Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 161–170 of 200

161

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَخُونَ في المَغْنَمِ؛ لِأنَّ الخِيانَةَ تُنافِي النُّبُوَّةَ، وأصْلُ الغُلِّ الأخْذُ بِخَفِيَّةٍ ولِذا اسْتَعْمِلُ في السَّرِقَةِ ثُمَّ خُصَّ في اللُّغَةِ بِالسَّرِقَةِ مِنَ المَغْنَمِ قَبْلَ القِسْمَةِ، وتُسَمّى غُلُولًا أيْضًا، قِيلَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأيْدِيَ فِيها مَغْلُولَةٌ أيْ مَمْنُوعَةٌ مَجْعُولُ فِيها غُلٌّ وهي الحَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ يَدَ الأسِيرِ إلى عُنُقِهِ، ويُقالُ لَها: جامِعَةٌ أيْضًا، وقالَ الرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: أصْلُ الغُلُولِ مِنَ الغَلَلِ وهو دُخُولُ الماءِ في

صفحة 109

خَلَلِ الشَّجَرِ، وسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المِلْكِ عَلى خَفاءٍ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي يَحِلُّ، ومِن ذَلِكَ الغِلُّ لِلْحِقْدِ، والغَلِيلُ لِحَرارَةِ العَطَشِ، والغِلالَةُ لِلشِّغارِ، والمُرادُ تَنْزِيهُ ساحَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَمّا ظَنَّ بِهِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ «أنَّ الرُّماةَ حِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ يَوْمَئِذٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ قالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، وأنْ لا يُقَسِّمَ الغَنائِمَ كَما لَمْ يُقَسَّمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ ولا نَقْسِمُ لَكم، ولِهَذا نَزَلَتِ الآيَةُ»، أوْ تَنْزِيهُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا اتَّهَمَهُ بِهِ بَعْضُ المُنافِقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وحَسَّناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَها، والرِّوايَةُ الأُولى أوْفَقُ بِالمَقامِ، وارْتِباطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْها أتَمُّ؛ لِأنَّ القِصَّةَ أُحُدِيَّةٌ إلّا أنَّ فِيها إشْعارًا بِأنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ لَمْ تُقْسَمْ وهو مُخالِفٌ لِما سَيَأْتِي في الأنْفالِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ أوْلى بِالقَبُولِ عِنْدَ أرْبابِ هَذا الشَّأْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ مُرْسَلًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلائِعَ فَغَنِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَنِيمَةً، فَقَسَّمَ بَيْنَ النّاسِ ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًا، فَلَمّا قَدَمَتِ الطَّلائِعُ قالُوا: قَسَمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَقْسِمْ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، فالمَعْنى ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُعْطِيَ قَوْمًا مِنَ العَسْكَرِ ويَمْنَعَ آخَرِينَ بَلْ عَلَيْهِ أنَّ يَقْسِمَ بَيْنَ الكُلِّ بِالسَّوِيَّةِ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ حِرْمانِ بَعْضِ الغُزاةِ بِالغُلُولِ فَطْمًا عَنْ هَذا الفِعْلِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى حَدِّ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ خُوطِبَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُرِيدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ - ولا يَخْفى بُعْدُهُ - …

Aal-i-Imraan 3:161Listen in Qur'an →
162

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

So is one who pursues the pleasure of Allah like one who brings upon himself the anger of Allah and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ أيْ سَعى في تَحْصِيلِهِ وانْتَحى نَحْوَهُ كَمَن باءَ أيْ رَجَعَ ﴿بِسَخَطٍ﴾ أيْ غَضَبٍ عَظِيمٍ جِدًّا وهو بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ ويُقالُ: بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وهو غَيْرُ مَقِيسٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أيْ رَجَعَ مُصاحِبًا لِسَخَطٍ.

﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ كائِنٌ مِنهُ تَعالى.

