Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 171–180 of 200

171

۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

They receive good tidings of favor from Allah and bounty and [of the fact] that Allah does not allow the reward of believers to be lost -

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .

الحَظُّ: النَّصِيبُ، وإذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ. مازَ ومَيَّزَ: فَصَلَ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ. قالَ يَعْقُوبُ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. انْتَهى. والتَّضْعِيفُ لَيْسَ لِلنَّقْلِ. وقِيلَ: التَّشْدِيدُ أقْرَبُ إلى الفَخامَةِ وأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى أنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا المَصْدَرَ عَلى نِيَّةِ التَّشْدِيدِ، فَقالُوا: التَّمْيِيزُ، ولَمْ يَقُولُوا المَيْزَ. انْتَهى. ويَعْنِي: ولَمْ تَقُولُوهُ مَسْمُوعًا، وأمّا بِطَرِيقِ القِياسِ فَيُقالُ. وقِيلَ: لا يَكُونُ مازَ إلّا في كَثِيرٍ مِن كَثِيرٍ، فَأمّا واحِدٌ مِن واحِدٍ فَيَتَمَيَّزُ عَلى مَعْنى يَعْزِلُ؛ ولِهَذا قالَ أبُو مُعاذٍ: يُقالُ: مَيَّزْتُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومِزْتُ بَيْنَ الأشْياءِ. اجْتَبى: اخْتارَ واصْطَفى، وهي مَن جَبَيْتُ الماءَ والمالَ وجَبَوْتُهُما فاجْتَبى، افْتَعَلَ مِنهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ واوًا أوْ ياءً.

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾: كَرَّرَ الفِعْلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إنْ كانَتِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ بَيانًا لِمُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ الأوَّلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ: وكَرَّرَ يَسْتَبْشِرُونَ لِيُعَلِّقَ بِهِ ما هو بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] مِن ذِكْرِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ، وأنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، يَجِبُ في عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَحْصُلَ لَهم ولا يَضِيعَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في ذِكْرِهِ وُجُوبَ الأجْرِ وتَحْصِيلَهُ عَلى إيمانِهِمْ. وسَلَكَ ابْنُ عَطِيَّةَ طَرِيقَةَ أهْلِ السُّنَّةِ فَقالَ: أكَّدَ اسْتِبْشارَهم بِقَوْلِهِ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“، ثُمَّ …

Aal-i-Imraan 3:171Listen in Qur'an →
172

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ

Those [believers] who responded to Allah and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allah is a great reward -

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .

الحَظُّ: النَّصِيبُ، وإذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ. مازَ ومَيَّزَ: فَصَلَ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ. قالَ يَعْقُوبُ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. انْتَهى. والتَّضْعِيفُ لَيْسَ لِلنَّقْلِ. وقِيلَ: التَّشْدِيدُ أقْرَبُ إلى الفَخامَةِ وأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى أنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا المَصْدَرَ عَلى نِيَّةِ التَّشْدِيدِ، فَقالُوا: التَّمْيِيزُ، ولَمْ يَقُولُوا المَيْزَ. انْتَهى. ويَعْنِي: ولَمْ تَقُولُوهُ مَسْمُوعًا، وأمّا بِطَرِيقِ القِياسِ فَيُقالُ. وقِيلَ: لا يَكُونُ مازَ إلّا في كَثِيرٍ مِن كَثِيرٍ، فَأمّا واحِدٌ مِن واحِدٍ فَيَتَمَيَّزُ عَلى مَعْنى يَعْزِلُ؛ ولِهَذا قالَ أبُو مُعاذٍ: يُقالُ: مَيَّزْتُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومِزْتُ بَيْنَ الأشْياءِ. اجْتَبى: اخْتارَ واصْطَفى، وهي مَن جَبَيْتُ الماءَ والمالَ وجَبَوْتُهُما فاجْتَبى، افْتَعَلَ مِنهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ واوًا أوْ ياءً.

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾: كَرَّرَ الفِعْلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إنْ كانَتِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ بَيانًا لِمُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ الأوَّلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ: وكَرَّرَ يَسْتَبْشِرُونَ لِيُعَلِّقَ بِهِ ما هو بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] مِن ذِكْرِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ، وأنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، يَجِبُ في عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَحْصُلَ لَهم ولا يَضِيعَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في ذِكْرِهِ وُجُوبَ الأجْرِ وتَحْصِيلَهُ عَلى إيمانِهِمْ. وسَلَكَ ابْنُ عَطِيَّةَ طَرِيقَةَ أهْلِ السُّنَّةِ فَقالَ: أكَّدَ اسْتِبْشارَهم بِقَوْلِهِ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“، ثُمَّ …

Aal-i-Imraan 3:172Listen in Qur'an →
173

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ

Those to whom hypocrites said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allah, and [He is] the best Disposer of affairs."

