ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ
Who remember Allah while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى ﴿لَآياتٍ﴾ لَعَلاماتٌ واضِحَةٌ عَلى الصّانِعِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلّا لِذَوِي العُقُولِ يَنْظُرُونَ في ذَلِكَ بِطَرِيقِ الفِكْرِ والِاسْتِدْلالِ، لا كَما تَنْظُرُ البَهائِمُ. ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، حِينَ ذَكَرَتِ اليَهُودُ والنَّصارى لَهم بَعْضَ ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ في خَلْقِهِما دَلالاتٍ واضِحَةً لِذَوِي العُقُولِ.
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو بِاللِّسانِ مَعَ حُضُورِ القَلْبِ، وأنَّهُ التَّحْمِيدُ والتَّهْلِيلُ والتَّكْبِيرُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأذْكارِ. هَذِهِ الهَيْئاتُ الثَّلاثَةُ هي غالِبُ ما يَكُونُ عَلَيْها المَرْءُ، فاسْتُعْمِلَتْ، والمُرادُ بِها جَمِيعُ الأحْوالِ. كَما «قالَتْ عائِشَةُ: (كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلى كُلِّ أحْيانِهِ») وظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ والآيَةِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى الخَلاءِ. وقالَ بِجَوازِ ذَلِكَ: «عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ»، و«ابْنُ سِيرِينَ» والنَّخَعِيُّ. وكَرِهَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، و«عَطاءٌ»، و«الشَّعْبِيُّ» . وعَن «ابْنِ عُمَرَ» و«عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ» وجَماعَةٍ أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَقالَ بَعْضُهم: أما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قِيامًا وقُعُودًا﴾ ؟ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى أقْدامِهِمْ.
ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ)، وإلى أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ هو الظّاهِرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ - ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ، والذِّكْرُ مِن أعْظَمِ العِباداتِ، والأحادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الصَّلَواتُ، فَفي حالِ العُذْرِ يُصَلُّونَها قُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ، وسَمّاها ذِكْرًا لِاشْتِمالِها عَلى الذِّكْرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ صَلاةُ النَّفْلِ يُصَلِّيها كَيْفَ شاءَ. وجَلَبَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ مِن كَيْفِيَّةِ إيقاعِ الصَّلاةِ في القِيامِ والقُعُودِ والِاضْطِجاعِ، وخِلافِ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ، ودَلائِلِهِمْ. وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ. وعَلى الظّاهِرِ مِن تَفْسِيرِ الذِّكْرِ فَتَقْدِيمُ القِيامِ لِأنَّ الذِّكْرَ فِيهِ أخَفُّ عَلى الإنْسانِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حالَةِ القُعُودِ، والذِّكْرُ فِيهِ أشَقُّ مِنهُ في حالَةِ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقْعُدُ غالِبًا إلّا لِشُغْلٍ يَشْتَغِلُ بِهِ مِن صِناعَةٍ أوْ غَيْرِها. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى هَيْئَةِ الِاضْطِجاعِ، والذِّكْرُ فِيها أشَقُّ مِنهُ في هَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ الِاضْطِجاعَ هو هَيْئَةُ اسْتِراحَةٍ وفَراغٍ عَنِ الشَّواغِلِ. ويُمْكِنُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِما هو أقْصَرُ زَمانًا، فَبُدِئَ بِالقِيامِ؛ لِأنَّها هَيْئَةٌ زَمانُها في الغالِبِ أقْصَرُ مِن زَمانِ القُعُودِ، ثُمَّ بِالقُعُودِ إذْ زَمانُهُ أطْوَلُ، وبِالِاضْطِجاعِ إذْ زَمانُهُ أطْوَلُ مِن زَمانِ القُعُودِ، ألا تَرى أنَّ اللَّيْلَ جَمِيعَهُ هو زَمانُ …