وفِي المُرادِ مِنَ الآيَةِ أقْوالٌ: أحَدُها أنَّ المَعْنى ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ تَعالى في العَمَلِ بِالطّاعَةِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ﴾ مِنهُ سُبْحانَهُ في العَمَلِ بِالمَعْصِيَةِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ. ثانِيها: أنَّ مَعْناهُ ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ في تَرْكِ الغُلُولِ كالنَّبِيِّ ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ تَعالى بِفِعْلِ الغُلُولِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالمَقامِ. ثالِثُها: أنَّ المُرادَ ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ تَعالى بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ﴾ مِنهُ جَلَّ جَلالُهُ في الفِرارِ عَنْهُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: وهو المُطابِقُ لِما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى أُحُدٍ قَعَدَ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ واتَّبَعَهُ المُؤْمِنُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ - وفِيهِ بُعْدٌ - وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مَصِيرُهُ ذَلِكَ، وفي الجُمْلَةِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِ مَن باءَ بِسَخَطٍ، ويُفْهَمُ مِن مُقابِلِهِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الرِّضْوانَ كانَ مَأْواهُ الجَنَّةُ، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ، وقِيلَ: لَمْ يُذْكَرْ مَعَ الرِّضْوانِ الجَنَّةُ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِكُلِّ نَعِيمٍ، وكَوْنُ السَّخَطِ مُسْتَلْزِمًا لِكُلِّ عِقابٍ فَيَقْتَضِي أنْ تُذْكُرَ مَعَهُ جَهَنَّمُ في حَيِّزِ المَنعِ لِسَبْقِ الجَمالِ الجَلالِ فافْهَمْ، والثّانِي: أنَّها داخِلَةٌ في حَيِّزِ المَوْصُولِ

صفحة 112

فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿باءَ بِسَخَطٍ﴾ عَطْفَ الصِّلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ إمّا تَذْيِيلٌ أوِ اعْتِراضٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ بِتَقْدِيرٍ، ويُقالُ: في حَقِّهِمْ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ جَهَنَّمُ، و(المَصِيرُ) اسْمُ مَكانٍ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرِيَّةُ، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ المَرْجِعِ بِأنَّ المَصِيرَ يَقْتَضِي مُخالَفَةَ ما صارَ إلَيْهِ مِن جَهَنَّمَ لِما كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الصَّيْرُورَةَ تَقْتَضِي الِانْتِقالَ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى كَصارَ الطِّينُ خَزَفًا، والمَرْجِعُ انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها كَقَوْلِكَ: مَرْجِعُ ابْنِ آدَمَ إلى التُّرابِ، وأمّا قَوْلُهم مَرْجِعُ العِبادِ إلى اللَّهِ تَعالى فَبِاعْتِبارِ أنَّهم يَنْقَلِبُونَ إلى حالٍ لا يَمْلِكُونَ فِيها لِأنْفُسِهِمْ شَيْئًا كَما كانَ قَبْلَ ما مَلَكُوا.

Aal-i-Imraan 3:162Listen in Qur'an →
163

هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

They are [varying] degrees in the sight of Allah, and Allah is Seeing of whatever they do.

﴿هُمْ﴾ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِينَ بِاعْتِبارِ المَعْنى وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَرَجاتٌ﴾ خَبَرُهُ، والمُرادُ هم مُتَفاوِتُونَ إطْلاقًا لِلْمَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، أوْ شَبَّهَهم بِالدَّرَجِ في تَفاوُتِهِمْ عُلُوًّا وسُفْلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، أوْ جَعَلَهم نَفْسَ الدَّرَجاتِ مُبالَغَةً في التَّفاوُتِ، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا بِحَذْفِ الأداةِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ولا تَشْبِيهَ أيْ (هُمْ) ذَوُو دَرَجاتٍ أيْ مَنازِلَ أوْ أحْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: لَهم دَرَجاتٌ، وذَهَبُ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ حِينَئِذٍ تَغْلِيبَ الدَّرَجاتِ عَلى الدِّرْكاتِ، إذِ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ، والثّانِي لِلثّانِي.

﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِدَرَجاتٍ عَلى المَعْنى، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها.

﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ ودَرَجاتِها فَيُجازِيهِمْ بِحَسَبِها، والبَصِيرُ كَما قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ: هو الَّذِي يُشاهِدُ ويَرى حَتّى لا يَعْزُبُ عَنْهُ ما تَحْتَ الثَّرى، وإبْصارُهُ أيْضًا مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ بِحَدَقَةٍ وأجْفانٍ، ومُقَدَّسٌ عَنْ أنْ يَرْجِعَ إلى انْطِباعِ الصُّوَرِ والألْوانِ في ذاتِهِ كَما يَنْطَبِعُ في حَدَقَةِ الإنْسانِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّأثُّرِ المُقْتَضِي لَلْحَدَثانِ، وإذا نُزِّهَ عَنْ ذَلِكَ كانَ البَصَرُ في حَقِّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي يَنْكَشِفُ بِها كَمالُ نُعُوتِ المُبْصَراتِ، وذَلِكَ أوْضَحَ وأجْلى مِمّا نَفْهَمُهُ مِن إدْراكِ البَصَرِ القاصِرِ عَلى ظَواهِرِ المَرْئِيّاتِ انْتَهى.