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .

الحَظُّ: النَّصِيبُ، وإذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ. مازَ ومَيَّزَ: فَصَلَ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ. قالَ يَعْقُوبُ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. انْتَهى. والتَّضْعِيفُ لَيْسَ لِلنَّقْلِ. وقِيلَ: التَّشْدِيدُ أقْرَبُ إلى الفَخامَةِ وأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى أنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا المَصْدَرَ عَلى نِيَّةِ التَّشْدِيدِ، فَقالُوا: التَّمْيِيزُ، ولَمْ يَقُولُوا المَيْزَ. انْتَهى. ويَعْنِي: ولَمْ تَقُولُوهُ مَسْمُوعًا، وأمّا بِطَرِيقِ القِياسِ فَيُقالُ. وقِيلَ: لا يَكُونُ مازَ إلّا في كَثِيرٍ مِن كَثِيرٍ، فَأمّا واحِدٌ مِن واحِدٍ فَيَتَمَيَّزُ عَلى مَعْنى يَعْزِلُ؛ ولِهَذا قالَ أبُو مُعاذٍ: يُقالُ: مَيَّزْتُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومِزْتُ بَيْنَ الأشْياءِ. اجْتَبى: اخْتارَ واصْطَفى، وهي مَن جَبَيْتُ الماءَ والمالَ وجَبَوْتُهُما فاجْتَبى، افْتَعَلَ مِنهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ واوًا أوْ ياءً.

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾: كَرَّرَ الفِعْلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إنْ كانَتِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ بَيانًا لِمُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ الأوَّلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ: وكَرَّرَ يَسْتَبْشِرُونَ لِيُعَلِّقَ بِهِ ما هو بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] مِن ذِكْرِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ، وأنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، يَجِبُ في عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَحْصُلَ لَهم ولا يَضِيعَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في ذِكْرِهِ وُجُوبَ الأجْرِ وتَحْصِيلَهُ عَلى إيمانِهِمْ. وسَلَكَ ابْنُ عَطِيَّةَ طَرِيقَةَ أهْلِ السُّنَّةِ فَقالَ: أكَّدَ اسْتِبْشارَهم بِقَوْلِهِ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“، ثُمَّ …

Aal-i-Imraan 3:173Listen in Qur'an →
174

فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

So they returned with favor from Allah and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allah, and Allah is the possessor of great bounty.

﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: أيْ فَرَجَعُوا مِن بَدْرٍ مَصْحُوبِينَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وهي: السَّلامَةُ وحَذَرُ العَدُوِّ إيّاهم، وفَضْلٌ: وهو الرِّبْحُ في التِّجارَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] هَذا الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذا الِانْقِلابِ، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ، يُرِيدُ: في السَّلامَةِ والظُّهُورِ، وفي اتِّباعِ العَدُوِّ، وحِمايَةِ الحَوْزَةِ، وبِفَضْلٍ في الأجْرِ الَّذِي حازُوهُ، والفَخْرِ الَّذِي تَخَلَّلُوهُ، وأنَّها في غَزْوَةِ أُحُدٍ في الخَرْجَةِ إلى حَمْراءِ الأسَدِ. وشَذَّ مُجاهِدٌ وقالَ: في خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَكَرَ قِصَّةَ نُعَيْمٍ وأبِي سُفْيانَ. قالَ: والصَّوابُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ. انْتَهى كَلامُهُ.

والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ تَفْسِيرِها. وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الِانْقِلابِ والرُّجُوعِ، بِأنَّ الِانْقِلابَ صَيْرُورَةُ الشَّيْءِ إلى خِلافِ ما كانَ عَلَيْهِ. قالَ: ويُوَضِّحُ هَذا أنَّكَ تَقُولُ: انْقَلَبَتِ الخَمْرُ خَلًّا، ولا تَقُولُ: رَجَعَتِ الخَمْرُ خَلًّا. انْتَهى كَلامُهُ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ الأجْرُ. قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: العافِيَةُ والنَّصْرُ. قالَهُ الزَّجّاجُ. قِيلَ: والفَضْلُ رِبْحُ التِّجارَةِ. قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والزُّهْرِيُّ. وتَقَدَّمَ حِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَنْ مُجاهِدٍ. وقِيلَ: أصابُوا سَرِيَّةً بِالصَّفْراءِ فَرُزِقُوا مِنها. قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: الثَّوابُ. ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾“ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ سالِمِينَ. و”بِنِعْمَةٍ“ حالٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الباءَ فِيهِ باءُ المُصاحَبَةِ، أيِ انْقَلَبُوا مُتَنَعِّمِينَ سالِمِينَ. والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ المَنفِيَّةُ بِلَمِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ضَمِيرِ ذِي الحالِ، يَجُوزُ دُخُولُ الواوِ عَلَيْها، وعَدَمُ دُخُولِها. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لا تَأْخُذَنِّي بِأقْوالِ الوُشاةِ ولَمْ أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاوِيلُ

ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] وقَوْلُ قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:

؎وأضْرِبُ القَوْنَسَ يَوْمَ الوَغى ∗∗∗ بِالسَّيْفِ لَمْ يَقْصُرْ بِهِ باعِي

ووَهِمَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ خَرُوفٍ في ذَلِكَ فَزَعَمَ أنَّها إذا كانَتِ الجُمْلَةُ ماضِيَةً مَعْنًى لا لَفْظًا احْتاجَتْ إلى الواوِ كانَ فِيها ضَمِيرًا، ولَمْ يَكُنْ فِيها. والمُسْتَعْمَلُ في لِسانِ العَرَبِ ما ذَكَرْناهُ.

واتِّباعُهم رِضْوانَ اللَّهِ هو بِخُرُوجِهِمْ إلى العَدُوِّ، وجَراءَتِهِمْ، وطَواعِيَّتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ . وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: ”﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾“، مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَّيْسِيرِ والتَّوْفِيقِ في ما فَعَلُوهُ، وفي ذَلِكَ تَحْسِيرٌ لِمَن تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ حَيْثُ حَرَمُوا أنْفُسَهم ما فازَ بِهِ هَؤُلاءِ مِنَ الثَّوابِ …

Aal-i-Imraan 3:174Listen in Qur'an →
175

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ما: هي الكافَّةُ لِإنَّ عَنِ العَمَلِ. وهي الَّتِي يَزْعُمُ مُعْظَمُ أهْلِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّها إذا لَمْ تَكُنْ مَوْصُولَةً أفادَتْ مَعَ ”أنَّ“ الحَصْرَ. وذَلِكم إشارَةٌ إلى الرَّكْبِ المُثَبِّطِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، أوْ أبُو سُفْيانَ. فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ الإشارَةُ إلى أعْيانٍ. وقِيلَ: ذَلِكم إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما جَرى مِن أخْبارِ الرَّكْبِ العَبْدِيِّينَ عَنْ رِسالَةِ أبِي سُفْيانَ، وتَحْمِيلِ أبِي سُفْيانَ ذَلِكَ الكَلامَ، وجَزَعِ مَن جَزِعَ مِنهُ مِن مُؤْمِنٍ أوْ مُتَرَدِّدٍ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الإشارَةُ إلى مَعانٍ، ولا بُدَّ إذْ ذاكَ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنَّما ذَلِكم فِعْلُ الشَّيْطانِ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ الشَّيْطانِ، أيْ قَوْلُ إبْلِيسَ. فَتَكُونُ الإشارَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إلى القَوْلِ السّابِقِ وهو أنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فالخَبَرُ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ”ذَلِكم“ بِالشَّيْطانِ هو مَجازٌ؛ لِأنَّ الأعْيانَ لَيْسَتْ مِن نَفْسِ الشَّيْطانِ، ولا ما جَرى مِن قَوْلٍ فَقَطْ أوْ مِن قَوْلٍ. وما انْضَمَّ إلَيْهِ مِمّا صَدَرَ مِنَ العَدُوِّ مِن تَخْوِيفٍ، وما صَدَرَ مِن جَزَعٍ - لَيْسَ نَفْسَ قَوْلِ الشَّيْطانِ ولا فِعْلِهِ، وإنَّما نُسِبَ إلَيْهِ وأُضِيفَ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ وسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ وإلْقائِهِ.

