Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 161–170 of 200

161

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾: هَذا التِفاتٌ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن غَيْبَةٍ إلى الخِطابِ. ولَمّا أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ وبِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْضَحَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ النَّصْرِ أوِ الخِذْلانِ إنَّما هو راجِعٌ لِما يَشاءُ. وأنَّهُ مَتى نَصَرَكم لا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَكم أحَدٌ، ومَتى خَذَلَكم فَلا ناصِرَ لَكم فِيما وقَعَ لَكم مِنَ النَّصْرِ، أوْ بِكم مِنَ الخِذْلانِ كَيَوْمَيْ بَدْرٍ وأُحُدٍ، فَبِمَشِيئَتِهِ. وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهم عَمّا وقَعَ لَهم مِنَ الفِرارِ. ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ، وناطَ الأمْرَ بِالمُؤْمِنِينَ، فَنَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يُناسِبُ مَعَهُ التَّوَكُّلَ وهو الإيمانُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ مُصَدِّقٌ بِأنَّ اللَّهَ هو الفاعِلُ المُخْتارُ بِيَدِهِ النَّصْرُ والخِذْلانُ. وأشْرَكَهم مَعَ نَبِيِّهِمْ في مَطْلُوبِيَّةِ التَّوَكُّلِ، وهو إضافَةُ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِها إلَيْهِ.

والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ مِن فُرُوضِ الإيمانِ، ولَكِنَّهُ يَقْتَرِنُ بِالتَّشْمِيرِ في الطّاعَةِ والجَزامَةِ بِغايَةِ الجُهْدِ، ومُعاطاةِ أسْبابِ التَّحَرُّزِ، ولَيْسَ الإلْقاءُ بِاليَدِ والإهْمالُ لِما يَجِبُ مُراعاتُهُ بِتَوَكُّلٍ، وإنَّما هو كَما قالَ: ”قَيِّدْها وتَوَكَّلْ“ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] والضَّمِيرُ في ”مِن بَعْدِهِ“ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ، أيْ مِن بَعْدِ ما يُخْذَلُ مِنَ الَّذِي يُنْصَرُ. وإمّا أنْ لا يُحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: إذا جاوَزْتَهُ إلى غَيْرِهِ وقَدْ خَذَلَكَ فَمَن ذا الَّذِي تُجاوِزُهُ إلَيْهِ فَيَنْصُرُكَ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ”﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾“، أيْ: مِن بَعْدِ الخِذْلانِ. وجاءَ جَوابُ: إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ بِصَرِيحِ النَّفْيِ العامِّ، وجَوابُ ”﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾“ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ وهو الِاسْتِفْهامُ، وهو مِن تَنْوِيعِ الكَلامِ في الفَصاحَةِ والتَّلَطُّفِ بِالمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يُصَرِّحَ لَهم بِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهم، بَلْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي السُّؤالَ عَنِ النّاصِرِ، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى نَفْيِ النّاصِرِ. لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّرِيحِ والمُتَضَمِّنِ، فَلَمْ يُجْرِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ مَجْرى الكُفّارِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ بِالصَّرِيحِ أنَّهُ لا ناصِرَ لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] وظاهِرُ النُّصْرَةِ أنَّها في لِقاءِ العَدُوِّ، والإعانَةِ عَلى مُكافَحَتِهِ، والِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا النُّصْرَةَ بِالحُجَّةِ القاهِرَةِ، وبِالعاقِبَةِ في الآخِرَةِ. فَقالُوا: المَعْنى إنْ حَصَلَتْ لَكُمُ النُّصْرَةُ فَلا تَعُدُّوا ما يَعْرِضُ مِنَ العَوارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ في بَعْضِ الأحْوالِ غَلَبَةً، وإنْ خَذَلَكم في ذَلِكَ فَلا تَعُدُّوا ما يَحْصُلُ لَكم مِنَ القَهْرِ في الدُّنْيا نُصْرَةً، فالنُّصْرَةُ والخِذْلانُ مُعْتَبَرانِ بِالمَآلِ. وفي قَوْلِهِ: ”﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾“ إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ نَصَرَهُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ”وعَلى اللَّهِ“، ولِيَخُصَّ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم بِالتَّوَكُّلِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ عَلَّمَهم أنَّهُ لا ناصِرَ …

Aal-i-Imraan 3:161Listen in Qur'an →
162

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

So is one who pursues the pleasure of Allah like one who brings upon himself the anger of Allah and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾: هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ لَيْسَ مَنِ اتَّبَعَ رِضا اللَّهِ فامْتَثَلَ أوامِرَهُ واجْتَنَبَ مَناهِيهِ كَمَن عَصاهُ فَباءَ بِسَخَطِهِ، وهَذا مِنَ الِاسْتِعارَةِ البَدِيعِيَّةِ، جَعَلَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ كالدَّلِيلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ مَن يَهْتَدِي بِهِ، وجَعَلَ العاصِيَ كالشَّخْصِ الَّذِي أُمِرَ بِأنْ يَتَّبِعَ شَيْئًا عَنِ اتِّباعِهِ ورَجَعَ مَصْحُوبًا بِما يُخالِفُ الِاتِّباعَ. وفي الآيَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ ما يَئُولُ بِهِ إلى رِضا اللَّهِ عَنْهُ، فَباءَ بِرِضاهُ كَمَن لَمْ يَتَّبِعْ ذَلِكَ فَباءَ بِسَخَطِهِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والجُمْهُورُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ فَلَمْ يَغُلَّ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ حِينَ غَلَّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ يَوْمَ أُحُدٍ، كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِتَخَلُّفِهِ وهم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ أيْضًا: رِضْوانُ اللَّهِ الجِهادُ، والسُّخْطُ الفِرارُ. وقِيلَ: رِضا اللَّهِ طاعَتُهُ، وسُخْطُهُ عِقابُهُ. وقِيلَ: سُخْطُهُ مَعْصِيَتُهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ويَعْسُرُ ما يَزْعُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، وتَقْدِيرُهُ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا فِيهِ، رَجَحَ إذْ ذاكَ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الفاءَ مَحَلُّها قَبْلَ الهَمْزَةِ، لَكِنْ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في ”رِضْوانَ“ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والظّاهِرُ اسْتِئْنافٌ.

﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾: أخْبَرَ أنَّ مَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ فَمَكانُهُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ هو جَهَنَّمُ، وأفْهَمَ هَذا أنَّ مُقابِلَهُ وهو مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ مَأْواهُ الجَنَّةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في صِلَةِ ”مَن“ فَوَصَلَها بِقَوْلِهِ: ”باءَ“ . وبِهَذِهِ الجُمْلَةِ كانَ المَعْنى: كَمَن باءَ بِسَخَطِ اللَّهِ وآلَ إلى النّارِ. وبِئْسَ المَصِيرُ: أيْ جَهَنَّمَ.

﴿هم دَرَجاتٌ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ كَقَوْلِهِ: هم طَبَقاتٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أيْ ذَوُو دَرَجاتٍ، فَإنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الغالِّ وتارِكِ الغُلُولِ، والدَّرَجَةُ: الرُّتْبَةُ. وقالَ الرّازِيُّ: تَقْدِيرُهُ: لَهم دَرَجاتٌ. قالَ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ رادًّا عَلَيْهِ: اتَّبَعَ الرّازِيُّ في ذَلِكَ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ بِجَهْلِهِ وجَهْلِهِمْ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ حَذْفَ لامِ الجَرِّ هُنا لا مَساغَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما تُحْذَفُ لامُ الجَرِّ في مَواضِعِ الضَّرُورَةِ، أوْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وهَذا لَيْسَ مِن تِلْكَ المَواضِعِ. عَلى أنَّ المَعْنى دُونَ حَذْفِها حَسَنٌ مُتَمَكِّنٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، وكَأنَّهُ مُنْتَظِرٌ لِلْجَوابِ، قِيلَ لَهُ في الجَوابِ: لا، لَيْسُوا سَواءً، بَلْ هم دَرَجاتٌ (عِنْدَ اللَّهِ) عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ. وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللّامِ لَوْ كانَ سائِغًا، كَيْفَ وهو غَيْرُ سائِغٍ. انْتَهى كَلامُ المُصَنِّفِ. ويَحْمِلُ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّ المَعْنى: لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِنَ الجَنَّةِ …

Aal-i-Imraan 3:162Listen in Qur'an →
163

هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

They are [varying] degrees in the sight of Allah, and Allah is Seeing of whatever they do.

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾: هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ لَيْسَ مَنِ اتَّبَعَ رِضا اللَّهِ فامْتَثَلَ أوامِرَهُ واجْتَنَبَ مَناهِيهِ كَمَن عَصاهُ فَباءَ بِسَخَطِهِ، وهَذا مِنَ الِاسْتِعارَةِ البَدِيعِيَّةِ، جَعَلَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ كالدَّلِيلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ مَن يَهْتَدِي بِهِ، وجَعَلَ العاصِيَ كالشَّخْصِ الَّذِي أُمِرَ بِأنْ يَتَّبِعَ شَيْئًا عَنِ اتِّباعِهِ ورَجَعَ مَصْحُوبًا بِما يُخالِفُ الِاتِّباعَ. وفي الآيَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ ما يَئُولُ بِهِ إلى رِضا اللَّهِ عَنْهُ، فَباءَ بِرِضاهُ كَمَن لَمْ يَتَّبِعْ ذَلِكَ فَباءَ بِسَخَطِهِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والجُمْهُورُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ فَلَمْ يَغُلَّ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ حِينَ غَلَّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ يَوْمَ أُحُدٍ، كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِتَخَلُّفِهِ وهم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ أيْضًا: رِضْوانُ اللَّهِ الجِهادُ، والسُّخْطُ الفِرارُ. وقِيلَ: رِضا اللَّهِ طاعَتُهُ، وسُخْطُهُ عِقابُهُ. وقِيلَ: سُخْطُهُ مَعْصِيَتُهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ويَعْسُرُ ما يَزْعُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، وتَقْدِيرُهُ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا فِيهِ، رَجَحَ إذْ ذاكَ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الفاءَ مَحَلُّها قَبْلَ الهَمْزَةِ، لَكِنْ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في ”رِضْوانَ“ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والظّاهِرُ اسْتِئْنافٌ.

﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾: أخْبَرَ أنَّ مَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ فَمَكانُهُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ هو جَهَنَّمُ، وأفْهَمَ هَذا أنَّ مُقابِلَهُ وهو مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ مَأْواهُ الجَنَّةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في صِلَةِ ”مَن“ فَوَصَلَها بِقَوْلِهِ: ”باءَ“ . وبِهَذِهِ الجُمْلَةِ كانَ المَعْنى: كَمَن باءَ بِسَخَطِ اللَّهِ وآلَ إلى النّارِ. وبِئْسَ المَصِيرُ: أيْ جَهَنَّمَ.

