Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 1–10 of 200

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾

[ 2 ] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ والبُرْجُمِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ المِيمِ وقَطْعِ الهَمْزَةِ ولا إشْكالَ فِيها، لِأنَّ طَرِيقَ التَّلَفُّظِ فِيما لا تَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً كَ (ص) ولا مُوازِنَةً المُفْرَدِ كَ (حم) حَسْبَما ذُكِرَ في «اَلْكِتابِ» الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الإعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءٌ جُعِلَتْ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ وإنْ لَزِمَها اِلْتِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ قَطْعًا، ولِذا ضُعِّفَتْ قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ بِكَسْرِ المِيمِ، والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَ المِيمَ ويَطْرَحُونَ الهَمْزَةَ مِنَ الِاسْمِ الكَرِيمِ، قِيلَ:

صفحة 74

وإنَّما فُتِحَتْ لِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِيَدُلَّ عَلى أنَّها في حُكْمِ الثّابِتِ لِأنَّها أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ لا لِلدَّرَجِ فَإنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ، كَقَوْلِهِ: (واحِدِ اِثْنانِ) لا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّكْ في لامٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وفي «اَلْبَحْرِ» إنَّهُ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَّعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ وما يَسْقُطُ لا تُلْقى حَرَكَتُهُ كَما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَوْلُهُمْ: إنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ وحَرَكَتُها حَرَكَةُ الإلْقاءِ مُخالِفٌ لِإجْماعِ العَرَبِ، والنُّحاةُ أنَّهُ لا يُوقَفُ عَلى مُتَحَرِّكٍ البَتَّةَ سَواءٌ في ذَلِكَ حَرَكَةُ الإعْرابِ والبِناءِ والنَّقْلِ والتِقاءِ السّاكِنَيْنِ والحِكايَةِ والِاتِّباعِ، فَلا يَجُوزُ في ”قَدْ أفْلَحَ“ إذا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الدّالِ أنْ تَقِفَ عَلى دالِ (قَدْ) بِالفَتْحَةِ بَلْ تُسَكِّنَها قَوْلًا واحِدًا، وأمّا تَنْظِيرُهم بِ (واحِدِ اِثْنانِ) بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ فَإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أنَّهم يَشُمُّونَ آخِرَ واحِدٍ لِتَمَكُّنِهِ ولَمْ يُحْكَ الكَسْرُ لُغَةً فَإنْ صَحَّ الكَسْرُ فَلَيْسَ واحِدٌ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ كَما زَعَمُوا، ولا حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ نَقْلٍ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ ولَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِمُ: اِثْنانِ، فالتَقى ساكِنانِ دالُ واحِدٍ وثاءٌ اِثْنَيْنِ فَكُسِرَتِ الدّالُ لِالتِقائِهِما وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّها لا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ يُحَرَّكْ في لامٍ، فَجَوابُهُ أنَّ الَّذِي قالَ: إنَّ الحَرَكَةَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لَمْ يُرِدْ بِهِما اِلْتِقاءَ الياءِ والمِيمِ مِن (ألم) في الوَقْفِ بَلْ أرادَ المِيمَ الأخِيرَ مِن (ألم) ولامَ التَّعْرِيفِ، فَهو كالتِقاءِ نُونِ مَن ولامِ الرَّجُلِ إذا قُلْتَ (مَنِ الرَّجُلُ؟) عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ تَدافُعًا فَإنَّ سُكُونَ آخِرِ المِيمِ إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ عَلَيْها وإلْقاءَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَصْلِ، ونِيَّةُ الوَصْلِ تُوجِبُ حَذْفَ الهَمْزَةِ، ونِيَّةُ الوَقْفِ عَلى ما قَبْلَها تُوجِبُ ثَباتَها وقَطْعَها، وهَذا مُتَناقِضٌ، ولِذا قالَ الجارَبَرْدِيُّ: الوَجْهُ ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والكَثِيرُ مِنَ النُّحاةِ أنَّ تَحْرِيكَ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واخْتِيارُ الفَتْحِ لِخِفَّتِهِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى تَفْخِيمِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، واخْتارَ ذَلِكَ اِبْنُ الحاجِبِ وادَّعى أنَّ في مَذْهَبِ الفَرّاءِ حَمْلًا عَلى الضَّعِيفِ لِأنَّ إجْراءَ الوَصْلِ …

Aal-i-Imraan 3:1Listen in Qur'an →
2

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of existence.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾

[ 2 ] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ والبُرْجُمِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ المِيمِ وقَطْعِ الهَمْزَةِ ولا إشْكالَ فِيها، لِأنَّ طَرِيقَ التَّلَفُّظِ فِيما لا تَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً كَ (ص) ولا مُوازِنَةً المُفْرَدِ كَ (حم) حَسْبَما ذُكِرَ في «اَلْكِتابِ» الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الإعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءٌ جُعِلَتْ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ وإنْ لَزِمَها اِلْتِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ قَطْعًا، ولِذا ضُعِّفَتْ قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ بِكَسْرِ المِيمِ، والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَ المِيمَ ويَطْرَحُونَ الهَمْزَةَ مِنَ الِاسْمِ الكَرِيمِ، قِيلَ:

صفحة 74

وإنَّما فُتِحَتْ لِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِيَدُلَّ عَلى أنَّها في حُكْمِ الثّابِتِ لِأنَّها أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ لا لِلدَّرَجِ فَإنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ، كَقَوْلِهِ: (واحِدِ اِثْنانِ) لا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّكْ في لامٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وفي «اَلْبَحْرِ» إنَّهُ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَّعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ وما يَسْقُطُ لا تُلْقى حَرَكَتُهُ كَما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَوْلُهُمْ: إنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ وحَرَكَتُها حَرَكَةُ الإلْقاءِ مُخالِفٌ لِإجْماعِ العَرَبِ، والنُّحاةُ أنَّهُ لا يُوقَفُ عَلى مُتَحَرِّكٍ البَتَّةَ سَواءٌ في ذَلِكَ حَرَكَةُ الإعْرابِ والبِناءِ والنَّقْلِ والتِقاءِ السّاكِنَيْنِ والحِكايَةِ والِاتِّباعِ، فَلا يَجُوزُ في ”قَدْ أفْلَحَ“ إذا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الدّالِ أنْ تَقِفَ عَلى دالِ (قَدْ) بِالفَتْحَةِ بَلْ تُسَكِّنَها قَوْلًا واحِدًا، وأمّا تَنْظِيرُهم بِ (واحِدِ اِثْنانِ) بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ فَإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أنَّهم يَشُمُّونَ آخِرَ واحِدٍ لِتَمَكُّنِهِ ولَمْ يُحْكَ الكَسْرُ لُغَةً فَإنْ صَحَّ الكَسْرُ فَلَيْسَ واحِدٌ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ كَما زَعَمُوا، ولا حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ نَقْلٍ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ ولَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِمُ: اِثْنانِ، فالتَقى ساكِنانِ دالُ واحِدٍ وثاءٌ اِثْنَيْنِ فَكُسِرَتِ الدّالُ لِالتِقائِهِما وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّها لا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ يُحَرَّكْ في لامٍ، فَجَوابُهُ أنَّ الَّذِي قالَ: إنَّ الحَرَكَةَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لَمْ يُرِدْ بِهِما اِلْتِقاءَ الياءِ والمِيمِ مِن (ألم) في الوَقْفِ بَلْ أرادَ المِيمَ الأخِيرَ مِن (ألم) ولامَ التَّعْرِيفِ، فَهو كالتِقاءِ نُونِ مَن ولامِ الرَّجُلِ إذا قُلْتَ (مَنِ الرَّجُلُ؟) عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ تَدافُعًا فَإنَّ سُكُونَ آخِرِ المِيمِ إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ عَلَيْها وإلْقاءَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَصْلِ، ونِيَّةُ الوَصْلِ تُوجِبُ حَذْفَ الهَمْزَةِ، ونِيَّةُ الوَقْفِ عَلى ما قَبْلَها تُوجِبُ ثَباتَها وقَطْعَها، وهَذا مُتَناقِضٌ، ولِذا قالَ الجارَبَرْدِيُّ: الوَجْهُ ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والكَثِيرُ مِنَ النُّحاةِ أنَّ تَحْرِيكَ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واخْتِيارُ الفَتْحِ لِخِفَّتِهِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى تَفْخِيمِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، واخْتارَ ذَلِكَ اِبْنُ الحاجِبِ وادَّعى أنَّ في مَذْهَبِ الفَرّاءِ حَمْلًا عَلى الضَّعِيفِ لِأنَّ إجْراءَ الوَصْلِ …

Aal-i-Imraan 3:2Listen in Qur'an →
3

نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

He has sent down upon you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel.

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ الجامِعَ لِلْأُصُولِ والفُرُوعِ ولِما كانَ وما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاسْمِ الجِنْسِ إيذانٌ بِتَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في الِانْطِواءِ عَلى كَمالاتِ

صفحة 76

الجِنْسِ كَأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْمُ الكِتابِ دُونَ ما عَداهُ كَما يُلَوِّحُ إلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِاسْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفي الإتْيانِ بِالظَّرْفِ وتَقْدِيمِهِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ واخْتِيارِ ضَمِيرِ الخِطابِ وإيثارِ (عَلى) إلى ما لا يَخْفى مِن تَعْظِيمِهِ ﷺ والتَّنْوِيهِ بِرِفْعَةِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ هي الخَبَرُ، وما قَبْلُ كُلُّهُ اِعْتِراضٌ أوْ حالٌ، و﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ نَزَلَ بِالتَّخْفِيفِ ورَفَعَ الكِتابَ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ (مِن عِنْدِهِ)، ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالصِّدْقِ في أخْبارِهِ أوْ بِالعَدْلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرّاغِبُ أوْ بِما يُحَقِّقُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ أوْ مُحِقًّا، وفي «اَلْبَحْرِ» يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِ إثْباتِ الحَقِّ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ إثْرَ حالٍ أوْ بَدَلٍ مِن مَوْضِعِ الحالِ الأوَّلِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في المَجْرُورِ وعَلى كُلِّ حالٍ فَهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيِ الكُتُبِ السّالِفَةِ والظَّرْفِ مَفْعُولُ (مُصَدِّقًا) واللّامُ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ، وكَيْفِيَّةُ تَصْدِيقِهِ لِما تَقَدَّمَ تَقَدَّمَتْ.

﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [ 3 ] ذَكَرَهُما تَعْيِينًا (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) وتَبْيِينًا لِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلُ وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدُ ولَمْ يُذْكَرِ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ فِيهِما لِأنَّ الكَلامَ في الكِتابَيْنِ لا فِيمَن نَزَلا عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ بِ (أنْزَلَ) فِيهِما لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُما إلّا نُزُولٌ واحِدٌ وهَذا بِخِلافِ القُرْآنِ فَإنَّ لَهُ نُزُولَيْنِ، نُزُولًا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ مِن سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً واحِدَةً، ونُزُولًا مِن ذَلِكَ إلَيْهِ ﷺ مُنَجَّمًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى المَشْهُورِ، ولِهَذا يُقالُ فِيهِ: نَزَّلَ وأنْزَلَ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ نَزَّلَ يَقْتَضِي التَّدْرِيجَ وأنْزَلَ يَقْتَضِي الإنْزالَ الدَّفْعِيَ إذْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ حَيْثُ قَرَنَ نُزِّلَ بِكَوْنِهِ جُمْلَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِهَذا المَقامِ أنَّ التَّدْرِيجَ لَيْسَ هو التَّكْثِيرُ بَلِ الفِعْلُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَما في تَسَلْسُلٍ، والألْفاظُ لا بُدَّ فِيها مِن ذَلِكَ، فَصِيغَةُ (نَزَّلَ) تَدُلُّ عَلَيْهِ، والإنْزالُ مُطْلَقٌ لَكِنَّهُ إذا قامَتِ القَرِينَةُ يُرادُ بِالتَّدْرِيجِ التَّنْجِيمُ، وبِالإنْزالِ الَّذِي قَدْ قُوبِلَ بِهِ خِلافُهُ، أوِ المُطْلَقُ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

واخْتُلِفَ في اِشْتِقاقِ «اَلتَّوْراةِ» و«اَلْإنْجِيلِ» فَقِيلَ: اِشْتِقاقُ الأوَّلِ مِن ورى الزِّنادُ إذا قَدَحَ فَظَهَرَ مِنهُ النّارُ لِأنَّها ضِياءٌ ونُورٌ بِالنِّسْبَةِ لِما عَدا القُرْآنِ تَجْلُو ظُلْمَةَ الضَّلالِ، وقِيلَ مِن ورى في كَلامٍ إذا عَرَّضَ لِأنَّ فِيها …

Aal-i-Imraan 3:3Listen in Qur'an →
4

مِن قَبْلُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

Before, as guidance for the people. And He revealed the Qur'an. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allah will have a severe punishment, and Allah is exalted in Might, the Owner of Retribution.

﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿وأنْزَلَ﴾ أيْ أنْزَلَهُما مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِكَ والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في البَيانِ كَذا قالُوا بِرُمَّتِهِمْ، وأنا أقُولُ التَّصْرِيحُ بِهِ لِلرَّمْزِ إلى أنَّ إنْزالَهُما مُتَضَمِّنٌ لِلْإرْهاصِ لِبَعْثَتِهِ ﷺ حَيْثُ قَيَّدَ الإنْزالَ المُقَيَّدَ بِمَن قَبْلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ أيْ أنْزَلَهُما كَذَلِكَ لِأجْلِ هِدايَةِ النّاسِ الَّذِينَ أُنْزِلا عَلَيْهِمْ إلى الحَقِّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الإيمانُ بِهِ ﷺ واتِّباعُهُ حَيْثُ يَبْعَثُ لِما اِشْتَمَلَتا عَلَيْهِ مِنَ البِشارَةِ بِهِ والحَثِّ عَلى طاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهِدايَةِ بِهِما بَعْدَ نَسْخِ أحْكامِهِما بِالقُرْآنِ إنَّما هي مِن هَذا الوَجْهِ لا غَيْرَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِما أيْضًا فِيما عَدا الشَّرائِعِ المَنسُوخَةِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُصَدِّقُها القُرْآنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الهِدايَةَ إذْ ذاكَ بِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لا بِهِما كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (هُدًى) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُما والإفْرادُ لِما أنَّهُ مَصْدَرٌ جَعَلا نَفْسَ الهُدى مُبالَغَةً أوْ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ أيْ ذَوِي هُدًى، وجَعْلُهُ حالًا مِن ”الكِتابِ“ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتَكَبَ فِيهِ.

﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ القُرْآنُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَأحَلَّ فِيهِ حَلالَهُ وحَرَّمَ حَرامَهُ وشَرَعَ شَرائِعَهُ وحَدَّ حُدُودَهُ وفَرائِضَهُ وبَيَّنَ بَيانَهُ وأمَرَ بِطاعَتِهِ ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وذَكَرَ بِهَذا العُنْوانِ بَعْدَ ذِكْرِهِ بِاسْمِ الجِنْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ ورَفْعًا لِمَكانِهِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ الفاصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اِخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، وأُيِّدَ هَذا بِأنَّ صَدْرَ السُّورَةِ كَما قَدَّمْنا نَزَلَتْ في مُحاجَّةِ النَّصارى لِلنَّبِيِّ ﷺ في أمْرِ أخِيهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالفُرْقانِ بَعْضَ القُرْآنِ ولَمْ يُكْتَفَ بِانْدِراجِهِ في ضِمْنِ الكُلِّ اِعْتِناءً بِهِ، ومِثْلُ هَذا القَوْلِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ المُرادَ بِهِ كُلُّ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَبَّرَ عَنْها بِوَصْفٍ شامِلٍ لِما ذَكَرَ مِنها وما لَمْ يَذْكُرْ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ بِالتَّعْمِيمِ إثْرَ تَخْصِيصِ بَعْضِ مَشاهِيرِها بِالذِّكْرِ، وقِيلَ: نَفْسُ الكُتُبِ المَذْكُورَةِ أُعِيدَ ذِكْرُها بِوَصْفٍ خاصٍّ لَمْ يُذْكَرْ فِيما سَبَقَ عَلى طَرِيقِ العَطْفِ بِتَكْرِيرِ لَفْظِ الإنْزالِ تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الزَّبُورُ وتَقْدِيمُ الإنْجِيلِ عَلَيْهِ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنْهُ نُزُولًا لِقُوَّةِ مُناسَبَتِهِ لِلتَّوْراةِ في الِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ وشُيُوعِ اِقْتِرانِهِما في الذِّكْرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الزَّبُورَ مَواعِظُ فَلَيْسَ فِيهِ ما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِنَ الأحْكامِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَواعِظَ لِما فِيها مِنَ الزَّجْرِ والتَّرْغِيبِ فارِقَةٌ أيْضًا ولِخَفاءِ الفَرْقِ فِيها خُصَّتْ بِالتَّوْصِيفِ بِهِ، وأُورِدُ عَلَيْهِ بِأنَّ ذِكْرَ الوَصْفِ دُونَ المَوْصُوفِ يَقْتَضِي شُهْرَتَهُ بِهِ حَتّى يُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مَوْصُوفِهِ والخَفاءُ إنَّما يَقْتَضِي …

Aal-i-Imraan 3:4Listen in Qur'an →
5

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Indeed, from Allah nothing is hidden in the earth nor in the heaven.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [ 5 ] اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سِعَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ ما في العالَمِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ إيمانُ مَن آمَنَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ إثْرَ بَيانِ كَمالِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ عِزَّتِهِ وفي بَيانِ ذَلِكَ تَرْبِيَةٌ لِلْوَعِيدِ وإشارَةٌ إلى دَلِيلِ كَوْنِهِ حَيًّا وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوُقُوفَ عَلى بَعْضِ المُغَيَّباتِ كَما وقَعَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَعْزِلٍ مِن بُلُوغِ رُتْبَةِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الأرْضِ والسَّماءِ العالَمُ بِأسْرِهِ، وجَعَلَهُ الكَثِيرُ مَجازًا مِن إطْلاقِ الجُزْءِ وإرادَةِ الكُلِّ، ومَن قالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ في (كُلٍّ) كُلٌّ وجُزْءٌ بِناءً عَلى اِشْتِراطِ التَّرْكِيبِ الحَقِيقِيِّ وزَوالِ ذَلِكَ الكُلِّ بِزَوالِ ذَلِكَ الجُزْءِ جَعْلَ المَذْكُورِ كِنايَةً لا مَجازًا، وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلى السَّماءِ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ أحْوالِ أهْلِها واهْتِمامًا بِما يُشِيرُ إلى وعِيدِ ذَوِي الضَّلالَةِ مِنهم ولِيَكُونَ ذِكْرُ السَّماءِ بَعْدُ مِن بابِ العُرُوجِ، قِيلَ: ولِذا وُسِّطَ حَرْفُ النَّفْيِ بَيْنَهُما، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ خَبَرٌ لِأنَّ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ وكَلِمَةُ في مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِهِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما كائِنٌ في العالَمِ بِأسْرِهِ كَيْفَما كانَتِ الظَّرْفِيَّةُ، والتَّعْبِيرُ بِعَدَمِ الخَفاءِ أبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالعِلْمِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِ(يَخْفى) .

