Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 191–200 of 200

191

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Who remember Allah while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ (لِأُولِي) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ يَقُولُونَ ( رَبَّنا آمِنًا ) بَعِيدٌ لِما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ

صفحة 158

النَّظْمِ، ويَزِيدُهُ بُعْدًا ما أخْرَجَهُ الأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ أيْنَ أُولُو الألْبابِ ؟ قالُوا: أيُّ أُولِي الألْبابِ تُرِيدُ ؟ قالَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ إلَخْ. عَقَدَ لَهم لِواءً فاتَّبَعَ القَوْمُ لِواءَهم وقالَ لَهُمُ ادْخُلُوها خالِدِينَ» .

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الذِّكْرِ الذِّكْرُ بِاللِّسانِ لَكِنْ مَعَ حُضُورِ القَلْبِ إذْ لا تُمْدَحُ بِالذِّكْرِ بِدُونِهِ، بَلْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا ثَوابَ لِذاكِرٍ غافِلٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ، وعَدَّ ابْنُ جُرَيْجٍ قِراءَةَ القُرْآنِ ذِكْرًا فَلا تُكْرَهُ لِلْمُضْطَجِعِ القادِرِ، نَعَمْ نَصَّ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَلى كَراهَتِها لَهُ إذا غَطّى رَأسَهُ لِلنَّوْمِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِهِ ذِكْرَهُ تَعالى مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الذّاتُ أوْ مِن حَيْثُ الصِّفاتِ والأفْعالِ، وسَواءٌ قارَنَهُ ذِكْرُ اللِّسانِ أوَّلًا، والمَعْنى عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ تَعالى في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ بِاطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِذِكْرِهِ واسْتِغْراقِ سَرائِرِهِمْ في مُراقَبَتِهِ، وعَلَيْهِ فَيُحْمَلُ ما حُكِيَ عَنِ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وجَماعَةٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ بَعْضُهم: أما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى أقْدامِهِمْ عَلى أنَّ مُرادَهم بِذَلِكَ التَّبَرُّكُ بِنَوْعِ مُوافَقَةٍ لِلْآيَةِ في ضِمْنِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ مَدْلُولِها ولَيْسَ مُرادُهم بِهِ تَفْسِيرَها وتَحْقِيقَ مِصْداقِها عَلى التَّعْيِينِ وإلّا لاضْطَجَعُوا وذَكَرُوا أيْضًا لِيَتِمَّ التَّفْسِيرُ وتَحْقِيقُ المِصْداقِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: إنَّما هَذا في الصَّلاةِ إذا لَمْ تَسْتَطِعْ قائِمًا فَقاعِدًا، وإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ قاعِدًا فَعَلى جَنْبٍ. وكَذَلِكَ أمَرَ ﷺ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ وكانَتْ بِهِ بَواسِيرُ - كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْهُ - وبِهَذا الخَبَرِ احْتَجَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى أنَّ المَرِيضَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا بِمَقادِمِ بَدَنِهِ، ولا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَلْقِيَ عَلى ظَهْرِهِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وجَعَلَ الآيَةَ حُجَّةً عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمّا حَصَرَ أمْرَ الذّاكِرِ في الهَيْئاتِ المَذْكُورَةِ دَلَّ عَلى أنَّ غَيْرَها لَيْسَ مِن هَيْئَتِهِ، والصَّلاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الذِّكْرِ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عَلى غَيْرِ هَيْئَتِهِ مَحَلَّ تَأمُّلٍ، وتَخْصِيصُ ابْنِ مَسْعُودٍ الذِّكْرَ بِالصَّلاةِ لا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلى أنَّهُ بَعِيدٌ مِن سِياقِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وسِباقِهِ.