﴿هم دَرَجاتٌ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ كَقَوْلِهِ: هم طَبَقاتٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أيْ ذَوُو دَرَجاتٍ، فَإنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الغالِّ وتارِكِ الغُلُولِ، والدَّرَجَةُ: الرُّتْبَةُ. وقالَ الرّازِيُّ: تَقْدِيرُهُ: لَهم دَرَجاتٌ. قالَ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ رادًّا عَلَيْهِ: اتَّبَعَ الرّازِيُّ في ذَلِكَ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ بِجَهْلِهِ وجَهْلِهِمْ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ حَذْفَ لامِ الجَرِّ هُنا لا مَساغَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما تُحْذَفُ لامُ الجَرِّ في مَواضِعِ الضَّرُورَةِ، أوْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وهَذا لَيْسَ مِن تِلْكَ المَواضِعِ. عَلى أنَّ المَعْنى دُونَ حَذْفِها حَسَنٌ مُتَمَكِّنٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، وكَأنَّهُ مُنْتَظِرٌ لِلْجَوابِ، قِيلَ لَهُ في الجَوابِ: لا، لَيْسُوا سَواءً، بَلْ هم دَرَجاتٌ (عِنْدَ اللَّهِ) عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ. وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللّامِ لَوْ كانَ سائِغًا، كَيْفَ وهو غَيْرُ سائِغٍ. انْتَهى كَلامُ المُصَنِّفِ. ويَحْمِلُ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّ المَعْنى: لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِنَ الجَنَّةِ …

Aal-i-Imraan 3:163Listen in Qur'an →
164

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

Certainly did Allah confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book and wisdom, although they had been before in manifest error.

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ: فَرِيقَ الرِّضْوانِ، وفَرِيقَ السُّخْطِ، وأنَّهم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ مُجْمَلًا مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَصَلَ أحْوالَهم وبَدَأ بِالمُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ ما امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن بَعْثِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ تالِيًا لِآياتِ اللَّهِ، ومُبَيِّنًا لَهم طَرِيقَ الهُدى، ومُطَهِّرًا لَهم مِن أرْجاسِ الشِّرْكِ، ومُنْقِذًا لَهم مِن غَمْرَةِ الضَّلالَةِ بَعْدَ أنْ كانُوا فِيها. وسَلّاهم عَمّا أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الخِذْلانِ والقَتْلِ والجَرْحِ لِما أنالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ. ثُمَّ فَصَّلَ حالَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أهْلُ السُّخْطِ بِما نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى.

ومَعْنى ”مَنَّ“: تَطَوَّلَ وتَفَضَّلُ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِبَعْثِهِ، والظّاهِرُ عُمُومُهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى مِن أنْفُسِهِمْ مِن أهْلِ مِلَّتِهم، كَما قالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] والمَعْنى: مِن جِنْسِ بَنِي آدَمَ، والِامْتِنانُ بِذَلِكَ لِحُصُولِ الأُنْسِ بِكَوْنِهِ مِنَ الإنْسِ، فَيَسْهُلُ المُتَلَقّى مِنهُ، وتَزُولُ الوَحْشَةُ والنَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، ولِمَعْرِفَةِ قُوى جِنْسِهِمْ. فَإذا ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ أدْرَكُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في قُوى بَنِي آدَمَ، فَعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكانَ ذَلِكَ داعِيَةً إلى الإجابَةِ. ولَوْ كانَ الرَّسُولُ مِن غَيْرِ الجِنْسِ لَتُخُيِّلَ أنَّ تِلْكَ المُعْجِزَةَ هي في طِباعِهِ، أشارَ إلى هَذِهِ العِلَّةِ الماتُرِيدِيُّ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ العَرَبُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ مِن قَبْلِ أُمَّهاتِهِ، إلّا بَنِي تَغْلِبَ؛ لِنَصْرانِيَّتِهِمْ. قالَهُ النَّقّاشُ، فَصارَ بَعْثُهُ فِيهِمْ شَرَفًا لَهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ.

ويَكُونُ مَعْنى ”مِن أنْفُسِهِمْ“: أيْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهم. وقِيلَ: مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، كَما أنَّهم مِن ولَدَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: قالَ ”مِن أنْفُسِهِمْ“ لِكَوْنِهِ مَعْرُوفَ النِّسَبِ فِيهِمْ، مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ والصِّدْقِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمُ التَّعْلِيمُ مِنهُ، لِمُوافَقَةِ اللِّسانِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: لِأنَّ شَرَفَهم يَتِمُّ بِظُهُورِ نَبِيٍّ مِنهم. انْتَهى.

والمِنَّةُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، إذْ كانَ اللِّسانُ واحِدًا، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِمْ أخْذُ ما يَجِبُ أخْذُهُ عَنْهُ. وكانُوا واقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ، فَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى تَصْدِيقِهِ والوُثُوقِ بِهِ. وقُرِئَ شاذًّا: لِمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِمِنِ الجارَّةِ و”مَنِّ“ مَجْرُورٌ بِها بَدَلَ ”قَدْ مَنَّ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ وجْهانِ: أنْ يُرادَ لِمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنهُ أوْ بَعَثَهُ فِيهِمْ، فَحُذِفَ لِقِيامِ الدَّلالَةِ. أوْ يَكُونُ ”إذْ“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَإذا في قَوْلِكَ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ، إذْ كانَ قائِمًا، بِمَعْنى لِمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ وقْتَ بَعْثِهِ. انْتَهى.

أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَهو سائِغٌ، وقَدْ حُذِفَ المُبْتَدَأُ مَعَ مِن في مَواضِعَ مِنها: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] ﴿وما مَنّا إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] عَلى …

Aal-i-Imraan 3:164Listen in Qur'an →
165

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uhud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves." Indeed, Allah is over all things competent.

﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَخَلَتْ عَلَيْها ألَّفُ التَّقْرِيرِ عَلى مَعْنى إلْزامِ المُؤْمِنِينَ هَذِهِ المَقالَةَ في هَذِهِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و”لَمّا“ نُصِبَ بِقُلْتُمْ وأصابَتْكم في مَحَلِّ الجَرِّ بِإضافَةِ ”لَمّا“ إلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: أقَلْتُمْ حِينَ أصابَتْكم. وأنّى هَذا نَصْبٌ ! لِأنَّهُ مَقُولٌ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ. (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عَطَفَتِ الواوُ هَذِهِ الجُمْلَةَ ؟ (قُلْتُ): عَلى ما مَضى مِن قِصَّةِ أُحُدٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى مَحْذُوفٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: أفَعَلْتُمْ كَذا وقُلْتُمْ حِينَئِذٍ كَذا ؟ . انْتَهى.

أمّا العَطْفُ عَلى ما مَضى مِن قِصَّةِ أُحُدٍ مِن قَوْلِهِ: ”﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢]“ . فَفِيهِ بُعْدٌ، وبِعِيدٌ أنْ يَقَعَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ. وأمّا العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ فَهو جارٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن مَذْهَبِهِ، وقَدْ رَدَدْناهُ عَلَيْهِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ: سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ قالُوا: وأصْلُها التَّقْدِيمُ، وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ عَلى ما قَبْلَها. وأمّا قَوْلُهُ: ولَمّا نُصِبَ إلى آخِرِهِ وتَقْدِيرُهُ: وقُلْتُمْ حِينَئِذٍ كَذا - فَجَعَلَ لَمّا بِمَعْنى حِينَ، فَهَذا لَيْسَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، وإنَّما هو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. زَعَمَ أنَّ لَمّا ظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ بِها، فَجَعَلَها مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي تَجِبُ إضافَتُها إلى الجُمَلِ، وجَعَلَها مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ الواقِعِ جَوابًا لَها في نَحْوِ: لَمّا جاءَ زَيْدٌ جاءَ عَمْرٌو، فَلَمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِجاءَ، مِن قَوْلِكَ: جاءَ عَمْرٌو. وأمّا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فَلَمّا حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، وهو حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ هو الصَّحِيحُ. وقَدْ بَيَّنّا فَسادَ مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ مِن وُجُوهٍ في كِتابِنا المُسَمّى بِالتَّكْمِيلِ.

والمُصِيبَةُ: هي ما نَزَلَ بِالمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم، وكَفِّهِمْ عَنِ الثَّباتِ لِلْقِتالِ. وإسْنادُ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ هو مَجازٌ، كَإسْنادِ الإرادَةِ إلى الجِدارِ، والمِثْلانِ اللَّذانِ أصابُوهُما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، وجَماعَةٌ: قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وأسْرُهم سَبْعِينَ، فالمِثْلِيَّةُ وقَعَتْ في العَدَدِ مِن إصابَةِ الرِّجالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ وقَتْلُهم يَوْمَ أُحُدٍ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، فَهو قَتْلٌ بِقَتْلٍ، ولا مَدْخَلَ لِلْأسْرى في الآيَةِ؛ لِأنَّهم فُدُوا، فَلا مُماثَلَةَ بَيْنَ حالِهِمْ وبَيْنَ قَتْلِ سَبْعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المِثْلِيَّةُ في الِانْهِزامِ. هَزَمَ المُؤْمِنُونَ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَزَمُوهم أوَّلًا يَوْمَ أُحُدٍ، وهَزَمَهُمُ المُشْرِكُونَ في آخِرِ يَوْمِ أُحُدٍ. ومُلَخَّصُ ذَلِكَ: هَلِ المِثْلِيَّةُ في الإصابَةِ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ، أوْ مِن قَتْلٍ، أوْ مِن هَزِيمَةٍ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، والأظْهَرُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها هو عَلى طَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ بِإدالَتِهِمْ عَلى الكُفّارِ، والتَّسْلِيَةِ لَهم عَلى ما أصابَهم، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِالأبْلَغِ في التَّسْلِيَةِ. وتَنْبِيهُهم عَلى أنَّهم قَتَلُوا مِنهم سَبْعِينَ، …

Aal-i-Imraan 3:165Listen in Qur'an →
166

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And what struck you on the day the two armies met was by permission of Allah that He might make evident the [true] believers.

﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾: هو يَوْمُ أُحُدٍ. والجَمْعانِ: جَمْعُ النَّبِيِّ ﷺ وكُفّارُ قُرَيْشٍ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. و”ما“ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: فَبِإذْنِ اللَّهِ، وهو عَلى إضْمارٍ أيْ: فَهو بِإذْنِ اللَّهِ. ودُخُولُ الفاءِ هُنا قالَ الحَوْفِيُّ: ”لَمّا“ في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِطِلْبَتِهِ لِلْفِعْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَخَلَتِ الفاءُ رابِطَةً مُسَدِّدَةً، وذَلِكَ لِلْإبْهامِ الَّذِي في ”ما“ فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَّرْطَ، وهَذا كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: الَّذِي قامَ فَلَهُ دِرْهَمانِ، فَيَحْسُنُ دُخُولَ الفاءِ إذا كانَ القِيامُ سَبَبَ الإعْطاءِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو أحْسَنُ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ؛ لِأنَّ الحَوْفِيَّ زَعَمَ أنَّ في الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَّرْطَ. ودُخُولُ الفاءِ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ وقَرَّرُوهُ قَلَقٌ هُنا؛ وذَلِكَ أنَّهم قَرَّرُوا في جَوازِ دُخُولِ الفاءِ عَلى خَبَرِ المَوْصُولِ أنَّ الصِّلَةَ تَكُونُ مُسْتَقِلَّةً، فَلا يُجِيزُونَ: الَّذِي قامَ أمْسِ فَلَهُ دِرْهَمٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الفاءَ إنَّما دَخَلَتْ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِشِبْهِهِ بِالشَّرْطِ. فَكَما أنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ لا يَكُونُ ماضِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى، فَكَذَلِكَ الصِّلَةُ.

والَّذِي أصابَهم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ هو ماضٍ حَقِيقَةً، فَهو إخْبارٌ عَنْ ماضٍ مِن حَيْثُ المَعْنى. فَعَلى ما قَرَّرُوهُ يُشْكِلُ دُخُولُ الفاءِ هُنا. والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ: أنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ الصِّلَةِ ماضِيَةً مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِوُرُودِ هَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا ماضٍ مَعْنًى، مَقْطُوعٌ بِوُقُوعِهِ صِلَةً وخَبَرًا، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ: وما يَتَبَيَّنُ إصابَتُهُ إيّاكم. كَما تَأوَّلُوا: ”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ [يوسف: ٢٦]“ أيْ إنْ تَبَيَّنَ كَوْنُ قَمِيصِهِ قُدَّ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فَإنَّ ظاهِرَ هَذِهِ كُلِّها إخْبارٌ عَنِ الأُمُورِ الماضِيَةِ. ويَكُونُ المَعْنى عَلى التَّبَيُّنِ المُسْتَقْبَلِ.

وفُسِّرَ الإذْنَ هُنا بِالعِلْمِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِن مُقْتَضَياتِهِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ بِتَمْكِينِ اللَّهِ وتَخْلِيَتِهِ بَيْنَ الجَمْعَيْنِ. قالَهُ القَفّالُ. أوْ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أوْ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَهو كائِنٌ بِإذْنِ اللَّهِ، اسْتَعارَ الإذْنَ لِتَخْلِيَةِ الكُفّارِ، وأنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهم مِنهم لِيَبْتَلِيَهم؛ لِأنَّ الآذِنَ مُخِلٌّ بَيْنَ المَأْذُونِ لَهُ ومُرادِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ؛ لِأنَّ قَتْلَ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبِيحٌ عِنْدَهُ، فَلا إذَنْ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْسُنُ دُخُولُ الفاءِ إذا كانَ سَبَبُ الإعْطاءِ، وكَذَلِكَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ. فالمَعْنى: إنَّما هو وما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ فَهو الَّذِي أصابَ، لَكِنْ قَدَّمَ الأهَمَّ في نُفُوسِهِمْ والأقْرَبَ إلى حِسِّهِمْ، والإذْنُ: التَّمْكِينُ مِنَ الشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. لَمّا كانَ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ الإصابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى تَمْكِينِ اللَّهِ، مِن ذَلِكَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وادَّعى …

Aal-i-Imraan 3:166Listen in Qur'an →
167

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allah or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] fighting, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allah is most Knowing of what they conceal -

﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾: هو يَوْمُ أُحُدٍ. والجَمْعانِ: جَمْعُ النَّبِيِّ ﷺ وكُفّارُ قُرَيْشٍ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. و”ما“ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: فَبِإذْنِ اللَّهِ، وهو عَلى إضْمارٍ أيْ: فَهو بِإذْنِ اللَّهِ. ودُخُولُ الفاءِ هُنا قالَ الحَوْفِيُّ: ”لَمّا“ في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِطِلْبَتِهِ لِلْفِعْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَخَلَتِ الفاءُ رابِطَةً مُسَدِّدَةً، وذَلِكَ لِلْإبْهامِ الَّذِي في ”ما“ فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَّرْطَ، وهَذا كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: الَّذِي قامَ فَلَهُ دِرْهَمانِ، فَيَحْسُنُ دُخُولَ الفاءِ إذا كانَ القِيامُ سَبَبَ الإعْطاءِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو أحْسَنُ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ؛ لِأنَّ الحَوْفِيَّ زَعَمَ أنَّ في الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَّرْطَ. ودُخُولُ الفاءِ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ وقَرَّرُوهُ قَلَقٌ هُنا؛ وذَلِكَ أنَّهم قَرَّرُوا في جَوازِ دُخُولِ الفاءِ عَلى خَبَرِ المَوْصُولِ أنَّ الصِّلَةَ تَكُونُ مُسْتَقِلَّةً، فَلا يُجِيزُونَ: الَّذِي قامَ أمْسِ فَلَهُ دِرْهَمٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الفاءَ إنَّما دَخَلَتْ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِشِبْهِهِ بِالشَّرْطِ. فَكَما أنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ لا يَكُونُ ماضِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى، فَكَذَلِكَ الصِّلَةُ.