Aal-i-Imraan 3:5Listen in Qur'an →
6

هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الصَّحِيحِ ناطِقَةٌ بِبَعْضِ أحْكامِ قَيُّومِيَّتِهِ تَعالى مُشِيرَةٌ إلى تَقْرِيرِ عِلْمِهِ مَعَ زِيادَةِ بَيانٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالأشْياءِ قَبْلَ وُجُودِها، والتَّصْوِيرُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى صُورَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها، والصُّورَةُ هَيْئَةٌ يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ بِالتَّأْلِيفِ، والأرْحامُ جَمْعُ رَحِمٍ وهي مَعْلُومَةٌ وكَأنَّها أُخِذَتْ مِنَ الرَّحْمَةِ لِأنَّها مِمّا يَتَراحَمُ بِها ويَتَعاطَفُ، وكَلِمَةُ (فِي) مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يُصَوِّرُ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ يُصَوِّرُكم وأنْتُمْ في الأرْحامِ مُضَغٌ، و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ يَشاءُ وهو حالٌ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَشاءُ تَصْوِيرَكُمْ، وقِيلَ: (كَيْفَ) ظَرْفٌ لِ (يَشاءُ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: يُصَوِّرُكم عَلى مَشِيئَتِهِ أيْ مُرِيدًا إنْ كانَ الحالُ مِنَ الفاعِلِ أوْ يُصَوِّرُكم مُتَقَلِّبِينَ عَلى مَشِيئَتِهِ تابِعِينَ لَها في قَبُولِ الأحْوالِ المُتَغايِرَةِ مِن كَوْنِكم نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ وثُمَّ، وفي الِاتِّصافِ بِالصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ والحُسْنِ

صفحة 79

والقُبْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِ زَعْمِ مَن زَعَمَ رُبُوبِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تَقَلُّبِهِ في الأطْوارِ ودَوْرِهِ في فَلَكِ هَذِهِ الأدْوارِ حَسْبَما شاءَهُ المَلِكُ القَهّارُ ورَكاكَةِ عُقُولِهِمْ ما لا يَخْفى، وقَرَأ طاوُسٌ (تَصَوَّرَكُمْ) عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفَعُّلِ أيِ اِتَّخَذَ صُوَرَكم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ فَهو مِن بابِ تَوَسَّدَ التُّرابَ أيِ اِتَّخَذَهُ وسادَةً فَما قِيلَ: كَأنَّهُ مِن تَصَوَّرْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنى تَوَهَّمْتُ صُورَتَهُ فالتَّصْدِيقُ أنَّهُ تَوَهُّمٌ مَحْضٌ.

﴿لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [ 6 ] كَرَّرَ الجُمْلَةَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى وانْحِصارِها فِيهِ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها ومُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلى مَنِ اِدَّعى إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناسَبَ مَجِيئُها بَعْدَ الوَصْفَيْنِ السّابِقَيْنِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ إذْ مَن هَذانَ الوَصْفانِ لَهُ هو المُتَّصِفُ بِالأُلُوهِيَّةِ لا غَيْرُهُ ثُمَّ أتى بِوَصْفِ العِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ النَّظِيرِ أوِ التَّناهِي في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِأنَّ خَلْقَهم عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النَّمَطِ البَدِيعِ أثَرٌ مِن آثارِ ذَلِكَ.

Aal-i-Imraan 3:6Listen in Qur'an →
7

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

It is He who has sent down to you, [O Muhammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific. As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allah. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding.

﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِإبْطالِ شُبَهِ الوَفْدِ وإخْوانِهِمُ النّاشِئَةِ عَمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ في نَعْتِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إثْرَ بَيانِ اِخْتِصاصِ الرُّبُوبِيَّةِ ومَناطِها بِهِ سُبْحانَهُ، قِيلَ: إنَّ الوَفْدَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى ورُوحٌ مِنهُ؟ قالَ: بَلى قالُوا: فَحَسْبُنا ذَلِكَ (فَنَعى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ زَيْغَهُمْ) وفِتْنَتَهم وبَيَّنَ أنَّ الكِتابَ مُؤَسَّسٌ عَلى أُصُولٍ رَصِينَةٍ وفُرُوعٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَيْها ناطِقَةٍ بِالحَقِّ قاضِيَةٍ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، كَذا قِيلَ ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا الأثَرَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ أثَرٌ في ”الصِّحاحِ“ ولا سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في غَيْرِها، وقُصارى ما وُجِدَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الآتِي الوَفْدُ، وفِيهِ أنَّ الأثَرَ بِعَيْنِهِ أخْرَجَهُ في «اَلدُّرِّ المَنثُورِ» عَنْ أبِي حاتِمٍ وابْنِ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وعَنْ بَعْضِهِمْ: «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وذَلِكَ حِينَ مَرَّ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ (فَجاءَ رَجُلٌ مِن يَهُودَ لِرَسُولِ) اللَّهِ ﷺ وهو يَتْلُو فاتِحَةَ سُورَةِ البَقَرَةِ [1-2] ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ فَأتى أخاهُ حَيِيَّ بْنَ أخْطَبَ في رِجالٍ مِن يَهُودَ فَقالَ: أتَعْلَمُونَ واَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ فَقالَ: أنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قالَ: نَعَمْ فَمَشى حَتّى وافى أُولَئِكَ النَّفَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ألَمْ يَذْكُرْ أنَّكَ تَتْلُو فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ؟ فَقالَ: بَلى فَقالَ: لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَكَ أنْبِياءَ ما نَعْلَمُهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مِنهم ما مُدَّةُ مُلْكِهِ وما أجَلُ أُمَّتِهِ غَيْرَكُ، الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ فَهَذِهِ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟ قالَ: نَعَمْ (المص) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ والصّادُ تِسْعُونَ فَهَذِهِ مِائَةٌ وإحْدى وسِتُّونَ سَنَةً هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟ قالَ: نَعَمْ (الر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟ قالَ: بَلى (المر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، ثُمَّ قالَ: لَقَدْ لَبَسَ عَلَيْنا أمْرُكَ حَتّى ما نَدْرِي أقَلِيلًا أعْطَيْتَ أمْ كَثِيرًا، ثُمَّ قالَ: قُومُوا ثُمَّ قالَ أبُو ياسِرٍ لِأخِيهِ ومَن مَعَهُ: وما يُدْرِيكم لَعَلَّهُ لَقَدْ جَمَعَ هَذا كُلَّهُ لِمُحَمَّدٍ؟ فَقالُوا: لَقَدْ تَشابَهَ عَلَيْنا أمْرُهُ»».

وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ البُخارِيُّ في «اَلتّارِيخِ» وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلّا أنَّ فِيهِ فَيَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ وهو مُؤْذِنٌ بِعَدَمِ الجَزْمِ بِذَلِكَ ومَعَ هَذا يُبْعِدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن رِوايَةِ «إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ في شَأْنِ أُولَئِكَ الوَفْدِ مِن مَصْدَرِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً» وعَلى تَقْدِيرِ الإغْماضِ عَنْ هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُ اِتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ في المُتَشابِهِ خَفاءً كَما أنَّ تَصْوِيرَ ما في الأرْحامِ كَذَلِكَ أوْ أنَّ في هَذِهِ تَصْوِيرَ الرُّوحِ بِالعِلْمِ وتَكْمِيلَهُ بِهِ وفِيما قَبْلَها تَصْوِيرُ الجَسَدِ وتَسْوِيَتُهُ فَلَمّا أنَّ في كُلٍّ مِنهُما تَصْوِيرًا وتَكْمِيلًا في الجُمْلَةِ ناسَبَ

صفحة 80

ذِكْرَهُ مَعَهُ، ولَمّا أنَّ بَيْنَ …

Aal-i-Imraan 3:7Listen in Qur'an →
8

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ

[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ مَقالَةِ الرّاسِخِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى التَّعْلِيمِ، أيْ قُولُوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا عَنْ نَهْجِ الحَقِّ إلى اِتِّباعِ المُتَشابِهِ بِتَأْوِيلٍ لا تَرْتَضِيهِ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا إلى مَعالِمِ الحَقِّ مِنَ التَّفْوِيضِ في المُتَشابِهِ أوِ الإيمانِ بِالقَسَمَيْنِ أوِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ، ويَؤُولُ المَعْنى إلى لا تُضِلَّنا بَعْدَ الهِدايَةِ لِأنَّ زَيْغَ القُلُوبِ في مُقابَلَةِ الهِدايَةِ ومُقابَلَةَ الهِدايَةِ الإضْلالُ، وصِحَّةُ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في أفْعالِ العِبادِ ظاهِرَةٌ، والمُعْتَزِلَةِ يُؤَوِّلُونَ ذَلِكَ بِنَحْوِ لا تُبْلِنا بِبَلايا تَزِيغُ بِسَبَبِها قُلُوبُنا ولا تَمْنَعْنا ألِطافَكَ بَعْدَ أنْ لَطَفْتَ بِنا، وإنَّما دَعَوْا بِذَلِكَ أوْ أُمِرُوا بِالدُّعاءِ بِهِ لِأنَّ القُلُوبَ لا تَتَقَلَّبُ، فَفي «اَلصَّحِيحِ» عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا ما يَدْعُو ”يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أكْثَرَ ما تَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ؟ فَقالَ: لَيْسَ مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ وإنْ شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ“».

صفحة 90

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما الإيمانُ بِمَنزِلَةِ القَمِيصِ مَرَّةً تَتَقَمَّصُهُ ومَرَّةً تَنْزِعُهُ» والرِّواياتُ بِمَعْنى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وهي تَدُلُّ عَلى جَوازِ عُرُوضِ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِطُرُوءِ الشَّكِّ مَثَلًا والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى، وفي كَلامِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي عَطّافٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يَقُولُ أيْ رَبِّ لا أزْنِيَنَّ أيْ رَبِّ لا أسْرِقَنَّ أيْ رَبِّ لا أكْفُرَنَّ، قِيلَ لَهُ: أوَ تَخافُ؟ قالَ: آمَنتُ بِمُحَرِّفِ القُلُوبِ، ثَلاثًا.