ويَفْهَمُ مِنهُ أنَّ البَصَرَ صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنّا، ومِنَ المُعْتَزِلَةِ والكَرّامِيَّةِ قالُوا: لِأنّا إذا عَلِمْنا شَيْئًا عِلْمًا جَلِيًّا ثُمَّ أبْصَرْناهُ نَجِدُ فَرْقًا بَيْنَ الحالَتَيْنِ بِالبَدِيهَةِ، وإنَّ في الحالَةِ الثّانِيَةِ حالَةً زائِدَةً هي الإبْصارُ.

وقالَ الفَلاسِفَةُ والكَعْبِيُّ وأبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ والغَزالِيُّ عِنْدَ بَعْضٍ وادَّعى أنَّ كَلامَهُ هَذا مُشِيرٌ إلَيْهِ أنَّ بَصَرَهُ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُبْصَراتِ، ومِثْلُ هَذا الخِلافِ في السَّمْعِ، والحَقُّ أنَّهُما زائِدانِ عَلى صِفَةِ العِلْمِ، وأنَّهُما لا يُكَيَّفانِ ولا يُحَدّانِ، والإقْرارُ بِهِما واجِبٌ كَما وصَفَ بِهِما سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ السَّلَفُ الصّالِحُ وإلَيْهِ يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ.

Aal-i-Imraan 3:163Listen in Qur'an →
164

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

Certainly did Allah confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book and wisdom, although they had been before in manifest error.

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ أيْ أنْعَمَ وتَفَضَّلَ، وأصْلُ المَنِّ القَطْعُ، وسُمِّيَتِ النِّعْمَةُ مِنَّةً لِأنَّهُ يُقْطَعُ بِها عَنِ البَلِيَّةِ، وكَذا الِاعْتِدادُ بِالصَّنِيعَةِ مَنًّا لِأنَّهُ قَطْعٌ لَها عَنْ وُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْها، والجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن قَوْمِهِ أوْ مِنَ العَرَبِ مُطْلَقًا أوْ مِنَ الإنْسِ - وخَيْرُ الثَّلاثَةِ الوَسَطُ - وإلَيْهِ ذَهَبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: هَذِهِ لِلْعَرَبِ خاصَّةً - والأوَّلُ خَيْرٌ مِنَ الثّالِثِ، وأيّا ما كانَ فالمُرادُ بِهِمْ عَلى ما قالَ الأجْهُورِيُّ: المُؤْمِنُونَ مِن هَؤُلاءِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوِ الَّذِينَ آلَ أمْرُهم إلى الإيمانِ ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ﴾ أيْ بَيْنَهم ﴿رَسُولا﴾ عَظِيمَ القَدْرِ جَلِيلَ الشَّأْنِ ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ مِن نَسَبِهِمْ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهم أوْ مِن بَنِي آدَمَ لا مَلِكًا ولا جِنِّيًّا، و(إذْ) ظَرْفٌ لِمَنَّ، وهو وإنْ

صفحة 113

كانَ بِمَعْنى الوَقْتِ، لَكِنْ وقَعَ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ مُعْظَمُ المُحَقِّقِينَ، والجارُّ إمّا مُتَعَلِّقٌ ( بِبَعَثَ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً - لِرَسُولًا - والِامْتِنانُ بِذَلِكَ إمّا لِحُصُولِ الأُنْسِ بِكَوْنِهِ مِنَ الإنْسِ فَيَسْهُلُ التَّلَقِّي مِنهُ وتَزُولُ الوَحْشَةُ والنَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، وإمّا لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ بِسُهُولَةٍ ويَفْتَخِرُوا عَلى سائِرِ أصْنافِ نَوْعِ بَنِي آدَمَ، وإمّا لِيَفْهَمُوا ويَفْتَخِرُوا ويَكُونُوا واقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى تَصْدِيقِهِ والوُثُوقِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالِامْتِنانِ مَعَ عُمُومِ نِعْمَةِ البَعْثَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ لِمَزِيدِ انْتِفاعِهِمْ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ فِيهِمْ بِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