والقِيامُ والقُعُودُ جَمْعُ قائِمٍ وقاعِدٍ - …

Aal-i-Imraan 3:191Listen in Qur'an →
192

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ مُبالَغَةٌ في اسْتِدْعاءِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ، وبَيانٌ لِسَبَبِهِ، وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِالنِّداءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ إلى مُعَوِّدِ الإحْسانِ كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الرَّبِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأكْبَرُ رَبِّ رَبِّ، والتَّأْكِيدُ بِأنَّ الإظْهارَ كَمالُ اليَقِينِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ والإيذانِ بِشِدَّةِ الخَوْفِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّهْوِيلِ، وذُكِرَ الإدْخالُ في مَوارِدِ العَذابِ لِتَعْيِينِ كَيْفِيَّتِهِ وتَبْيِينِ غايَةِ فَظاعَتِهِ والإخْزاءِ - كَما قالَ الواحِدِيُّ - جاءَ لِمَعانٍ مُتَقارِبَةٍ، فَعَنِ الزَّجّاجِ يُقالُ: أخْزى اللَّهُ تَعالى العَدُوَّ أيْ أبْعَدَهُ، وقِيلَ: أهانَهُ وقِيلَ: فَضَحَهُ وقِيلَ: أهْلَكَهُ، ونُقِلَ هَذا عَنِ المُفَضَّلِ، وقِيلَ: أحَلَّهُ مَحَلًّا وأوْقَفَهُ مَوْقِفًا يَسْتَحِي مِنهُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخِزْيُ في اللُّغَةِ الهَلاكُ بِتَلَفٍ أوْ بِانْقِطاعِ حُجَّةٍ أوْ بِوُقُوعٍ في بَلاءٍ، والمُرادُ فَقَدْ أخْزَيْتُهُ خِزْيًا لا غايَةَ وراءَهُ، ومِنَ القَواعِدِ المُقَرِّرَةِ أنَّهُ إذا جُعِلَ الجَزاءُ أمْرًا ظاهِرَ اللُّزُومِ لِلشَّرْطِ سَواءٌ كانَ اللُّزُومُ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ كَما في قَوْلِهِمْ: مَن أدْرَكَ مَرْعى الصُّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ، أوْ بِالِاسْتِلْزامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ يُحْمَلُ عَلى أعْظَمِ أفْرادِهِ وأخَصِّها لِتَرْبِيَةِ الفائِدَةِ، ولِهَذا قُيِّدَ الخِزْيُ بِما قُيِّدَ، واحْتَجَّ حُكَماءُ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أقْوى مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ وذَلِكَ لِأنَّهُ رُتِّبَ فِيها العَذابُ الرُّوحانِيُّ وهو الإخْزاءُ بِناءً عَلى أنَّهُ الإهانَةُ والتَّخْجِيلُ عَلى الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو إدْخالُ النّارِ وجُعِلَ الثّانِي شَرْطًا والأوَّلُ جَزاءً، والمُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الجَزاءُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَهُ، فَيُشْعِرُ بِأنَّهُ أقْوى وأفْظَعُ وإلّا لَعُكِسَ، كَما قالَ الإمامُ الرّازِيُّ - وأيْضًا المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وقِنا عَذاب النّارِ ) طَلَبُ الوِقايَةِ مِنهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: رَبَّنا إلَخْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ طَلَبَ الوِقايَةَ مِنَ المَذْكُورِ لِتَرَتُّبِ الخِزْيِ عَلَيْهِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ غايَةٌ يُخافُ مِنهُ - كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - واحْتَجَّ بِها المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ لِأنَّهُ إذا أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ أخْزاهُ، والمُؤْمِنُ لا يُخْزى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن أنْ لا يَكُونَ مَن آمَنَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخْزِيًا أنْ لا يَكُونَ غَيْرُهُ وهو مُؤْمِنٌ كَذَلِكَ، وأيْضًا الآيَةُ لَيْسَتْ عامَّةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فَتُحْمَلُ عَلى مَن أُدْخِلَ النّارَ لِلْخُلُودِ وهُمُ الكُفّارُ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.

وأيْضًا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ مَن يَدْخُلُها مُخْزًى حالَ دُخُولِهِ وإنْ كانَتْ عاقِبَةُ أهْلِ الكَبائِرِ مِنهُمُ الخُرُوجَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي﴾ إلَخْ، نَفْيُ الخِزْيِ فِيهِ عَلى الإطْلاقِ، والمُطْلَقُ يَكْفِي في صِدْقِهِ صُورَةٌ واحِدَةٌ وهو نَفْيُ الخِزْيِ المُخَلَّدِ، وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: …

Aal-i-Imraan 3:192Listen in Qur'an →
193

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ

Our Lord, indeed we have heard a caller calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die with the righteous.

﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ عَلى مَعْنى القَوْلِ أيْضًا وهو كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ مَبْنِيٍّ عَلى تَأمُّلِهِمْ في الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ بَعْدَ حِكايَةِ دُعائِهِمُ السّابِقِ المَبْنِيِّ عَلى تَفَكُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ التَّفَكُّرَ مُسْتَدْعٍ في الجُمْلَةِ لِهَذا القَوْلِ، وفي تَصْدِيرِ مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ إشارَةٌ إلى كَمالِ تَوَجُّهِهِمْ إلى مَوْلاهم وعَدَمِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ مَعَ إظْهارِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ إلى مُعَوِّدِ الإحْسانِ والإفْضالِ، وفي التَّأْكِيدِ إيذانٌ بِصُدُورٍ ذَلِكَ عَنْهم بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ ومَزِيدِ العِنايَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، والمُرادُ بِالمُنادِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ وهو المَحْكِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وقَتادَةَ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ يَسْمَعُ كُلُّ واحِدٍ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولا يَراهُ، والقُرْآنُ ظاهِرٌ باقٍ عَلى مَمَرِّ الأيّامِ والدُّهُورِ يَسْمَعُهُ مَن أدْرَكَ عَصْرَ نُزُولِهِ ومَن لَمْ يُدْرِكْ، ولِأهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ أنْ يَقُولُوا: مَن بَلَغَهُ بِعْثَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودَعْوَتُهُ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ: سَمِعْنا مُنادِيًا وإنْ كانَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّجَوُّزِ، وأيْضًا المُرادُ بِالنِّداءِ الدُّعاءُ، ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشْهَرُ وأظْهَرُ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾، ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾، ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ وهي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةٌ وإلى القُرْآنِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:

تُنادِيكَ أجْداثٌ وهُنَّ صُمُوتٌ وسُكّانُها تَحْتَ التُّرابِ سُكُوتُ

والتَّنْوِينُ في المُنادى لِلتَّفْخِيمِ، وإيثارُهُ عَلى الدّاعِي لِلْإشارَةِ إلى كَمالِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِ الدَّعْوَةِ وتَبْلِيغِها إلى القَرِيبِ والبَعِيدِ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وقَدْ كانَ شَأْنُهُ الرَّفِيعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الخُطَبِ ذَلِكَ الرَّفْعَ حَقِيقَةً، فَفي الخَبَرِ «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْناهُ وعَلا صَوْتُهُ واشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكم ومَسّاكم».

ولَمّا كانَ النِّداءُ مَخْصُوصًا بِما يُؤَدِّي لَهُ ومُنْتَهِيًا إلَيْهِ تَعَدّى بِاللّامِ وإلى تارَةً، وتارَةً فاللّامُ في لِلْإيمانِ عَلى ظاهِرِها ولا حاجَةَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى إلى أوِ الباءِ، ولا إلى جَعْلِها بِمَعْنى العِلَّةِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ - وجُمْلَةُ (يُنادِي) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ وكَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ مِن تَعَدِّي سَمِعَ هَذِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ ولا حَذْفَ في الكَلامِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها لا تَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ واخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ قالَ

صفحة 164

فِي أمالِيهِ: وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ السَّماعَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى والاسْتِعْمالِ، أمّا المَعْنى فَلِتَوَقُّفِهِ عَلى مَسْمُوعٍ، وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَلِقَوْلِهِمْ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ ذَلِكَ وسَمِعْتُهُ قائِلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ولا وجْهَ لَهُ لِأنَّهُ يَكْفِي في تَعَلُّقِهِ …

Aal-i-Imraan 3:193Listen in Qur'an →
194

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

﴿رَبَّنا وآتِنا﴾ أيْ بَعْدِ التَّوَفِّي ﴿ما وعَدْتَنا﴾ أيْ بِهِ أوْ إيّاهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الثَّوابُ ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالوَعْدِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقٍ أوِ امْتِثالِ رُسُلِكَ وهو كَما يُقالُ - وعَدَ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ، وعَلى الثّانِي وعَدْتَنا وعْدًا كائِنًا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ عَلى تَقْدِيرِ الألْسِنَةِ بِالوَعْدِ أيْضًا فَتَخِفَّ مُؤْنَةُ الحَذْفِ، وتَعَلُّقُهُ بِآتِنا كَما جَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ خِلافُ الظّاهِرِ.

وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَوَّزَ التَّعَلُّقَ بِكَوْنٍ مُقَيَّدٍ هو حالٌ مِن (ما) أيْ مُنْزَلًا أوْ مَحْمُولًا ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ .

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القاعِدَةَ أنَّ مُتَعَلِّقَ الظَّرْفِ إذا كانَ كَوْنًا مُقَيَّدًا لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وإنَّما يُحْذَفُ إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا، وأيْضًا الظَّرْفُ هُنا حالٌ وهو إذا وقَعَ حالًا أوْ خَبَرًا أوْ صِفَةً يَتَعَلَّقُ بِكَوْنٍ مُطْلَقٍ لا مُقَيَّدٍ، وأُجِيبَ بِمَنعِ انْحِصارِ التَّعَلُّقِ في كَوْنٍ مُطْلَقٍ بَلْ يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ أوْ بِمُقَيَّدٍ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ إذا كانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، ولا يَخْفى مَتانَةُ الجَوابِ، وأنَّ إنْكارَ أبِي حَيّانَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إلّا أنَّ تَقْدِيرَ كَوْنٍ مُقَيَّدٍ فِيما نَحْنُ فِيهِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.

وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ كَوْنِ عَلى بِمَعْنى مَعَ، وأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِآتِنا، ولا حَذْفَ لِشَيْءٍ أصْلًا، والمُرادُ آتِنا مَعَ رُسُلِكَ وشارِكْهم مَعَنا في أجْرِنا، فَإنَّ الدّالَّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ، وفائِدَةُ طَلَبِ تَشْرِيكِهِمْ مَعَهم أداءُ حَقِّهِمْ وتَكْثِيرُ فَضِيلِهِمْ بِبَرَكَةِ مُشارَكَتِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ، بَلْ ولا كَلامُ أحَدٍ مِن

صفحة 166

فُصَحاءِ العَرَبِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجَمَعَ الرُّسُلَ مَعَ أنَّ المُنادِيَ هو واحِدُ الآحادِ ﷺ وحْدَهُ لِما أنَّ دَعْوَتَهُ لا سِيَّما عَلى مِنبَرِ التَّوْحِيدِ، وما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُلُّ مِنَ الشَّرائِعِ مُنْطَوِيَةٌ عَلى دَعْوَةِ الكُلِّ فَتَصْدِيقُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَصْدِيقٌ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَذا المَوْعُودُ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الثَّوابِ مَوْعُودٌ عَلى لِسانِهِمْ، وإيثارُ الجَمْعِ عَلى الأوَّلِ لِإظْهارِ الرَّغْبَةِ في تَيّارِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الثَّوابَ عَلى تَصْدِيقِ رُسُلٍ أعْظَمُ مِنَ الثَّوابِ عَلى تَصْدِيقِ رَسُولٍ واحِدٍ، وعَلى الثّانِي لِإظْهارِ كَمالِ الثِّقَةِ بِإنْجازِ المَوْعُودِ بِناءً عَلى كَثْرَةِ الشُّهُودِ، وتَأْخِيرُ هَذا الدُّعاءِ بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ، ويَكادُ يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ ظاهِرًا لِأنَّ الأمْرَ أُخْرَوِيٌّ.

وأمّا إذا فُسِّرَ بِالنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ كَما قِيلَ، فَتَأْخِيرُهُ عَمّا قَبْلَهُ إمّا لِأنَّهُ مِن بابِ التَّحْلِيَةِ والآخَرَ مِن بابِ التَّخْلِيَةِ، والتَّحْلِيَةُ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ التَّخْلِيَةِ، وإمّا لِأنَّ الأوَّلَ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تَحَقُّقِهِ النَّجاةَ في العُقْبى، وعَلى عَدَمِهِ الهَلاكَ فِيها، والثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى فَيَكُونُ دُونَهُ، فَلِهَذا أُخِّرَ عَنْهُ، وأيَّدَ كَوْنَ المُرادِ النَّصْرَ لا الثَّوابَ الأُخْرَوِيَّ تَعْقِيبُ …

Aal-i-Imraan 3:194Listen in Qur'an →
195

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allah, and Allah has with Him the best reward."

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ الِاسْتِجابَةُ الإجابَةُ، ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ الإجابَةَ تُطْلَقُ عَلى الجَوابِ ولَوْ بِالرَّدِّ، والِاسْتِجابَةُ الجَوابُ بِحُصُولِ المُرادِ لِأنَّ زِيادَةَ السِّينِ تَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ هو لِطَلَبِ الجَوابِ، والمَطْلُوبُ ما يُوافِقُ المُرادَ لا ما يُخالِفُهُ، وتَتَعَدّى بِاللّامِ وهو الشّائِعُ، وقَدْ تَتَعَدّى بِنَفْسِها كَما في قَوْلِهِ:

وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وهَذا كَما قالَ الشِّهابُ وغَيْرُهُ: في التَّعْدِيَةِ إلى الدّاعِي، وأمّا إلى الدُّعاءِ فَشائِعٌ بِدُونِ اللّامِ مِثْلُ: اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ ولِهَذا قِيلَ: إنَّ هَذا البَيْتَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لَمْ يَسْتَجِبْ دُعاءَهُ، والفاءَ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ إمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ ولا ضَيْرَ في اخْتِلافِهِما صِيغَةً لِما أنَّ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ هُناكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ المُناسِبِ لِمَقامِ الدُّعاءِ، وصِيغَةُ الماضِي هُنا لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ الِاسْتِجابَةِ وتَقَرُّرِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ أيْ دَعَوْا بِهَذِهِ الأدْعِيَةِ ﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ﴾ إلَخْ.