والتَّشْدِيدُ في ”يُخَوِّفُ“ لِلنَّقْلِ، كانَ قَبْلَهُ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَلَمّا ضُعِّفَ صارَ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ. وهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَجُوزُ حَذْفُ مَفْعُولَيْها، وأحَدُهُما اقْتِصارٌ أوِ اخْتِصارٌ، أوْ هُنا تَعَدّى إلى واحِدٍ، والآخِرُ مَحْذُوفٌ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، أيْ شَرَّ أوْلِيائِهِ في هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ الذَّواتَ لا تَخافُ، ويَكُونُ المُخَوَّفُونَ إذْ ذاكَ المُؤْمِنُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ المَفْعُولَ الثّانِي، أيْ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ شَرَّ الكُفّارِ، ويَكُونُ ”أوْلِياءَهُ“ في هَذا الوَجْهِ هُمُ المُنافِقُونَ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ أنَّهُ لا يَتَعَدّى تَخْوِيفُهُ المُنافِقِينَ، ولا يَصِلُ إلَيْكم تَخْوِيفَهُ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ أوْلِياءَهُ هُمُ الكُفّارِ: أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ”يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ“، إذْ ظَهَرَ فِيها أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ والنَّخَعِيُّ: ”يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ“، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً مِثْلَها في: يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي هو بِأوْلِيائِهِ، أيْ: أوْلِياءَهُ، كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِ، ويَكُونَ مَفْعُولُ يُخَوِّفُ الثّانِي مَحْذُوفًا أيْ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُونَ آلَةً لِلتَّخْوِيفِ. وقَدْ حَمَلَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدْ حَذَفَ مَفْعُولا يُخَوِّفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى الحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، وهَذا بَعِيدٌ. والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ ”ذَلِكم“ مُبْتَدَأٌ، والشَّيْطانُ خَبَرُهُ. ويُخَوِّفُ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ …

Aal-i-Imraan 3:175Listen in Qur'an →
176

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

And do not be grieved, [O Muhammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allah at all. Allah intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ما: هي الكافَّةُ لِإنَّ عَنِ العَمَلِ. وهي الَّتِي يَزْعُمُ مُعْظَمُ أهْلِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّها إذا لَمْ تَكُنْ مَوْصُولَةً أفادَتْ مَعَ ”أنَّ“ الحَصْرَ. وذَلِكم إشارَةٌ إلى الرَّكْبِ المُثَبِّطِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، أوْ أبُو سُفْيانَ. فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ الإشارَةُ إلى أعْيانٍ. وقِيلَ: ذَلِكم إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما جَرى مِن أخْبارِ الرَّكْبِ العَبْدِيِّينَ عَنْ رِسالَةِ أبِي سُفْيانَ، وتَحْمِيلِ أبِي سُفْيانَ ذَلِكَ الكَلامَ، وجَزَعِ مَن جَزِعَ مِنهُ مِن مُؤْمِنٍ أوْ مُتَرَدِّدٍ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الإشارَةُ إلى مَعانٍ، ولا بُدَّ إذْ ذاكَ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنَّما ذَلِكم فِعْلُ الشَّيْطانِ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ الشَّيْطانِ، أيْ قَوْلُ إبْلِيسَ. فَتَكُونُ الإشارَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إلى القَوْلِ السّابِقِ وهو أنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فالخَبَرُ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ”ذَلِكم“ بِالشَّيْطانِ هو مَجازٌ؛ لِأنَّ الأعْيانَ لَيْسَتْ مِن نَفْسِ الشَّيْطانِ، ولا ما جَرى مِن قَوْلٍ فَقَطْ أوْ مِن قَوْلٍ. وما انْضَمَّ إلَيْهِ مِمّا صَدَرَ مِنَ العَدُوِّ مِن تَخْوِيفٍ، وما صَدَرَ مِن جَزَعٍ - لَيْسَ نَفْسَ قَوْلِ الشَّيْطانِ ولا فِعْلِهِ، وإنَّما نُسِبَ إلَيْهِ وأُضِيفَ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ وسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ وإلْقائِهِ.