وقُرِئَ (لِمِن مَنِّ اللَّهِ) بِمِنِ الجارَّةِ ومَنَّ المُشَدِّدَةِ النُّونِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مِثْلِ مَنُّهُ أوْ بَعْثُهُ، وحُذِفَ لِقِيامِ الدَّلالَةِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إذْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَإذا في قَوْلِكَ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ إذا كانَ قائِمًا، بِمَعْنى لِمِن مَنِّ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ وقْتُ بَعْثِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ (إذْ) مُبْتَدَأً والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرًا، (وقَدِ اعْتُرِضَ ذَلِكَ) بِأنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ قالَ بِوُقُوعِ إذْ كَذَلِكَ، وما في المِثالِ إذا لا إذْ، وهي أيْضًا فِيهِ لَيْسَتْ مُبْتَدَأً أصْلًا، وإنَّما جَوَّزُوا فِيها وجْهَيْنِ: النَّصْبَ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهي سادَّةٌ مَسَدَّهُ، والرَّفْعَ عَلى أنَّها هي الخَبَرُ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكَلامُ مِن بابِ: جَدَّ جَدُّهُ لِأنَّ الأمِيرَ أخْطَبُ في حالِ القِيامِ لا كَوْنُهُ، وعَلى الثّانِي مِن بابِ: نَهارُهُ صائِمٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وجَوَّزَ الثّانِي عَبْدُ القاهِرِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالرَّفْعِ، فَكَأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قاسَ إذْ عَلى إذا والمُبْتَدَأ عَلى الخَبَرِ.

وانْتَصَرَ بَعْضُهم لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ جَماعَةٌ مِن …

Aal-i-Imraan 3:164Listen in Qur'an →
165

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uhud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves." Indeed, Allah is over all things competent.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِإبْطالِ بَعْضِ ما نَشَأ مِنَ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ إثْرَ إبْطالِ بَعْضٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّقْرِيرِ، والواوُ عاطِفَةٌ لِمَدْخُولِها عَلى مَحْذُوفٍ قَبْلَها، و(لَمّا) ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مُضافَةٌ إلى ما بَعْدَها مُسْتَعْمَلَةٌ في الشَّرْطِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وناصِبُها (قُلْتُمْ) وهو الجَزاءُ و﴿قَدْ أصَبْتُمْ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ - لِمُصِيبَةٍ - وجَعْلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، والمُرادُ بِالمُصِيبَةِ ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم - وبِمِثْلَيْها - ما أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم وأسْرِ سَبْعِينَ، وجُعِلَ ذَلِكَ مِثْلَيْنِ بِجَعْلِ الأسْرِ كالقَتْلِ أوْ لِأنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى القَتْلِ وكانَ مَرْضى اللَّهِ تَعالى، فَعَدَمُهُ كانَ مِن عِنْدِهِمْ، فَتَرْكُهُ مَعَ القُدْرَةِ لا يُنافِي الإصابَةَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمِثْلَيْنِ المِثْلانِ في الهَزِيمَةِ لا في عَدَدِ القَتْلى، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ هَزَمُوا الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ وهَزَمُوهم أيْضًا يَوْمَ أُحُدٍ أوَّلَ الأمْرِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالمُصِيبَةِ هَزِيمَةُ الكُفّارِ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ فارَقُوا المَرْكَزَ، و﴿أنّى هَذا﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُقَدِّمَةُ الخَبَرِ، والمَعْنى مِن أيْنَ هَذا لا كَيْفَ هَذا لِدَلالَةِ الجَوابِ مَفْعُولِ القَوْلِ، وقِيلَ (أنّى) مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ –لَأصابَنا- المُقَدَّرُ، و(هَذا) فاعِلٌ لَهُ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قُلْتُمْ، وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمْزَةِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ إنْكارُهُ والمَعْطُوفُ بِالواوِ حَقِيقَةً لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ، فَإنَّ فِعْلَ القَبِيحِ في غَيْرِ وقْتِهِ أقْبَحُ. والإنْكارُ عَلى فاعِلِهِ أدْخَلُ، والمَعْنى أحِينَ نالَكم مِنَ المُشْرِكِينَ نِصْفُ ما قَدْ نالَهم مِنكم قَبْلَ ذَلِكَ رَجَعْتُمْ وقُلْتُمْ مِن أيْنَ هَذا ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى وفِينا رَسُولُهُ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ، أوْ قَدْ وعَدَنا اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ ؟ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّقْرِيعِ إلى صُدُورِ ذَلِكَ القَوْلِ عَنْهم في ذَلِكَ الوَقْتِ خاصَّةً بِناءً عَلى عَدَمِ كَوْنِهِ مَظِنَّةً لَهُ داعِيًا إلَيْهِ، بَلْ عَلى كَوْنِهِ داعِيًا إلى عَدَمِهِ، فَإنَّ كَوْنَ مُصِيبَةِ عَدُوِّهِمْ مِثْلَيْ مُصِيبَتِهِمْ مِمّا يُهَوِّنُ الخَطْبَ ويُورِثُ السَّلْوَةَ، أوْ أفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ والإلْحاحِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَمّا أصابَتْكم غائِلَةُ ذَلِكَ قُلْتُمْ (أنّى هَذا) وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَوْجِيهِ الإنْكارِ لِاسْتِبْعادِهِمُ الحادِثَةَ مَعَ مُباشَرَتِهِمْ لِسَبَبِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ القَوْلُ إشارَةً إلى أنَّ قَوْلَهم كانَ غَيْرَ واحِدٍ بَلْ قالُوا أقْوالًا لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولُوها.

وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ ما مَضى مِن قَوْلِهِ تَعالى ( لَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وعْده ) إلى هُنا، ولِلتَّعَلُّقِ بِقِصَّةٍ واحِدَةٍ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُما أجْنَبِيٌّ لِيَكُونَ القَوْلُ بِذَلِكَ بَعِيدًا …

Aal-i-Imraan 3:165Listen in Qur'an →
166

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And what struck you on the day the two armies met was by permission of Allah that He might make evident the [true] believers.

ورَفْعًا لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِنَ الجَوابِ مِنِ اسْتِقْلالِهِمْ في وُقُوعِ الحادِثَةِ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ بِرَفْعِ الواسِطَةِ وجَوابِ سُؤالِهِمْ بِأبْسَطِ عِبارَةٍ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أصابَكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّكْبَةِ بِقَتْلِ مَن قُتِلَ مِنكم ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ أيُّ جَمْعُكم وجَمْعُ أعْدائِكُمُ المُشْرِكِينَ، والمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمِ يَوْمُ أُحُدٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ - لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِهِ يَوْمُ أُحُدٍ، ويَوْمُ بَدْرٍ - بَعِيدٌ جِدًّا ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِإرادَتِهِ، وقِيلَ: بِتَخْلِيَتِهِ، و(ما) اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ (أصابَكُمْ) صِلَتُهُ، وبِإذْنِ اللَّهِ: خَبَرُهُ.

والمُرادُ بِإذْنِ اللَّهِ يَكُونُ ويَحْصُلُ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، ووَجْهُ السَّبَبِيَّةِ لَيْسَ بِظاهِرٍ إذِ الإصابَةُ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلْإرادَةِ ولا لِلتَّخْلِيَةِ، بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَهو مِن قَبِيلِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أيْ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ قَيْدَ الأوامِرِ قَدْ يَكُونُ لِلْمَطْلُوبِ وقَدْ يَكُونُ لِلطّالِبِ، وكَذا الإخْبارُ، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وادَّعى السَّمِينُ أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا أيْ فَهو بِإذْنِ اللَّهِ، ودُخُولُ الفاءِ لِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وهَذا مُشْكِلٌ عَلى ما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَهم دُخُولُ هَذِهِ الفاءِ زائِدَةً في الخَبَرِ إلّا بِشُرُوطٍ، مِنها أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مُسْتَقْبَلَةً في المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ الفاءَ إنَّما دَخَلَتْ لِلشَّبَهِ بِالشَّرْطِ، والشَّرْطُ إنَّما يَكُونُ في الِاسْتِقْبالِ لا في الماضِي، فَلَوْ قُلْتَ: الَّذِي أتانِي أمْسِ فَلَهُ دِرْهَمٌ لَمْ يَصِحَّ، و(أصابَكُمْ) هُنا ماضٍ مَعْنًى كَما أنَّهُ ماضٍ لَفْظًا؛ لِأنَّ القِصَّةَ ماضِيَةٌ فَكَيْفَ جازَ دُخُولُ هَذِهِ الفاءِ ؟ وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْمَلُ عَلى التَّبَيُّنِ أيْ وما يَتَبَيَّنُ إصابَتُهُ إيّاكم فَهو بِإذْنِ اللَّهِ كَما تَأوَّلُوا ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: وإذا صَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ فَلْيُجْعَلْ (ما) هُنا شَرْطًا صَرِيحًا، وتَكُونُ الفاءُ داخِلَةً وُجُوبًا لِكَوْنِها واقِعَةً جَوابًا لِلشَّرْطِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ (166) عَطْفٌ عَلى بِإذْنِ اللَّهِ، مِن عَطْفِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، والمُرادُ لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ ويَثْبُتَ لَدَيْهِمْ إيمانُ المُؤْمِنِ.