وإنْ قُدِّرَ ذَلِكَ القَوْلُ المُقَدَّرُ حالًا فَهو عَطْفٌ عَلى (يَتَفَكَّرُونَ) بِاعْتِبارِ مُقارَنَتِهِ لِما وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( رَبَّنا ) إلَخْ، فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى دَعَواتِهِمْ لا عَلى مُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ، وحَيْثُ كانَتْ مِن أوْصافِهِمُ الجَمِيلَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أعْمالِهِمْ بِالآخِرَةِ اسْتَحَقَّتِ الِانْتِظامَ في سِلْكِ مَحاسِنِهِمُ المَعْدُودَةِ في أثْناءِ مَدْحِهِمْ

صفحة 168

وأمّا عَلى كَوْنِ المَوْصُولِ نَعْتًا لِأُولِي الألْبابِ فَلا مَساغَ لِهَذا العَطْفِ لِما عَرَفْتَ سابِقًا، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، والمَشْهُورُ العَطْفُ عَلى المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ وهو المُنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، وفي ذِكْرِ الرَّبِّ هُنا مُضافًا ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا أسْمَعُ اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ النِّساءَ في الهِجْرَةِ بِشَيْءٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ»، فَقالَتِ الأنْصارُ: هي أوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتْ عَلَيْنا. ولَعَلَّ المُرادَ أنَّها نَزَلَتْ تَتِمَّةً لِما قَبْلَها.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها أنَّها قالَتْ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ .

﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ بِأنِّي، وهَكَذا قَرَأ أُبَيٌّ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِهِ فَخَرَّجَهُ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَضِيعُ عَمَلٌ عامِلٌ مِنهم أيْ سُنَّتُهُ السُّنِّيَةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ذَلِكَ، وجُعِلَ التَّكَلُّمُ في ( أنِّي ) والخِطابُ في ( مِنكم ) مِن بابِ الِالتِفاتِ، والنُّكْتَةُ الخاصَّةُ فِيهِ إظْهارُ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الِاسْتِجابَةِ وتَشْرِيفُ الدّاعِينَ بِشَرَفِ الخِطابِ، والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ السَّبَبِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِجابَةِ، والإشْعارُ بِأنَّ مَدارَها أعْمالُهُمُ الَّتِي قَدَّمُوها عَلى الدُّعاءِ لا مُجَرَّدَ الدُّعاءِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّها صِلَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا إمّا مِن فاعِلِ (اسْتَجابَ) …

Aal-i-Imraan 3:195Listen in Qur'an →
196

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ مِنهُ أُمَّتُهُ، وكَثِيرًا ما يُخاطَبُ سَيِّدُ القَوْمِ بِشَيْءٍ ويُرادُ أتْباعُهُ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وغَيْرِهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ المُرادَ تَثْبِيتُهُ ﷺ عَلى ما هو عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ وضُعِّفَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَكُونُ مِنهُ تَزَلْزُلٌ حَتّى يُؤْمَرَ بِالثَّباتِ - وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى - والنَّهْيُ في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ أيْ لا تَغْتَرَّ بِما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِنَ التَّبَسُّطِ في المَكاسِبِ والمَتاجِرِ والمَزارِعِ ووُفُورِ الحَظِّ، وإنَّما جُعِلَ النَّهْيُ ظاهِرًا لِلتَّقَلُّبِ تَنْزِيلًا لِلسَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ، فَإنَّ تَغْرِيرَ التَّقَلُّبِ لِلْمُخاطَبِ سَبَبٌ واغْتِرارَهُ بِهِ مُسَبَّبٌ، فَمَنَعَ السَّبَبَ بِوُرُودِ النَّهْيِ عَلَيْهِ لِيَمْتَنِعَ المُسَبَّبَ الَّذِي هو اغْتِرارُ المُخاطَبِ بِذَلِكَ السَّبَبِ عَلى طَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ وهو أبْلَغُ مِن وُرُودِ النَّهْيِ عَلى المُسَبَّبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ قالُوا: وهَذا عَلى عَكْسِ قَوْلِ القائِلِ: لا أرَيَنَّكَ هُنا فَإنَّ فِيهِ النَّهْيَ عَنِ المُسَبَّبِ وهو الرُّؤْيَةُ لِيَمْتَنِعَ السَّبَبُ وهو حُضُورُ المُخاطَبِ.

