Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 191–200 of 200

191

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Who remember Allah while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى ﴿لَآياتٍ﴾ لَعَلاماتٌ واضِحَةٌ عَلى الصّانِعِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلّا لِذَوِي العُقُولِ يَنْظُرُونَ في ذَلِكَ بِطَرِيقِ الفِكْرِ والِاسْتِدْلالِ، لا كَما تَنْظُرُ البَهائِمُ. ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، حِينَ ذَكَرَتِ اليَهُودُ والنَّصارى لَهم بَعْضَ ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ في خَلْقِهِما دَلالاتٍ واضِحَةً لِذَوِي العُقُولِ.

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو بِاللِّسانِ مَعَ حُضُورِ القَلْبِ، وأنَّهُ التَّحْمِيدُ والتَّهْلِيلُ والتَّكْبِيرُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأذْكارِ. هَذِهِ الهَيْئاتُ الثَّلاثَةُ هي غالِبُ ما يَكُونُ عَلَيْها المَرْءُ، فاسْتُعْمِلَتْ، والمُرادُ بِها جَمِيعُ الأحْوالِ. كَما «قالَتْ عائِشَةُ: (كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلى كُلِّ أحْيانِهِ») وظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ والآيَةِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى الخَلاءِ. وقالَ بِجَوازِ ذَلِكَ: «عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ»، و«ابْنُ سِيرِينَ» والنَّخَعِيُّ. وكَرِهَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، و«عَطاءٌ»، و«الشَّعْبِيُّ» . وعَن «ابْنِ عُمَرَ» و«عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ» وجَماعَةٍ أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَقالَ بَعْضُهم: أما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قِيامًا وقُعُودًا﴾ ؟ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى أقْدامِهِمْ.

ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ)، وإلى أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ هو الظّاهِرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ - ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ، والذِّكْرُ مِن أعْظَمِ العِباداتِ، والأحادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الصَّلَواتُ، فَفي حالِ العُذْرِ يُصَلُّونَها قُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ، وسَمّاها ذِكْرًا لِاشْتِمالِها عَلى الذِّكْرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ صَلاةُ النَّفْلِ يُصَلِّيها كَيْفَ شاءَ. وجَلَبَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ مِن كَيْفِيَّةِ إيقاعِ الصَّلاةِ في القِيامِ والقُعُودِ والِاضْطِجاعِ، وخِلافِ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ، ودَلائِلِهِمْ. وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ. وعَلى الظّاهِرِ مِن تَفْسِيرِ الذِّكْرِ فَتَقْدِيمُ القِيامِ لِأنَّ الذِّكْرَ فِيهِ أخَفُّ عَلى الإنْسانِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حالَةِ القُعُودِ، والذِّكْرُ فِيهِ أشَقُّ مِنهُ في حالَةِ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقْعُدُ غالِبًا إلّا لِشُغْلٍ يَشْتَغِلُ بِهِ مِن صِناعَةٍ أوْ غَيْرِها. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى هَيْئَةِ الِاضْطِجاعِ، والذِّكْرُ فِيها أشَقُّ مِنهُ في هَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ الِاضْطِجاعَ هو هَيْئَةُ اسْتِراحَةٍ وفَراغٍ عَنِ الشَّواغِلِ. ويُمْكِنُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِما هو أقْصَرُ زَمانًا، فَبُدِئَ بِالقِيامِ؛ لِأنَّها هَيْئَةٌ زَمانُها في الغالِبِ أقْصَرُ مِن زَمانِ القُعُودِ، ثُمَّ بِالقُعُودِ إذْ زَمانُهُ أطْوَلُ، وبِالِاضْطِجاعِ إذْ زَمانُهُ أطْوَلُ مِن زَمانِ القُعُودِ، ألا تَرى أنَّ اللَّيْلَ جَمِيعَهُ هو زَمانُ …