Aal-i-Imraan 3:166Listen in Qur'an →
167

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allah or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] fighting, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allah is most Knowing of what they conceal -

صفحة 118

﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مِثْلِهِ، وإعادَةُ الفِعْلِ إمّا لِلِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، أوْ لِتَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ وتَنْزِيهِهِمْ عَنِ الِانْتِظامِ في قَرْنِ المُنافِقِينَ، ولِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ حالِ العِلْمِ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ بِالفَرِيقَيْنِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى نَهْجِ تَعَلُّقِهِ السّابِقِ، وبِالمُنافِقِينَ عَلى نَهْجٍ جَدِيدٍ وهو السِّرُّ - كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ - في إيرادِ الأوَّلِينَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، والآخِرِينَ بِمَوْصُولٍ صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الحُدُوثِ، ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى نافَقُوا مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ نِفاقًا خاصًّا أظْهَرُوهُ في ذَلِكَ المَقامِ.

وقِيلَ: ابْتِداءُ كَلامٍ مَعْطُوفٍ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ وما جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ وبَيَّنَ أنَّ الدّائِرَةَ إنَّما كانَتْ لِلِابْتِلاءِ ولِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ عَنِ المُنافِقِينَ، ولِيَعْلَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن إصابَةِ المُؤْمِنِينَ كائِنٌ لا مَحالَةَ أوْرَدَ قِصَّةً مِن قَصَصِهِمْ مُناسِبَةً لِهَذا المَقامِ مُسْتَطْرَدَةً، وجِيءَ بِالواوِ لِأنَّها مُلائِمَةٌ لِأصْلِ الكَلامِ، والنِّفاقُ عَلى هَذا مُطْلَقٌ مُتَعارَفٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَيْفِيَّةِ ظُهُورِ نِفاقِهِمْ أوْ عَدَمِ ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ.

وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، القائِلُ إمّا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الأصَمُّ، وإمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُ، ومَقُولُ القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ عَنّا العَدُوَّ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: إنَّهم خُيِّرُوا بَيْنَ أنْ يُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ أوْ لِدَفْعِ الكُفّارِ عَنْ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ أوْ بَيْنَ الأوَّلِ وبَيْنَ دَفْعِ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: قاتِلُوا لِلَّهِ تَعالى أوْ لِلنِّفاقِ الدّافِعِ عَنْ أنْفُسِكم وأمْوالِكم، وتُرِكَ العاطِفُ الفاءُ أوِ الواوُ بَيْنَ (تَعالَوْا)، و(قاتِلُوا) لِما أنَّ المَقْصُودَ بِهِما واحِدٌ وهو الثّانِي، وذُكِرَ الأوَّلُ تَوْطِئَةً لَهُ وتَرْغِيبًا فِيهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّظاهُرِ والتَّعاوُنِ، وقِيلَ: تُرِكَ العاطِفُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: الأمْرُ الثّانِي حالٌ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما صَنَعُوا حِينَ قِيلَ لَهم ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ قالُوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أيْ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ ما أسْلَمْناكم، ولَكِنْ لا نَرى أنْ يَكُونَ قِتالٌ. أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وقِيلَ: أرادُوا إنّا لا نُحْسِنُ القِتالَ ولا نَقْدِرُ عَلَيْهِ لِأنَّ العِلْمَ بِالفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ مِن لَوازِمِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَعَبَّرَ بِنَفْيِهِ عَنْ نَفْيِها، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوا نَفْيَ عِلْمِ القِتالِ كِنايَةً عَنْ أنَّ ما هم فِيهِ لَيْسَ قِتالًا بِناءً عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِنَفْيِ …

Aal-i-Imraan 3:167Listen in Qur'an →
168

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن واوِ يَكْتُمُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُ الَّذِينَ قالُوا، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُمُ الَّذِينَ، وقِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قُلْ فادْرَءُوا بِحَذْفِ العائِدِ أيْ قُلْ لَهم إلَخْ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّذِينَ نافَقُوا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ أفْواهِهِمْ أوْ قُلُوبِهِمْ، وجاءَ إبْدالُ المُظْهَرِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في القَوْمِ حاتِمًا عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ

بِجَرِّ حاتِمٍ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ جُودِهِ لِأنَّ القَوافِيَ مَجْرُورَةٌ، والمَعْنى يَقُولُونَ بِأفْواهِ الَّذِينَ قالُوا، أوْ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِ الَّذِينَ قالُوا، والكَلامُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن بابِ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ:

