازِ عَلى أنَّ بَعْضَ المُحَقِّقِينَ ذَكَرَ أنَّ الِاسْتِعانَةَ المَنهِيَّ عَنْها إنَّما هي اِسْتِعانَةُ الذَّلِيلِ بِالعَزِيزِ وأمّا إذا كانَتْ مِن بابِ اِسْتِعانَةِ العَزِيزِ بِالذَّلِيلِ فَقَدْ أُذِنَ لَنا بِها، ومِن ذَلِكَ اِتِّخاذُ الكُفّارِ عَبِيدًا وخَدَمًا ونِكاحُ الكِتابِيّاتِ مِنهم وهو كَلامٌ حَسَنٌ كَما لا يَخْفى.

ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَدَلَّ …

Aal-i-Imraan 3:28Listen in Qur'an →
29

قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allah knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allah is over all things competent.

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ تَسُرُّوا ما في قُلُوبِكم مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وِلايَةُ الكُفّارِ، وإنَّما ذَكَرَ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ القَلْبِ ﴿أوْ تُبْدُوهُ﴾ أيْ تُظْهِرُوهُ فِيما بَيْنَكم.

﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ فَيُؤاخِذُكم بِهِ عِنْدَ مَصِيرِكم إلَيْهِ ولا يَنْفَعُكم إخْفاؤُهُ، وتَقْدِيمُ الإخْفاءِ عَلى الإبْداءِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى سِرِّهِ، ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِن إيرادِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ تَأْكِيدًا لَهُ وتَقْرِيرًا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ 29 ] إثْباتٌ لِصِفَةِ القُدْرَةِ بَعْدَ إثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ وبِذَلِكَ يَكْمُلُ وجْهُ التَّحْذِيرِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ مُحِيطٍ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها وقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ شامِلَةٍ لَلْمَقْدُوراتِ بِأسْرِها فَلا تَجْسُرُوا عَلى عِصْيانِهِ ومُوالاةِ أعْدائِهِ إذْ ما مِن مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ كانَتْ أوْ ظاهِرَةٍ إلّا وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْها وقادِرٌ عَلى العِقابِ بِها، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما عَلِمْتَ.

Aal-i-Imraan 3:29Listen in Qur'an →
30

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًۭا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًۭا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ

The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allah warns you of Himself, and Allah is Kind to [His] servants."

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ ﴿ما عَمِلَتْ﴾ في الدُّنْيا ﴿مِن خَيْرٍ﴾ وإنْ كانَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴿مُحْضَرًا﴾ لَدَيْها مُشاهَدًا في الصُّحُفِ، وقِيلَ: ظاهِرًا في صُوَرٍ، وقِيلَ: تَجِدُ جَزاءَ أعْمالِها مُحْضَرًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لَيْسَ في حاضِرًا وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (تَجِدُ)، ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ما عَمِلَتْ﴾ و﴿مُحْضَرًا﴾ مَحْضَرٌ فِيهِ مَعْنًى إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالذِّكْرِ في الخَيْرِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ الخَيْرِ مُرادًا بِالذّاتِ وكَوْنِ إحْضارِ الشَّرِّ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، وتَقْدِيرُ ﴿مُحْضَرًا﴾ في النَّظْمِ وحَذْفُهُ لِلِاقْتِصارِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في الأوَّلِ مِمّا قالَهُ الأكْثَرُونَ ويَكُونُ مِنَ العَطْفِ عَلى المَفْعُولَيْنِ وهو جائِزٌ كَما في «اَلدُّرِّ المَصُونِ» ولَمْ يَجْعَلُوهُ مِن قَبِيلِ عَلِمْتُ زَيْدًا فاضِلًا وعَمْرًا، وهو لَيْسَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ بَلْ مِن قَبِيلِ زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو وهو مِمّا حُذِفَ فِيهِ الخَبَرُ، كَما صَرَّحُوا بِهِ فَيَلْزَمُ الِاقْتِصارُ ضَرُورَةً، والفَرْقُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والمَفْعُولِ في هَذا البابِ وهْمٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (تَجِدُ) بِمَعْنى تُصِيبُ فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، و﴿مُحْضَرًا﴾ حالٌ، ﴿تَوَدُّ﴾ أيْ تَتَمَنّى وهو عامِلٌ في الظَّرْفِ أيْ تَتَمَنّى يَوْمَ ذَلِكَ، ﴿لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ﴾ أيْ بَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿أمَدًا بَعِيدًا﴾، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ (ما عَمِلَتْ) لِقُرْبِهِ ولِأنَّ اليَوْمَ أُحْضِرَ فِيهِ الخَيْرُ والشَّرُّ والمُتَمَنِّي بَعْدَ الشَّرِّ لا ما فِيهِ مُطْلَقًا فَلا يَحْسُنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ اليَوْمَ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ في «اَلْبَحْرِ»،

صفحة 127

ورُدَّ بِأنَّهُ أبْلَغَ لِأنَّهُ يَوَدُّ البُعْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَوْمِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ لِئَلّا يُرى ما فِيهِ مِنَ السُّوءِ.

واَلْأمَدُ غايَةُ الشَّيْءِ ومُنْتَهاهُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأبَدِ أنَّ الأبَدَ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، والأمَدُ مُدَّةٌ لَها حَدٌّ مَجْهُولٌ والمُرادُ هُنا الغايَةُ الطَّوِيلَةُ، وقِيلَ: مِقْدارُ العُمْرِ، وقِيلَ: قَدْرُ ما يُذْهَبُ بِهِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالأمَدِ البَعِيدِ المَسافَةُ البَعِيدَةُ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، فالتَّمَنِّي هُنا مِن قَبِيلِ التَّمَنِّي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ وهَذا الَّذِي ذُكِرَ في نَظْمِ الآيَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ الظّاهِرُ في بادِئِ الرَّأْيِ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرٍ اِخْتَلَفَ النُّحاةُ في جَوازِهِ وهو كَوْنُ الفاعِلِ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى ما اِتَّصَلَ بِهِ مَعْمُولُ الفِعْلِ المُتَقَدِّمُ نَحْوَ غُلامُ هِنْدٍ ضَرَبَتْ هِيَ، والآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ لِأنَّ الفاعِلَ بِ (يَوَدُّ) عائِدٌ عَلى شَيْءٍ اِتَّصَلَ بِمَعْمُولِ (يَوَدُّ) وهو يَوْمٌ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾، والتَّقْدِيرُ: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ يَوْمَ وِجْدانِها ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ مُحْضَرًا لَوْ أنَّ بَيْنَها الخ؛ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ عَلى جَوازِ ذَلِكَ وهو الصَّحِيحُ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

أجْلُ المَرْءِ يَسْتَحِثُّ ولا يَدْ رِي إذا يَبْتَغِي حُصُولَ الأمانِي

أيِ المَرْءُ في وقْتِ اِبْتِغائِهِ حُصُولَ الأمانِي يَسْتَحِثُّ أجْلُهُ ولا يَدْرِي، والفَرّاءُ والأخْفَشُ وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ …

Aal-i-Imraan 3:30Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.