والتَّشْدِيدُ في ”يُخَوِّفُ“ لِلنَّقْلِ، كانَ قَبْلَهُ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَلَمّا ضُعِّفَ صارَ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ. وهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَجُوزُ حَذْفُ مَفْعُولَيْها، وأحَدُهُما اقْتِصارٌ أوِ اخْتِصارٌ، أوْ هُنا تَعَدّى إلى واحِدٍ، والآخِرُ مَحْذُوفٌ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، أيْ شَرَّ أوْلِيائِهِ في هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ الذَّواتَ لا تَخافُ، ويَكُونُ المُخَوَّفُونَ إذْ ذاكَ المُؤْمِنُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ المَفْعُولَ الثّانِي، أيْ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ شَرَّ الكُفّارِ، ويَكُونُ ”أوْلِياءَهُ“ في هَذا الوَجْهِ هُمُ المُنافِقُونَ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ أنَّهُ لا يَتَعَدّى تَخْوِيفُهُ المُنافِقِينَ، ولا يَصِلُ إلَيْكم تَخْوِيفَهُ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ أوْلِياءَهُ هُمُ الكُفّارِ: أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ”يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ“، إذْ ظَهَرَ فِيها أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ والنَّخَعِيُّ: ”يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ“، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً مِثْلَها في: يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي هو بِأوْلِيائِهِ، أيْ: أوْلِياءَهُ، كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِ، ويَكُونَ مَفْعُولُ يُخَوِّفُ الثّانِي مَحْذُوفًا أيْ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُونَ آلَةً لِلتَّخْوِيفِ. وقَدْ حَمَلَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدْ حَذَفَ مَفْعُولا يُخَوِّفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى الحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، وهَذا بَعِيدٌ. والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ ”ذَلِكم“ مُبْتَدَأٌ، والشَّيْطانُ خَبَرُهُ. ويُخَوِّفُ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ …

Aal-i-Imraan 3:176Listen in Qur'an →
177

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allah at all, and for them is a painful punishment.

﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ما: هي الكافَّةُ لِإنَّ عَنِ العَمَلِ. وهي الَّتِي يَزْعُمُ مُعْظَمُ أهْلِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّها إذا لَمْ تَكُنْ مَوْصُولَةً أفادَتْ مَعَ ”أنَّ“ الحَصْرَ. وذَلِكم إشارَةٌ إلى الرَّكْبِ المُثَبِّطِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، أوْ أبُو سُفْيانَ. فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ الإشارَةُ إلى أعْيانٍ. وقِيلَ: ذَلِكم إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما جَرى مِن أخْبارِ الرَّكْبِ العَبْدِيِّينَ عَنْ رِسالَةِ أبِي سُفْيانَ، وتَحْمِيلِ أبِي سُفْيانَ ذَلِكَ الكَلامَ، وجَزَعِ مَن جَزِعَ مِنهُ مِن مُؤْمِنٍ أوْ مُتَرَدِّدٍ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الإشارَةُ إلى مَعانٍ، ولا بُدَّ إذْ ذاكَ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنَّما ذَلِكم فِعْلُ الشَّيْطانِ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ الشَّيْطانِ، أيْ قَوْلُ إبْلِيسَ. فَتَكُونُ الإشارَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إلى القَوْلِ السّابِقِ وهو أنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فالخَبَرُ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ”ذَلِكم“ بِالشَّيْطانِ هو مَجازٌ؛ لِأنَّ الأعْيانَ لَيْسَتْ مِن نَفْسِ الشَّيْطانِ، ولا ما جَرى مِن قَوْلٍ فَقَطْ أوْ مِن قَوْلٍ. وما انْضَمَّ إلَيْهِ مِمّا صَدَرَ مِنَ العَدُوِّ مِن تَخْوِيفٍ، وما صَدَرَ مِن جَزَعٍ - لَيْسَ نَفْسَ قَوْلِ الشَّيْطانِ ولا فِعْلِهِ، وإنَّما نُسِبَ إلَيْهِ وأُضِيفَ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ وسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ وإلْقائِهِ.