يا خَيْرَ مَن يَرْكَبُ المَطِيَّ ولا ∗∗∗ يَشْرَبُ كَأْسًا مِن كَفِّ مَن بَخِلا

والقائِلُ كَما قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ في يَوْمِ أُحُدٍ ﴿لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ لِأجْلِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقُتِلُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ، والمُرادُ لِذَوِي قَرابَتِهِمْ أوْ لِمَن هو مِن جِنْسِهِمْ ﴿وقَعَدُوا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) وقَدْ مُرادُهُ أيْ قالُوا وقَدْ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ بِالِانْخِذالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ فَيَكُونَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ قالُوا ومَعْمُولِها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أطاعُونا﴾ أيْ في تَرْكِ القِتالِ ﴿ما قُتِلُوا﴾ كَما لَمْ نُقْتَلْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم أمَرُوهم بِالِانْخِذالِ حِينَ انْخَذَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ألْفِ رَجُلٍ وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فَلَّما خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثَلَثِمِائَةٍ، فَتَبِعَهم أبُو جابِرٍ السَّلَمِيُّ يَدْعُوهم، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالُوا لَهُ: ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا»، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى نَعْيَ قَوْلِهِمْ لَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( الَّذِينَ قالُوا ) إلَخْ، وبَعْضُهم حَمَلَ القُعُودَ عَلى ما اسْتَصْوَبَهُ ابْنُ أُبَيٍّ عِنْدَ المُشاوَرَةِ مِنَ المُقامَةِ بِالمَدِينَةِ ابْتِداءً، وجَعَلَ الإطاعَةَ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ رَأْيِهِ والعَمَلِ بِهِ - ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ - بَلْ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: يَرُدُّهُ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً فَإنَّها لِتَعْيِينِ ما فِيهِ العِصْيانُ والمُخالَفَةُ مَعَ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ لَيْسَ مِنَ القاعِدِينَ فِيها بِذَلِكَ المَعْنى عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عَدَمِ الطّاعَةِ بِإخْوانِهِمْ يُنادِي بِاخْتِصاصِ الأمْرِ أيْضًا بِهِمْ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ المُشاوَرَةِ.

﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِكَذِبِهِمْ ﴿فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ فادْفَعُوا عَنْها ذَلِكَ وهو جَوابٌ لِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (168) عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ شَرْطُ حَذْفِ جَوابِهِ لِدَلالَةِ ﴿فادْرَءُوا﴾ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَ تَقَدُّمَ الجَوابِ لَمْ يَحْتَجْ لِما ذُكِرَ، ومُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ …

Aal-i-Imraan 3:168Listen in Qur'an →
169

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

And never think of those who have been killed in the cause of Allah as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى لَنا» وفي لَفْظٍ: «قالُوا: مَن يُبَلِّغُ إخْوانَنا أنَّنا أحْياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ، ولا يُنَكِّلُوا عَنِ الحَرْبِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكم، فَأنْزَلَ هَؤُلاءِ الآياتِ» .

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ يا جابِرُ ما لِي أراكَ مُنْكَسِرًا ؟ فَقُلْتَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أبِي وتَرَكَ عِيالًا ودَيْنًا، فَقالَ: ألا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أباكَ ؟ قُلْتُ: بَلى. قالَ: ما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى أحَدًا قَطُّ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وأحْيا أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا وقالَ: يا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قالَ: يا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثانِيَةً، قالَ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ سَبَقَ مِنِّي أنَّهم لا يَرْجِعُونَ. قالَ: أيْ رَبِّي فَأبْلِغْ مَن ورائِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ "» .

ولا تَنافِيَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ كِلا الأمْرَيْنِ قَدْ وقَعَ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ لَهُما، والأخْبارُ مُتَضافِرَةٌ عَلى نُزُولِها في شُهَداءِ أُحُدٍ، وفي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ قالَ: «حَدَّثَنِي أنَسٌ في أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى بِئْرِ مَعُونَةَ وساقَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ - إلى أنْ قالَ - وحَدَّثَنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا: بَلِّغُوا عَنّا قَوْمَنا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا ورَضِينا عَنْهُ، ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْدَما قَرَأْناهُ زَمانًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ إلَخْ» .

ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخَبَرَ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، وادَّعى العَلّامَةُ السُّيُوطِيُّ أنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ، وأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ هي النّازِلَةُ فِيهِمْ، وهي كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ إثْرَ بَيانِ أنَّ الحَذَرَ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي لِبَيانِ أنَّ القَتْلَ الَّذِي يَحْذَرُونَهُ ويُحَذِّرُونَ مِنهُ لَيْسَ مِمّا يُحْذَرُ، بَلْ هو مِن أجَلِّ المَطالِبِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلى الخِطابِ مُطْلَقًا.