Aal-i-Imraan 3:191Listen in Qur'an →
192

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ هَذِهِ اسْتِجارَةٌ واسْتِعاذَةٌ. أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ، ولا تَجْعَلْنا مِمَّنْ يَعْمَلُ بِعَمَلِها. ومَعْنى أخْزَيْتَهُ: فَضَحْتَهُ. مِن خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، وخِزايَةً: إذا اسْتَحْيا، الفِعْلُ واحِدٌ واخْتَلَفَ في المَصْدَرِ، فَمِنَ الِافْتِضاحِ خِزْيٌ، ومِنَ الِاسْتِحْياءِ خَزايَةٌ. ومِن ذَلِكَ ﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] أيْ: لا تَفْضَحُونِ. وقِيلَ: المَعْنى أهَنْتَهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: أهْلَكْتَهُ. ويُقالُ: خَزَيْتُهُ وأخْزَيْتُهُ ثُلاثِيًّا ورُباعِيًّا، والرُّباعِيُّ أكْثَرُ وأفْصَحُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَخْزِيُّ في اللُّغَةِ هو المُذَلُّ المَحْقُورُ بِأمْرٍ قَدْ لَزِمَهُ، يُقالُ: أخْزَيْتُهُ ألْزَمْتُهُ حُجَّةً أذْلَلْتُهُ مَعَها. وقالَ أنَسٌ وسَعِيدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهم: هي إشارَةٌ إلى مَن يَخْلُدُ في النّارِ، أمّا مَن يَخْرُجُ مِنها بِالشَّفاعَةِ والإيمانِ فَلَيْسَ بِمَخْزِيٍّ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن دَخَلَ النّارَ فَهو مَخْزِيٌّ وإنْ خَرَجَ مِنها، وإنَّ في دُونِ ذَلِكَ لَخِزْيًا، واخْتارَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ هو مِن قَوْلِ الدّاعِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الظّالِمُونَ هُنا هُمُ الكافِرُونَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ويُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ فِيمَن يَخْلُدُ في النّارِ؛ لِأنَّ نَفْيَ النّاصِرِ إمّا بِمَنعٍ أوْ شَفاعَةِ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، وأمّا المُؤْمِنُ فاللَّهُ ناصِرُهُ والرَّسُولُ ﷺ شافِعُهُ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَشْفَعُ لِبَعْضٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ اللّامُ إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ النّارَ، وإعْلامٌ بِأنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ، فَلا ناصِرَ لَهُ بِشَفاعَةٍ ولا غَيْرِها. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ أنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها أبَدًا، سَواءٌ كانَ كافِرًا أمْ فاسِقًا، و(مَن) مَفْعُولَةٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ. وحَكى بَعْضُ المُعْرِبِينَ ما نَصُّهُ: وأجازَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ (مَن) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو: ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . وأجازَ آخَرُونَ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأً، والشَّرْطُ وجَوابُهُ الخَبَرَ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَصادِرٌ عَنْ جاهِلٍ بِعِلْمِ النَّحْوِ، وأمّا الثّانِي فَإعْرابُ (مَن) مُبْتَدَأً في غايَةِ الضَّعْفِ. وأمّا إدْخالُهُ جَوابَ الشَّرْطِ في الخَبَرِ مَعَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَجَهالَةٌ. ومَن أعْظَمُ وِزْرًا مِمَّنْ تَكَلَّمَ في كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ (سَمِعَ) إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدّى لِواحِدٍ، نَحْوُ: سَمِعْتُ كَلامَ زِيدٍ، كَغَيْرِهِ مِن أفْعالِ الحَواسِّ. وإنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ وجاءَ بَعْدَهُ فِعْلٌ أوِ اسْمٌ في مَعْناهُ، نَحْوُ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا، فَفي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ. مِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ إنْ كانَ قَبْلَهُ نَكِرَةٌ كانَ صِفَةً لَها، أوْ مَعْرِفَةٌ كانَ حالًا مِنها. ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ، وجَعَلَ (سَمِعَ) مِمّا يُعَدّى إلى واحِدٍ إنْ …

Aal-i-Imraan 3:192Listen in Qur'an →
193

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ

Our Lord, indeed we have heard a caller calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die with the righteous.