والتَّشْدِيدُ في ”يُخَوِّفُ“ لِلنَّقْلِ، كانَ قَبْلَهُ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَلَمّا ضُعِّفَ صارَ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ. وهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَجُوزُ حَذْفُ مَفْعُولَيْها، وأحَدُهُما اقْتِصارٌ أوِ اخْتِصارٌ، أوْ هُنا تَعَدّى إلى واحِدٍ، والآخِرُ مَحْذُوفٌ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، أيْ شَرَّ أوْلِيائِهِ في هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ الذَّواتَ لا تَخافُ، ويَكُونُ المُخَوَّفُونَ إذْ ذاكَ المُؤْمِنُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ المَفْعُولَ الثّانِي، أيْ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ شَرَّ الكُفّارِ، ويَكُونُ ”أوْلِياءَهُ“ في هَذا الوَجْهِ هُمُ المُنافِقُونَ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ أنَّهُ لا يَتَعَدّى تَخْوِيفُهُ المُنافِقِينَ، ولا يَصِلُ إلَيْكم تَخْوِيفَهُ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ أوْلِياءَهُ هُمُ الكُفّارِ: أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ”يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ“، إذْ ظَهَرَ فِيها أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ والنَّخَعِيُّ: ”يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ“، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً مِثْلَها في: يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي هو بِأوْلِيائِهِ، أيْ: أوْلِياءَهُ، كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِ، ويَكُونَ مَفْعُولُ يُخَوِّفُ الثّانِي مَحْذُوفًا أيْ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُونَ آلَةً لِلتَّخْوِيفِ. وقَدْ حَمَلَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدْ حَذَفَ مَفْعُولا يُخَوِّفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى الحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، وهَذا بَعِيدٌ. والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ ”ذَلِكم“ مُبْتَدَأٌ، والشَّيْطانُ خَبَرُهُ. ويُخَوِّفُ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ …

Aal-i-Imraan 3:177Listen in Qur'an →
178

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]: لَمّا نَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ خَوْفِ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ، وأمَرَهم بِخَوْفِهِ وحْدَهُ تَعالى، نَهى رَسُولَهُ عَنِ الحُزْنِ لِمُسارَعَةِ مَن سارَعَ في الكُفْرِ. والمَعْنى: لا يَتَوَقَّعُ حُزْنًا ولا ضَرَرًا مِنهم؛ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، أيْ: لَنْ يَضُرُّوا نَبِيَّ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ. والمَنفِيُّ هُنا ضَرَرٌ خاصٌّ، وهو إبْطالُ الإسْلامِ وكَيْدُهُ حَتّى يَضْمَحِلَّ، فَهَذا لَنْ يَقَعَ أبَدًا، بَلْ أمْرُهم يَضْمَحِلُّ ويَعْلُو أمْرُكَ عَلَيْهِمْ.

قِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا. وقِيلَ: المُرادُ كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: رُؤَساءُ اليَهُودِ. والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] وقِيلَ: مُثِيرُ الحُزْنِ وهو شَفَقَتُهُ، وإيثارُهُ إسْلامَهم حَتّى يُنْقِذَهم مِنَ النّارِ، فَنُهِيَ عَنِ المُبالَغَةِ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهَذا مِن فَرْطِ رَحْمَتِهِ لِلنّاسِ، ورَأْفَتِهِ بِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ: ”يُحْزِنْكَ“ مِن أحْزَنَ، وكَذا حَيْثُ وقَعَ المُضارِعُ، إلّا في ”﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]“، فَقَرَأهُ مِن حَزِنَ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. يُقالُ: حَزِنَ الرَّجُلُ، أصابَهُ الحُزْنُ، وحَزَنْتُهُ جَعَلْتُ فِيهِ ذَلِكَ، وأحْزَنْتُهُ جَعَلْتُهُ حَزِينًا. وقَرَأ النَّحْوِيُّ: يُسْرِعُونَ مِن أسْرَعَ في جَمِيعِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ؛ لِأنَّ مَن يُسارِعُ غَيْرَهُ أشَدُّ اجْتِهادًا مِنَ الَّذِي يُسْرِعُ وحْدَهُ. وفي ضِمْنِ قَوْلِهِ: ”﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]“ دَلالَةٌ عَلى أنَّ وبالَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، ولا يَضُرُّونَ إلّا أنْفُسَهم. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ شَيْءٌ.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦]: بَيَّنَ تَعالى أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ المُسارَعَةِ في الكُفْرِ هو بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، أنَّهم لا يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، فَيَكُونُ لَهم نَصِيبٌ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ. فَهَذِهِ تَسْلِيَةٌ مِنهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ في تَرْكِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ مُرادَ اللَّهِ مِنهم هو ما هم عَلَيْهِ، ولَهم بَدَلُ النَّعِيمِ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ قِيلَ: لا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ، وأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِ الإرادَةِ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ الإشْعارُ بِأنَّ الدّاعِيَ إلى حِرْمانِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ قَدْ خَلَصَ خُلُوصًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ صارِفٌ قَطُّ، حِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ تَنْبِيهًا عَلى تَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ وبُلُوغِهِمُ الغايَةَ فِيهِ، حَتّى أنَّ أرْحَمَ الرّاحِمِينَ يُرِيدُ أنْ لا يَرْحَمُهم. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّهُ اسْتَشْعَرَ أنَّ إرادَتَهُ تَعالى أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ مُوجِبَةٌ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو مُرِيدٌ لَهُ تَعالى وهو: الكُفْرُ. ومِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ ولا يَشاؤُهُ، فَتَأوَّلَ تَعَلُّقَ إرادَتِهِ بِانْتِفاءِ حَظِّهِمْ مِنَ الآخِرَةِ بِتَعَلُّقِها …