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ الغارِّيَّةَ والمَغْرُورِيَّةَ مُتَضايِفانِ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ القَطْعَ والِانْقِطاعَ ونَحْوَ ذَلِكَ مَثَلًا مُتَضايِفانِ، وحُقِّقَ أنَّ المُتَضايِفَيْنِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما سَبَبًا لِلْآخَرِ بَلْ هُما مَعًا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: عُلِّقَ النَّهْيُ بِكَوْنِ التَّقَلُّبِ غارًّا لِيُفِيدَ نَهْيَ المُخاطَبِ عَنِ الِاغْتِرارِ لِأنَّ نَفْيَ أحَدِ المُتَضايِفَيْنِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الآخَرِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما لَمْ يَقَعِ الإجْماعُ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ النَّظَرَ الصّائِبَ يَقْضِي بِخِلافِهِ، وفُسِّرَ المَوْصُولُ بِالمُشْرِكِينَ

صفحة 172

مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ «أنَّهم كانُوا في رَخاءٍ ولِينٍ مِنَ العَيْشِ وكانُوا يَتَّجِرُونَ ويَتَنَعَّمُونَ فَقالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجُهْدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، وبَعْضٌ فَسَرَّهُ بِاليَهُودِ، وحَكى أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ في الأرْضِ ويُصِيبُونَ الأمْوالَ والمُؤْمِنُونَ في عَناءٍ فَنَزَلَتْ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ بِبَيانِ قُبْحِ ما أُوتِيَ الكَفَرَةُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا إثْرَ بَيانِ حُسْنِ ما سَيَنالُونَهُ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِرِوايَةِ رُوَيْسٍ وزَيْدٍ (ولا يَغَرُنَّكَ) بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ.

Aal-i-Imraan 3:196Listen in Qur'an →
197

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو يَعْنِي: تَقَلُّبُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقُلْتُهُ إمّا بِاعْتِبارِ قَصْرِ مُدَّتِهِ أوْ بِالقِياسِ إلى ما فاتَهم مِمّا أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ، وفِيما رَواهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَيَنْظُرُ بِمَ تَرْجِعُ» . وقِيلَ: إنَّ وصْفَ ذَلِكَ المَتاعِ بِالقِلَّةِ بِالقِياسِ إلى مُؤْنَةِ السَّعْيِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ فَضْلًا عَمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ في دارِ الثَّوابِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ﴾ أيْ مَصِيرُهُمُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ بَعْدَ انْتِقالِهِمْ مِنَ الأماكِنِ الَّتِي يَتَقَلَّبُونَ فِيها.

﴿جَهَنَّمُ﴾ الَّتِي لا يُوصَفُ عَذابُها ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ (197) أيْ بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ وفَرَشُوا جَهَنَّمُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَصِيرَهم إلى تِلْكَ الدّارِ مِمّا جَنَتْهُ أنْفُسُهم وكَسَبَتْهُ أيْدِيهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:197Listen in Qur'an →
198

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allah. And that which is with Allah is best for the righteous.

﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ (لَكِنْ) لِلِاسْتِدْراكِ عِنْدَ النُّحاةِ وهو رَفْعُ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِنَ السّابِقِ، وعِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي لِقَصْرِ القَلْبِ ورَدِّ اعْتِقادِ المُخاطَبِ، وتَوْجِيهُ الآيَةِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ لَمّا وصَفَ الكُفّارَ بِقِلَّةِ نَفْعِ تَقَلُّبِهِمْ في التِّجارَةِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ لِأجْلِها جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ التِّجارَةَ مِن حَيْثُ هي مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ فاسْتُدْرِكَ أنَّ المُتَّقِينَ وإنْ أخَذُوا في التِّجارَةِ لا يَضُرُّهم ذَلِكَ وأنَّ لَهم ما وُعِدُوا بِهِ، أوْ يُقالُ إنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ تَمَتُّعَ المُتَقَلِّبِينَ قَلِيلًا مَعَ سِعَةِ حالِهِمْ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَزالُونَ في الجُهْدِ والجُوعِ في مَتاعٍ في كَمالِ القِلَّةِ فَدُفِعَ بِأنَّ تَمَتُّعَهم لِلِاتِّقاءِ ولِلِاجْتِنابِ عَنِ الدُّنْيا، ولا تَمَتُّعَ مِنَ الدُّنْيا فَوْقَهُ؛ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ أبَدِيَّةٍ هي الخُلُودُ في الجَنّاتِ، وعَلى الثّانِي رَدٌّ لِاعْتِقادِ الكَفَرَةِ أنَّهم مُتَمَتِّعُونَ مِنَ الحَياةِ والمُؤْمِنُونَ في خُسْرانٍ عَظِيمٍ، وعَلَّلَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَعْلَ التَّقْوى في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِالإشْعارِ بِكَوْنِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ التَّقْوى، والمُرادُ بِها الِاتِّقاءُ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، و(جَنّاتٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ أوْ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و(خالِدِينَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ) أوْ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِجُمْلَةِ الصِّفَةِ، والعامِلُ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (لَكِنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

﴿نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ وكَذا النُّزْلُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ أوَّلَ نُزُولِهِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وصِلَةٍ، قالَ الضَّبِّيُّ:

وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا

ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الزّادِ مُطْلَقًا، ويَكُونُ جَمْعًا بِمَعْنى النّازِلِينَ كَما في قَوْلِ الأعْشى.