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ إذا لَقِيَنِي قالَ: اِجْلِسْ يا عُوَيْمِرُ فَلْنُؤْمِن ساعَةً فَنَجْلِسُ فَنَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى عَلى ما يَشاءُ، ثُمَّ قالَ: يا عُوَيْمِرُ هَذِهِ مَجالِسُ الإيمانِ إنَّ مَثَلَ الإيمانِ ومَثَلَكَ كَمَثَلِ قَمِيصِكَ بَيْنا أنْتَ قَدْ نَزَعْتَهُ إذْ لَبِسْتَهُ وبَيْنا أنْتَ قَدْ لَبِسْتَهُ إذْ نَزَعْتَهُ، يا عُوَيْمِرُ لَلْقَلْبُ أسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ القِدْرِ إذا اِسْتَجْمَعَتْ غَلَيانًا».

وعَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ «لَيَأْتِيَنَّ عَلى الرَّجُلِ أحايِينُ وما في جِلْدِهِ مَوْضِعُ إبْرَةٍ مِنَ النِّفاقِ ولَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ أحايِينُ وما في جِلْدِهِ مَوْضِعُ إبْرَةٍ مِن إيمانٍ».

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ الغَيْرِ الكامِلِ وما رَجَعَ مَن رَجَعَ إلّا مِنَ الطَّرِيقِ، وأمّا بَعْدَ حُصُولِ الإيمانِ الكامِلِ والتَّصْدِيقِ الجازِمِ والعِلْمِ الثّابِتِ المُطابِقِ فَلا يُتَصَوَّرُ رَجْعَةٌ وكُفْرٌ أصْلًا لِئَلّا يَلْزَمَ اِنْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ والتُزِمَ تَأْوِيلُ جَمِيعِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القَوْلَ مِمّا يَكادُ يَجُرُّ إلى الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى والتِزامِ تَأْوِيلِ النُّصُوصِ لِشُبْهَةٍ اِخْتَلَجَتْ في الصَّدْرِ هي أوْهَنُ مِن بَيْتِ …

Aal-i-Imraan 3:8Listen in Qur'an →
9

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allah does not fail in His promise."

﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ﴾ المُكُلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ لِحِسابِ يَوْمٍ، أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ تَهْوِيلًا لِما يَقَعُ فِيهِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى أيْ جامِعُهم في القُبُورِ إلى يَوْمٍ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ مِنَ الحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْحُكْمِ أيْ لا رَيْبَ في هَذا الحُكْمِ، فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ صِفَةٌ لِيَوْمٍ، وعَلى الثّانِي لِتَأْكِيدِ الحُكْمِ، ومَقْصُودُهم مِن هَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَرْضُ كَمالِ اِفْتِقارِهِمْ إلى الرَّحْمَةِ وأنَّها المَقْصِدُ الأسْنى عِنْدَهُمْ، والتَّأْكِيدُ لِإظْهارِ ما هم عَلَيْهِ مِن كَمالِ الطُّمَأْنِينَةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ لِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ في اِسْتِنْزالِ طائِرِ الإجابَةِ، وقُرِئَ (جامِعٌ النّاسِ) بِالتَّنْوِينِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [ 9 ] تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ أوْ لِانْتِفاءِ الرَّيْبِ، وقِيلَ: تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ لِلْحُكْمِ السّابِقِ وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ الِالتِفاتِ لِلْإشارَةِ إلى تَعْظِيمِ المَوْعُودِ والإجْلالِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ اليَوْمِ المَهِيبِ الهائِلِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإخْلافِ؛ وهَذا بِخِلافِ ما في آخِرِ السُّورَةِ حَيْثُ أتى بِلَفْظِ الخِطابِ فِيهِ لِما أنَّ مَقامَهُ مَقامُ طَلَبِ الإنْعامِ، وقالَ الكَرْخِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ ما هُنا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ اِتِّصالًا لَفْظِيًّا فَقَطْ وما في الآخِرَةِ مُتَّصِلٌ اِتِّصالًا مَعْنَوِيًّا ولَفْظِيًّا لِتَقَدُّمِ لَفْظِ الوَعْدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِهِ تَعالى لِتَقْرِيرِ قَوْلِ الرّاسِخِينَ لا مِن كَلامِ الرّاسِخِينَ فَلا اِلْتِفاتَ حِينَئِذٍ، قالَ السَّفاقِسِيُّ: وهو الظّاهِرُ.

و(اَلْمِيعادَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الحَدَثِ لا بِمَعْنى الزَّمانِ والمَكانِ وهو اللّائِقُ بِمَفْعُولِيَّةِ يُخْلِفُ وياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، واسْتَدَلَّ بِها الوَعِيدِيَّةِ عَلى وُجُوبِ العِقابِ لِلْعاصِي عَلَيْهِ تَعالى وإلّا يَلْزَمُ الخُلْفُ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ وعِيدَ الفُسّاقِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ بِدَلائِلَ مُنْفَصِلَةٍ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وِفاقًا؛ وقِيلَ: هو إنْشاءٌ فَلا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ في تَخَلُّفِهِ، وقِيلَ: ما في الآيَةِ لَيْسَ مَحَلًّا لِلنِّزاعِ لِأنَّ المِيعادَ فِيهِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الوَعْدِ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ خُلْفِ الوَعْدِ عَدَمُ خُلْفِ الوَعِيدِ لِأنَّ الأوَّلَ مُقْتَضى الكَرَمِ كَما قالَ:

وإنِّي إذا أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي

واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَعِيدَ الَّذِي هو مَحَلُّ النِّزاعِ داخِلٌ تَحْتِ الوَعْدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الدُّخُولَ، والآيَةُ مِن بابِ التَّهَكُّمِ فَهي عَلى حَدِّ ”فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ“ واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ كَوْنَ الخُلْفِ في الإيعادِ مُقْتَضى الكَرَمِ لا يَجُوزُ الخُلْفُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ صِحَّةُ أنْ يُسَمّى اللَّهُ تَعالى مُكَذِّبَ نَفْسِهِ وهو مِمّا لا يُقَدِمُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِما تَرْكُهُ أصْوَبُ مِن ذِكْرِهِ فالحَقُّ الرُّجُوعُ إلى الجَوابِ الأوَّلِ.

* * *

هَذا ومِن بابِ …

Aal-i-Imraan 3:9Listen in Qur'an →
10

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all. And it is they who are fuel for the Fire.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمْ جِنْسُ الكَفَرَةِ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأصْنافِ، وقِيلَ: وفْدُ نَجْرانَ، أوِ اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أيْ لَنْ تَنْفَعَهُمْ، وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ وسُكُونِ الياءِ وهو مِنَ الجِدِّ في اِسْتِثْقالِ الحَرَكَةِ عَلى حُرُوفِ اللِّينِ، ﴿أمْوالُهُمْ﴾ الَّتِي أعَدُّوها لِدَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَصالِحِ ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ الَّذِينَ يَتَناصَرُونَ بِهِمْ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ ويُعَوِّلُونَ عَلَيْهِمْ في المُلِمّاتِ المُدْلَهِمَّةِ، وتَأْخِيرُهم عَنِ الأمْوالِ مَعَ تَوْسِيطِ حَرْفِ النَّفْيِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ إمّا لِعَراقَتِهِمْ في كَشْفِ الكُرُوبِ أوْ لِأنَّ الأمْوالَ أوَّلُ عِدَّةٍ يُفْزَعُ إلَيْها عِنْدَ نُزُولِ الخُطُوبِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن عَذابِهِ تَعالى فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ كَما قالَ المُبَرِّدُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَيْئًا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِما في (أغْنى) مِن مَعْنى الدَّفْعِ و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ إلّا أنَّها قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ حالًا، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى أغْنى عَنْهُ كَفاهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (مِن) هُنا بِمَعْنى عِنْدَ وهو ضَعِيفٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي بَدَلِيَّةٌ مِثْلَها في قَوْلِهِ:

فَلَيْتَ لَنا (مِن) ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةٌ باتَتْ عَلى طَهَيانِ

ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «ولا يَنْفَعُ ذا الجِدِّ مِنكَ الجِدُّ» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ والمَعْنى لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم بَدَلَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بَدَلَ طاعَتِهِ سُبْحانَهُ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ، ونَفى ذَلِكَ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّ اِحْتِمالَ سَدِّ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ مَسَدَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِمّا يَبْعُدُ بَلْ لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ حَتّى يَتَصَدّى لِنَفْيِهِ - إشارَةً إلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدْ ألْهَتْهم أمْوالُهم وأوْلادُهم عَنِ اللَّهِ تَعالى والنَّظَرِ فِيما يَنْبَغِي لَهُ إلى حَيْثُ يُخَيَّلُ لِلرّائِي أنَّهم مِمَّنْ يُعْتَقَدُ أنَّها تَسُدُّ مَسَدَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ. وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ واعْتُرِضَ بِأنَّ أكْثَرَ النُّحاةِ كَما في «اَلْبَحْرِ» يُنْكِرُونَ إثْباتَ البَدَلِيَّةِ لِمَن، مَعَ أنَّ الأوَّلَ هو الألْيَقُ في الظّاهِرِ بِتَهْوِيلِ أمْرِ الكَفَرَةِ والأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ [ 10 ] كَذا بِما بَعُدَ.

والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ الحَطَبُ أيْ أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِالكُفْرِ المُبْعَدُونَ عَنْ عِزِّ الحُضُورِ حَطَبُ النّارِ الَّتِي تُسَعَّرُ بِهِمْ لِكُفْرِهِمْ، وقِيلَ: الوَقُودُ بِالفَتْحِ لُغَةً في الوُقُودِ بِالضَّمِّ وبِهِ قَرَأ الحَسَنُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإيقادِ فَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ أيْ أهْلُ وقُودِها، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الأمْرِ وتُقَرِّرِهِ، أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقِيقَةَ حالِهِمْ ذَلِكَ وأنَّهم في حالِ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وقُودَ النّارِ بِأعْيانِهِمْ، وهي إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرَّرَةٌ لِعَدَمِ الإغْناءِ أوْ مَعْطُوفَةٌ …

Aal-i-Imraan 3:10Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.