Aal-i-Imraan 3:178Listen in Qur'an →
179

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allah reveal to you the unseen. But [instead], Allah chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allah and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: الخِطابُ في ”أنْتُمْ“ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنِ اخْتِلاطِكم بِالمُنافِقِينَ وإشْكالِ أمْرِهِمْ وإجْراءِ المُنافِقِ مَجْرى المُؤْمِنِ، ولَكِنَّهُ مَيَّزَ بَعْضًا مِن بَعْضٍ بِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أيُّها الكُفّارُ مِنِ اخْتِلاطِكم بِالمُؤْمِنِينَ. قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: قالَ الكُفّارُ في بَعْضِ جَدَلِهِمْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ في الرَّجُلِ مِنّا أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وأنَّهُ إذا اتَّبَعَكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا ؟ ولَكِنْ أخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ مِنّا، وبِمَن يَبْقى عَلى كُفْرِهِ، فَنَزَلَتْ. فَقِيلَ لَهم: لا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وهو قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: غايَةُ ما فِيهِ أنَّهُ بَدَّلَ الكافِرِينَ بِالمُنافِقِينَ، فَقالَ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَنِ الخِطابُ في أنْتُمْ ؟ (قُلْتُ): لِلْمُصَدِّقِينَ جَمِيعًا مِن أهْلِ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُخْلِصِينَ مِنكم عَلى الحالِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنِ اخْتِلاطِ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، وأنَّهُ لا يُعْرَفُ مُخْلِصُكم مِن مُنافِقِكم، لِاتِّفاقِكم عَلى التَّصْدِيقِ جَمِيعًا حَتّى يُمَيِّزَهم مِنكم بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ بِإخْبارِهِ بِأحْوالِكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَتْرُكُكم مُخْتَلِطِينَ حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ، بِأنْ يُكَلِّفَكُمُ التَّكالِيفَ الصَّعْبَةَ الَّتِي لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا الخُلَّصُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم، كَبَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ، وإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ عِيارًا عَلى عَقائِدِكم، وشاهِدًا بِضَمائِرِكم، حَتّى يَعْلَمَ بَعْضُكم ما في قَلْبِ بَعْضٍ مِن طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، لا مِن جِهَةِ الوُقُوفِ عَلى ذاتِ الصُّدُورِ والِاطِّلاعِ عَلَيْها، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ. انْتَهى. ومَعْنى هَذا القَوْلِ لِابْنِ كَيْسانَ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى ما يَذَرُكم عَلى الإقْرارِ حَتّى يَخْتَبِرَكم بِالشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ، فَأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والقَوْلَ الَّذِي قَبْلَهُ ونَمَّقَهُما بِبَلاغَتِهِ وحُسْنِ خَطابَتِهِ.

وقِيلَ: المَعْنى ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ أوْلادَكُمُ الَّذِينَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ حَتّى يُفَرِّقَ بَيْنَكم وبَيْنَهم. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِءُونُ بِالمُؤْمِنِينَ سِرًّا، فَقالَ: لا يَدَعُكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِمْ والِاسْتِهْزاءِ، ولَكِنْ يَمْتَحِنُكم لِتَفْتَضِحُوا ويَظْهَرَ نِفاقُكم عِنْدَهم، لا في دارٍ واحِدَةٍ، ولَكِنْ يَجْعَلُ لَهم دارًا أُخْرى يُمَيِّزُ فِيها الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَيَجْعَلُ الخَبِيثَ في النّارِ، والطَّيِّبَ في الجَنَّةِ. والخَبِيثُ الكافِرُ، والطَّيِّبُ المُؤْمِنُ، وتَمْيِيزُهُ بِالهِجْرَةِ والجِهادِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الطَّيِّبُ المُؤْمِنُ، والخَبِيثُ المُنافِقُ، مَيَّزَ بَيْنَهُما يَوْمَ أُحُدٍ. وقِيلَ: الخَبِيثُ الكافِرُ، والطَّيِّبُ المُؤْمِنُ، وتَمْيِيزُهُ بِإخْراجِ أحَدِهِما مِن صَلْبِ الآخَرِ. …