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ هَذِهِ اسْتِجارَةٌ واسْتِعاذَةٌ. أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ، ولا تَجْعَلْنا مِمَّنْ يَعْمَلُ بِعَمَلِها. ومَعْنى أخْزَيْتَهُ: فَضَحْتَهُ. مِن خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، وخِزايَةً: إذا اسْتَحْيا، الفِعْلُ واحِدٌ واخْتَلَفَ في المَصْدَرِ، فَمِنَ الِافْتِضاحِ خِزْيٌ، ومِنَ الِاسْتِحْياءِ خَزايَةٌ. ومِن ذَلِكَ ﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] أيْ: لا تَفْضَحُونِ. وقِيلَ: المَعْنى أهَنْتَهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: أهْلَكْتَهُ. ويُقالُ: خَزَيْتُهُ وأخْزَيْتُهُ ثُلاثِيًّا ورُباعِيًّا، والرُّباعِيُّ أكْثَرُ وأفْصَحُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَخْزِيُّ في اللُّغَةِ هو المُذَلُّ المَحْقُورُ بِأمْرٍ قَدْ لَزِمَهُ، يُقالُ: أخْزَيْتُهُ ألْزَمْتُهُ حُجَّةً أذْلَلْتُهُ مَعَها. وقالَ أنَسٌ وسَعِيدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهم: هي إشارَةٌ إلى مَن يَخْلُدُ في النّارِ، أمّا مَن يَخْرُجُ مِنها بِالشَّفاعَةِ والإيمانِ فَلَيْسَ بِمَخْزِيٍّ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن دَخَلَ النّارَ فَهو مَخْزِيٌّ وإنْ خَرَجَ مِنها، وإنَّ في دُونِ ذَلِكَ لَخِزْيًا، واخْتارَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ هو مِن قَوْلِ الدّاعِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الظّالِمُونَ هُنا هُمُ الكافِرُونَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ويُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ فِيمَن يَخْلُدُ في النّارِ؛ لِأنَّ نَفْيَ النّاصِرِ إمّا بِمَنعٍ أوْ شَفاعَةِ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، وأمّا المُؤْمِنُ فاللَّهُ ناصِرُهُ والرَّسُولُ ﷺ شافِعُهُ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَشْفَعُ لِبَعْضٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ اللّامُ إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ النّارَ، وإعْلامٌ بِأنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ، فَلا ناصِرَ لَهُ بِشَفاعَةٍ ولا غَيْرِها. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ أنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها أبَدًا، سَواءٌ كانَ كافِرًا أمْ فاسِقًا، و(مَن) مَفْعُولَةٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ. وحَكى بَعْضُ المُعْرِبِينَ ما نَصُّهُ: وأجازَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ (مَن) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو: ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . وأجازَ آخَرُونَ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأً، والشَّرْطُ وجَوابُهُ الخَبَرَ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَصادِرٌ عَنْ جاهِلٍ بِعِلْمِ النَّحْوِ، وأمّا الثّانِي فَإعْرابُ (مَن) مُبْتَدَأً في غايَةِ الضَّعْفِ. وأمّا إدْخالُهُ جَوابَ الشَّرْطِ في الخَبَرِ مَعَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَجَهالَةٌ. ومَن أعْظَمُ وِزْرًا مِمَّنْ تَكَلَّمَ في كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ (سَمِعَ) إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدّى لِواحِدٍ، نَحْوُ: سَمِعْتُ كَلامَ زِيدٍ، كَغَيْرِهِ مِن أفْعالِ الحَواسِّ. وإنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ وجاءَ بَعْدَهُ فِعْلٌ أوِ اسْمٌ في مَعْناهُ، نَحْوُ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا، فَفي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ. مِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ إنْ كانَ قَبْلَهُ نَكِرَةٌ كانَ صِفَةً لَها، أوْ مَعْرِفَةٌ كانَ حالًا مِنها. ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ، وجَعَلَ (سَمِعَ) مِمّا يُعَدّى إلى واحِدٍ إنْ …

Aal-i-Imraan 3:193Listen in Qur'an →
194

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ هَذِهِ اسْتِجارَةٌ واسْتِعاذَةٌ. أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ، ولا تَجْعَلْنا مِمَّنْ يَعْمَلُ بِعَمَلِها. ومَعْنى أخْزَيْتَهُ: فَضَحْتَهُ. مِن خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، وخِزايَةً: إذا اسْتَحْيا، الفِعْلُ واحِدٌ واخْتَلَفَ في المَصْدَرِ، فَمِنَ الِافْتِضاحِ خِزْيٌ، ومِنَ الِاسْتِحْياءِ خَزايَةٌ. ومِن ذَلِكَ ﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] أيْ: لا تَفْضَحُونِ. وقِيلَ: المَعْنى أهَنْتَهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: أهْلَكْتَهُ. ويُقالُ: خَزَيْتُهُ وأخْزَيْتُهُ ثُلاثِيًّا ورُباعِيًّا، والرُّباعِيُّ أكْثَرُ وأفْصَحُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَخْزِيُّ في اللُّغَةِ هو المُذَلُّ المَحْقُورُ بِأمْرٍ قَدْ لَزِمَهُ، يُقالُ: أخْزَيْتُهُ ألْزَمْتُهُ حُجَّةً أذْلَلْتُهُ مَعَها. وقالَ أنَسٌ وسَعِيدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهم: هي إشارَةٌ إلى مَن يَخْلُدُ في النّارِ، أمّا مَن يَخْرُجُ مِنها بِالشَّفاعَةِ والإيمانِ فَلَيْسَ بِمَخْزِيٍّ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن دَخَلَ النّارَ فَهو مَخْزِيٌّ وإنْ خَرَجَ مِنها، وإنَّ في دُونِ ذَلِكَ لَخِزْيًا، واخْتارَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ هو مِن قَوْلِ الدّاعِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الظّالِمُونَ هُنا هُمُ الكافِرُونَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ويُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ فِيمَن يَخْلُدُ في النّارِ؛ لِأنَّ نَفْيَ النّاصِرِ إمّا بِمَنعٍ أوْ شَفاعَةِ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، وأمّا المُؤْمِنُ فاللَّهُ ناصِرُهُ والرَّسُولُ ﷺ شافِعُهُ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَشْفَعُ لِبَعْضٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ اللّامُ إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ النّارَ، وإعْلامٌ بِأنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ، فَلا ناصِرَ لَهُ بِشَفاعَةٍ ولا غَيْرِها. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ أنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها أبَدًا، سَواءٌ كانَ كافِرًا أمْ فاسِقًا، و(مَن) مَفْعُولَةٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ. وحَكى بَعْضُ المُعْرِبِينَ ما نَصُّهُ: وأجازَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ (مَن) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو: ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . وأجازَ آخَرُونَ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأً، والشَّرْطُ وجَوابُهُ الخَبَرَ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَصادِرٌ عَنْ جاهِلٍ بِعِلْمِ النَّحْوِ، وأمّا الثّانِي فَإعْرابُ (مَن) مُبْتَدَأً في غايَةِ الضَّعْفِ. وأمّا إدْخالُهُ جَوابَ الشَّرْطِ في الخَبَرِ مَعَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَجَهالَةٌ. ومَن أعْظَمُ وِزْرًا مِمَّنْ تَكَلَّمَ في كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ (سَمِعَ) إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدّى لِواحِدٍ، نَحْوُ: سَمِعْتُ كَلامَ زِيدٍ، كَغَيْرِهِ مِن أفْعالِ الحَواسِّ. وإنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ وجاءَ بَعْدَهُ فِعْلٌ أوِ اسْمٌ في مَعْناهُ، نَحْوُ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا، فَفي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ. مِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ إنْ كانَ قَبْلَهُ نَكِرَةٌ كانَ صِفَةً لَها، أوْ مَعْرِفَةٌ كانَ حالًا مِنها. ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ، وجَعَلَ (سَمِعَ) مِمّا يُعَدّى إلى واحِدٍ إنْ …