والَّذِي أصابَهم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ هو ماضٍ حَقِيقَةً، فَهو إخْبارٌ عَنْ ماضٍ مِن حَيْثُ المَعْنى. فَعَلى ما قَرَّرُوهُ يُشْكِلُ دُخُولُ الفاءِ هُنا. والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ: أنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ الصِّلَةِ ماضِيَةً مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِوُرُودِ هَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا ماضٍ مَعْنًى، مَقْطُوعٌ بِوُقُوعِهِ صِلَةً وخَبَرًا، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ: وما يَتَبَيَّنُ إصابَتُهُ إيّاكم. كَما تَأوَّلُوا: ”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ [يوسف: ٢٦]“ أيْ إنْ تَبَيَّنَ كَوْنُ قَمِيصِهِ قُدَّ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فَإنَّ ظاهِرَ هَذِهِ كُلِّها إخْبارٌ عَنِ الأُمُورِ الماضِيَةِ. ويَكُونُ المَعْنى عَلى التَّبَيُّنِ المُسْتَقْبَلِ.

وفُسِّرَ الإذْنَ هُنا بِالعِلْمِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِن مُقْتَضَياتِهِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ بِتَمْكِينِ اللَّهِ وتَخْلِيَتِهِ بَيْنَ الجَمْعَيْنِ. قالَهُ القَفّالُ. أوْ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أوْ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَهو كائِنٌ بِإذْنِ اللَّهِ، اسْتَعارَ الإذْنَ لِتَخْلِيَةِ الكُفّارِ، وأنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهم مِنهم لِيَبْتَلِيَهم؛ لِأنَّ الآذِنَ مُخِلٌّ بَيْنَ المَأْذُونِ لَهُ ومُرادِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ؛ لِأنَّ قَتْلَ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبِيحٌ عِنْدَهُ، فَلا إذَنْ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْسُنُ دُخُولُ الفاءِ إذا كانَ سَبَبُ الإعْطاءِ، وكَذَلِكَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ. فالمَعْنى: إنَّما هو وما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ فَهو الَّذِي أصابَ، لَكِنْ قَدَّمَ الأهَمَّ في نُفُوسِهِمْ والأقْرَبَ إلى حِسِّهِمْ، والإذْنُ: التَّمْكِينُ مِنَ الشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. لَمّا كانَ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ الإصابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى تَمْكِينِ اللَّهِ، مِن ذَلِكَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وادَّعى …

Aal-i-Imraan 3:167Listen in Qur'an →
168

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾: هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ”﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]“ الآيَةَ. وفُسِّرَ الإخْوانُ هُنا بِما فُسِّرَ بِهِ هُناكَ. وتَحْتَمِلُ لامُ الجَرِّ ما احْتَمَلَتْهُ في تِلْكَ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ الَّذِينَ وُجُوهًا: الرَّفْعُ عَلى النَّعْتِ لِلَّذِينِ نافَقُوا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ في يَكْتُمُونَ، والنَّصْبُ عَلى الذَّمِّ أيْ: أذُمُّ الَّذِينَ، والجَرُّ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في بِأفْواهِهِمْ أوْ في قُلُوبِهِمْ.

والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”وقَعَدُوا“ حالِيَّةٌ أيْ: وقَدْ قَعَدُوا. ووُقُوعُ الماضِي حالًا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَصْحُوبًا بِقَدْ، أوْ بِالواوِ، أوْ بِهِما، أوْ دُونِهِما - ثابِتٌ مِن لِسانِ العَرَبِ بِالسَّماعِ. ومُتَعَلِّقُ الطّاعَةِ هو تَرْكُ الخُرُوجِ. والقُعُودُ كَما قَعَدُوا هم، وهَذا مِنهم قَوْلٌ بِالأجَلَيْنِ أيْ: لَوْ وافَقُونا في التَّخَلُّفِ والقُعُودِ ما قُتِلُوا، كَما لَمْ نُقْتَلْ نَحْنُ. وقَرَأ الحَسَنُ: ما قُتِلُوا بِالتَّشْدِيدِ.

﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: أكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في دَعْواهم ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: القَتْلُ ضَرْبٌ مِنَ المَوْتِ، فَإنْ كانَ لَكم سَبِيلٌ إلى دَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِكم بِفِعْلٍ اخْتِيارِيٍّ فادْفَعُوا عَنْها المَوْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّكم مُبْطِلُونَ في دَعْواكم. والدَّرْءُ: الدَّفْعُ، وتَقَدَّمَتْ مادَّتُهُ في قَوْلِهِ: ”فادّارَأْتُمْ فِيها“ وقالَ دَغْفَلٌ النَّسّابَةُ:

؎صادَفَ دَرْءُ السَّيْلِ دَرْأً يَدْفَعُهُ والعِبْءُ لا تَعْرِفُهُ أوْ تَرْفَعُهُ

والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكم أنَّ التَّحَيُّلَ والتَّحَرُّزَ يُنْجِي مِنَ المَوْتِ، فَجِدُّوا أنْتُمْ في دَفْعِهِ، ولَنْ تَجِدُوا إلى ذَلِكَ سَبِيلًا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِكم بَعْضُ أسْبابِ المَنُونِ. وهَبْ أنَّكم عَلى زَعْمِكم دَفَعْتُمْ بِالقُعُودِ هَذا السَّبَبَ الخاصَّ، فادْفَعُوا سائِرَ أسْبابِ المَوْتِ، وهَذا لا يُمْكِنُ لَكم ألْبَتَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَقَدْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّهم دَفَعُوا القَتْلَ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالقُعُودِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ (قُلْتَ): مَعْناهُ أنَّ النَّجاةَ مِنَ القَتْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَبَبُها القُعُودَ عَنِ القِتالِ، وأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ أسْبابَ النَّجاةِ كَثِيرَةٌ. وقَدْ يَكُونُ قِتالُ الرَّجُلِ نَجاتَهُ، ولَوْ لَمْ يُقاتِلْ لَقُتِلَ، فَما يُدْرِيكم أنَّ سَبَبَ نَجاتِكُمُ القُعُودُ، وأنَّكم صادِقُونَ في مُقاتَلَتِكم وما أنْكَرْتُمْ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ غَيْرَهُ ؟ ووَجْهٌ آخَرُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم: لَوْ أطاعُونا وقَعَدُوا ما قُتِلُوا، يَعْنِي: أنَّهم لَوْ أطاعُوكم وقَعَدُوا لَقُتِلُوا قاعِدِينَ، كَما قُتِلُوا مُقاتِلِينَ. وقَوْلُهُ: فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، أيْ إنْ كُنْتُمْ رِجالًا دَفّاعِينَ لِأسْبابِ المَوْتِ فادْرَءُوا جَمِيعَ أسْبابِهِ حَتّى لا تَمُوتُوا. انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ عَلى طُولِهِ.

Aal-i-Imraan 3:168Listen in Qur'an →
169

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

And never think of those who have been killed in the cause of Allah as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قِيلَ: هم قَتْلى أُحُدٍ، وقِيلَ: شُهَداءُ بِئْرِ مَعُونَةَ. وقِيلَ: شُهَداءُ بَدْرٍ. وهَلْ سَبَبُ ذَلِكَ قَوْلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ وقَدْ دَخَلَ الجَنَّةَ فَأكَلَ مِن ثِمارِها: مَن يُبَلِّغُ عَنّا إخْوانَنا أنّا في الجَنَّةِ نُرْزَقُ، لا تَزْهَدُوا في الجِهادِ. فَقالَ اللَّهُ: أنّا أُبَلِّغُ عَنْكم، فَنَزَلَتْ. أوْ قَوْلُ مَن لَمْ يَسْتَشْهِدْ مِن أوْلِياءِ الشُّهَداءِ: إذا أصابَتْهم نِعْمَةٌ نَحْنُ في النِّعْمَةِ والسُّرُورِ، وآباؤُنا وأبْناؤُنا وإخْوانُنا في القُبُورِ، فَنَزَلَتْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، أيْ ولا تَحْسَبَنَّ أيُّها السّامِعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، وهِشامٌ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالياءِ، أيْ: ولا يَحْسَبَنَّ هو، أيْ: حاسِبٌ واحِدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرى هَذِهِ القِراءَةَ بِضَمِّ الياءِ، فالمَعْنى: ولا يُحْسَبَنَّ النّاسُ. انْتَهى.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ قُتِلُوا فاعِلًا، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا أمْواتًا، أيْ: لا تَحْسَبَّنَ الَّذِينَ قَتَلُوا أنْفُسَهم أمْواتًا. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ حَذْفُ المَفْعُولِ الأوَّلِ ؟ (قُلْتُ): هو في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ المُبْتَدَأُ في قَوْلِهِ: أحْياءٌ. والمَعْنى: هم أحْياءٌ؛ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: ولا تَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا أمْواتًا، لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ المُضْمَرِ عَلى مُفَسِّرِهِ، وهو مَحْصُورٌ في أماكِنَ لا تَتَعَدّى، وهي: بابُ رُبَّ بِلا خِلافٍ، نَحْوَ: رُبَّهُ رَجُلًا أكْرَمْتُهُ. وبابُ نِعْمَ وبِئْسَ في نَحْوِ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وبابُ التَّنازُعِ، عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، في نَحْوِ: ضَرَبانِي وضَرَبْتُ الزَّيْدَيْنِ، وضَمِيرِ الأمْرِ والشَّأْنِ وهو المُسَمّى بِالمَجْهُولِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ نَحْوَ: هو زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. وبابُ البَدَلِ عَلى خِلافٍ فِيهِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ في نَحْوِ: مَرَرْتُ بِهِ زَيْدٌ، وزادَ بَعْضُ أصْحابِنا أنْ يَكُونَ الظّاهِرُ المُفَسَّرُ خَبَرًا لِلضَّمِيرِ، وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] التَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: ما الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الأماكِنِ المَذْكُورَةِ. وأمّا سُؤالُهُ وجَوابُهُ فَإنَّهُ قَدْ يَتَمَشّى عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ في أنَّهُ: يَجُوزُ حَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْ ظَنَّ وأخَواتِها اخْتِصارًا، وحَذْفُ الِاخْتِصارِ هو لِفَهْمِ المَعْنى، لَكِنَّهُ عِنْدَهم قَلِيلٌ جِدًّا. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَذْفُهُ عَزِيزٌ جِدًّا، كَما أنَّ حَذْفَ خَبَرِ كانَ كَذَلِكَ، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا القُبْحِ. انْتَهى قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ. وقَدْ ذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ إبْراهِيمُ بْنُ مَلْكُونَ الحَضْرَمِيُّ الإشْبِيلِيُّ إلى مَنعِ ذَلِكَ اقْتِصارًا، والحُجَّةُ لَهُ وعَلَيْهِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وما كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ مَمْنُوعًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَزِيزًا حَذْفُهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، يَنْبَغِي أنْ لا يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى. فَتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ الفاعِلَ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ المَعْنى، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ هو، أيْ أحَدٌ، أوْ حاسِبٌ أوْلى. وتَتَّفِقُ القِراءَتانِ …