Aal-i-Imraan 3:179Listen in Qur'an →
180

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And let not those who [greedily] withhold what Allah has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allah belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: نَزَلَتْ في البُخْلِ بِالمالِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ: في أهْلِ الكِتابِ وبُخْلِهِمْ، وتِبْيانِ ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: في النَّفَقَةِ عَلى العِيالِ وذَوِي الأرْحامِ.

ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ في الآياتِ السّابِقَةِ، شَرَعَ في التَّحْرِيضِ هُنا عَلى بَذْلِ الأمْوالِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، والبُخْلُ الشَّرْعِيُّ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ بَذْلِ الواجِبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ”تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، فَتَكُونُ الَّذِينَ أوَّلَ مَفْعُولَيْنِ لِتَحْسَبَنَّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: بُخْلُهم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ. وحَذْفُهُ - كَما قُلْنا - عَزِيزٌ جِدًّا عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ فَلِذَلِكَ الأوْلى تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى قِراءَةِ التّاءِ مِن كَوْنِ الَّذِينَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهو فَصْلٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِإسْقاطِ ”هو“، وخَيْرًا هو المَفْعُولُ بِتَحْسَبَنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ”يَبْخَلُونَ“ عَلى هَذا البُخْلِ المُقَدَّرِ، كَما دَلَّ السَّفِيهُ عَلى السَّفَهِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْه وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافٍ

والمَعْنى: جَرى إلى السَّفَهِ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الدَّلالَةُ فِيهِما سَواءً؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الدّالَّ في الآيَةِ هو الفِعْلُ، وفي البَيْتِ هو اسْمُ الفاعِلِ، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى المَصْدَرِ أقْوى مِن دَلالَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ إضْمارُ المَصْدَرِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ولَمْ تَكْثُرْ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى المَصْدَرِ إنَّما جاءَ في هَذا البَيْتِ أوْ في غَيْرِهِ إنْ وُجِدَ. والثّانِي أنَّ في الآيَةِ حَذْفًا لِظاهِرٍ؛ إذْ قَدَّرُوا المَحْذُوفَ ”بُخْلُهم“، وأمّا في البَيْتِ فَهو إضْمارٌ، لا حَذْفٌ. ويَظْهَرُ لِي تَخْرِيجٌ غَرِيبٌ في الآيَةِ تَقْتَضِيهِ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ، وهو أنْ تَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ إذا جَعَلْنا الفِعْلَ مُسْنَدًا لِلَّذِينِ، وذَلِكَ أنَّ تَحْسَبَنَّ تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ، ويَبْخَلُونَ يَطْلَبُ مَفْعُولًا بِحَرْفِ جَرٍّ، فَقَوْلُهُ: ما آتاهم يَطْلُبُهُ يَحْسَبَنَّ، عَلى أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، ويَكُونُ هو فَصْلًا، وخَيْرًا المَفْعُولُ الثّانِي ويَطْلُبُهُ يَبْخَلُونَ بِتَوَسُّطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَأعْمَلَ الثّانِي عَلى الأفْصَحِ في لِسانِ العَرَبِ، وعَلى ما جاءَ في القُرْآنِ وهو يَبْخَلُونَ. فَعُدِّيَ بِحَرْفِ الجَرِّ واحِدٌ مَعْمُولُهُ، وحُذِفَ مَعْمُولُ تَحْسَبَنَّ الأوَّلُ، وبَقِيَ مَعْمُولُهُ الثّانِي؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَنازَعْ فِيهِ، إنَّما التَّنازُعُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ. وساغَ حَذْفُهُ وحْدَهُ، كَما ساغَ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ في مَسْألَةِ سِيبَوَيْهِ: مَتى رَأيْتُ أوْ قُلْتُ: زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ؛ …

Aal-i-Imraan 3:180Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.