لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ
Allah has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allah is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”«دَخَلَ أبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ يَهُودَ قَدِ اجْتَمَعُوا إلى رَجُلٍ مِنهم، يُقالُ لَهُ فِنْحاصُ، وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ويَحُكُّ يا فِنْحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ تَعالى، وأسْلِمْ، فَواللَّهِ، إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَّوْراةِ، فَقالَ فِنْحاصُ: واللَّهِ يا أبا بَكْرٍ، ما بِنا إلى اللَّهِ تَعالى مِن فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ، وما نَتَضَرَّعُ إلَيْهِ كَما تُضِرِّعَ إلَيْنا، وإنّا عَنْهُ لَأغْنِياءُ، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما اسْتَقْرَضَ مِنّا، كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، وأنَّهُ يَنْهاكم عَنِ الرِّبا ويُعْطِينا، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما أعْطانا الرِّبا، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَضَرَبَ وجْهْ فِنْحاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يا عَدُوَّ اللَّهِ تَعالى، فَذَهَبَ فِنْحاصُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، انْظُرْ ما صَنَعَ صاحِبُكَ بِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:“ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ قَوْلًا عَظِيمًا، يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنَهُ فَقِيرٌ، وهم عَنْهُ أغْنِياءُ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ تَعالى
صفحة 141
مِمّا قالَ فَضَرَبْتُ وجْهَهُ، فَجَحَدَ فِنْحاصُ، فَقالَ: ما قَلْتُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيما قالَ فِنْحاصُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هَذِهِ الآيَةَ، وأنْزَلَ في أبِي بَكْرٍ، وما بَلَغَهُ في ذَلِكَ مِنَ الغَضَبِ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في حُيَيِ بْنِ أخْطَبَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ قالَ: يَسْتَقْرِضُنا رَبُّنا، إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ.
وأخْرَجَ الضِّياءُ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أتَتِ اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَقِيرٌ رَبُّكَ يَسْألُ عِبادَهُ القَرْضَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ "، والجَمْعُ عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًا لِرِضا الباقِينَ بِذَلِكَ، وتَخْصِيصُ هَذا القَوْلِ بِالسَّماعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ لِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنِ الوَعِيدِ؛ لِأنَّ السَّماعَ لازِمُ العِلْمِ بِالمَسْمُوعِ، وهو لازِمُ الوَعِيدِ في هَذا المَقامِ؛ فَهو سَماعُ ظُهُورٍ وتَهْدِيدٍ لا سَماعَ قَبُولٍ ورِضًا -كَما في سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهْ- وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّماعِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ والسَّماحَةِ بِحَيْثُ لا يَرْضى قائِلُهُ بِأنْ يَسْمَعَهُ سامِعٌ، ولِهَذا أنْكَرُوهُ، ولِكَوْنِ إنْكارِهِمُ القَوْلَ بِمَنزِلَةِ إنْكارِ السَّمْعِ أكَّدَهُ تَعالى بِالتَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ، وفِيهِ أيْضًا مِنَ التَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، والمُبالَغَةِ في …