Aal-i-Imraan 3:194Listen in Qur'an →
195

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allah, and Allah has with Him the best reward."

﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ في الهِجْرَةِ ولَمْ يَذْكُرِ النِّساءَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ، ونَزَلَ آياتٌ في مَعْناها فِيها ذِكْرُ النِّساءِ. ومَعْنى اسْتَجابَ: أجابَ، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] ونَقَلَ تاجُ القُرّاءِ أنَّ (أجابَ) عامٌّ، و(اسْتَجابَ) خاصٌّ في حُصُولِ المَطْلُوبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنِّي) عَلى إسْقاطِ الباءِ، أيْ: بِأنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ (بِأنِّي) بِالباءِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (إنِّي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَيَكُونُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى الحِكايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجابَ﴾؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ عَلى طَرِيقَةِ الكُوفِيِّينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُضِيعُ﴾ مِن أضاعَ. وقَرَأ بَعْضُهم: (أُضَيِّعُ) بِالتَّشْدِيدِ مِن ضَيَّعَ، والهَمْزَةُ والتَّشْدِيدُ فِيهِ لِلنَّقْلِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎كَمُرْضِعَةٍ أوْلادَ أُخْرى وضَيَّعَتْ بَنِي بَطْنِها هَذا الضَّلالُ عَنِ القَصْدِ

ومَعْنى ذَلِكَ: لا أتْرُكُ جَزاءَ عامِلٍ مِنكم. و(مِنكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنٍ مِنكم. وقَوْلُهُ: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾، قِيلَ: (مِن) تَبْيِينٌ لِجِنْسِ العامِلِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الَّذِي هو ذَكَرٌ أوْ أُنْثى. و(مِن) قِيلَ: زائِدَةٌ؛ لِتَقَدُّمِ النَّفْيِ في الكَلامِ. وقِيلَ: (مِن) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في العامِلِ في (مِنكم) أيْ: عامِلٍ كائِنٍ مِنكم كائِنًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَدَلٌ مِن (مِنكم) بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ. انْتَهى. فَيَكُونُ قَدْ أعادَ العامِلَ وهو حَرْفُ الجَرِّ، ويَكُونُ بَدَلًا تَفْصِيلِيًّا مِن مُخاطَبٍ. ويُعَكِّرُ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا تَفْصِيلِيًّا عَطْفُهُ بِـ (أوْ)، والبَدَلُ التَّفْصِيلِيُّ لا يَكُونُ إلّا بِالواوِ، كَقَوْلِهِ:

؎وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورِجْلٍ رَمى فِيها الزَّمانُ فَشُلَّتِ

ويُعَكِّرُ عَلى كَوْنِهِ مِن مُخاطَبٍ أنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ. هَكَذا أطْلَقَ بَعْضُ أصْحابِنا الخِلافَ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِما كانَ البَدَلُ فِيهِ لِإحاطَةٍ، فَإنَّهُ يَجُوزُ إذْ ذاكَ. وهَذا التَّقْيِيدُ صَحِيحٌ، ومِنهُ ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤] فَقَوْلُهُ ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤] بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: (لَنا)، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَما بَرِحَتْ أقْدامُنا في مَقامِنا ∗∗∗ ثَلاثَتِنا حَتّى أُرِينا المَنائِيا