Aal-i-Imraan 3:169Listen in Qur'an →
170

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Rejoicing in what Allah has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾: أيْ مَسْرُورِينَ بِما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن قُرْبِهِ، ودُخُولِ جَنَّتِهِ، ورَزَقَهم فِيها، إلى سائِرِ ما أكْرَمَهم بِهِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ: فَرِحِينَ، وبَيْنَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] في قِصَّةِ قارُونَ؛ لِأنَّ ذاكَ بِالمَلاذِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهَذا بِالمَلاذُ الأُخْرَوِيَّةُ؛ ولِذَلِكَ جاءَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا وجاءَ: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] .

ومِن يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِ، أيْ: ما آتاهُمُ اللَّهُ مُتَسَبَّبٌ عَنْ فَضْلِهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِآتاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ”ما“، أيْ: بِما آتاهُمُوهُ اللَّهُ كائِنًا مِن فَضْلِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِآتاهم. وجَوَّزُوا في فَرِحِينَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يُرْزَقُونَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في أحْياءٍ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِأحْياءٍ إذا نُصِبَ.

﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾: وهم جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، أيْ: يَحْصُلُ لَهُمُ البُشْرى بِانْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْ إخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ في الشَّهادَةِ، فَهم فَرِحُونَ بِما حَصَلَ لَهم، مُسْتَبْشِرُونَ بِما يَحْصُلُ لِإخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّجّاجُ وابْنُ فُورَكٍ وغَيْرُهُما. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والرَّبِيعُ وغَيْرُهم: هُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ يَأْتُونَهم بَعْدُ مِن إخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَرَكُوهم يُجاهِدُونَ فَيَسْتَشْهِدُونَ، فَرِحُوا لِأنْفُسِهِمْ ولِمَن يَلْحَقُ بِهِمْ مِنَ الشُّهَداءِ، إذْ يَصِيرُونَ إلى ما صارُوا إلَيْهِ مِن كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلْ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى طَلَبِ البِشارَةِ، بَلْ هي بِمَعْنى اسْتَغْنى اللَّهُ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ. انْتَهى كَلامُهُ. أمّا قَوْلُهُ: لَيْسَتْ بِمَعْنى طَلَبِ البِشارَةِ فَصَحِيحٌ، وأمّا قَوْلُهُ: بَلْ هي بِمَعْنى اسْتَغْنى اللَّهُ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ، فَيَعْنِي أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ كاسْتَغْنى بِمَعْنى غَنِيَ، واسْتَمْجَدَ بِمَعْنى مَجَّدَ، ونُقِلَ أنَّهُ يُقالُ: بُشِّرَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الشِّينِ، فَيَكُونُ اسْتَبْشَرْ بِمَعْناهُ. ولا يَتَعَيَّنُ هَذا المَعْنى، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُطاوِعًا لِأفْعَلَ، وهو الأظْهَرُ، أيْ: أبْشَرَهُ اللَّهُ فاسْتَبْشَرَ، كَقَوْلِهِمْ: أكانَهُ فاسْتَكانَ، وأشْلاهُ فاسْتَشْلى، وأراحَهُ فاسْتَراحَ، وأحْكَمَهُ فاسْتَحْكَمَ، وأكَنَّهُ فاسْتَكَنَّ، وأمَرَهُ فاسْتَمَرَّ، وهو كَثِيرٌ. وإنَّما كانَ هَذا الأظْهَرُ هُنا؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ المُطاوَعَةِ يَكُونُ مُنْفَعِلًا عَنْ غَيْرِهِ، فَحَصَلَتْ لَهُ البُشْرى بِإبْشارِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ. ولا يَلْزَمُ هَذا المَعْنى إذا كانَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ؛ لِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى المُطاوَعَةِ. ومَعْنى: ”مِن خَلْفِهِمْ“، قَدْ بَقُوا بَعْدَهم، وهم قَدْ تَقَدَّمُوهم، إذا كانَ المَعْنى بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا الشُّهَداءَ، وإنْ كانَ المَعْنِيُّ بِهِمُ المُؤْمِنِينَ فَمَعْنى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ أيْ: لَمْ يُدْرِكُوا فَضْلَهم ومَنزِلَتَهم.

﴿أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾: وجَوَّزُوا في إعْرابِ ويَسْتَبْشِرُونَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى فَرِحِينَ ومُسْتَبْشِرِينَ، …

Aal-i-Imraan 3:170Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.