أوْ يَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ

وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الآيَةِ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، قِيلَ: وأصْلُ مَعْنى النُّزُلِ مُفْرَدًا الفَضْلُ والرَّيْعُ في الطَّعامِ، ويُسْتَعارُ لِلْحاصِلِ عَنِ الشَّيْءِ، ونَصْبُهُ هُنا إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ فِيهِ ما في

صفحة 173

الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ إنْ كانَ بِمَعْنى ما يُعَدُّ إلَخْ، وجَعْلُ الجَنَّةِ حِينَئِذٍ نَفْسَها (نُزُلًا) مِن بابِ التَّجَوُّزِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتِ نُزُلٍ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في (خالِدِينَ) إنْ كانَ جَمْعًا، وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ إنْ كانَ مَصْدَرًا وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى النُّزُولِ أيْ نَزَلُوها نُزُلًا، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ مَصْدَرِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيها) أيْ مَنزُولَةً، والظَّرْفُ صِفَةُ (نُزُلًا) إنْ لَمْ تَجْعَلْهُ جَمْعًا، وإنْ جَعَلْتَهُ جَمْعًا فَفِيهِ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ (نُزُلًا) إيّاها، والثّانِي أنْ …

Aal-i-Imraan 3:198Listen in Qur'an →
199

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allah and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allah. They do not exchange the verses of Allah for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allah is swift in account.

﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَمّا ماتَ النَّجاشِيُّ: ”اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَنْ أخٍ لَكم، فَخَرَجَ فَصَلّى بِنا فَكَبَّرَ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وقَتادَةَ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ نَجْرانَ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا جَمِيعًا عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَآمِنُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقَ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن مَعَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ، وأشْهَرُ الرِّواياتِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ - وهو بِفَتْحِ النُّونِ عَلى المَشْهُورِ - كَما قالَ الزَّرْكَشِيُّ.

ونَقَلَ ابْنُ السَّيِّدِ كَسْرَها - وعَلَيْهِ ابْنُ دِحْيَةَ - وفَتْحُ الجِيمِ مُخَفَّفَةً - وتَشْدِيدُها غَلَطٌ - وآخِرُهُ ياءٌ ساكِنَةٌ وهو الأكْثَرُ رِوايَةً لِأنَّها لَيْسَتْ لِلنِّسْبَةِ، ونَقَلَ ابْنُ الأثِيرِ تَشْدِيدَها، ومِنهم مَن جَعَلَهُ غَلَطًا - وهو لَقَبُ كُلِّ مَن مَلَكَ الحَبَشَةَ - واسْمُهُ أصْحَمَةُ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الصّادِ المُهْمَلَةِ وحاءٍ مُهْمَلَةٍ - والحَبَشَةُ يَقُولُونَهُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ عِنْدَهم عَطِيَّةُ الصَّنَمِ، وذَكَرَ مُقاتِلٌ في نَوادِرِ التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَهُ مَكْحُولُ بْنُ صَعْصَعَةَ، والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وقَدْ تُوُفِّيَ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسَ كُلُّهم كَمَن حُكِيَتْ صِفاتُهم مِن نَبْذِ المِيثاقِ وتَحْرِيفِ الكِتابِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ مِنهم مَن لَهُ مَناقِبُ جَلِيلَةٌ، وفِيها أيْضًا تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ

صفحة 174

الَّذِينَ هم أقْبَحُ أصْنافِ الكُفّارِ، وبِهَذا يَحْصُلُ رَبْطٌ بَيْنَ الآيَةِ وما قَبْلَها مِنَ الآياتِ، وإذا لاحَظْتَ اشْتِراكَ هَؤُلاءِ مَعَ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الثَّوابِ قَوِيَتِ المُناسِبَةُ، وإذا لاحَظَ أنَّ فِيما تَقَدَّمَ مَدْحَ المُهاجِرِينَ وفي هَذا مَدْحًا لِلْمُهاجِرِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ الهِجْرَةَ الأُولى كانَتْ إلَيْهِمْ كانَ أمْرُ المُناسَبَةِ أقْوى، وإذا اعْتُبِرَ تَفْسِيرُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ بِاليَهُودِ زادَتْ قُوَّةُ بَعْدَ ولامُ الِابْتِداءِ داخِلَةٌ عَلى اسْمِ إنَّ وجازَ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِ الخَبَرِ.