فَـ(ثَلاثَتِنا) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وأجازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ بَدَلٌ في مَعْنى التَّوْكِيدِ، ويَشْهَدُ لِمَذْهَبِ الأخْفَشِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎بِكم قُرَيْشٍ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ∗∗∗ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضِلِّيلا

وقَوْلُ الآخَرِ:

؎وشَوْهاءُ تَغْدُو بِي إلى صارِخِ الوَغى ∗∗∗ بِمُسْتَلْئِمٍ مِثْلِ الفَنِيقِ المُرَجَّلِ

فَـ(قُرَيْشٍ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ. و(بِمُسْتَلْئِمٍ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وقَدْ تَجِيءُ (أوْ) في مَعْنى الواوِ إذا عَطَفَتْ ما لا بُدَّ مِنهُ كَقَوْلِهِ:

؎قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصَّرِيخَ رَأيْتَهم ∗∗∗ مِن بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ …

Aal-i-Imraan 3:195Listen in Qur'an →
196

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ كانُوا يَضْرِبُونَ في الأرْضِ فَيُصِيبُونَ الأمْوالَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا: هم أهْلُ مَكَّةَ. ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الخِصْبِ والرَّخاءِ ولِينِ العَيْشِ، فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجَهْدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في مُشْرِكِي العَرَبِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَفْظٌ عامٌّ، والكافُ لِلْخِطابِ. فَقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: نَزَلَتْ ﴿لا يَغُرُّنَّكَ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ - مَنزِلَةَ (لا تَظُنَّ أنَّ حالَ الكُفّارِ حَسَنَةٌ فَتَهْتَمَّ لِذَلِكَ)، وذَلِكَ أنَّ المُغْتَرَّ فارِحٌ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَغْتَرُّ بِهِ. فالكُفّارُ مُغْتَرُّونَ بِتَقَلُّبِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ مُهْتَمُّونَ بِهِ. لَكِنَّهُ رُبَّما يَقَعُ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لِلْكُفّارِ إنَّما هو خَيْرٌ لَهم، فَيَجِيءُ هَذا جُنُوحًا إلى حالِهِمْ، ونَوْعًا مِنَ الِاغْتِرارِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتْ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ . ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ لِحَفْصَةَ: (لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوْضَأ مِنكِ وأحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) المَعْنى: لا تَغْتَرِّي بِما يَتِمُّ لِتِلْكَ مِنَ الإدْلالِ فَتَقَعِي فِيهِ فَيُطَلِّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَغُرَّنَّكَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، والمُضْطَرِبِ، ودَرْكِ العاجِلِ، وإصابَةِ حُظُوظِ الدُّنْيا، ولا تَغْتَرِرْ بِظاهِرِ ما تَرى مِن تَبَسُّطِهِمْ في الأرْضِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَغْتَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ حَتّى يُنْهى عَنْهُ وعَنِ الِاغْتِرارِ بِهِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ مَدَرَةَ القَوْمِ ومُقَدِّمَهم يُخاطَبُ بِشَيْءٍ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ جَمِيعًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَغُرَّنَّكم. والثّانِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ غَيْرَ مَغْرُورٍ بِحالِهِمْ، فَأكَّدَ عَلَيْهِ ما كانَ وثَبَتَ عَلى التِزامِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] وهَذا في النَّهْيِ نَظِيرُ قَوْلِهِ في الأمْرِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] وقَدْ جُعِلَ النَّهْيُ في الظّاهِرِ لِلتَّقَلُّبِ، وهو في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ. وهَذا مِن تَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ؛ لِأنَّ التَّقَلُّبَ لَوْ غَرَّهُ لاغْتَرَّ بِهِ، فَمَنَعَ السَّبَبَ لِيَمْتَنِعَ المُسَبَّبَ، انْتَهى كَلامُهُ. ومُلَخَّصُ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما: أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ والمُرادُ أُمَّتُهُ، أوْ لَهُ عَلى جِهَةِ التَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ، وإنْ كانَ مَعْصُومًا مِنَ الوُقُوعِ فِيهِ كَما قِيلَ:

؎قَدْ يُهَزُّ الحُسامُ وهْوَ حُسامٌ ويُجَبُّ الجَوادُ وهْوَ جَوادُ

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ: ﴿لا يَغُرَّنْكَ﴾ و(لا يَصُدَّنْكَ) و(لا يَصُدَّنْكم) و(لا يَغُرَّنْكم) وشِبْهَهُ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ. وتَقَلُّبُهم: هو تَصَرُّفُهم في التِّجاراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. أوْ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ. أوْ تَصَرُّفُهم غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِذُنُوبِهِمْ، قالَهُ …