وقِيلَ: مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا: ( لَوْ أطاعُونا وقَعَدُوا ) وإنَّما عَبَّرَ عَنِ اعْتِقادِهِمْ بِالظَّنِّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ، وقُرِئَ ( يَحْسَبَنَّ ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ عَلى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ضَمِيرِ مَن يُحْسَبُ عَلى طَرَزِ ما ذُكِرَ في الخِطابِ، وقِيلَ: إلى الَّذِينَ قُتِلُوا والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ …

Aal-i-Imraan 3:169Listen in Qur'an →
170

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Rejoicing in what Allah has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿فَرِحِينَ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يُرْزَقُونَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (أحْياءٌ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، وأنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ، أوِ الوَصْفِيَّةِ لِأحْياءٍ في قِراءَةِ النَّصْبِ ومَعْناهُ مَسْرُورِينَ.

﴿بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ بَعْدَ انْتِقالِهِمْ مِنَ الدُّنْيا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتاهم، و(مِن) إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والتَّقْدِيرُ بِما آتاهُمُوهُ حالَ كَوْنِهِ كائِنًا بَعْضُ فَضْلِهِ.

والمُرادُ بِهَذا المُؤْتى ضُرُوبُ النِّعَمِ الَّتِي يَنالُها الشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ بَعْدَ الشَّهادَةِ، أوْ نَفْسُ الفَوْزِ بِالشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ويَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ يُسَرُّونَ بِالبِشارَةِ، وأصْلُ الِاسْتِبْشارِ طَلَبُ البِشارَةِ وهو الخَبَرُ السّارُّ إلّا أنَّ المَعْنى هُنا عَلى السُّرُورِ اسْتِعْمالًا لِلَّفْظِ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو اسْتِئْنافٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى فَرِحِينَ لِتَأْوِيلِهِ بِيَفْرَحُونَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وهم يَسْتَبْشِرُونَ فَتَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فَرِحِينَ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في آتاهم، وإنَّما احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ عِنْدَ جَعْلِها حالًا لِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ إذا كانَ حالًا لا يَقْتَرِنُ بِالواوِ.

﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ بِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بَعْدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَيَلْحَقُوا بِهِمْ ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَلْحَقُوا، والمَعْنى أنَّهم بَقُوا بَعْدَهم وهم قَدْ تَقَدَّمُوهم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ يَلْحَقُوا أيْ لَمْ يَلْحَقُوهم مُتَخَلِّفِينَ عَنْهم باقِينَ بَعْدُ في الدُّنْيا.

﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ اسْتِبْشارِهِمْ بِحالِ إخْوانِهِمْ لا بِذَواتِهِمْ، أيْ يَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مِن حُسْنِ حالِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهم أحْياءً، وهو أنَّهم عِنْدَ قَتْلِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى يَفُوزُونَ كَما فازُوا، ويَحُوزُونَ مِنَ النَّعِيمِ كَما حازُوا، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ لِئَلّا، أوْ بِأنْ لا وهو مَعْمُولٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ أيْ يَسْتَبْشِرُونَ بِقُدُومِ إخْوانِهِمُ الباقِينَ بَعْدَهم إلَيْهِمْ لِأنَّهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمُ إلَخْ، فالِاسْتِبْشارُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِالأحْوالِ.

ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ يُؤْتى الشَّهِيدُ بِكِتابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَن يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ يُبَشَّرُ بِذَلِكَ فَيَسْتَبْشِرُ كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ بِقُدُومِهِ في الدُّنْيا، فَضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) وما بَعْدَهُ عَلى هَذا راجِعٌ إلى (الَّذِينَ) الأوَّلِ، وعَلى الأوَّلِ إلى الثّانِي.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ - الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا - بِالمُتَخَلِّفِينَ في الفَضْلِ عَنْ رُتْبَةِ الشُّهَداءِ وهُمُ الغُزاةُ الَّذِينَ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُقْتَلُوا بَلْ بَقُوا حَتّى ماتُوا في مَضاجِعِهِمْ، فَإنَّهم وإنْ لَمْ يَنالُوا مَراتِبَ الشُّهَداءِ إلّا أنَّ لَهم أيْضًا فَضْلًا عَظِيمًا بِحَيْثُ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ لِمَزِيدِ فَضْلِ الجِهادِ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ الآيَةِ، وإنْ كانَ فَضْلُ الغُزاةِ وإنْ لَمْ يُقْتَلُوا …

Aal-i-Imraan 3:170Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.