﴿وما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ مِنَ الإنْجِيلِ والتَّوْراةِ أوْ مِنهُما، وتَأْخِيرُ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ في الوُجُودِ لِما أنَّ القُرْآنَ عِيارٌ ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ، فَإنَّ إيمانَهم بِذَلِكَ إنَّما يُعْتَبَرُ بِتَبَعِيَّةِ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ إذْ لا عِبْرَةَ بِما في الكِتابَيْنِ مِنَ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ وما لَمْ يُنْسَخْ إنَّما يُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ ثُبُوتُهُ بِالقُرْآنِ ولِتَعَلُّقِ ما بَعْدُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: قُدِّمَ الإيمانُ بِما أُنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ تَعْجِيلًا لِإدْخالِ المَسَرَّةِ …

Aal-i-Imraan 3:199Listen in Qur'an →
200

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, persevere and endure and remain stationed and fear Allah that you may be successful.

ما بَيَّنَ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ وشَرَحَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وما قاساهُ المُؤْمِنُونَ الكِرامُ مِن أُولَئِكَ اللِّئامِ مِنَ الآلامِ - خَتَمَ السُّورَةَ بِما يَضُوعُ مِنهُ مِسْكُ التَّمَسُّكِ بِما مَضى، ويَضِيعُ بِامْتِثالِ ما فِيهِ مَكايِدُ الأعْداءِ ولَوْ ضاقَ لَها الفَضا، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ أيِ احْبِسُوا نُفُوسَكم عَنِ الجَزَعِ مِمّا يَنالُها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِما يَعُمُّ أقْسامَ الصَّبْرِ الثَّلاثَةَ المُتَفاوِتَةَ في الدَّرَجَةِ الوارِدَةَ في الخَبَرِ، وهو الصَّبْرُ عَلى المُصِيبَةِ، والصَّبْرُ عَلى الطّاعَةِ، والصَّبْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، ﴿وصابِرُوا﴾ أيِ اصْبِرُوا عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى صَبْرًا أكْثَرَ مِن صَبْرِهِمْ، وذِكْرُهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ العامِّ لِأنَّهُ أشَدُّ فَيَكُونُ أفْضَلَ فالعَطْفُ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ عَلى المَلائِكَةِ، (والصَّلاةِ الوُسْطى) (عَلى الصَّلَواتِ) وهَذا وإنْ آلَ إلى الأمْرِ بِالجِهادِ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ ﴿ورابِطُوا﴾ أيْ أقِيمُوا في الثُّغُورِ رابِطِينَ خُيُولَكم فِيها حابِسِينَ لَها مُتَرَصِّدِينَ لِلْغَزْوِ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ بِالِغِينَ في ذَلِكَ المَبْلَغِ الأوْفى أكْثَرَ مِن أعْدائِكم، والمُرابَطَةُ أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الصَّبْرِ فالعَطْفُ هُنا كالعَطْفِ السّابِقِ.

وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن ماتَ مُرابِطًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أُجْرِيَ عَلَيْهِ أجْرُ عَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ مِنَ الفَتّانِ، وبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى آمِنًا مِنَ الفَزَعِ ”» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“ «مَن رابَطَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ سَبْعَ خَنادِقَ كُلُّ خَنْدَقٍ كَسَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «الصَّلاةُ بِأرْضِ الرِّباطِ بِألْفِ ألْفَيْ صَلاةٍ» .

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الرِّباطَ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ لِأنَّهُ حَقْنُ دِماءِ المُسْلِمِينَ، والجِهادُ سَفْكُ دِماءِ المُشْرِكِينَ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ جَمِيعُ ما مَرَّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.

﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ (200) أيْ لِكَيْ تَظْفَرُوا وتَفُوزُوا بِنِيلِ المُنْيَةِ ودَرْكِ البُغْيَةِ والوُصُولِ إلى النُّجْحِ في الطِّلْبَةِ، وذَلِكَ حَقِيقَةُ الفَلاحِ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما سَمِعْتَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما يُرْشِدُ المُؤْمِنَ إلى ما فِيهِ مَصْلَحَةُ الدِّينِ والدُّنْيا ويَرْقى بِهِ إلى الذُّرْوَةِ العُلْيا، وقَرَّرَ ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ أحْوالَ الإنْسانِ قِسْمانِ: الأوَّلُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وحْدَهُ، والثّانِي ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن حَيْثُ المُشارَكَةُ مَعَ أهْلِ المَنزِلِ والمَدِينَةِ، وقَدْ أمَرَ سُبْحانَهُ - نَظَرًا إلى الأوَّلِ - بِالصَّبْرِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلى مَشَقَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ الواجِباتِ …

Aal-i-Imraan 3:200Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.