Aal-i-Imraan 3:196Listen in Qur'an →
197

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ كانُوا يَضْرِبُونَ في الأرْضِ فَيُصِيبُونَ الأمْوالَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا: هم أهْلُ مَكَّةَ. ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الخِصْبِ والرَّخاءِ ولِينِ العَيْشِ، فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجَهْدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في مُشْرِكِي العَرَبِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَفْظٌ عامٌّ، والكافُ لِلْخِطابِ. فَقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: نَزَلَتْ ﴿لا يَغُرُّنَّكَ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ - مَنزِلَةَ (لا تَظُنَّ أنَّ حالَ الكُفّارِ حَسَنَةٌ فَتَهْتَمَّ لِذَلِكَ)، وذَلِكَ أنَّ المُغْتَرَّ فارِحٌ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَغْتَرُّ بِهِ. فالكُفّارُ مُغْتَرُّونَ بِتَقَلُّبِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ مُهْتَمُّونَ بِهِ. لَكِنَّهُ رُبَّما يَقَعُ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لِلْكُفّارِ إنَّما هو خَيْرٌ لَهم، فَيَجِيءُ هَذا جُنُوحًا إلى حالِهِمْ، ونَوْعًا مِنَ الِاغْتِرارِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتْ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ . ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ لِحَفْصَةَ: (لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوْضَأ مِنكِ وأحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) المَعْنى: لا تَغْتَرِّي بِما يَتِمُّ لِتِلْكَ مِنَ الإدْلالِ فَتَقَعِي فِيهِ فَيُطَلِّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَغُرَّنَّكَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، والمُضْطَرِبِ، ودَرْكِ العاجِلِ، وإصابَةِ حُظُوظِ الدُّنْيا، ولا تَغْتَرِرْ بِظاهِرِ ما تَرى مِن تَبَسُّطِهِمْ في الأرْضِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَغْتَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ حَتّى يُنْهى عَنْهُ وعَنِ الِاغْتِرارِ بِهِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ مَدَرَةَ القَوْمِ ومُقَدِّمَهم يُخاطَبُ بِشَيْءٍ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ جَمِيعًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَغُرَّنَّكم. والثّانِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ غَيْرَ مَغْرُورٍ بِحالِهِمْ، فَأكَّدَ عَلَيْهِ ما كانَ وثَبَتَ عَلى التِزامِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] وهَذا في النَّهْيِ نَظِيرُ قَوْلِهِ في الأمْرِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] وقَدْ جُعِلَ النَّهْيُ في الظّاهِرِ لِلتَّقَلُّبِ، وهو في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ. وهَذا مِن تَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ؛ لِأنَّ التَّقَلُّبَ لَوْ غَرَّهُ لاغْتَرَّ بِهِ، فَمَنَعَ السَّبَبَ لِيَمْتَنِعَ المُسَبَّبَ، انْتَهى كَلامُهُ. ومُلَخَّصُ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما: أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ والمُرادُ أُمَّتُهُ، أوْ لَهُ عَلى جِهَةِ التَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ، وإنْ كانَ مَعْصُومًا مِنَ الوُقُوعِ فِيهِ كَما قِيلَ:

؎قَدْ يُهَزُّ الحُسامُ وهْوَ حُسامٌ ويُجَبُّ الجَوادُ وهْوَ جَوادُ

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ: ﴿لا يَغُرَّنْكَ﴾ و(لا يَصُدَّنْكَ) و(لا يَصُدَّنْكم) و(لا يَغُرَّنْكم) وشِبْهَهُ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ. وتَقَلُّبُهم: هو تَصَرُّفُهم في التِّجاراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. أوْ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ. أوْ تَصَرُّفُهم غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِذُنُوبِهِمْ، قالَهُ …

Aal-i-Imraan 3:197Listen in Qur'an →
198

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allah. And that which is with Allah is best for the righteous.

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ كانُوا يَضْرِبُونَ في الأرْضِ فَيُصِيبُونَ الأمْوالَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا: هم أهْلُ مَكَّةَ. ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الخِصْبِ والرَّخاءِ ولِينِ العَيْشِ، فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجَهْدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في مُشْرِكِي العَرَبِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَفْظٌ عامٌّ، والكافُ لِلْخِطابِ. فَقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: نَزَلَتْ ﴿لا يَغُرُّنَّكَ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ - مَنزِلَةَ (لا تَظُنَّ أنَّ حالَ الكُفّارِ حَسَنَةٌ فَتَهْتَمَّ لِذَلِكَ)، وذَلِكَ أنَّ المُغْتَرَّ فارِحٌ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَغْتَرُّ بِهِ. فالكُفّارُ مُغْتَرُّونَ بِتَقَلُّبِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ مُهْتَمُّونَ بِهِ. لَكِنَّهُ رُبَّما يَقَعُ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لِلْكُفّارِ إنَّما هو خَيْرٌ لَهم، فَيَجِيءُ هَذا جُنُوحًا إلى حالِهِمْ، ونَوْعًا مِنَ الِاغْتِرارِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتْ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ . ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ لِحَفْصَةَ: (لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوْضَأ مِنكِ وأحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) المَعْنى: لا تَغْتَرِّي بِما يَتِمُّ لِتِلْكَ مِنَ الإدْلالِ فَتَقَعِي فِيهِ فَيُطَلِّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَغُرَّنَّكَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، والمُضْطَرِبِ، ودَرْكِ العاجِلِ، وإصابَةِ حُظُوظِ الدُّنْيا، ولا تَغْتَرِرْ بِظاهِرِ ما تَرى مِن تَبَسُّطِهِمْ في الأرْضِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَغْتَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ حَتّى يُنْهى عَنْهُ وعَنِ الِاغْتِرارِ بِهِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ مَدَرَةَ القَوْمِ ومُقَدِّمَهم يُخاطَبُ بِشَيْءٍ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ جَمِيعًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَغُرَّنَّكم. والثّانِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ غَيْرَ مَغْرُورٍ بِحالِهِمْ، فَأكَّدَ عَلَيْهِ ما كانَ وثَبَتَ عَلى التِزامِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] وهَذا في النَّهْيِ نَظِيرُ قَوْلِهِ في الأمْرِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] وقَدْ جُعِلَ النَّهْيُ في الظّاهِرِ لِلتَّقَلُّبِ، وهو في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ. وهَذا مِن تَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ؛ لِأنَّ التَّقَلُّبَ لَوْ غَرَّهُ لاغْتَرَّ بِهِ، فَمَنَعَ السَّبَبَ لِيَمْتَنِعَ المُسَبَّبَ، انْتَهى كَلامُهُ. ومُلَخَّصُ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما: أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ والمُرادُ أُمَّتُهُ، أوْ لَهُ عَلى جِهَةِ التَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ، وإنْ كانَ مَعْصُومًا مِنَ الوُقُوعِ فِيهِ كَما قِيلَ:

؎قَدْ يُهَزُّ الحُسامُ وهْوَ حُسامٌ ويُجَبُّ الجَوادُ وهْوَ جَوادُ

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ: ﴿لا يَغُرَّنْكَ﴾ و(لا يَصُدَّنْكَ) و(لا يَصُدَّنْكم) و(لا يَغُرَّنْكم) وشِبْهَهُ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ. وتَقَلُّبُهم: هو تَصَرُّفُهم في التِّجاراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. أوْ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ. أوْ تَصَرُّفُهم غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِذُنُوبِهِمْ، قالَهُ …

Aal-i-Imraan 3:198Listen in Qur'an →
199

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allah and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allah. They do not exchange the verses of Allah for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allah is swift in account.

﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ لَمّا ماتَ أصْحَمَةُ النَّجاشِيُّ مَلِكُ الحَبَشَةِ. ومَعْنى أصْحَمَةَ بِالعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةٌ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُهُ: (صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) فَقالَ قائِلٌ: يُصَلّى عَلَيْهِ العِلْجُ النَّصْرانِيُّ وهو في أرْضِهِ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ أبُو صالِحٍ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقالَ عَطاءٌ: في أرْبَعِينَ مِن نَجْرانَ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ، كانُوا عَلى دِينِ عِيسى فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، و(مَن) في (لَمَن) الظّاهِرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، أيْ: لَقَوْمًا. والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا هو القُرْآنُ، والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ هو كِتابُهم.

﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كَما اشْتَرَتْ بِها أحْبارُهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا. وانْتِصابُ ﴿خاشِعِينَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (يُؤَمِنُ)، وكَذَلِكَ ﴿لا يَشْتَرُونَ﴾ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إلَيْهِمْ)، والعامِلُ فِيها (أُنْزِلَ) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَشْتَرُونَ﴾، وهُما قَوْلانِ ضَعِيفانِ. ومَن جَعَلَ (مَن) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ ﴿خاشِعِينَ﴾ و﴿لا يَشْتَرُونَ﴾ صِفَتَيْنِ لِلنَّكِرَةِ. وجُمِعَ ﴿خاشِعِينَ﴾ عَلى مَعْنى (مَن) كَما جُمِعَ في ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ . وحُمِلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: (يُؤْمِنُ)، فَأُفْرِدَ، وإذا اجْتَمَعَ الحَمْلانِ، فالأوْلى أنْ يُبْدَأ بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ. وأتى في الآيَةِ بِلَفْظِ (يُؤْمِنُ) دُونَ آمَنَ، وإنْ كانَ إيمانُ مَن نَزَلَ فِيهِمْ قَدْ وقَعَ إشارَةً إلى الدَّيْمُومَةِ والِاسْتِمْرارِ. ووَصَفَهم بِالخُشُوعِ وهو التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ المُنافِي لِلتَّعاظُمِ والِاسْتِكْبارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] .

﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُ إيمانِهِمْ، وهَذا الأجْرُ مُضاعَفٌ مَرَّتَيْنِ بِنَصِّ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (وأنَّ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ يُؤْتى أجْرَهُ مَرَّتَيْنِ) يُضاعَفُ لَهُمُ الثَّوابُ بِما تَضاعَفَ مِنهم مِنَ الأسْبابِ. و(عِنْدَ) ظَرْفٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في (لَهم)، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أيْ في الجَنَّةِ.

﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ سَرِيعُ الإتْيانِ بِيَوْمِ القِيامَةِ وهو يَوْمُ الحِسابِ. والمَعْنى: أنَّ أجْرَهم قَرِيبٌ إتْيانُهُ أوْ سَرِيعٌ حِسابُهُ لِنُفُوذِ عِلْمِهِ، فَهو عالِمٌ بِما لِكُلِّ عامِلٍ مِنَ الأجْرِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَوْفًى.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الوِصايَةِ الَّتِي جَمَعَتِ الظُّهُورَ في الدُّنْيا عَلى العَدُوِّ، والفَوْزَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ والمُصابَرَةِ والرِّباطِ. فَقِيلَ: اصْبِرُوا وصابِرُوا بِمَعْنًى واحِدٍ لِلتَّأْكِيدِ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: اصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ في تَكالِيفِهِ، …

Aal-i-Imraan 3:199Listen in Qur'an →
200

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, persevere and endure and remain stationed and fear Allah that you may be successful.

﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ لَمّا ماتَ أصْحَمَةُ النَّجاشِيُّ مَلِكُ الحَبَشَةِ. ومَعْنى أصْحَمَةَ بِالعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةٌ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُهُ: (صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) فَقالَ قائِلٌ: يُصَلّى عَلَيْهِ العِلْجُ النَّصْرانِيُّ وهو في أرْضِهِ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ أبُو صالِحٍ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقالَ عَطاءٌ: في أرْبَعِينَ مِن نَجْرانَ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ، كانُوا عَلى دِينِ عِيسى فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، و(مَن) في (لَمَن) الظّاهِرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، أيْ: لَقَوْمًا. والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا هو القُرْآنُ، والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ هو كِتابُهم.

﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كَما اشْتَرَتْ بِها أحْبارُهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا. وانْتِصابُ ﴿خاشِعِينَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (يُؤَمِنُ)، وكَذَلِكَ ﴿لا يَشْتَرُونَ﴾ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إلَيْهِمْ)، والعامِلُ فِيها (أُنْزِلَ) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَشْتَرُونَ﴾، وهُما قَوْلانِ ضَعِيفانِ. ومَن جَعَلَ (مَن) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ ﴿خاشِعِينَ﴾ و﴿لا يَشْتَرُونَ﴾ صِفَتَيْنِ لِلنَّكِرَةِ. وجُمِعَ ﴿خاشِعِينَ﴾ عَلى مَعْنى (مَن) كَما جُمِعَ في ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ . وحُمِلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: (يُؤْمِنُ)، فَأُفْرِدَ، وإذا اجْتَمَعَ الحَمْلانِ، فالأوْلى أنْ يُبْدَأ بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ. وأتى في الآيَةِ بِلَفْظِ (يُؤْمِنُ) دُونَ آمَنَ، وإنْ كانَ إيمانُ مَن نَزَلَ فِيهِمْ قَدْ وقَعَ إشارَةً إلى الدَّيْمُومَةِ والِاسْتِمْرارِ. ووَصَفَهم بِالخُشُوعِ وهو التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ المُنافِي لِلتَّعاظُمِ والِاسْتِكْبارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] .

﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُ إيمانِهِمْ، وهَذا الأجْرُ مُضاعَفٌ مَرَّتَيْنِ بِنَصِّ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (وأنَّ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ يُؤْتى أجْرَهُ مَرَّتَيْنِ) يُضاعَفُ لَهُمُ الثَّوابُ بِما تَضاعَفَ مِنهم مِنَ الأسْبابِ. و(عِنْدَ) ظَرْفٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في (لَهم)، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أيْ في الجَنَّةِ.

﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ سَرِيعُ الإتْيانِ بِيَوْمِ القِيامَةِ وهو يَوْمُ الحِسابِ. والمَعْنى: أنَّ أجْرَهم قَرِيبٌ إتْيانُهُ أوْ سَرِيعٌ حِسابُهُ لِنُفُوذِ عِلْمِهِ، فَهو عالِمٌ بِما لِكُلِّ عامِلٍ مِنَ الأجْرِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَوْفًى.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الوِصايَةِ الَّتِي جَمَعَتِ الظُّهُورَ في الدُّنْيا عَلى العَدُوِّ، والفَوْزَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ والمُصابَرَةِ والرِّباطِ. فَقِيلَ: اصْبِرُوا وصابِرُوا بِمَعْنًى واحِدٍ لِلتَّأْكِيدِ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: اصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ في تَكالِيفِهِ، …

Aal-i-Imraan 3:200Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.